روبرت دي نيرو رئيساً لأميركا بذهنٍ مشوّش

الممثل المخضرم يخوض بطولته التلفزيونية الأولى في «Zero Day»

يدخل روبرت دي نيرو عالم المسلسلات للمرة الأولى في عامه الـ81 (نتفليكس)
يدخل روبرت دي نيرو عالم المسلسلات للمرة الأولى في عامه الـ81 (نتفليكس)
TT

روبرت دي نيرو رئيساً لأميركا بذهنٍ مشوّش

يدخل روبرت دي نيرو عالم المسلسلات للمرة الأولى في عامه الـ81 (نتفليكس)
يدخل روبرت دي نيرو عالم المسلسلات للمرة الأولى في عامه الـ81 (نتفليكس)

يكفي أن يتصدّر اسم روبرت دي نيرو مسلسلاً جديداً على «نتفليكس» حتى يهرع الجمهور إلى اكتشافه، وإيصاله بالتالي إلى المرتبة الأولى في قائمة الأعمال الأكثر مشاهدةً على المنصة. لا غرابة في أن تصنع أسطورةٌ مثل دي نيرو مجد مسلسل، حتى وإن لم تتوفّر عناصر المجد في العمل التلفزيوني نفسه.

بعد مسيرةٍ امتدّت 60 عاماً في السينما، يدخل الممثل الأميركي عالم المسلسلات التلفزيونية للمرة الأولى من باب بطولة «Zero Day» (اليوم صفر) في الـ81 من عمره، يؤدّي دي نيرو شخصيةً متخيّلة لرئيسٍ أميركيٍّ سابق يُدعى «جورج مولان».

يُمضي مولان تقاعداً هادئاً في منزله الخلّاب في إحدى ضواحي نيويورك الخضراء. يبدأ يومه بتناول أدويته، ثم السباحة، والجري مع كلبه. وبعد الجلوس إلى مائدة الفطور، ينتقل إلى مكتبه محاولاً استجماع أفكاره ومدوّناته لكتابة مذكّراته. تبدو المهمة صعبة، فمنذ المشهد الأول، يُصوَّر مولان على أنّ حالته الذهنية ليست سليمة، وأفكاره مشوّشة.

لكنّ الواجب الوطني يعود لينتزعه من عزلته وضياعه، بعد أن تضرب الولايات المتحدة الأميركية هجمةٌ سيبرانية تستهدف قطاع الكهرباء والاتصالات، وتسفر عن وفاة أكثر من 3400 شخص في حوادث طيران ومرور وأعطالٍ استشفائية.

ملصق مسلسل «Zero Day» من بطولة روبرت دي نيرو (نتفليكس)

بصفتِه قاضياً ورئيساً سابقاً، يُستدعى مولان من قِبَل خلفه، الرئيسة «إفلين ميتشل»، لترؤس هيئة تحقيقٍ بما جرى خلال «اليوم صفر». يلبّي النداء، لا سيّما أن الجهة المعتدية هدّدت بتكرار السيناريو ذاته، موجّهةً رسائل تحذير إلى هواتف الأميركيين جميعاً.

ينتمي المسلسل إلى فئة الإثارة السياسية، وهي خانةٌ دراميّة تستثمر فيها «نتفليكس» الكثير؛ منذ أولى إنتاجاتها الأصليّة House of Cards، مروراً بـThe Diplomat، وThe Recruit، وليس انتهاءً بـThe Night Agent.

الممثلة أنجيلا باسيت في دور رئيسة الولايات المتحدة في مشهد يجمعها بدي نيرو (نتفليكس)

من الواضح أنّ الرهان الأكبر هو على كاريزما روبرت دي نيرو وخبرته. يملأ الرجل مكانه ويمنح المشاهدين انطباعاً بالثقة. بينه وبين شخصية الرئيس مولان شبهٌ كبير لناحية الرصانة والشعبيّة. وهو ليس لاعباً منفرداً على الشاشة، بل إنه محاط بمجموعة من الممثلين المخضرمين. إنما لا يستطيع أي واحدٍ منهم أن يسلبه الضوء، إذ يشكّل دي نيرو العمود الفقري للسلسلة القصيرة المكوّنة من 6 حلقات.

تدور في فلكه مجموعة من الشخصيات. إضافةً إلى الرئيسة ميتشل، يعاونه مساعده الخاص «رودجر» ذو السلوك الغامض، ومديرة مكتبه «فاليري». كما تبرز في المسلسل الممثلة جوان ألن بدور زوجة مولن القاضية الطموحة «شيلا».

الرئيس مولان محاطاً بجزء من فريق التحقيق بأحداث «اليوم صفر» (نتفليكس)

ليست المهمة الموكلة إلى الرئيس مولان سهلة على الإطلاق، فهي تضعه في مواجهةٍ مع ماضيه الغامض، والذي تتّضح ملامحه مع مرور الحلقات. كما يتسبّب له منصبه المستجدّ بعداواتٍ مع شخصياتٍ سياسية، من بينها ابنته «أليكس»، وهي عضو في الكونغرس.

تتأرجح الحبكة بين جدّيّة مولان وسعيه الحثيث لانتشال البلاد من الخطر، وانفصاله المتكرّر عن الواقع. غالباً ما تجتاح الرجل رؤىً وأصوات لا يراها أحدٌ سواه، وكأنه على شفير مرضٍ نفسيّ أو خرفٍ مبكر. يضيف هذا الوضع لغزاً إلى اللغز الأساسيّ.

أليكس ابنة مولان وهي عضو في الكونغرس الأميركي (نتفليكس)

تشير أصابع الاتهام بدايةً إلى عملاء من روسيا، لكن سرعان ما تتّجه الأنظار إلى قراصنة الإنترنت، وحيتان الشركات الرقمية الناشئة. في غرفٍ خفيّة، وبواسطة أساليب متطوّرة، تخطّط مجموعة من عباقرة التكنولوجيا لإدخال أميركا في العتمة والفوضى، بغية تحميل المسؤولية للسلطة الحاكمة. رغم عناصره المتخيّلة، لا يبدو هذا السيناريو بعيداً جداّ عن الواقع وسط ما تعيشه البشريّة من تحكّمٍ للتكنولوجيا بيوميّاتها ومصيرها. وفي الأمر تلميحٌ كذلك إلى الدور المحوريّ الذي بات يلعبه كبار التكنولوجيا، أمثال إيلون ماسك، ومارك زوكربرغ داخل الإدارة الأميركية.

يتضح تورّط أصحاب الشركات التكنولوجية الناشئة في الأحداث (نتفليكس)

يقف كلٌ من إريك نيومان ونوا أوبنهايم ومايكل شميت وراء قصة المسلسل، وهم جميعهم أصحاب خبرة في مجال الصحافة الإخباريّة السياسية. شميت مراسل لصحيفة «نيويورك تايمز»، أما أوبنهايم فأمضى سنوات منتجاً تلفزيونياً في شبكة «إن بي سي»، فيما عُرف نيومان بمسلسلاته الناجحة على رأسها «ناركوس». إلّا أنّ ذلك لا يحصّن النص ضد الانزلاق في السطحيّة والركاكة. وما يزيد الأمر سوءاً، تلك السرديّة غير المنطقية والمتردّدة في الذهاب إلى عمق الأمور.

تعاني حبكة «Zero Day» من تشعّباتٍ كثيرة ومواضيع متداخلة لا يأخذ أيٌ منها حقّه الكامل في المعالجة الدراميّة. يكاد المُشاهد يتوه ما بين صراع مولان الشخصي والذهني، وسعيه لكشف لغز الهجمات، وما يُضاف إلى ذلك من حربٍ صامتة بين أصحاب النفوذ التكنولوجي الشباب، والطبقة السياسية المتقدّمة في السنّ، إلى جانب سطوة الإعلاميين الجدد الذين يبثّون الأخبار المضلّلة عبر فيديوهات وبرامج بودكاست.

يدخل إلى السرديّة الإعلاميون الجدد المتهمون بتضليل الرأي العام (نتفليكس)

كثرت المواضيع، فكادت أن تُحرق طبخة المسلسل، لولا حضور روبرت دي نيرو الآسر. ربما يبدو أحياناً متخففاً من كامل طاقته التمثيليّة المعهودة، لكنّ الشخصية تقتضي هذا التأرجح بين الغموض والشرود حيناً، والصرامة والقسوة الوحشيّة أحياناً.

في حديثٍ مع وكالة «رويترز»، قال دي نيرو إنّ شخصية مولان ذكّرته قليلاً بالرئيس الأميركي السابق جو بايدن. مع أنّ المسلسل يتجنّب الخوض في التسميات ولا يحدّد انتماءات شخصياته السياسية، أكانت جمهورية أم ديمقراطية، إلّا أنّ التشابه ملحوظ بين مولان وبايدن. فالاثنان واجها تحدياتٍ صحية وذهنية أرغمتهما على الاعتزال السياسي وعدم الترشّح لولاية رئاسية ثانية. وكما مولان، فإنّ بايدن خسر أحد أولاده في سنّ مبكّرة.

في حديث لـ«رويترز» قال دي نيرو إن شخصية مولان ذكرته بجو بايدن (نتفليكس)

على هفواته ونواقصه وانزلاقاته، يبقى «Zero Day» مُشاهَدة سريعة وممتعة، تغتني بحضور روبرت دي نيرو الذي يمنح المسلسل نبضه رغم أعوامه الثمانين.


مقالات ذات صلة

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

يوميات الشرق ديناميّة جديدة في العلاقة بين «إدي» و«سوزي» في الموسم الثاني من «ذا جنتلمن» (نتفليكس)

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

مسلسل الكوميديا السوداء والتشويق «ذا جنتلمن» يعود إلى «نتفليكس» في موسمٍ ثانٍ، والمافيا الإيطالية تدخل على خط تصنيع الحشيشة في دهاليز القصور التاريخية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ميغان ماركل تسير إلى جانب زوجها الأمير هاري في سيدني (رويترز)

ميغان ماركل تجري محادثات للمشاركة في مسلسل جاي ريتشي على «نتفليكس»

تجري ميغان، دوقة ساسكس، محادثات للعودة إلى التمثيل من خلال ظهورها في المسلسل التلفزيوني «ذا جينتلمين» للمخرج جاي ريتشي، وفقاً لتقارير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

صانع قنابل... لغز رجل أطلقت سراحه ألمانيا وطارده شبح «لوكربي»

مروان خريسات... رحلة صانع قنابل «القيادة العامة» من حروب الظلِّ ودهاليز الاستخبارات، إلى لغز تفجير «لوكربي» الذي أعاده مسلسل «نتفليكس» الأخير للواجهة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)

«تفجير بان آم 103»... تحيّة لإنسانية أهل لوكربي بعد 38 سنة على كارثة الطائرة

مسلسل «نتفليكس» يعود بالذاكرة إلى تفجير طائرة «بان آم 103» فوق لوكربي مركّزاً على تعاطف أهل القرية الاسكوتلندية مع الضحايا وذويهم، وعلى صراع الأجهزة في التحقيق.

كريستين حبيب (بيروت)

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

عمل الفنان جوني دب «الرجل الأرنب» (الشرق الأوسط)
عمل الفنان جوني دب «الرجل الأرنب» (الشرق الأوسط)
TT

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

عمل الفنان جوني دب «الرجل الأرنب» (الشرق الأوسط)
عمل الفنان جوني دب «الرجل الأرنب» (الشرق الأوسط)

في منطقة ترسانة بإسطنبول، وعلى امتداد ساحل القرن الذهبي حيث كانت تُبنى السفن العثمانية، يشعر الزائر بأنه يقف عند تقاطع بين التاريخ والحاضر؛ بين المستودعات الحجرية الضخمة وأشرعة السفن من جهة، والأسواق والمطاعم ومساحات الترفيه من جهة أخرى. ومن الطبيعي أن تستقطب هذه المنطقة الفنون أيضاً، وهو ما تجسد في معرض «كونتمبوراري إسطنبول» الذي أقيم بين 23 و27 سبتمبر.

واصل المعرض نموه هذا العام، إذ ارتفع عدد الصالات المشاركة إلى 70 صالة مقارنة بـ52 صالة في الدورة السابقة، بمشاركة 736 فناناً عرضوا 1372 عملاً فنياً. كما تجاوز عدد الزوار 38 ألفاً، وفق وكالة الأناضول.

وفي اليوم الأول استعرض علي غورلي مدير المعرض مسيرة «كونتمبراري إسطنبول» الممتدة على مدار 21 عاماً، ومكانة إسطنبول في عالم الفن الدولي مشيرا إلى أن المعرض أصبح يمثل حلقة تربط بين تركيا وسوق الفن العالمية قبل أن يضيف بتفاؤل حذر: » يجب أن نضع في الحسبان الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة والتي أثرت بشكل سلبي على العالم الفني». خلال حديثه، قدّم عرضاً لأبرز المستجدات في دورة هذا العام، ومنها قسم المنحوتات الضخمة المنتشرة خارج القاعات الرئيسية ومنها أول منحوتة للفنان العالمي جوني دب وعمل تركيبي للفنان البحريني راشد آل خليفة، ويشير إلى أنها من الجوانب التي تفتقدها تركيا.

ننطلق في جولة على قاعات العرض ال 70 وهي مهمة ليست سهلة، ولكنها ممتعة جدا، نتوقف عند بعض الأعمال اللافتة ونعرف تفاصيل أكثر عنها ولكن في النهاية يصعب الحديث عن كل القاعات بشكل وافي، ولكن ما يبقى في الذاكرة بعد التجول بينها هي أعمال متفردة يصعب نسيانها نستعرض هنا بعضا منها.

ساعات الكارثة

في غاليري «فرانسيسكو فينو» من لشبونة بالبرتغال: ثلاث ساعات حائط متجاورة كل منها مثبتة على وقت معين، في البداية لا نعرف رمزية الساعات الثلاث ولا الأوقات لكن بالنظر لبطاقة العمل نقرأ أنها العمل للفنان ألفريدو جار وعنوانه «هيروشيما، ناغازاكي، فوكوشيما (2019)، يظهر لنا شريط معدني مثبت داخل الساعة التاريخ الذي توقفت عنده العقارب، وهو يوم سقوط القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي في عام 1945 (يومي 6 و9 من شهر يونيو عام 1945) واليوم الذي حدثت فيه كارثة فوكوشيما النووية في 11 مارس 2011.

أسراب الحمام فوق المخيم

في غاليري «كارلييه غيباور» من برلين نرى عمل بعنوان «تحليق-الجلزون» للفنان الأميركي نيدا سينيكروت. في الصورة الملتقطة ليلا نرى أسرابا من الحمام الأبيض يحلق فوق بيوت مخيم الجلزون في الضفة الغربية بفلسطين، ثبت الفنان أضواء LED في أرجل الحمام نري تأثيرها في خطوط الضوء التي تسجل تحليق الحمام في دوائر «تحاكي أنماط الهجرة سواء كانت قسرية أو طبيعية» بحسب بيان العمل.

«تحليق - الجلزون» للفنان الأميركي نيدا سينيكروت (غاليري «كارلييه غيباور»)

الخبيزة

من فلسطين أيضاً نرى لوحتين معلقتين تحملان طبعة نباتات باهتة للمصوّر دور غويز، وهو مقيم في القدس من أصول مسيحية يهودية فلسطينية. يحمل العمل عنوان «خبيزة». تعلق دليلة المعرض أن الفنان استخدم نبات الخبيزة واسع الانتشار في فلسطين، لأنه غذاء أساسي يلجأ له الفلسطينيون حين يندر الغذاء: «أخذ الفنان سيقاناً من نبات الخبيزة، وطبعها على الورق للوصول لهذه النتيجة».

«خبيزة» للمصور دور غويز (الشرق الأوسط)

زهرة الغامدي

في غاليري «بيرل لام بروجيكتس»، نرى سلسة من أعمال الفنانة السعودية زهرة الغامدي، بعنوان «نبض واحد وحيوات متعددة» تستخدم فيه الخيط الأسود على القماش. وبحسب الغاليري، تستلهم الغامدي عملها من «الممارسات الحرفية التقليدية والمناظر الطبيعية في جنوب غربي المملكة العربية السعودية. وتستكشف سلسلة (نبض - حيوات متعددة) العلاقات المتغيرة بين الجسد البشري والمناظر الطبيعية والذاكرة والانتماء».

يعلق المشرف على المعرض أن الفنانة تعبّر عن رهافة العلاقات الإنسانية عبر استخدام الخيط، وأنها «تتعامل مع تقاطع العلاقات الثقافية والشخصية والاجتماعية»، مضيفاً أن الغامدي «تميل بشدة إلى التفاعل الحسي المباشر»، وأن طابع أعمالها «يفيض بصلة وثيقة بالأرض».

إسطنبول بين الشعر والحديد

في غاليري «فيلا ديل آرتي» من برشلونة نرى عملاً يتوسط القاعة للفنان لويس سيرا، بعنوان «إسطنبول»، وهو عبارة عن عمود من الحديد والرخام وفي وسطه عقدة تضم طرفيه في تشكيل جميل، يحمل الجزء الأسفل، وهو مصنوع من الرخام الإيراني النحاسي اللون، كتابات متعددة يقول عنها الفنان إنها مأخوذة من قصيدة لشاعر تركي معروف، ويشير إلى الجزء الثاني من العمود المصنوع من الحديد بأنه يعبر عن أوروبا، وكأن العمل يقدم إسطنبول المليئة بالشعر والثقافة والجمال على أنها الرابط مع أوروبا الحديثة المعتمدة على الصناعة.

خفة رغم الكتلة

من الأعمال التي توقف عندها الزوار تمثال بديع للفنان بهادر براوتر نرى عدة نسخ منه حول المعرض وخارجه، بعنوان «السمينات». البعض قال إنه يصوّر راقصات بالية ممتلئات الجسم يرقصن غير عابئات بمن حولهن وترتسم على أوجههن ابتسامة لطيفة، أياً ما كانت الشخصية التي يصورها العمل؛ فهو يظل من الأعمال التي أمتعت الزوار، ورسمت الابتسامة على وجوههم؛ فما بين الكتلة الضخمة للتمثال ورشاقة الحركة هناك كثير من المعاني والمتعة.

شراع الضوء

في مدخل المعرض نرى منسوجة بيضاء عملاقة للفنانة تشيساتو ماتسوموتو تمثل كائناً أسطورياً ربما. المنسوجة دقيقة التفاصيل ومصنوعة باليد، تصيح إحدى الحاضرات عند الاقتراب من العمل قائلة: «هناك حركة!». وبالنظر، نرى أطراف العمل وهي تتحرك بطريقة ميكانيكية وكأن أصابعَ خفية تتحرك تحت القماش الأبيض الممتد.

بحسب بيان غاليري بيرل لام، فالعمل صممته الفنانة خصيصاً للموقع، وتم نقله من هيروشيما في اليابان إلى منطقة ترسانة إسطنبول التاريخية. استخدمت الفنانة قماش «شيبوري» (shibori) المربوط يدوياً عبر المساحة باستخدام الحبال والبكرات، لتشكل هياكل عضوية تذكرنا بالأشرعة أو الأجنحة؛ إذ يوحي تراكم هذه الأشكال بالحركة المستمرة للسفن وتجمّع الناس في الميناء قبل الانطلاق مجدداً في رحلاتهم حول العالم.

من معرض «كونتمبوراري إسطنبول» (الشرق الأوسط)

بعد ساعات من التجول بين القاعات والمنحوتات المنتشرة على ضفاف القرن الذهبي، تتوارى أسماء الفنانين وتبقى الانطباعات. خيوط، وأشرعة، وطيور، وساعات متوقفة، وهياكل من الحديد والضوء؛ أعمال مختلفة في أشكالها ولغاتها، لكنها تلتقي عند أسئلة مشتركة عن الذاكرة والهوية والحركة والحدود.

راشد آل خليفة و«الصندوق المأهول - متعدد الألوان»

ضمن الأعمال التركيبية الموزَّعة على أرض المعرض يقف مربع من الحديد الملوَّن مطلاً على القرن الذهبي. موقعه في منطقة الترسانة بماضيها في بناء السفن يعيدنا للبحرين وعلاقتها بالتجارة البحرية عبر الأزمنة، فيبدو وكأن العمل الضخم يدخل في حوار مع موقع ترسانة، بكل أصداء ماضيه.

يبدو العمل كشبكة ضخمة من الفولاذ تتألف من شبكات متقاطعة، وهي بنية تدعو الزوار إلى التجول داخلها بدلاً من الاكتفاء بمشاهدتها من الخارج.

بحسب الفنان، فإن العمل في تصميمه الهندسي ورؤيته يؤكد على مفهوم الشفافية؛ فهو يسمح للناظر بالرؤية كاملة من الداخل والخارج، ويبدو بالفعل وكأنه كائن شفاف ملوَّن من بعيد. وعند دخوله والمشي فيه يرى الزائر ما حوله بنفس الشفافية، وإن كان من منظور مختلف. في الداخل نشعر بأننا في مكانين في الوقت ذاته، رغم الحدود الفاصلة المصنوعة من الحديد المجلفن، ولكن بحكم التصميم واستخدام الألوان اللطيفة على العين (لا توحي بالقسوة بحسب تعبير الفنان) ينتابنا شعور بتلاشي الحدود الفاصلة بيننا وبين العالم الخارجي.

يشير الفنان إلى نقطة مهمة، وهي أن الدخول والمشي داخل المربع في ممرات صغيرة تشبه المتاهة «جزء من العمل».


«لقطة استثنائية»... احتفاء مصري بشاب أنقذ طفلاً من الموت عقب سقوطه

المشهد المفاجئ لإنقاذ طفل في مصر (فيسبوك)
المشهد المفاجئ لإنقاذ طفل في مصر (فيسبوك)
TT

«لقطة استثنائية»... احتفاء مصري بشاب أنقذ طفلاً من الموت عقب سقوطه

المشهد المفاجئ لإنقاذ طفل في مصر (فيسبوك)
المشهد المفاجئ لإنقاذ طفل في مصر (فيسبوك)

حظيت لقطة «استثنائية» لشاب في منطقة أرض اللواء بمحافظة الجيزة، يلتفت فجأة ويسرع باتجاه طفل سقط من أحد الأدوار العليا، ويتمكن من التقاطه بين يديه قبل ارتطامه بالأرض، باهتمام واسع في مصر، خصوصاً من مستخدمي «السوشيال ميديا»؛ حيث انتشر مقطع الفيديو على نطاق واسع، مصحوباً بعبارات الإشادة بالشاب الذي أنقذ الطفل.

وبعد تداول الفيديو على نطاق واسع، وصف مستخدمون لمواقع التواصل، وكذلك وسائل إعلام متنوعة، ما حدث بأنه موقف بطولي من الشاب الذي التقط الطفل، وحظي المشهد بتفاعل كبير على عدد من المنصات، من بينها «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس»، في مصر السبت.

وعلى الرغم من عدم توفر معلومات أولية عن اسم الشاب أو هوية الطفل الذي جرى إنقاذه أو ملابسات الواقعة عموماً، فإن تعليقات المستخدمين والمتابعين عدّت ما حدث موقفاً بطولياً و«لقطة استثنائية» لسرعة الانتباه والتحرك والنجاح في إنقاذ الطفل.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه الواقعة تشير إلى نموذج بطولي ملهم في الشارع المصري بشكل تلقائي بسيط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الشاب بمبادرته العفوية وسرعة بديهته صنع نموذجاً ملهماً يستحق كل التقدير والاحتفاء، وأتمنى أن يتم تكريمه من مؤسسات رسمية في الدولة ومن الرئيس نفسه لو أمكن، ليصبح نموذجاً ملهماً للعمل الإيجابي في الشارع المصري، كما أتمنى أن يجري تسليط الضوء الإعلامي عليه وعمله البطولي لإبراز التصرفات الإيجابية والملهمة في شوارع مصر من أشخاص عاديين بسطاء يمكن في لحظة أن يتحولوا لقدوة ونماذج ملهمة».

ويرى المتخصص في «السوشيال ميديا»، معتز نادي، أن «هذه اللقطة الاستثنائية تضمن حصد الانتشار وتفوز بالاحتفاء؛ لأنها تُعبر عن موقف إنساني شديد الندرة من حيث حُسن التصرف والبراعة مع البطولة في إنقاذ الطفل».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الاحتفاء الواسع بهذه اللقطة يعود إلى كونها تجمع في ثوانٍ قليلة معظم العناصر التي تصنع المحتوى شديد الانتشار على منصات التواصل من خطر واضح، ولحظة ترقب، وتدخل إنساني سريع، ثم نهاية تمنح المشاهد شعوراً بالارتياح والإعجاب».

وتابع: «هناك أيضاً عنصر إنساني مهم؛ لأن منصات التواصل تمتلئ يومياً بالمحتوى الصادم والسلبي؛ ولذلك تحظى القصص التي تقدم نموذجاً إيجابياً وشخصاً عادياً يتصرف بشجاعة وتلقائية بمساحة كبيرة من الاحتفاء، فالجمهور لا يشارك المشهد فقط لأنه مثير، وإنما لأنه يريد التعبير عن تقديره للسلوك نفسه والترحيب بالتصرف النبيل».

ووفق نادي: «مع تداول الفيديو، تتحول الواقعة من مجرد لقطة إنقاذ إلى قصة اجتماعية عن الشجاعة وسرعة التصرف والمسؤولية تجاه الآخرين، وهي قيم قادرة بطبيعتها على توليد التعليقات والمشاركة، ومن ثم تدفع خوارزميات المنصات إلى توسيع نطاق انتشار المحتوى».

وسبق أن حظي حادث بطولي آخر بتفاعل كبير في مصر، حين أنقذ شاب أسرة سقطت سيارتها في إحدى ترع دلتا مصر، لتدفع مبادرته آخرين إلى الإسراع والتطوع لانتشال أفراد الأسرة وإنقاذهم من الغرق، وهو ما وثقه مقطع فيديو جرى تداوله على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي قبل أشهر.


هل تسبب شغور منصب وزير الثقافة بمصر في أزمات فنية؟

مطالبات بسرعة تعيين وزير ثقافة (وزارة الثقافة)
مطالبات بسرعة تعيين وزير ثقافة (وزارة الثقافة)
TT

هل تسبب شغور منصب وزير الثقافة بمصر في أزمات فنية؟

مطالبات بسرعة تعيين وزير ثقافة (وزارة الثقافة)
مطالبات بسرعة تعيين وزير ثقافة (وزارة الثقافة)

بعد مرور نحو 3 أشهر على شغور منصب وزير الثقافة في مصر، ووقوع أزمات عدة بالآونة الأخيرة، حمَّل نقاد ومثقفون مصريون الحكومة مسؤولية تلاحق الأزمات الفنية بالوزارة، لتأخرها في تعيين وزير جديد.

وتعد أزمة اعتذارات مطربي «مهرجان الموسيقى العربية» الأحدث في ملفات الوزارة، وذلك عقب أزمتَي «معرض القاهرة الدولي للكتاب»، و«مهرجان الإسكندرية».

وكان مطربون عدَّة -من بينهم: علي الحجار، ومحمد ثروت، ومروة ناجي، وعاصي الحلاني- قد اعتذروا عن المشاركة في «مهرجان الموسيقى العربية»، احتجاجاً على ضعف الميزانية، واعتراضاً على تصريحات رئيس دار الأوبرا، رضا الوكيل، الذي أعلن استقالته في وقت لاحق.

وطالب مثقفون بسرعة تعيين وزير جديد مختص بالثقافة ومتفرغ لها؛ لا سيما بعد وقوع أكثر من أزمة في ظل إشراف وزير التعليم العالي والبحث العلمي على وزارة الثقافة حالياً، على غرار اختيار أعضاء اللجنة العليا لـ«معرض القاهرة الدولي للكتاب»، وقراره منح حق تنظيم الدورة المقبلة من «مهرجان الإسكندرية السينمائي» لوزارة الثقافة، متجاهلاً حق «جمعية كُتاب ونقاد السينما» التي أسسته وتقيمه منذ نحو نصف قرن.

المؤتمر الصحافي الذي فجَّر أزمة «مهرجان الموسيقى العربية» (دار الأوبرا المصرية)

وكتب الناقد طارق الشناوي عبر حسابه بـ«فيسبوك»: «سوف تتعدد الكوارث في وزارة الثقافة، وآخرها ما جرى في (مهرجان الموسيقى العربية) بعد استقالة رئيس دار الأوبرا... وننتظر أن يُسارع رئيس الوزراء بتسمية الوزير القادم المُلم بكافة تفاصيل الحياة الثقافية؛ لأنه أحد أبناء تلك الدائرة».

وعلق الناقد والكاتب محمود التميمي على استقالة رئيس دار الأوبرا عبر «فيسبوك» بأنه «يجب أن يكون لمصر وزير ثقافة متفرغ ومُختار بعناية، وأن يُسمح له بمدة من الوقت، وليس كما فعلنا مع الدكتور أحمد هنو، وزير الثقافة الأسبق»، متسائلاً: «لماذا لا نترك المسؤول يعمل وندعمه بصدق، ونوفر له الإمكانات، ثم بعد ذلك نحاسبه على ما قدم؟»، ووجَّه نداءً للمسؤولين: «لا تتركوا الوزارة بغير وزير فتخسروها».

وعبَّر المخرج مجدي أحمد علي عن دهشته من تأخر اختيار وزير ثقافة حتى الآن، قائلاً: «مع احترامي للدكتور عبد العزيز قنصوة الذي يقوم بأعمال الوزارة، فإنه غير مناسب لهذه المهمة، واختياره لها يعكس رؤية الحكومة للثقافة على أنها ملف غير مهم، ويمكن أن يديرها أي وزير».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «إنه لشيء مخجل أن نظل كل هذا الوقت دون تعيين وزير للثقافة، وكأن مصر قد خلت من الكفاءات، في الوقت الذي تكاد تتوقف فيه هيئات ثقافية ويتم تسييرها دون مسؤول، على غرار منصب رئيس الرقابة الذي خلا، ولم يتم اختيار بديل له، كما نواجه حرباً على المهرجانات السينمائية التي توقفت، مثل (الإسماعيلية) و(الإسكندرية) و(القومي)، وقد تُركت الثقافة كما لو كانت وزارة هامشية، وهذا شيء مؤسف، بينما تعد -في رأيي- أهم وزارة في بلادنا».

الدكتور عبد العزيز قنصوة القائم بأعمال وزير الثقافة خلال اجتماعه باللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة)

ويلفت إلى أنه «منذ غادر فاروق حسني الوزارة لم نجد وزيراً يدير الثقافة كما يجب، ولا زلنا نأمل أن تظهر وزيرة بكفاءة ووعي الدكتورة إيناس عبد الدايم»، مشدداً على أنه «لا بد من الاهتمام بوزارة الثقافة، وبطريقة اختيار وزير لديه خبرة بالعمل الثقافي، للارتقاء بالوطن والأجيال الجديدة».

ورأت الناقدة الدكتورة عزة هيكل، أستاذة الأدب المقارن، أن «الثقافة تواجه أزمة كبيرة، وإن مشكلات عديدة تتفجر لغياب الوزير المختص بالثقافة والمتفرغ لها في آنٍ واحد»، مؤكدة أنه «لا بد من أن يكون وزيراً تقنياً وسياسياً، وعلى دراية وعلم بمشكلات الثقافة، ولديه رؤية مسبقة في العمل الثقافي»، مؤكدة على مقولة الكاتبة الراحلة فتحية العسّال: «الثقافة مثل رغيف الخبز، لا بد أن تحوز دعماً من الدولة».

أزمات عديدة تنتظر وزير الثقافة المقبل (الشرق الأوسط)

وأشارت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «مشكلة (مهرجان الموسيقى العربية) ترتبط بضعف الميزانية، ولا بد من فكر اقتصادي للثقافة؛ لأن لها بعداً قومياً وثقافياً. كما أن (مهرجان الإسكندرية السينمائي) الذي تقيمه (جمعية كتاب ونقاد السينما) يجب أن يظل تحت إدارة الجمعية التي أسسته»، ولفتت إلى أن «تشكيل اللجنة العليا لـ(معرض القاهرة الدولي للكتاب) كان غريباً، فقد قام الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي، والقائم بأعمال وزير الثقافة، باختيار شخصيات لا علاقة لها بمعرض الكتاب».

وقال الناقد سمير شحاتة، إن «وزير التعليم العالي لم يستطع التصدي لمشكلات الوزارة؛ بل كان طرفاً في بعضها؛ لأنه ليس متخصصاً ولا متفرغاً، ومن حق الثقافة أن يكون لها وزيرها»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «لو كان هناك وزير للثقافة لاستطاع التصدي لأزمة (مهرجان الموسيقى العربية) قبل أن تحدث، بحكم متابعته لأمور وزارته، وما كان سيتدخل لإقامة وزارته (مهرجان الإسكندرية) الذي أسسته جمعية عريقة تجاوز عمرها نصف قرن».