كريكور ولور... حبٌّ من عمر المنقوشة ومتّقدٌ كما نارها

قصة أحد أقدم الأفران يرويها «جدّو وتيتا» المناقيش اللبنانية

كريكور آرويان وزوجته لور الحاج... 6 عقود من الحب وصناعة المنقوشة (الشرق الأوسط)
كريكور آرويان وزوجته لور الحاج... 6 عقود من الحب وصناعة المنقوشة (الشرق الأوسط)
TT

كريكور ولور... حبٌّ من عمر المنقوشة ومتّقدٌ كما نارها

كريكور آرويان وزوجته لور الحاج... 6 عقود من الحب وصناعة المنقوشة (الشرق الأوسط)
كريكور آرويان وزوجته لور الحاج... 6 عقود من الحب وصناعة المنقوشة (الشرق الأوسط)

من أجل الوصول إلى «فرن كريكور»، يجب العبور في منطقةٍ تُعرَف بـ«وادي الجماجم» لفَرط وعورتِها، لكنّ الوجهة تستحق عناء الرحلة.

لا يشبه هذا الفرن القابع فوق تلّة بسكنتا الشاهقة أي مكانٍ آخر يقدّم المنقوشة اللبنانية. بحَنيةِ ظهره الثمانينيّ وعُقَدِ أصابعه التي لم تعرف سوى العجن والخَبز، يقف كريكور آرويان أمام فرنه الحجريّ. «هذا ليس عملاً ولا الهدف منه جني المال، بل هو موعدٌ يوميٌّ مع حب الناس». هكذا يتحدّث كريكور لـ«الشرق الأوسط» عن مَخبزه الصغير، الذي يغصّ بالزوّار كلّما غاب المطر وأشرقت الشمس.

صناعة المنقوشة ليست عملاً بالنسبة لكريكور بل موعد يوميّ مع حب الناس (الشرق الأوسط)

«أحببتُ الخبز وخابزَه»

تكتمل سيرة الحب عندما تطلّ لور برأسها من الباب. يلفّ شعرَها الأبيض منديلٌ أزرق وتضيء وجهَها ابتسامةٌ متّقدة، كتلك النار الراقصة داخل الفرن الذي بناه زوجُها حجراً حجراً قبل 60 عاماً.

«عمرُ قصتِنا من عُمر هذه الحجارة»، يخبر كريكور. «خلال مراهقتي اعتدت أن أقصد الفرن لأنّي أحببتُ خبزه الطازج»، تكمل لور قبل أن تبوح ضاحكةً ببقيّة الحكاية: «لم أحبّ الخبز فحسب بل خابِزَه كذلك». فكريكور تحوّلَ من جارٍ للعائلة يساعد لور وشقيقتها في الفروض المدرسيّة، إلى الشاب الذي خفقَ له قلب الصبيّة.

كريكور ولور أمام مخبزهما في بلدة بسكنتا اللبنانية (إنستغرام)

بلغ «فرن كريكور» ذروة الشُّهرة قبل 10 سنوات. كانت لوسائل التواصل الاجتماعي اليد الطولى في تعريف الناس عليه. تحوّلت بلدة بسكنتا التي تبعد 40 كيلومتراً عن بيروت مقصداً للبنانيين وللزوّار من مختلف أنحاء العالم. لم تُنادِهم طبيعة المنطقة الخضراء، ولا رائحة المنقوشة فحسب، بل خصوصيّة هذا الثنائيّ المتقدّم في العمر والحب.

خلال السنوات الـ10 الأخيرة تحوّل الفرن إلى مقصد للزوّار من لبنان والعالم (إنستغرام)

«بدنا نروح خطيفة»

في أحد الأيام المُثلجة من مارس (آذار) 1966، أطفأ كريكور نار الفرن وتوجّه كالسهم إلى المدرسة، حيث كانت تُدرّس لور اللغتَين العربية والفرنسية. انتظر خروجها بعد نهاية الدوام، ووقفَ أمامها سائلاً إياها إن كانت جاهزة: «بدنا نروح خطيفة! أو بتمشي معي أو روحي على بيت أهلك وخلص».

الشابة التي رفضت عدداً كبيراً من «العرسان» رغماً عن إرادة والدها، لأنها رغبت في «الزواج عن حب»، لم تفكّر مرتين. «من دون حقيبة ملابس ولا أيٍّ من أغراضي الخاصة، رحت خطيفة مع كريكور»، تعود لور بالذاكرة 60 سنة إلى الوراء. يسمع كريكور الحكاية على لسان شريكة عمره مبتسماً، وهو يتابع خَبزَ منقوشة الجبنة والزعتر.

بحَنيةِ ظهره وعُقَدِ أصابعه التي لم تعرف سوى العجن والخَبز يقف كريكور أمام فرنه الحجريّ (الشرق الأوسط)

الحب للزواج كما النار للمنقوشة

يُطلقُ حِكمتَه الخاصة عن العلاقات الزوجيّة التي تُعمّر: «هل يمكنك أن تصنعي منقوشة من دون نار؟ هكذا هو الحب بالنسبة للزواج... كما النار التي تُنضج العجينة».

لم تندم لور على قرارها ذاك، الذي كلّفها غضب والدها وتهديدَه بقتلها، قبل أن يهدّئ الأقرباء روعَه ويرضى عنها. وهي لم تتردّد كذلك في ترك التدريس والانضمام إلى كريكور في فرنه بعد الزواج: «من محبّتي له أحببت المصلحة». اليوم، وبعد عمرٍ مضى وسنواتٍ انقضت أمام لهيب الفرن، ما زالت لور تكرّر: «لستُ نادمة على اختياري كريكور».

بعد الزواج تركت لور التدريس وانضمّت إلى كريكور في الفرن (الشرق الأوسط)

خلطات جريئة وديكور أثريّ

لم يورثا أولادهما ولا الأحفاد سرّ الحرفة المتعِبة. ولا أحدَ يعاونهما في مشروعهما الناجح، لأنهما يصرّان على أن يكون كل شيءٍ من صناعة أيديهما. لقد أبليا حسَناً في ذلك فابتكرا خلطاتٍ لا تُحصى للمناقيش، كما الموتزاريلا مع الزعتر الأخضر، أو القاورما مع البيض والجبن، أو مربّى التين مع الجبن والجوز، وغيرها الكثير الذي يُضاف إليه ما يطلبه الزبائن من خلطاتٍ غير مألوفة، لا يمانع كريكور في تنفيذها.

«لكن قبل أن نضيف أي خلطة جديدة إلى قائمة الطعام التي أكتبها بخطّ يدي على صحون من الكرتون، يجب أن نكون قد جرّبناها وتذوّقناها لور وأنا»، يشرح كريكور.

قائمة الطعام مكتوبة بخطّ يد كريكور على صحون من كرتون (الشرق الأوسط)

تتناقض الحداثة في طريقة تحضير المنقوشة وتقديمها، مع تفاصيل المكان. في «فرن كريكور»، بقي كل شيء على ما كان عليه قبل 60 سنة وهذا جزءٌ من السحر. يلتصق بالسقف السُّخام الأسوَد الناتج عن دخان الفرن، لمبة واحدة تضيء المساحة الصغيرة، وبعضُ الصور التي على الجدران بَهُتَ لونها. وحدَها طاقة لور وكريكور لم تنضُب.

بقيت هي «الفتاة الطبيعية التي لديها حضارة أولاد القرى»، وفق توصيف زوجها. أما هو فاستند إلى كرامتِه عكازاً. عندما ينتهي دوام الفرن بعد الظهر، يتابع كريكور مهامه في المنزل. على خلاف معظم أبناء جيله، يفاخر بأنه يساعد لور في الطهو والتنظيف وغسل الصحون.

وفي أيام الاستراحة، يترافقان إلى الحقول لجمع النباتات وقطف الأعشاب. فإلى جانب فنّ المنقوشة، يحترف الثنائيّ صناعة المونة من ماء الورد، وماء الزهر، والمربّى، والسمّاق، وغيرها من المواد الغذائية الطبيعية.

المونة اللبنانية من صناعة كريكور ولور (الشرق الأوسط)

«زوّارنا مثل أولادنا...»

كما لم تغيّر الشهرة التي نالها «فرن كريكور» شيئاً في الديكور، فهي لم تنعكس كذلك على سلوك أصحاب المكان. كل ما منحتهم هو الفرح بالوافدين من الناس؛ «زوّارنا هم مثل أهلنا، وباب بيتنا مفتوح أمامهم إذا رغبوا في تحضير القهوة أو الشاي، أو حتى الاستراحة من عناء الطريق. منهم مَن بات ينادينا جدّو كريكور وتيتا لور».

وهبَتهُما الحياة 3 أولاد ثم أخذت واحداً منهم. هذا الجرح الذي يحفر عميقاً في قلبَي كريكور ولور، لم يسلبهما البسمة ولا إرادة الاستمرار. وكلُّ من يقصدهما سعياً وراء منقوشة شهيّة وجلسة على طرف أحد أجمل وديان لبنان، سيغادر مشحوناً بحنان الوالدَين الذي يبثّانه حولهما.

خلطاتٌ منوّعة للمناقيش وجلسة مطلّة على أحد أجمل وديان لبنان (إنستغرام)

انقضى أكثر من 40 دقيقة على إشعال النار في الفرن وإدخال عجينة الزعتر والجبنة إليه. هنا، يجب الانتظار وعدم التذمّر من الجوع، فكريكور ولور لا يتسابقان مع الساعة؛ «المنقوشة الشهيّة، كما الحب الصلب، تُخبَز على نار الصبر».


مقالات ذات صلة

موسيقى فبراير... النصف الأول حبّ والثاني تترات مسلسلات

يوميات الشرق موسيقى فبراير... النصف الأول حبّ والثاني تترات مسلسلات

موسيقى فبراير... النصف الأول حبّ والثاني تترات مسلسلات

تنوّعت إصدارات الشهر ما بين أغانٍ عاطفية احتفت بعيد الحب، وتترات مسلسلات واكبت انطلاقة دراما رمضان 2025.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق لوحات الفنانة فاطمة حسن مشحونة بالمشاعر (الشرق الأوسط)

«إيكادولي»... معرض مصري يستلهم الحبّ في النوبة

الاهتمام بالتفاصيل والقدرة على نقل المشاعر، من خلال الإيماءات والسرد البصري، يجعلان أعمال المصرية فاطمة حسن تعبيرات متنوّعة عن العاطفة والمودّة.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق الأمير البريطاني ويليام وزوجته كيت ميدلتون (رويترز) p-circle

للمرة الأولى... ويليام وكيت ينشران صورة احتفالاً بـ«عيد الحب»

نشر الأمير البريطاني ويليام وزوجته كيت ميدلتون صورة لهما في غابة للاحتفال بعيد الحب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق رجل إندونيسي وشريكته التايلاندية يحضران حفلاً بمناسبة عيد الحب (إ.ب.أ)

«مفجر الحب»... خبيرة تكشف أكثر أنواع الشركاء المحتملين سمية

هل سبق لك أن قابلت شخصاً بدا معجباً بك للغاية؟ شعرت بالسعادة معه، ولكن بدا الأمر جيداً لدرجة يصعب تصديقها؟

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بالونات عيد الحب تُعرض داخل أحد المتاجر بأميركا (أ.ب)

العالم يتحضر لـ«عيد الحب»... كيف بدأ؟ وما أبرز التقاليد؟ (صور)

يتحضَّر الكثير من الأشخاص حول العالم للاحتفال بـ«عيد الفالنتاين» أو ما يُعرف بعيد الحب، الذي يصادف يوم 14 فبراير (شباط).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.