شاهد عيان ياباني تسعينيّ يروي لـ«الشرق الأوسط» فظائع القنبلة النووية على هيروشيما

ياماماتو: شهدت يومها جهنم وأمطاراً داكنة السواد وآخرين يموتون من حرارة الإشعاع

القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)
القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)
TT

شاهد عيان ياباني تسعينيّ يروي لـ«الشرق الأوسط» فظائع القنبلة النووية على هيروشيما

القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)
القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)

الرحلة استغرقت 40 دقيقة بالقطار السريع من طوكيو إلى مدينة هيروشيما، التي تعرضت لأول ضربة نووية في التاريخ يوم 6 أغسطس (آب) 1945، وأمطرت حينها أمطاراً داكنة السواد اختلط فيها الإشعاع النووي العالق في الهواء، مع حبيبات الغبار لترسم سحابة قاتمة عبَّرت عن حزن غطى السماء.

هناك، وقفت «الشرق الأوسط»، على آثار القنبلة الذرية على المدينة التاريخية المكلومة، التي بدت كأنها تغتسل للتوِّ من غبار الإشعاع النووي، ومع ذلك لم تمنع تدفق زوار العالم إليها من كل حدب وصوب، ليقفوا بأنفسهم على قصة أكبر وأول حدث نووي في العالم على مدينة كانت تحلم بأيام سعيدة يرفع فيها الأطفال أصواتهم فرحاً، وهم يستنشقون هواء رذاذ المطر النقي في تلك الأيام الحالمة قبل أن تتحول في لحظات إلى أيام حالكة السواد.

في مبنى يفصل بين القبة التي تعرضت للضربة النووية ومتحف هيروشيما، قال شاهد العيان ساداو ياماماتو لــ«الشرق الأوسط»: «كان عمري 14 عاماً وأدرس في الصف الثامن بالمرحلة الإعدادية حين قُصفت المدينة، ورغم بلوغي اليوم 92 عاماً فإنني ما زلت أتذكر ذلك اليوم جيداً». ياماماتو الذي لا يزال يحتفظ بذاكرة حديدية أردف قائلاً: «حين أصابت القنبلة النووية هدفها، كنت في مكان تابع للجيش الياباني لا يبعد أكثر من 2.5 كيلومتر عن محطة هيروشيما».

وبعد ذلك بدأ ياماماتو، سرد القصة بعدد كبير من الاستفهامات، كان أولها: لماذا اختارت أميركا «هيروشيما»، هدفاً للقنبلة الذرية؟ ولماذا اختارت وقت ذهاب الأطفال إلى المدراس وهم ينشدون ألحان السلام والجمال؟

لماذا اختيرت هيروشيما من بين مدن أخرى؟

يقول ياماماتو بعد تنهيدة ملؤها الألم: «تم اختيار هيروشيما من بين المدن اليابانية الأخرى لأن بعض الأميركيين المعنيين طالبوا باستهداف مدينة يابانية يكون قطرها 4.8 كيلومتر، رغبةً منهم في قياس مدى تأثير القنبلة من مسافة محددة على مدينة بهذا الحجم». وأضاف «في 27 من شهر أبريل (نيسان) 1945 اختاروا 17 مدينة في اليابان هدفاً للقنبلة الذرية، وبعد ذلك في يوم 25 من شهر يوليو (تموز) اختار الأميركان من بين الـ17 مدينة 4 مدن، وفي شهر أغسطس (آب) اختاروا 3 مدن من بينها، هي هيروشيما وناغازاكي وكوكورا».

وتابع ياماماتو: «إلا أنهم أخيراً قرروا إلقاء أول قنبلة على هيروشيما، والثانية على مدينة كوكورا، والثالثة على مدينة ناغازاكي، ثم تقرر أن يكون شهر أغسطس موعداً لتحليق الطائرة التي ستُلقي القنبلة، ولكن حتى الآن ليست لدينا معلومات عن سبب اختيار هيروشيما أول هدف». وزاد: «يوم 6 أغسطس 1945، أقلعت الطائرة الحربية الأميركية (الإينولا جا) من قاعدة موجودة في جزيرة تينيان في المحيط الهادئ، في رحلة استغرقت 6.5 ساعة».

لكن قبل انطلاق «الإينولا جا»، وفق ياماماتو، كانت هناك طائرة أخرى تتلخص مهمتها في قياس الطقس في المدن الثلاث المستهدفة، قبل أن يقع الاختيار الأخير على هيروشيما، بسبب أن طقس هيروشيما كان الأفضل لهم في ذلك الوقت. وفي الساعة الثامنة صباحاً، يقول ياماماتو، تم إسقاط القنبلة الذرية وحدث الانفجار كما كان مخططاً له على مساحة دائرية طول قطرها 3 أميال، حيث كانت هيروشيما متوافقة مع هذه المقاييس، فكانت هي المدينة المختارة للضربة النووية.

يستذكر ياماماتو بصوت حزين: «المحصلة النهائية هي أن 140 ألف شخص لقوا حتفهم نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) 1945. كان معظم الضحايا يابانيين ولكن كان من بينهم كوريون عاملون في اليابان ومعتقلون قسريون و12 من الجنود الأميركان». ويقول شاهد العيان إن أكثر ما أثّر في نفسه هو استهداف موقع مشغول بعدد كبير من طلاب المدارس من عمره، وفي وقت كان يقام فيه عدد من الأنشطة الطلابية، كما يوجد فيه عدد من العمال يقومون ببعض أعمال لحماية المدينة من القصف الجوي التقليدي ولم يَدُر بخلدهم قرب وقوع قصف نووي.

أطفال تحت القصف

يقول ياماماتو: «مدرستي الإعدادية (هيروشيما نيتيو)، تدمرت بشكل كامل... عدد الضحايا في مدرستي فقط وصل إلى 321 طالباً في الصف الأول و4 مدرسين»، وزاد: «لحسن حظي كنت على بُعد 2.5 كيلومتر، ولذا نجوت على الرغم من تعرضي لهواء ساخن وإشعاع تسبب لي في أضرار بجسمي استمرت معي أكثر من أسبوعين».

وتابع: «في ذلك اليوم، ظهرت 3 طائرات حربية دون حصول إنذار بقصف جوي، ولذلك اعتبرنا ذلك مجرد استطلاع، وحلَّقت الطائرات الثلاث فوق رؤوسنا وبعدها عادت أدراجها، ففكرنا أنها شيء غريب ولحظتها سمعت صوت انفجار وأحسست بهواء ساخن جداً، وكل الطلاب تطايروا كالقطع الصغيرة الخفيفة في الهواء، وأنا أُصبت بحالة إغماء».

ومضى ياماماتو إلى القول: «عندما استعدت وعيي، رأيت انفجار محطة هيروشيما وكانت النيران تتصاعد إلى السماء بشكل مخيف، بعدها شاهدت شكل القنبلة كأنها كرة من النار بقطر 400 متر وبعد 10 ثوان تقريباً انكسرت الكرة وأصبحت عبارة عن ألسنة نيران تغطي أرجاء المكان». وزاد: «تملَّكنا خوف شديد فهرولنا إلى معبد عند جبل على الوادي، وجاء القائمون على المعبد بزيت لدهن أجسامنا لتخفيف الألم الذي كنا نشعر به، حيث كانت الرؤية ضبابية، بعدها شهدنا حريقاً كبيراً في وسط المدينة وشاهدت الحريق يلتهم المدرسة الابتدائية التي كنا فيها، حينها قررت العودة إلى المنزل».

وتابع: «وجدت منزلنا مهشماً من شدة الاهتزاز الذي خلّفته القنبلة، ولكن كانت عائلتي سليمة، لأنهم بعيدون عن أثر الحريق، وكان أبي محظوظاً، لأنه كان على مسافة 680 متراً وموجوداً داخل مبنى محاط بجدار سميك وهو ما حماه من أثر القنبلة، ومع ذلك أُصيب والدي بأضرار خفيفة في البطن وتوفي بسبب أعراض القنبلة النووية عن عمر ناهز 93 عاماً».

حرارة تناهز 4 آلاف درجة عمَّت المكان

وقال ياماماتو: «طلاب الصف الأول الإعدادي في مدرستنا كانوا موجودين على بُعد 500 متر من مركز القنبلة، ومات 70 في المائة منهم، من أثر القنبلة التي خلَّفت درجة حرارة عالية جداً تصل إلى 4000 درجة مئوية».

وأردف قائلاً: «شاهدت بعض الطلاب يموتون على الفور، وبعضهم وصلوا إلى منازلهم بصعوبة وبعضهم ماتوا في الطريق والبعض منهم رمى نفسه في النهر وهو ينادي: أمي أمي، لقد شاهدت بعيني موت طالب لطيف جداً يُدعى (شيغيل إليمونت)، وجدتْه أمه ميتاً وهو ممسك بحقيبة الوجبات. كما رأيت طالباً اسمه (إيساو تانوبتيتشي) ووجهه محروق ولم يكن حينها قد فارق الحياة، وعندما وجده والده لم يستطع تمييزه، ولكن عرفه من خلال (جاكيت) لشقيقه كان يرتديه، بينما شاهدت طالباً ثالثاً تسلخ جلده عن جسمه ومات أيضاً في اليوم التالي».

أمطار داكنة السواد

يقول ياماماتو: «انفجار القنبلة كان على قطر كيلومتر ولكن تأثيرها كان أكبر بكثير ومعظم من كان في محيطها إمَّا مات في اليوم الأول وإما في اليوم الذي يليه وإما بعد فترة من الإصابة، وفي عام 1946 عانى كثيرون من أعراض مرض يطلق عليه اسم (كرويتو)، أي الجسم المحروق والكروش المنفوخة إضافة إلى تغيير شكل الجلد بسبب الإشعاع الذي دخل الجسم ودمَّر وظيفة الدم في الخلايا».

وفي ختام حديثه يقول ياماماتو: «من شدة الانفجار اكتست السماء باللون الأسود بسبب امتزاج الهواء مع تراب الأرض، حتى الأمطار كانت تنزل سوداء جراء تشبع الهواء بالإشعاع، والذين كانوا يشربون من الآبار الملوثة من الأمطار ظهر عليهم كثير من الأمراض والأضرار التي لازمتهم فترة من الزمن، أما النساء الحوامل فتأثر أطفالهن بالأمراض والأشعة، وبعضهم خرج مشوهاً والبعض الآخر مات في بطن أمه، في حين انتشر سرطان الدم الذي أودى بحياة كثيرين بعد عامين وثلاثة أعوام من الحادثة».


مقالات ذات صلة

ترمب: نجري محادثات مع روسيا والصين بشأن نزع السلاح النووي

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال استضافته مأدبة غداء في حديقة الورود بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 15 أكتوبر 2026 (رويترز)

ترمب: نجري محادثات مع روسيا والصين بشأن نزع السلاح النووي

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إنه يُجري محادثات مع روسيا والصين بشأن نزع الأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ينس ستولتنبرغ (أ.ف.ب)

النرويج قد تسمح لصندوقها السيادي بالاستثمار في شركات تصنّع أسلحة نووية

قد يُسمح مجدداً لصندوق الثروة السيادي النرويجي الذي يعد الأكبر في العالم بأصول تتجاوز 2.2 تريليون دولار، بالاستثمار في الشركات المصنّعة للأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (اوسلو)
الولايات المتحدة​ تظهر في هذه الصورة التي وُزعت دون تحديد تاريخها «أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية (رويترز)

«أم القنابل» الأميركية التي قد تضرب إيران... ماذا نعرف عنها؟

أعادت خطط عسكرية أميركية تتضمن احتمال استخدام قنبلة «أم القنابل» ضد أهداف إيرانية تسليط الضوء على أحد أكبر الأسلحة في الترسانة الأميركية... فما هي؟

لينا صالح (بيروت)
آسيا شاشة في سيول تُظهر لقطة من عملية إطلاق صاروخ كوري شمالي (أ.ف.ب) p-circle

كوريا الشمالية تختبر إطلاق صواريخ «كروز» استراتيجية من غواصات

أجرت كوريا الشمالية تجربة إطلاق لنوعين من صواريخ «كروز» استراتيجية تُطلق من غواصات، وفق ما أفادت وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية، الخميس.

«الشرق الأوسط» (سيول)
المشرق العربي  وحدات الأمن الداخلي في مدينة الحسكة تنتشر في شوارع المدينة الثلاثاء في إطار تنفيذ قرار منع حمل السلاح والتجول به وحظر إطلاق النار تحت أي ظرف (مديرية إعلام الحسكة)

الأمن الداخلي في شوارع الحسكة يطبق قرار حظر حمل السلاح وإطلاق النار

يأتي هذا الإجراء بعد أيام من التوتر على خلفية أعمال شغب نفذها مسلحون في مدينة الحسكة استدعت الاستنفار الأمني.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.