شاهد عيان ياباني تسعينيّ يروي لـ«الشرق الأوسط» فظائع القنبلة النووية على هيروشيما

ياماماتو: شهدت يومها جهنم وأمطاراً داكنة السواد وآخرين يموتون من حرارة الإشعاع

القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)
القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)
TT

شاهد عيان ياباني تسعينيّ يروي لـ«الشرق الأوسط» فظائع القنبلة النووية على هيروشيما

القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)
القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)

الرحلة استغرقت 40 دقيقة بالقطار السريع من طوكيو إلى مدينة هيروشيما، التي تعرضت لأول ضربة نووية في التاريخ يوم 6 أغسطس (آب) 1945، وأمطرت حينها أمطاراً داكنة السواد اختلط فيها الإشعاع النووي العالق في الهواء، مع حبيبات الغبار لترسم سحابة قاتمة عبَّرت عن حزن غطى السماء.

هناك، وقفت «الشرق الأوسط»، على آثار القنبلة الذرية على المدينة التاريخية المكلومة، التي بدت كأنها تغتسل للتوِّ من غبار الإشعاع النووي، ومع ذلك لم تمنع تدفق زوار العالم إليها من كل حدب وصوب، ليقفوا بأنفسهم على قصة أكبر وأول حدث نووي في العالم على مدينة كانت تحلم بأيام سعيدة يرفع فيها الأطفال أصواتهم فرحاً، وهم يستنشقون هواء رذاذ المطر النقي في تلك الأيام الحالمة قبل أن تتحول في لحظات إلى أيام حالكة السواد.

في مبنى يفصل بين القبة التي تعرضت للضربة النووية ومتحف هيروشيما، قال شاهد العيان ساداو ياماماتو لــ«الشرق الأوسط»: «كان عمري 14 عاماً وأدرس في الصف الثامن بالمرحلة الإعدادية حين قُصفت المدينة، ورغم بلوغي اليوم 92 عاماً فإنني ما زلت أتذكر ذلك اليوم جيداً». ياماماتو الذي لا يزال يحتفظ بذاكرة حديدية أردف قائلاً: «حين أصابت القنبلة النووية هدفها، كنت في مكان تابع للجيش الياباني لا يبعد أكثر من 2.5 كيلومتر عن محطة هيروشيما».

وبعد ذلك بدأ ياماماتو، سرد القصة بعدد كبير من الاستفهامات، كان أولها: لماذا اختارت أميركا «هيروشيما»، هدفاً للقنبلة الذرية؟ ولماذا اختارت وقت ذهاب الأطفال إلى المدراس وهم ينشدون ألحان السلام والجمال؟

لماذا اختيرت هيروشيما من بين مدن أخرى؟

يقول ياماماتو بعد تنهيدة ملؤها الألم: «تم اختيار هيروشيما من بين المدن اليابانية الأخرى لأن بعض الأميركيين المعنيين طالبوا باستهداف مدينة يابانية يكون قطرها 4.8 كيلومتر، رغبةً منهم في قياس مدى تأثير القنبلة من مسافة محددة على مدينة بهذا الحجم». وأضاف «في 27 من شهر أبريل (نيسان) 1945 اختاروا 17 مدينة في اليابان هدفاً للقنبلة الذرية، وبعد ذلك في يوم 25 من شهر يوليو (تموز) اختار الأميركان من بين الـ17 مدينة 4 مدن، وفي شهر أغسطس (آب) اختاروا 3 مدن من بينها، هي هيروشيما وناغازاكي وكوكورا».

وتابع ياماماتو: «إلا أنهم أخيراً قرروا إلقاء أول قنبلة على هيروشيما، والثانية على مدينة كوكورا، والثالثة على مدينة ناغازاكي، ثم تقرر أن يكون شهر أغسطس موعداً لتحليق الطائرة التي ستُلقي القنبلة، ولكن حتى الآن ليست لدينا معلومات عن سبب اختيار هيروشيما أول هدف». وزاد: «يوم 6 أغسطس 1945، أقلعت الطائرة الحربية الأميركية (الإينولا جا) من قاعدة موجودة في جزيرة تينيان في المحيط الهادئ، في رحلة استغرقت 6.5 ساعة».

لكن قبل انطلاق «الإينولا جا»، وفق ياماماتو، كانت هناك طائرة أخرى تتلخص مهمتها في قياس الطقس في المدن الثلاث المستهدفة، قبل أن يقع الاختيار الأخير على هيروشيما، بسبب أن طقس هيروشيما كان الأفضل لهم في ذلك الوقت. وفي الساعة الثامنة صباحاً، يقول ياماماتو، تم إسقاط القنبلة الذرية وحدث الانفجار كما كان مخططاً له على مساحة دائرية طول قطرها 3 أميال، حيث كانت هيروشيما متوافقة مع هذه المقاييس، فكانت هي المدينة المختارة للضربة النووية.

يستذكر ياماماتو بصوت حزين: «المحصلة النهائية هي أن 140 ألف شخص لقوا حتفهم نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) 1945. كان معظم الضحايا يابانيين ولكن كان من بينهم كوريون عاملون في اليابان ومعتقلون قسريون و12 من الجنود الأميركان». ويقول شاهد العيان إن أكثر ما أثّر في نفسه هو استهداف موقع مشغول بعدد كبير من طلاب المدارس من عمره، وفي وقت كان يقام فيه عدد من الأنشطة الطلابية، كما يوجد فيه عدد من العمال يقومون ببعض أعمال لحماية المدينة من القصف الجوي التقليدي ولم يَدُر بخلدهم قرب وقوع قصف نووي.

أطفال تحت القصف

يقول ياماماتو: «مدرستي الإعدادية (هيروشيما نيتيو)، تدمرت بشكل كامل... عدد الضحايا في مدرستي فقط وصل إلى 321 طالباً في الصف الأول و4 مدرسين»، وزاد: «لحسن حظي كنت على بُعد 2.5 كيلومتر، ولذا نجوت على الرغم من تعرضي لهواء ساخن وإشعاع تسبب لي في أضرار بجسمي استمرت معي أكثر من أسبوعين».

وتابع: «في ذلك اليوم، ظهرت 3 طائرات حربية دون حصول إنذار بقصف جوي، ولذلك اعتبرنا ذلك مجرد استطلاع، وحلَّقت الطائرات الثلاث فوق رؤوسنا وبعدها عادت أدراجها، ففكرنا أنها شيء غريب ولحظتها سمعت صوت انفجار وأحسست بهواء ساخن جداً، وكل الطلاب تطايروا كالقطع الصغيرة الخفيفة في الهواء، وأنا أُصبت بحالة إغماء».

ومضى ياماماتو إلى القول: «عندما استعدت وعيي، رأيت انفجار محطة هيروشيما وكانت النيران تتصاعد إلى السماء بشكل مخيف، بعدها شاهدت شكل القنبلة كأنها كرة من النار بقطر 400 متر وبعد 10 ثوان تقريباً انكسرت الكرة وأصبحت عبارة عن ألسنة نيران تغطي أرجاء المكان». وزاد: «تملَّكنا خوف شديد فهرولنا إلى معبد عند جبل على الوادي، وجاء القائمون على المعبد بزيت لدهن أجسامنا لتخفيف الألم الذي كنا نشعر به، حيث كانت الرؤية ضبابية، بعدها شهدنا حريقاً كبيراً في وسط المدينة وشاهدت الحريق يلتهم المدرسة الابتدائية التي كنا فيها، حينها قررت العودة إلى المنزل».

وتابع: «وجدت منزلنا مهشماً من شدة الاهتزاز الذي خلّفته القنبلة، ولكن كانت عائلتي سليمة، لأنهم بعيدون عن أثر الحريق، وكان أبي محظوظاً، لأنه كان على مسافة 680 متراً وموجوداً داخل مبنى محاط بجدار سميك وهو ما حماه من أثر القنبلة، ومع ذلك أُصيب والدي بأضرار خفيفة في البطن وتوفي بسبب أعراض القنبلة النووية عن عمر ناهز 93 عاماً».

حرارة تناهز 4 آلاف درجة عمَّت المكان

وقال ياماماتو: «طلاب الصف الأول الإعدادي في مدرستنا كانوا موجودين على بُعد 500 متر من مركز القنبلة، ومات 70 في المائة منهم، من أثر القنبلة التي خلَّفت درجة حرارة عالية جداً تصل إلى 4000 درجة مئوية».

وأردف قائلاً: «شاهدت بعض الطلاب يموتون على الفور، وبعضهم وصلوا إلى منازلهم بصعوبة وبعضهم ماتوا في الطريق والبعض منهم رمى نفسه في النهر وهو ينادي: أمي أمي، لقد شاهدت بعيني موت طالب لطيف جداً يُدعى (شيغيل إليمونت)، وجدتْه أمه ميتاً وهو ممسك بحقيبة الوجبات. كما رأيت طالباً اسمه (إيساو تانوبتيتشي) ووجهه محروق ولم يكن حينها قد فارق الحياة، وعندما وجده والده لم يستطع تمييزه، ولكن عرفه من خلال (جاكيت) لشقيقه كان يرتديه، بينما شاهدت طالباً ثالثاً تسلخ جلده عن جسمه ومات أيضاً في اليوم التالي».

أمطار داكنة السواد

يقول ياماماتو: «انفجار القنبلة كان على قطر كيلومتر ولكن تأثيرها كان أكبر بكثير ومعظم من كان في محيطها إمَّا مات في اليوم الأول وإما في اليوم الذي يليه وإما بعد فترة من الإصابة، وفي عام 1946 عانى كثيرون من أعراض مرض يطلق عليه اسم (كرويتو)، أي الجسم المحروق والكروش المنفوخة إضافة إلى تغيير شكل الجلد بسبب الإشعاع الذي دخل الجسم ودمَّر وظيفة الدم في الخلايا».

وفي ختام حديثه يقول ياماماتو: «من شدة الانفجار اكتست السماء باللون الأسود بسبب امتزاج الهواء مع تراب الأرض، حتى الأمطار كانت تنزل سوداء جراء تشبع الهواء بالإشعاع، والذين كانوا يشربون من الآبار الملوثة من الأمطار ظهر عليهم كثير من الأمراض والأضرار التي لازمتهم فترة من الزمن، أما النساء الحوامل فتأثر أطفالهن بالأمراض والأشعة، وبعضهم خرج مشوهاً والبعض الآخر مات في بطن أمه، في حين انتشر سرطان الدم الذي أودى بحياة كثيرين بعد عامين وثلاثة أعوام من الحادثة».


مقالات ذات صلة

ما حال البحرية الملكية البريطانية التي انتقدها ترمب وهيغسيث مراراً؟

أوروبا حاملة الطائرات التابعة للبحرية الملكية البريطانية «إتش إم إس برينس أوف ويلز» قبل رسوها في ميناء طوكيو يوم 28 أغسطس 2025 (أ.ب)

ما حال البحرية الملكية البريطانية التي انتقدها ترمب وهيغسيث مراراً؟

تراجعت قدرات البحرية البريطانية منذ الحرب الباردة، رغم خطط التحديث، وسط انتقادات أميركية وضغوط لزيادة الإنفاق الدفاعي في ظل تهديدات دولية متصاعدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا تؤكد الصين أنها تتبع استراتيجية دفاعية وتلتزم بعدم البدء باستخدام السلاح النووي (أرشيف-رويترز)

حرب إيران حافز جديد... الصين تدخل سباق التسلح النووي سراً

كشف تحقيق جديد عن توسّع كبير وسري في البنية التحتية النووية للصين داخل مقاطعة سيتشوان؛ حيث تم هدم قرى كاملة وإقامة منشآت جديدة مرتبطة بإنتاج الأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شؤون إقليمية مظاهرة لأكراد في ألمانيا للمطالبة بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان (د.ب.أ)

تركيا: جدل حاد حول تغيير وضع أوجلان في سجن إيمرالي

فجر الكشف عن إنشاء السلطات التركية مجمعاً سكنياً وإدارياً في جزيرة «إيمرالي» لينتقل إليه زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان جدلاً واسعاً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية شاب كردي يرفع صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الحالي حيث طالب الآلاف بإطلاق سراحه (أ.ب)

أوجلان يطالب تركيا بإطار قانوني لحل «الكردستاني»

طالب زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان بتحرك سريع من البرلمان لإقرار اللوائح القانونية المطلوبة في إطار عملية السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية جانب من الدمار الذي لحق بمركز خدمة سيارات في شرق طهران بعد استهداف صاروخي يوم 28 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إسرائيل تعلن استهداف جامعة تُستخدم ﻟ«تطوير الأسلحة النوعية» في إيران

قال الجيش الإسرائيلي إنه شن غارة على «جامعة الإمام الحسين»، التي يديرها «الحرس الثوري» الإيراني، حيث «كان البحث وتطوير الأسلحة المتقدمة يجري داخل الجامعة».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)
«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)
TT

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)
«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

الفيلم المقبل لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو غريب مثل باقي أعماله السابقة. ينضح بمستويين أجاد المخرج المكسيكي - الأميركي التعامل معهما في أفلامه: الحكاية التي ينسجها وما ورائياتها وأبعادها. هذا كان شأنه عندما جلب مايكل كيتون لبطولة «بيردمان أو: الميزة غير المتوقَّعة للجهل» وليوناردو ديكابريو لبطولة «المنبعث»، وفي الواقع مزج الاستعانة بالممثلين ذوي الشهرة بتلك الأبعاد الميتافيزيقية التي يكتبها (منفرداً أو مع آخرين).

عودة إيناريتو

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد (قد يدخل مسابقة مهرجان البندقية المقبل في سبتمبر - أيلول، وعروضه الأميركية والعالمية لن تبدأ قبل أكتوبر - تشرين الأول)، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم، يسعى ليُبرهن على أنّ القوة ليست بأهمية أن يتمتَّع الفرد بقدرات إنسانية.

توم كروز هو الذي يؤدّي هذا الدور. الإعلان الترويجي المتوافر حتى الآن يُظهره وهو يستخدم الرفش للحفر، ثم يرقص حوله وينتقل به إلى درابزين يطلّ على منظر بعيد ويسير فوقه بخفّة.

المعاني المُنتظرة من هذا الفيلم تبدو جلية برسالتها حول مفهوم القوة واستخدامها، لكنها لن تُكوِّن كلّ الأبعاد التي سيبثّها الفيلم لدى عرضه.

هذا أول فيلم ناطق بالإنجليزية للمخرج منذ «المنبعث» في 2015. والمشترك بين الفكرتين هو أنّ المرء يستطيع أن يجعل من حياته امتداداً جديداً لقدراته. في ذلك الفيلم عرض المخرج حكاية رجل اسمه هيو (ديكابريو) يعيش في السنوات الأولى من اكتشاف الغرب الأميركي (عشرينات القرن التاسع عشر). خلال رحلة صيد مع آخرين يهاجمه دبّ كبير ويُصيبه بجروح بالغة. رفيق رحلته جون (توم هاردي) يريد قتله، لكن ابن هيو يتدخَّل فيقتله ويهرب. سيتعافى هيو بفضل رعاية إحدى قبائل المنطقة، وسينطلق للأخذ بالثأر.

«المنبعث»: إيناريتو (يسار) يُدير ليوناردو ديكابريو خلال التصوير (نيو ريجنسي)

سيرة شخصية

ذلك الفيلم كان حكاية معايشة لتلك الظروف الطبيعية ومخاطرها. كان أيضاً فيلم انتقام، لكنه ليس من النوع المألوف، لأنّ حياة البرّية (جميلة وموحشة معاً) تلعب دوراً أساسياً فيما نراه، وتمنح الفيلم تفرّده. هي حاضرة على شكل محيط كبير من التضاريس والجبال والثلوج التي تنهمر بلا توقف والوحوش الضارية. بعض المَشاهد، بينها مشهد هجوم يشنّه الأميركيون الأصليون على صيادي الفراء، تتطلَّب مساحة حركة كبيرة وصعبة، لأنه كان على الكاميرا القيام بحركة بانورامية دائرية كاملة. همُّ إيناريتو كان كَسْر كل تقليد ممكن لفيلم وسترن، ونجح في ذلك. ونال جائزتَي «غولدن غلوب» و«بافتا» أفضل فيلم.

ما بين «المنبعث» و«حفّار» أمضى إيناريتو الوقت على راحته، فأخرج شريط فيديو في 2016 وفيلماً قصيراً في 2017، ثم فيلمين قصيرين آخرين في 2018، قبل أن يعود إلى الفيلم الروائي الطويل في «باردو» عام 2022. لكن «باردو» كان فيلماً مكسيكياً (حول رجل يريد العودة إلى ماضيه للبحث عن هويته بعدما أمضى مدّة طويلة في أميركا)، ممّا يجعل «حفّار» الفيلم الأول الناطق بالإنجليزية منذ «المنبعث». وكان «باردو» أيضاً عمله الوحيد الذي لم يحقّق نجاحاً تجارياً، لكن إيناريتو برَّر ذلك بالقول: «في الحقيقة لم أنجز هذا الفيلم طلباً لنجاح تجاري. هو أقرب عندي إلى سيرة شخصية، كوني مَن عاش في أميركا وعمل فيها، وواجه نقد الإعلام في بلده الأول».

توم الجاهز

صُوِّر «حفّار» في بريطانيا على مدى 6 أشهر، ووضع المخرج في باله إسناد الدور إلى توم كروز، الذي كان قد انتهى من آخر جزء من سلسلة «المهمة: مستحيلة»، وأخذ يستعرض المشاريع الأخرى المعروضة عليه. إلى أن تلقَّى، قبل أقل من عام، اتصالاً من إيناريتو تمهيداً لإرسال السيناريو إليه. اعتاد كروز البحث من حين إلى آخر عن فيلم يُبعده عن سينما الأكشن والمغامرات، وهو ما لا يجده عادةً إلا مع مخرجين مرموقين فنّياً مثل أليخاندرو غونزاليس إيناريتو. قرأ السيناريو ووافق على الفور.

بطبيعة الحال، أفلام كروز التجارية مثل «توب غن» و«المهمة: مستحيلة» لا تدفع اسمه إلى الواجهة في المهرجانات والمناسبات الفنّية السنوية. وغالباً ما يسعى كروز، وهو رجل أعمال محترف، إلى تعزيز فرصه في نيل جوائز مثل «أوسكار» أو «بافتا» أو غيرهما.

وهو يدرك متى عليه التوقُّف عن متابعة سلسلة تجارية مثل «المهمة: مستحيلة» للبحث عن مشروع مختلف. وإذا كان قد اختار مهرجان «كان» لعرض الجزأين الأخيرين من تلك السلسلة، فقد يكون راغباً في التوجُّه بهذا الفيلم إلى مهرجان «البندقية» لتأكيد حضور فنّي مختلف عن أعماله الأخيرة.

بالنسبة إلى إيناريتو، فقد استند هذا المخرج دائماً إلى تميُّزه وانفراده في اختيار الموضوعات التي تثير اهتمامه الخاص واهتمام المُشاهد النوعي أيضاً. ومعظم أفلامه لم تخسر مادياً، من دون أن تحقّق في الوقت عينه أعلى الإيرادات التجارية.

«بيردمان»: مايكل كيتون في الفيلم (فوكس سيرتشلايت)

أحد أبرز الأمثلة على ذلك «بيردمان أو: الميزة غير المتوقَّعة للجهل»، الذي حصد 4 جوائز «أوسكار» و189 جائزة أخرى. الفيلم صعب التشكيل ومحسوب بدقة، إذ جرى التصوير (لإيمانويل لوبزكي) بكاميرا محمولة طوال الوقت، تدخل غرفاً ضيقة وممرات أضيق، وتهبط أدراجاً وتصعد أخرى، إذ تدور معظم الأحداث داخل مسرح. وفي هذا الجهد البصري، تتجلَّى علاقة متماسكة بين التصوير والتمثيل.

مايكل كيتون يؤدّي دوراً محورياً مكّنه من الفوز بجائزة «غولدن غلوب». يُجسّد شخصية ممثل هوليوودي تراجعت شهرته بعد تجسيد شخصية بطل خارق، في محاكاة لواقعه، إذ سبق أن لعب بطولة أحد أفلام «باتمان» قبل أن يتراجع حضوره. يسعى إلى استعادة مكانته من خلال إنتاج مسرحية تعيده إلى الواجهة وتمثيلها. نسمع صوته الداخلي يحاوره، يربكه ويفقده الثقة، بينما تحيط به زوجته السابقة (نعومي واتس) وابنته (إيما ستون) والممثل الجديد مايك (إدوارد نورتون)، إلى جانب مدير أعماله (زاك غاليفياناكيس)، ضمن سلسلة من المواقف الكوميدية التراجيدية التي تتناول الفنّ والشهرة والأزمات النفسية.

كما حال كبار المخرجين مثل فرانسيس فورد كوبولا، وتيرنس مالك، وأندريه تاركوفسكي، وأكيرا كوروساوا، ووس أندرسون، تلعب الصورة دوراً أساسياً في سرد الحكاية. اختيارات إيناريتو الموضوعية تقابلها عناصر بصرية ضمن أسلوب خاص يُميّزه، إذ يمكن تمييز بصمته بسهولة في أعماله.

بدأ حياته بحّاراً بعدما طُرد من المدرسة في سنّ الـ16، ثم عاد إلى الدراسة لاحقاً. عمل مقدّماً لبرنامج حواري إذاعي، ثم أصبح مديراً للمحطة، قبل أن ينتقل إلى إخراج أفلام تلفزيونية، ويدرس السينما في لوس أنجليس، وصولاً إلى تحقيق أول أفلامه.

تشمل عناصره البصرية عناية خاصة بالتصوير والموسيقى، وخَلْق حالة من الاغتراب بين ما يُعرض على الشاشة وتوقّعات المُشاهد. وتدور أفلامه الأولى «أموريس بيروس»، و«21 غراماً»، و«بابل»، حول فكرة الموت، مع تعدُّد الشخصيات التي ترتبط بحدث واحد.

لاحقاً، غيَّر إيناريتو هذا النهج، واتجه إلى إسناد البطولة إلى شخصيات فردية. ومن أبرز سمات أعماله أنه لا يطرح الأسئلة ليجيب عنها، بل يكتفي بطرحها لفتح باب النقاش. وقد تأثَّر بعدد من المخرجين، منهم أندريه تاركوفسكي، وفيديريكو فليني، وروبرت ألتمان، ولويس بونويل.


سمكة أفريقية صغيرة تتسلَّق شلالاً بارتفاع 15 متراً

عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)
عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)
TT

سمكة أفريقية صغيرة تتسلَّق شلالاً بارتفاع 15 متراً

عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)
عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)

لأكثر من نصف قرن، تناقل سكان وسط أفريقيا حكايات عن أسماك شُوهدت وهي تتسلَّق الشلالات، لكن هذه الادّعاءات لم تُؤكَّد رسمياً قط. والآن، في خطوة غير مسبوقة، وُثِّقت أخيراً هذه الظاهرة وصُوِّرت ودُرِست من كثب، ووُصِفت بشكل كامل في بحث جديد نُشر في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس».

ووفق الدراسة، نجح الباحث باسيفيك كيويلي موتامبالا، من جامعة لوبومباشي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفريقه البحثي، في توثيق رحلة تسلق أسماك «باراكنيريا ثيسي»، المعروفة بأسماك الشيلر، للشلالات من 2018 إلى 2020.

وأفادت النتائج بأنّ سمكة الشيلر الصغيرة، التي يتراوح طولها بين 37 و48 ملليمتراً في المتوسط، ويمكن أن يصل الحد الأقصى لطولها إلى نحو 96 ملليمتراً، سُجّلت وهي تتسلَّق شلالات لوفيلومبو على نهر لوفيلومبو في حوض الكونغو العلوي، وهو شلال ارتفاعه 15 متراً (50 قدماً). وقد شُوهدت الآلاف منها وهي تُهاجر عكس التيار، متشبّثة بأسطح الصخور المبلَّلة في منطقة تناثر المياه.

مفارقات عجيبة

ووفق النتائج، تستغرق رحلة الأسماك للوصول إلى القمة نحو 10 ساعات، وتتألف في معظمها من فترات راحة.

وتشير الدراسة إلى أنّ عملية التسلق مُرهِقة، وتتطلَّب توقّفاً متكرّراً، أحياناً لثوانٍ حين تكون الأسماك مستلقية على الجرف، وأحياناً أطول عندما تستريح على حوافٍ أفقية.

وأضاف مؤلّفو الدراسة: «حُدِّدَت 9 حواف أفقية رئيسية تستريح عليها الأسماك لمدة تقارب ساعة لكلّ حافة. وبالتالي، يُقدَّر أن تستغرق السمكة الواحدة نحو 9 ساعات و45 دقيقة لقطع كامل ارتفاع الشلالات»، موضحين أنّ «ذلك يشير إلى أنها قد تحتاج إلى يوم أو ليلة كاملة تقريباً للتغلُّب على الشلالات».

ورغم هذه الفترات من الراحة، لا تنجح جميع الأسماك في إكمال الرحلة، إذ لُوحظ سقوط بعضها بسبب اندفاعات المياه المفاجئة، لا سيما عند مرورها أسفل أجزاء الجرف المتدلية.

وتُعزى قدرة هذه الأسماك على التسلُّق إلى نتوءات صغيرة تُشبه الخطافات ترتكز على وسائد متخصّصة في زعانفها الصدرية والحوضية، إلى جانب عضلات تُساعدها على حمل وزنها.

ومن الملاحظ، وفق الفريق البحثي، أنّ الأسماك التي يقلّ طولها عن 48 ملليمتراً تقريباً هي الأكثر قدرة على التسلُّق، في حين تبدو الأسماك الأكبر حجماً أثقل وأقل قدرة على ذلك؛ إذ تفقد تدريجياً القدرة اللازمة لحمل وزنها بكفاءة مع نموها.

إرادة أكبر من الشلال (ساينتيفيك ريبورتس)

عودة إلى الوطن أم هروب من المخاطر؟

ولا تُسجَّل هذه الظاهرة عادة إلا خلال مدّة الفيضانات التي تحدث في نهاية موسم الأمطار، خلال شهرَي أبريل (نيسان) ومايو (أيار) من كلّ عام. ولا يزال الهدف من هذا السلوك غير واضح تماماً، رغم طرح فرضيات عدّة.

ومن بين هذه الفرضيات أنّ الأسماك تُجرّف من موائلها في أعالي النهر خلال الأمطار الغزيرة، وتحاول العودة إليها. وقد لُوحظت سلوكيات مشابهة لدى أنواع أخرى من الأسماك.

كما يشير الباحثون إلى احتمال سعي هذه الأسماك للوصول إلى مناطق تقلُّ فيها المنافسة على الغذاء أو أعداد المفترسات، إذ تُظهر الأدلة وجود مفترسات أكثر في أسفل النهر، إلى جانب انخفاض وفرة الغذاء عند قاعدة الشلالات.


«قمرة السينمائي» يحتفي بالفلكلور في دورة «استثنائية» بسبب الحرب

لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)
لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)
TT

«قمرة السينمائي» يحتفي بالفلكلور في دورة «استثنائية» بسبب الحرب

لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)
لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)

احتفت النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» بقطر، التي أُقيمت هذا العام بشكل افتراضي «استثنائياً»؛ بسبب الحرب التي تشهدها المنطقة، بإحياء الفلكلور، ودعم الموضوعات الإنسانية والواقعية و«السرديات» و«الأساطير».

وشارك في الدورة الجديدة التي تستمر حتى 8 أبريل (نيسان) الحالي، 49 مشروعاً من 39 دولة، من بينها 15 مشارَكة لصُنَّاع أفلام من قطر.

وتحدَّث عدد من صناع الأفلام المشاركين في «قمرة السينمائي 12»، عن مشروعاتهم الفنية. وقالت المخرجة القطرية خلود العلي مخرجة فيلم «الملكة الطاووس»، إن اختيارها هي والمخرجة القطرية عائشة الجيدة، لتقديم الفيلم في إطار خيالي بعيداً عن الواقع، يعود لكون «الأنيميشن»، أداةً فعالةً تمنح القدرة على التعبير عن الخيال بطريقة لا نهائية، فكل ما تتخيله يمكن التعبير عنه بالرسم.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «رغبنا في الخروج عن المألوف، فنحن من عشاق قصص مثل (أليس في بلاد العجائب)، وأعمال ميازاكي، وجميعها قصص تدور في عوالم خيالية، لذا فكرنا: لماذا لا نبني عالماً خيالياً خاصاً بنا؟ ويكون مميزاً عن كل العوالم التي رأيناها لأنه مبني على الشخصيات الأسطورية في ثقافتنا الخليجية، سعينا لصنع شيء خيالي ممتع، فالواقع صعب وقاسٍ جداً».

وعن الرسالة التي يودُّ طرحها عبر فيلمه «إرادة حمار»، أكد المخرج القطري ماجد الرميحي، أنَّ بداية الرسالة والارتباط بشخصية «جحا»، كانت بسؤال: «كيف يمكننا العودة لهذه الشخصية في ظلِّ الواقع الذي نعيشه اليوم في العالم العربي؟»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن علاقته بوصفه عربيّاً بشخصية «جحا» تنبع من كونها رمزاً أو نموذجاً أصيلاً نعود إليه دائماً لقراءة الواقع.

ملتقى «قمرة السينمائي 2026» تناول كثيراً من القضايا الإنسانية (مؤسسة الدوحة للأفلام)

ويرى الرميحي، أن «شخصية (جحا)، ستساعد غلى النظر لواقع قد يتسم بالاضطهاد أو المشكلات الاجتماعية، ولكن من خلال الفكاهة، أو الحكمة غير المباشرة»، مشيراً إلى أنَّ الفيلم يتناول فكرة الاضطهاد، وعلاقتنا بالماضي والحاضر والمستقبل، عبر قصة بسيطة ورمزية وهي «فقدان جحا لصديقه»، للتعبير عن «فقدان وجداني»، وقدرة الشخص على فهم الواقع وتفسير الأوضاع المحيطة.

وعن بعض تفاصيل فيلمه «الثوار لا يموتون»، الذي يعد بمنزلة حوار أرشيفي، تواجه فيه شرائط أفلام جوسلين صعب الذاكرة والمقاومة، من خلال الترميم وإحياء الذكرى، أكد المخرج الفلسطيني مهند يعقوبي، أن اهتمامه بعمل جوسلين صعب انقسم إلى شقين، «الأرشيفي»، من خلال العمل مع «مؤسسة جوسلين صعب» على ترميم أفلامها، والتعمُّق في تقنيات الصناعة، و«الشخصي»، جاء من اهتمامه بصناعة الفيلم.

وأضاف يعقوبي لـ«الشرق الأوسط» أن نقطة التحول كانت عند مشاهدته لفيلم جوسلين «بيروت مدينتي» في بروكسل، حيث تظهر فيه أمام بيتها المهدم بعد الاجتياح الإسرائيلي، وتزامن ذلك مع تعرُّض منزل عائلته في غزة للقصف، لافتاً إلى أنَّ هذا الرابط الزمني جعله يتأمل في الثمن الذي يدفعه المخرج في سبيل أفكاره، وأثار فضوله حول دوافع جوسلين التي تنتمي لخلفية اجتماعية ودينية مريحة لترك كل ذلك والتضامن مع القضية الفلسطينية.

الأفلام المشارِكة تعرَّضت لقضايا متنوعة (مؤسسة الدوحة للأفلام)

ويشارك في الدورة الـ12 من «قمرة السينمائي»، في مراحله كافة، والتي تشمل مرحلتَي «التطوير»، و«الإنتاج» في قائمتَي النسخ «المبدئية»، و«النهائية» للأفلام «الروائية الطويلة»، و«الوثائقية الطويلة أو التعبيرية»، و«الروائية القصيرة»، و«المسلسلات التلفزيونية» أو «مسلسلات الويب»، 49 عملاً من 39 دولة، من بينها «تكلّم»، و«العسّاس»، و«الكوكب المفقود»، و«بنت الرياح»، و«بعد الأربعين»، و«قمرة»، و«أندريا»، و«مذكرة تفاهم»، و«حذاء سارا»، و«أصداء»، و«باب القيامة»، و«رؤى الغد»، و«عسل وجنون» وغيرها.

من جانبها، أكدت فاطمة حسن الرميحي، الرئيسة التنفيذية لـ«مؤسسة الدوحة للأفلام»، في بيان صحافي، أن «اختيارات المهرجان لهذا العام تعكس شجاعة وطموح صُنَّاع الأفلام، وتُسلِّط الضوء على القصص الآنية من الواقع المعاصر»، مُعبِّرة عن فخرها «بالمشاركة القطرية المميزة إلى جانب الرؤى المؤثرة من مختلف أنحاء العالم»، على حد تعبيرها في البيان.