تحسن التضخم في اليورو وضعف النمو يعززان خفض الفائدة

وسط ركود اقتصادي

لافتة البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
لافتة البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

تحسن التضخم في اليورو وضعف النمو يعززان خفض الفائدة

لافتة البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
لافتة البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

كشفت بيانات جديدة، يوم الجمعة، عن تحسن في آفاق التضخم بمنطقة اليورو، في حين ظل النمو الاقتصادي ضعيفاً، مما يعزز مبررات المزيد من خفض أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي لتحفيز اقتصاد يعاني من الركود منذ نحو عامين.

ورغم انخفاض تكاليف الاقتراض، فإن الاقتصاد في منطقة اليورو، التي تضم 20 دولة، لا يزال يعاني من ركود، إذ يواجه قطاع التصنيع تراجعاً، ويتردد المستهلكون في الإنفاق، بينما تحجم الشركات عن الاستثمار وسط مخاوف من تصاعد الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، وفق «رويترز».

ورغم أن البنك المركزي الأوروبي ينتهج سياسة نقدية تيسيرية بوتيرة متسارعة، فإن بعض صانعي السياسات يدعون إلى مزيد من الحذر في اتخاذ خطوات إضافية، نظراً لاستمرار ضغوط الأسعار في الاقتصاد المحلي، مما يثير مخاوف من أن أي تراجع عن التشديد النقدي قد يبدد مكاسب سنوات من العمل الدؤوب.

غير أن هذه المخاوف قد تتبدد جزئياً في ضوء البيانات الجديدة التي أظهرت تباطؤ نمو الأسعار في بعض أكبر اقتصادات منطقة اليورو، إلى جانب تراجع التوقعات المستقبلية، ما يدعم وجهة النظر القائلة بأن شهر فبراير قد يمثل نقطة تحول حاسمة.

وفي فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، تراجع التضخم بأكثر من المتوقع، ليصل إلى أدنى مستوى في أربع سنوات عند 0.9 في المائة في فبراير (شباط)، مقارنة بـ1.8 في المائة في يناير (كانون الثاني). كما أظهرت البيانات من بعض الولايات الألمانية الرئيسية تباطؤاً مماثلاً.

والأهم من ذلك، شهد معدل تضخم الخدمات في فرنسا، وهو مكون رئيسي في سلة أسعار المستهلك، تراجعاً إلى 2.1 في المائة من 2.5 في المائة، ما يمثل تحولاً مهماً، إذ ظلت أسعار الخدمات مستقرة لعدة أشهر، مما أثار مخاوف من أن التضخم قد يفلت من السيطرة.

وأظهر مسح منفصل أجراه البنك المركزي الأوروبي أن المستهلكين في منطقة اليورو، الذين كانوا يتوقعون ارتفاعاً في التضخم خلال الأشهر الأخيرة من عام 2024، أصبحوا أكثر تفاؤلاً، حيث خفضوا توقعاتهم لمعدل التضخم خلال الأشهر الـ12 المقبلة إلى 2.6 في المائة في يناير، مقارنة بـ2.8 في المائة في الشهر السابق.

ويبدو أن هذه البيانات تؤكد وجهة نظر البنك المركزي الأوروبي بأن نمو الأسعار يقترب من التحول نحو الانخفاض، ليقترب تدريجياً من هدفه البالغ 2 في المائة، حتى مع استمرار انخفاض تكاليف الاقتراض.

وخفض البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة 5 مرات منذ يونيو (حزيران) الماضي، ويُنظر إلى خفض سادس في اجتماعه المقرر يوم الخميس على أنه أمر شبه محسوم، مع تحول التركيز بالفعل إلى مقدار الخفض الإضافي المطلوب في الأشهر التالية. ويتوقع المستثمرون حالياً ما بين خفضين إلى ثلاثة تخفيضات إضافية بعد اجتماع 7 مارس (آذار)، مع تأرجح التوقعات بشكل رئيسي وفقاً للتطورات المقبلة من واشنطن بشأن السياسة التجارية.

ورغم أن حالة عدم اليقين التجاري تلقي بظلالها على منطقة اليورو منذ أشهر، فإن البيانات الجديدة لا تشير إلى أي تحسن ملحوظ. فقد انكمش الاقتصاد الفرنسي في الربع الأخير من العام، وفقاً لأحدث الأرقام الصادرة يوم الجمعة، بينما سجلت مبيعات التجزئة الألمانية بالكاد أي نمو، ما يضيف إلى سلسلة من المؤشرات الأخيرة التي تؤكد استمرار الركود الاقتصادي.

حتى مسح البنك المركزي الأوروبي عكس صورة قاتمة، إذ أظهرت البيانات أن المستهلكين يراهنون على مزيد من التباطؤ الاقتصادي، مع تقلص الدخل الحقيقي.

ورغم ذلك، هناك بعض الإشارات التي توحي بأن الاقتصاد ربما يكون قد وصل إلى أدنى مستوياته، وأن التوقعات لم تزداد سوءاً. فقد ارتفع معدل البطالة في ألمانيا بأدنى مستوى ممكن، وجاء أقل بكثير من التوقعات، كما سجل الإنفاق الاستهلاكي في فرنسا انكماشاً أقل مما كان متوقعاً.

وأظهر مسح البنك المركزي الأوروبي أيضاً تحسناً طفيفاً في توقعات سوق العمل، إلى جانب ارتفاع متواضع في توقعات الإنفاق الاستهلاكي، ما يعكس بصيصاً من الأمل في تحسن تدريجي للأوضاع الاقتصادية.


مقالات ذات صلة

تباطؤ نمو الأجور بمنطقة اليورو يهدئ مخاوف التضخم ويدعم التريث في رفع الفائدة

الاقتصاد صورة عامة لمبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

تباطؤ نمو الأجور بمنطقة اليورو يهدئ مخاوف التضخم ويدعم التريث في رفع الفائدة

أظهرت بيانات صادرة عن البنك المركزي الأوروبي، يوم الأربعاء، أن نمو الأجور المتفاوض عليها في منطقة اليورو يتجه نحو التباطؤ بما يتماشى مع التوقعات.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

مسؤول في «المركزي الأوروبي»: أضرار البنية التحتية للطاقة قد تؤخر انحسار التضخم

قال غابرييل مخلوف، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، إن الاتفاق المؤقت الرامي إلى إنهاء الصراع في الشرق الأوسط لن يضع بالضرورة حداً فورياً لصدمة الطاقة.

«الشرق الأوسط» (دبلن )
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

«المركزي الأوروبي» يتمسك بمواجهة التضخم رغم انحسار ضغوط الطاقة

أكد كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، أن البنك سيواصل اتباع نهج «استباقي» في مواجهة التضخم المرتفع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد تتحدث إلى الصحافيين عقب اجتماع مجلس المحافظين في فرانكفورت 30 أبريل الماضي (رويترز)

لاغارد تؤكد بقاءها في منصبها وتتعهد بمواصلة مواجهة التضخم

أكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، يوم الاثنين أنها ستواصل أداء مهامها على رأس المؤسسة النقدية الأوروبية لضمان مواجهة التضخم.

الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

صناع السياسة في «المركزي الأوروبي» يتمسكون بالتشديد النقدي رغم تهدئة أزمة هرمز

قال يواكيم ناغل، صانع السياسة النقدية بالبنك المركزي الأوروبي، يوم الاثنين، إنه لا يتوقع حدوث أي تراجع سريع في ضغوط التضخم الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت )

الذهب يتحول للهبوط عالمياً بعد «تجريد» بيان «الفيدرالي» من لغة التيسير النقدي

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية خارج متجر بالسوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)
شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية خارج متجر بالسوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)
TT

الذهب يتحول للهبوط عالمياً بعد «تجريد» بيان «الفيدرالي» من لغة التيسير النقدي

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية خارج متجر بالسوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)
شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية خارج متجر بالسوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

تحولت أسعار الذهب في التعاملات الفورية نحو الهبوط بحدة، فاقدة جميع مكاسبها المحققة خلال الجلسة، فور صدور قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بتثبيت أسعار الفائدة وشطب النبرة التيسيرية من بيانه الرسمي.

وهبط سعر الذهب الفوري بنسبة 0.5 في المائة ليصل إلى 4304.19 دولار للأوقية (الأونصة)، بعد أن كان يسجل ارتفاعاً بنسبة 0.4 في المائة ويتداول عند مستوى 4347.54 دولار للأوقية قبيل صدور بيان لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية.

وجاء هذا التحول الدراماتيكي في معنويات المستثمرين بعد أن فاجأ البنك المركزي الأسواق بـ«مقصلة تحريرية» طالت لغة بيانه الصادر الأربعاء؛ إذ عمد إلى إزالة الإشارات السابقة التي كانت توحي بميله نحو تيسير السياسة النقدية أو خفض تكلفة الإقراض في المستقبل القريب.

وتأثرت المعدن الأصفر—الذي لا يدر عائداً—بإعادة تقييم المستثمرين لآفاق السياسة النقدية؛ حيث أظهر «مخطط النقاط» المحدث للأعضاء شطب أي توقعات لخفض الفائدة هذا العام، مع فتح الباب أمام احتمالات الرفع لمواجهة عناد الضغوط التضخمية؛ مما دفع العوائد على سندات الخزانة والدولار الأميركي إلى الارتفاع على حساب الذهب الذي تراجعت جاذبيته الاستثمارية فوراً كأداة تحوط من التضخم في المدى القصير.


«عصر وارش» يبدأ بـ«تجميد» رغبات ترمب

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)
TT

«عصر وارش» يبدأ بـ«تجميد» رغبات ترمب

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش يلقي خطاباً في يوم مراسم تنصيبه (رويترز)

لم يكد يجفّ حبر قرار تعيين كيفين وارش رئيساً لـ«مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، حتى اختار في أول اختبار حقيقي له أن يبدأ بـ«تجميد» رغبات البيت الأبيض. إذ قرر «البنك المركزي الأميركي»، الأربعاء، الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق 3.50 - 3.75 في المائة.

هذا التثبيت - وهو الرابع على التوالي من «البنك المركزي الأميركي» - يمثل صدمة مباشرة لطموحات الرئيس دونالد ترمب وفريقه الاقتصادي.

فترمب كان جدّد ضغوطه علناً قبل أيام قليلة، وتحديداً في 7 يونيو (حزيران) الحالي، مؤكداً بصريح العبارة: «أريد خفضاً لأسعار الفائدة»، بل وصل به الأمر إلى حدّ «المزاح علناً» بأنه سيقاضي وارش (الذي عيّنه بنفسه) إذا لم يخفض أسعار الفائدة، ليدشن «عصرُ وارش» أولى جلساته بإرسال إشارة هادئة للأسواق والمكتب البيضاوي معاً بأن «قرارات (البنك المركزي) ستكون محكومة بالأرقام والمؤشرات الفنية أولاً، بعيداً عن الاستجابة السريعة للمطالب السياسية».

ولم تكن المفاجأة في قرار التثبيت الذي سعّرته الأسواق مسبقاً، بل في «المقصلة التحريرية» التي أدخلها وارش على أدوات التواصل؛ إذ أقدم رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد على «بتر» صياغة البيان الصادر عقب الاجتماع بشكل غير مسبوق، مستأصلاً كل الإشارات التي كانت توحي بإمكانية تيسير نقدي مستقبلي.

ولم يتجاوز بيان هذا الأسبوع 130 كلمة فقط، مقارنة بـ341 كلمة في بيان أبريل (نيسان) الماضي، ليتحول إلى بلاغ مقتضب ركّز فيه على متانة الاقتصاد والتعهد الحازم بـ«تحقيق استقرار الأسعار».

وجاء في البيان: «النشاط الاقتصادي يتوسع بوثيرة هادئة وثابتة رغم حالة عدم اليقين المرتفعة الناتجة جزئياً عن الصراع في الشرق الأوسط. إن نمو الإنتاجية والاستثمار الرأسمالي قويان، والوظائف تواكب القوة العاملة، ولم يطرأ تغير يذكر على معدل البطالة».

وأضاف البنك: «التضخم لا يزال مرتفعاً مقارنة بهدف اللجنة البالغ 2 في المائة، وهو ما يعكس جزئياً صدمات الإمداد التي دفعت الأسعار للارتفاع في قطاعات معينة، بما في ذلك الطاقة. اللجنة ستلتزم بتحقيق استقرار الأسعار». كما أكد البنك الحفاظ على سياسة «الاحتياطيات الوفيرة» في النظام المصرفي دون أي خطط فورية لتقليص محفظة السندات البالغة 6.7 تريليون دولار، وهو نهج طالما دافع عنه وارش.

لغز «مخطط النقاط» والتلميح بالرفع

وفي تحول دراماتيكي صدم الأسواق، أظهر «مخطط النقاط» (Dot Plot) المثير للجدل أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي شطبوا تماماً توقعاتهم السابقة بإجراء أي خفض للفائدة خلال العام الجاري، بل وأشاروا إلى أن «خيار رفع الفائدة بات مطروحاً على الطاولة» وإن لم يكن مؤكداً، مؤجلين أي دورة تيسير إلى عامي 2027 و2028 لمراقبة مدى متانة قفزة التضخم الناجمة عن حرب إيران.

وأظهر المخطط أن متوسط التوقعات لسعر الفائدة بنهاية العام يقف عند 3.8 في المائة، أي أعلى بـ 0.16 نقطة مئوية من المستوى الحالي، مما يعزز فرضية الرفع.

وشهد الاجتماع لغزاً أثار حيرة المراقبين؛ إذ أظهرت الملاحظات المرفقة بالتوقعات الاقتصادية أن 18 عضواً فقط من أصل 19 شاركوا في تقديم تقديراتهم المحدثة.

ورجح «مراقبو الفيدرالي» أن يكون الرئيس الجديد كيفين وارش نفسه هو العضو الذي قاطع التصويت على المخطط، تماشياً مع انتقاداته الحادة والعلنية السابقة لأدوات التوجيه المسبق ومستهدفات البطالة والنمو، وسط تكهنات بأنه يسعى لإلغاء هذا المخطط نهائياً.

باول «مُصوّتاً» في عهد خَلَفه

ولم يكن قرار تثبيت أسعار الفائدة هو العنصر الأعلى إثارة في الاجتماع؛ إذ كانت الأسواق قد سعّرت هذا الاحتمال بشكل شبه كامل، بل اتجهت الأنظار إلى «الديناميكية التشغيلية» المعقدة خلف الأبواب المغلقة.

فقد اكتسب الاجتماع أهمية استثنائية؛ لأنه الأول الذي يترأسه وارش في وقت لا يزال فيه سلفه جيروم باول عضواً مصوّتاً في «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة»، في ترتيب نادراً ما شهده تاريخ «البنك المركزي»، ويعكس مرحلة انتقالية غير مألوفة في قيادة المؤسسة.

باول مغادراً آخر مؤتمر صحافي له قبل انتهاء ولايته (رويترز)

وتشير كواليس واشنطن إلى أن قرار باول النادر البقاء حاكماً في مجلس الإدارة - على غير عادة رؤساء «الفيدرالي» السابقين الذين يفضلون الاستقالة فور انتهاء ولايتهم - يرتبط برغبته في مراقبة مآلات التحقيق في قضية «تجديدات مبنى (الفيدرالي) المكلِّفة».

ورغم إعلان المدعية العامة لولاية كولومبيا، جينين بيرو، في أبريل (نيسان) الماضي، إسقاط التحقيق الجنائي، فإن تلميحاتها بأنها «لن تتردد في إعادة فتحه» دفعت باول إلى التحصن بكرسي التصويت للتأكد من إغلاق الملف كلياً، معلناً أن الظروف الأخيرة لم تترك له خياراً سوى البقاء.

هذا الوضع يضع الأسواق أمام مراقبة تيارين داخل اللجنة: «تيار باول» المحاذِر، و«تيار وارش» الراغب في إحداث صدمات نقدية أكبر جرأة لتطهير الاقتصاد من التضخم.

«عقيدة وارش» والتملص من أرقام التضخم

وأمام قفزة التضخم الرسمية المتمثلة في «مؤشر أسعار المنتجين»، بدا أن وارش يقود توجهاً نقدياً جديداً يعتمد على التملص من هذه الأرقام الصادمة؛ إذ يفضل الرئيس الجديد لـ«الاحتياطي الفيدرالي» التركيز على ما تُعرف بـ«المعدلات المتوسطة المُقَلَّمة (Trimmed-Mean Averages)» الصادرة عن البنوك الفيدرالية الإقليمية، التي تعزل الصدمات المؤقتة والتقلبات الحادة للسلع مثل النفط والمواد الغذائية.

وبتطبيق هذه العقيدة النقدية، تحصّن وارش بمؤشر «فيد دالاس» الذي يقف بالتضخم عند 2.3 في المائة، ومؤشر «فيد كليفلاند» عند 2.9 في المائة، ليقنع لجنته المكونة من 11 زميلاً بأن التضخم الهيكلي تحت السيطرة وأنه لا يتطلب رفعاً إضافياً، وفي الوقت ذاته ليس منخفضاً بما يكفي للسير في فلك رغبات ترمب التيسيرية.

ترمب يصافح وارش خلال مراسم تنصيب الأخير في البيت الأبيض (رويترز)

مسارات ترويض العجز

وكان وارش قد انتقد مراراً، قبل توليه المنصب، ما عَدّه إفراطاً من «الاحتياطي الفيدرالي» في تقديم «توجيهات مسبقة»، مؤكداً أن القرارات يجب أن تكون وليدة بياناتها الآنية.

وتجلى هذا النهج في بيان السياسة النقدية الذي حمل نبرة أعلى حياداً، مبتعداً عن الإشارات التي كانت توحي بإمكانية إجراء تخفيضات إضافية، ليمنح «اللجنة» مساحة أوسع للتحرك دون التزام مسبق بمسار محدد.

وأكد البيان أن النشاط الاقتصادي لا يزال يُظهر قدراً من المتانة، مدعوماً بقوة سوق العمل والإنفاق الاستهلاكي، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من المستوى المستهدف البالغ اثنين في المائة.

وفي المقابل، لا يزال «البنك المركزي» ينظر بحذر إلى المخاطر التضخمية الناجمة عن الارتفاع السابق لأسعار الطاقة جراء حرب الشرق الأوسط، رغم التراجعات الأخيرة للنفط إثر الأنباء الواردة عن اتفاق سلام محتمل وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الإمدادات.


الصين تُعزّز استخدام اليوان عالمياً وتتعهد باليقظة تجاه المخاطر

مئات السيارات المعدة للتصدير في ميناء لياينغانغ شرق الصين (. ف.ب)
مئات السيارات المعدة للتصدير في ميناء لياينغانغ شرق الصين (. ف.ب)
TT

الصين تُعزّز استخدام اليوان عالمياً وتتعهد باليقظة تجاه المخاطر

مئات السيارات المعدة للتصدير في ميناء لياينغانغ شرق الصين (. ف.ب)
مئات السيارات المعدة للتصدير في ميناء لياينغانغ شرق الصين (. ف.ب)

أعلنت الصين، الأربعاء، عن إجراءات جديدة لتعزيز استخدام اليوان عالمياً، وكشفت عن خطط لتحسين إدارة سيولة سوق المال المحلية، في ظل عملية إعادة هيكلة مؤلمة يشهدها ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

كما تعهد كبار المسؤولين الماليين، خلال منتدى لوجياتسوي السنوي في شنغهاي، بمواصلة انفتاح الأسواق المالية الصينية بحذر، في الوقت الذي تُحوّل فيه البلاد محرك نموها من العقارات والاستثمار إلى التكنولوجيا والابتكار.

وقال بان غونغشنغ، محافظ بنك الشعب الصيني: «مع استمرار تعميق وتطور الأسواق المالية، قد يصبح انتقال المخاطر بين الأسواق أكثر تواتراً»، متعهداً بمنع المخاطر النظامية في ظل «استمرار اندماج الصين في النظام المالي العالمي».

ولتعزيز أعمال اليوان في الخارج في شنغهاي، أوضح بان أنه تم ترخيص ستة بنوك حكومية كبرى، من بينها بنك الصين وبنك التعمير الصيني، لإجراء معاملات اليوان في الخارج في منطقة التجارة الحرة بالمدينة.

كما أنشأ بنك الشعب الصيني أداةً تُسمى «اتفاقية إعادة شراء اليوان بالرنمينبي» (FIMA RMB Repo)، تُمكّن البنوك المركزية الأجنبية وصناديق الثروة السيادية من الحصول على سيولة اليوان بسهولة أكبر باستخدام سندات صينية عالية التصنيف كضمان للاقتراض.

وأضاف بان: «يدخل المستثمرون الأجانب، بمن فيهم البنوك المركزية، سوق السندات الصيني بنشاط، وتتزايد حاجتهم إلى إدارة السيولة». وتُكثّف الصين جهودها لتدويل اليوان؛ سعياً منها لتقليل اعتمادها على نظام المدفوعات العالمي الذي يهيمن عليه الدولار الأميركي.

وجاء خطاب بان بعد يوم من توقيع مركز عمليات اليوان الرقمي التابع لبنك الشعب الصيني اتفاقيات مشاركة مباشرة مع 26 مؤسسة مالية في شنغهاي؛ بهدف تعزيز التبني العالمي للعملة الرقمية، المعروفة أيضاً باسم اليوان الإلكتروني (e-CNY).

إدارة السيولة

وفي سوق المال المحلي، صرّح بان بأن الصين ستزيد من تنوّع عمليات إعادة الشراء العكسي لليلة واحدة لتحسين إدارة السيولة.

كما يدرس بنك الشعب الصيني أداة سيولة لدعم المؤسسات المالية غير المصرفية في أوقات الأزمات؛ سعياً لتحقيق التوازن بين ضرورة الحفاظ على الاستقرار المالي ومنع «المخاطر الأخلاقية».

وأشار بان إلى أن نمو القروض في الصين قد تباطأ في السنوات الأخيرة، في حين شهد تمويل السندات والأسهم نمواً مطرداً. وأوضح أن هذا التغيير الهيكلي يعكس «إعادة الهيكلة الاقتصادية العميقة والتحوّل في محركات النمو» الجارية. وقال: «من الصعب وغير الضروري أن يحافظ نمو الائتمان في الصين على وتيرته السابقة».

وقال ماركو صن، كبير محللي الأسواق المالية في بنك «إم يو إف جي» في الصين، إن دور بنك الشعب الصيني في الاقتصاد آخذ في التطور. وأضاف أنه «في الماضي، كان بنك الشعب الصيني يعمل بشكل أساسي بصفته (بنكاً مركزياً للنظام المصرفي). أما في المستقبل، فلا يمكن للبنك المركزي أن يقتصر دوره على إدارة النظام المصرفي فحسب، بل يجب عليه أيضاً إدارة سيولة السوق، وتكلفة رأس المال، واستقرار السوق المالية بشكل مباشر».

وقد لاقت تصريحات بان وغيره من المسؤولين التنظيميين استجابة فاترة من السوق. وشهدت الأسهم الصينية تغيراً طفيفاً، الأربعاء، في حين استقر اليوان.

منع المخاطر النظامية

وفي الحدث نفسه، تعهد كبير المسؤولين التنظيميين في القطاع المصرفي الصيني بمنع المخاطر المالية النظامية وتوجيه الموارد إلى الصناعات الناشئة.

وأعرب دينغ شيانغ تشون، الرئيس المُعيّن حديثاً للإدارة الوطنية للتنظيم المالي، عن ثقته في قدرة الجهات التنظيمية على منع المخاطر الناجمة عن المؤسسات المالية الصغيرة ومعالجة المخاطر المتعلقة بالعقارات وديون الحكومات المحلية.

وقال دينغ في منتدى لوجياتسوي السنوي في شنغهاي: «في السنوات الأخيرة، بات انتقال المخاطر المالية عبر الحدود وانتشارها بين الأسواق أكثر وضوحاً». وأضاف دينغ أن الجهات التنظيمية «ستشجع المؤسسات على جمع رؤوس الأموال عبر قنوات متعددة لتعزيز قدرتها على مواجهة المخاطر».

ويشهد الاقتصاد الصيني اختلالاً متزايداً، حيث يعاني الاستهلاك من ضعف، ويواجه قطاع العقارات صعوبات، بينما يشهد الاستثمار ازدهاراً في القطاعات الناشئة مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي.

وانعكاساً لظاهرة الاقتصاد ذي السرعتين، انخفضت مبيعات التجزئة في الصين في مايو (أيار) للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، وتراجع الاستثمار، في حين تسارع الإنتاج الصناعي. وأكد دينغ أن الجهات التنظيمية ستوجه الموارد المالية نحو الصناعات الناشئة والمستقبلية، وستعزز التعاون التنظيمي في المجالات الناشئة. وأضاف أن السلطات ستتصدى أيضاً للمنافسة غير المنظمة وتمنع الأنشطة المالية غير القانونية.

وخلال المنتدى، كشف تشو هيكسين، رئيس هيئة تنظيم سوق الصرف الأجنبي الصينية، عن خطط لإصدار حصص جديدة ضمن برنامج الاستثمار الخارجي للمستثمرين المؤسسيين المحليين المؤهلين.

ويؤكد ذلك جهود بكين لتوجيه رؤوس الأموال عبر قنوات منظمة، وذلك بعدما شنت الصين حملة صارمة على الاستثمارات العابرة للحدود «غير القانونية» في أواخر مايو.

وصرح وو تشينغ، كبير مسؤولي تنظيم الأوراق المالية، في المنتدى نفسه، بأن سوق الأسهم الصينية «ستتبنى بنشاط» الثورة التكنولوجية، لكنها ستتخذ إجراءات صارمة ضد المضاربة والتلاعب.

مستوى قياسي لودائع النقد الأجنبي

وفي سياق منفصل، أظهرت بيانات رسمية صادرة عن البنك المركزي الصيني ارتفاع ودائع النقد الأجنبي للشهر العاشر على التوالي في مايو، مسجلةً مستوى قياسياً تاريخياً، وذلك على الرغم من استمرار مكاسب اليوان مقابل الدولار.

وارتفع رصيد ودائع النقد الأجنبي في الصين إلى 1.16 تريليون دولار أميركي بنهاية مايو، بزيادة قدرها 17.5 في المائة مقارنةً بالعام الماضي. وأظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن هذه الودائع نمت بمقدار 103.2 مليار دولار في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام.

وارتفعت ودائع النقد الأجنبي تحت الطلب لدى المؤسسات غير المالية بمقدار 17.1 مليار دولار، لتشكل المصدر الرئيسي لنمو ودائع النقد الأجنبي في الشهر الماضي، وذلك وفقاً لبيانات تفصيلية من الميزانية العمومية للبنك المركزي نُشرت في وقت متأخر من مساء الثلاثاء.

وأظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن ودائع العملات الأجنبية لدى الأسر الصينية ارتفعت لأربعة أشهر متتالية لتصل إلى 166.2 مليار دولار. وأفادت هيئة تنظيم سوق الصرف الأجنبي يوم الاثنين بأن البنوك التجارية الصينية اشترت صافي 35.8 مليار دولار من العملات الأجنبية في مايو.

وذكرت مصادر لوكالة «رويترز» في وقت سابق من هذا الشهر أن بنوكاً صينية عدة رفعت أسعار الفائدة على ودائع الدولار في الأسابيع الأخيرة، في خطوة يرى بعض المتداولين أنها تهدف على الأرجح إلى إبطاء وتيرة ارتفاع قيمة اليوان.

وقد ارتفع اليوان الصيني بنحو 3.5 في المائة مقابل الدولار حتى الآن هذا العام، ليصبح بذلك أحد أفضل عملات الأسواق الناشئة أداءً. ويستمر ازدهار الصادرات الصينية وتوسع فائضها التجاري في ضخ كميات كبيرة من العملات الأجنبية، معظمها دولارات أميركية، في النظام المالي المحلي. وأظهرت بيانات الجمارك أن الصين سجلت فائضاً تجارياً قدره 105.43 مليار دولار في مايو.