«إيكادولي»... معرض مصري يستلهم الحبّ في النوبة

30 لوحة زيتية لفاطمة حسن تُشكّل تعبيرات متنوّعة عن العاطفة والمودّة

لوحات الفنانة فاطمة حسن مشحونة بالمشاعر (الشرق الأوسط)
لوحات الفنانة فاطمة حسن مشحونة بالمشاعر (الشرق الأوسط)
TT

«إيكادولي»... معرض مصري يستلهم الحبّ في النوبة

لوحات الفنانة فاطمة حسن مشحونة بالمشاعر (الشرق الأوسط)
لوحات الفنانة فاطمة حسن مشحونة بالمشاعر (الشرق الأوسط)

طوال تاريخ الفنّ، كان الحبّ موضوعاً حاضراً في أعمال التشكيليين. يستخدم كل فنان منظوره وأسلوبه الخاص لاستكشاف الجوانب المتعدّدة للعلاقة العاطفية والمشاعر الرومانسية. وبالتزامن مع عيد الحبّ، يأتي معرض الفنانة التشكيلية المصرية فاطمة حسن في غاليري «دروب»، فتلتقط ملامح الحبّ النقي في الثقافة والحياة النوبية.

«إيكادولي» عنوانُه؛ وهي كلمة تعني «أحبك» باللغة النوبية المعروفة في جنوب مصر، اختارتها الفنانة في إشارة إلى ثيمة أعمالها، وهي الحبّ. تقول: «الحبّ شيء رائع ومتعدّد الأوجه؛ لذا هو موضوع مهيمن ومتكرّر في الفنّ، فلا شيء أكثر رومانسية من تحويل هذا الشعور العميق والصادق إلى عمل فنّي».

وعن سبب اختيار اللغة النوبية للتعبير، تضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أسافر إلى أسوان كثيراً، خصوصاً غرب سهيل في النوبة. يدفعني حنين لا ينقطع للذهاب إليها، وأجدني هناك أحبّ كل شيء. قلبي يفتح نوافذه على عالم يشبه الجنّة، تملؤه المحبّة والمودّة، وفيه ترافقني فرشاتي وألواني، فأرسم تلك البيئة المشحونة بالمشاعر. وهناك أيضاً أهزم أحزاني العابرة، وأظلّ في غفوة تغلّفها السعادة، وخلالها أقول من كل قلبي (إيكادولي) للجميع».

الحبّ في النوبة موضوع معرض «إيكادولي» (الشرق الأوسط)

الاهتمام بالتفاصيل والقدرة على نقل المشاعر، من خلال الإيماءات والسرد البصري، يجعلان أعمالها تعبيرات متنوّعة عن العاطفة والمودّة. فهي لا تصوّر قصص الحبّ بين الرجل والمرأة فحسب، بل تضيء أيضاً على الموضوعات الأوسع نطاقاً للحبّ والألم، وتعقيدات العلاقات الإنسانية.

في هذا السياق، يطالعنا من داخل مجموعة من اللوحات أطفال يمرحون هنا وهناك، من دون أن يقيّد أحدهم حرّيتهم. على الجانب الآخر، تعرض في بعض أعمالها سحر اللقاءات الرومانسية وحلاوتها؛ ففي إحدى لوحاتها، مثلاً، تصوّر رجلاً وامرأة وسط الزهور في سعادة غامرة، وفي أخرى نلتقي بزوجين في مقتبل العمر يمثّلان السند بعضهما للآخر، كما نتعرّف إلى فتيات طازجات المشاعر، يظهرن بمفردهن أو في جلسات جماعية. نظرات عيونهن وإشراقة وجوههن تشي بأنّ حديثهن يدور حول الحبيب الغائب، أو فارس الأحلام المُنتظر.

فتيات حالمات مُشرقات من أعمال الفنانة (الشرق الأوسط)

تستحضر الفنانة الألوان والتفاصيل الدقيقة والمزاج المرح أحياناً، مما يُضفي على لوحاتها شعوراً بالشغف الشبابي وبهجة المغازلة البريئة، بينما تأتي لوحات أخرى مشحونة عاطفياً ودرامياً بحبّ الوطن، والحبّ الأبوي، وحبّ الأصدقاء، وحبّ الحياة، وحبّ الأطفال لألعابهم التقليدية القديمة.

واللافت أنّ النعومة تسيطر على فتيات لوحاتها البالغة 30 في المعرض؛ وعن ذلك تقول: «تأثّرتُ كثيراً، كما أشرت، بسفري إلى النوبة، حيث المرأة الجميلة ذات العينين الواسعتين؛ الناعمة، التي تتّسم بقدر كبير من الرقة، والطيبة، ورهافة الحسّ».

وتتابع: «للتعبير عن هذه السمات، أستخدم الدرجات الدافئة والمبهجة غير الصارخة، مع الاستعانة بالألوان الزيتية، وهي بطبيعتها دافئة؛ لتتوافق مع فكرة المعرض».

لم تكن مصادفة أنّ المعرض يُقام في وقت متزامن مع «عيد الحبّ»، الموافق 14 فبراير (شباط) من كل عام. فتوضح التشكيلية التي تعمل صحافية في مؤسّسة «أخبار اليوم»: «تعمّدتُ ذلك، فقد انتهيت من أعمال المعرض قبل مدّة، لكنني فضّلتُ الانتظار حتى هذا الموعد».

وتضيف: «سبق أن فعلت الأمر عينه في المعرض السابق الذي أقمته بالتزامن مع عيد المرأة في مارس (آذار) 2024؛ فقد انعكس عملي بالصحافة على فنّي، واعتدتُ متابعة الحدث ومواكبته في معارضي لتتزامن مع المناسبات المهمّة».

الفنانة المصرية فاطمة حسن رسمت الحبّ بأسلوبها (الشرق الأوسط)

إلى جانب اللوحات المعبِّرة عن الحبّ، اتّسمت بعض أعمال الفنانة بتناول قضايا مجتمعية شائكة تعكس مخزونها الإنساني الذي اكتسبته من عملها في صفحة متخصّصة بـ«محاكم الأسرة» بجريدة «الأخبار» المصرية. توضح: «في هذه الصفحة، التقيتُ بقصص إنسانية مؤثّرة ومآسٍ كثيرة. ففي إطار عملي، أقرأ أسبوعياً قصصاً حقيقية عن الجرائم والانفصال والقتل، أكاد أجزم أنها أكثر وجعاً وألماً وقسوة من أي عمل درامي نصفه بالمبالغة والتهويل، وقد اعتدتُ أن أجسِّد ذلك كله من خلال (الأليستريشن) والرسوم المُصاحبة لهذه القصص».

لوحة ترمز إلى حبّ البيت والوطن (الشرق الأوسط)

انعكس ذلك أيضاً على أسلوبها الفنّي في المعرض المستمرّ حتى 20 فبراير الحالي؛ إذ تشعر لدى مشاهدة لوحاتها بالتعبيرية، من خلال الملامح والتعبيرات الحنونة والعاطفية على وجوه شخوصها الذين تنقل عيونهم شعوراً بالمودّة المُتبادلة والتفاهم.

وتضيف طريقة استخدامها للضوء والظلّ إلى الكثافة العاطفية للوحة؛ إذ يُضيء الوجوه والنفوس، في حين تترك الخلفية في كثير من أعمالها هادئة، تكاد تخلو من التفاصيل أو الألوان الزاهية؛ لجذب تركيز المُشاهد إلى الارتباط العاطفي بين الشخوص، أو إلى المشاعر الجيّاشة التي تراود الفتيات، وتكاد تجعلهن يحلّقن في عوالم من الأحلام والحبّ والشوق والشجن.


مقالات ذات صلة

نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

يوميات الشرق نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

يريد نبيل نحاس لزوّار الجناح أن يعيشوا تجربةً تأمّليةً أمام هذه الجدارية المركّبة، قبل أن ينشغلوا بفهم فحواها.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق تفتح جدران صالة الأمير فيصل بن فهد للفنون النوافذ للتعرُّف إلى الفنانَيْن (الشرق الأوسط)

الرياض تستعيد ذاكرة المكان... المسعري ومغربل في احتفاء بروّاد الفنّ السعودي

تضمّ هذه النسخة من السلسلة أعمال الفنانَيْن سعد المسعري والدكتور فؤاد مغربل، اللذين أسهما بشكل بارز في تطوير الفنون البصرية في السعودية...

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق تصاميم هندسية من الأماكن المدمرة (الفنانة وهيئة الفنون البصرية)

الفسيفساء تنتصر للأطلال في الجناح السعودي بفينيسيا

في فينيسيا، ينفرد عمل عورتاني على كامل مساحة الجناح السعودي مثل سجادة من الفسيفساء المصنوعة من قوالب الطوب الملونة، وينقسم العمل لثيمات بصرية مختلفة.

عبير مشخص (الرياض - لندن)
لمسات الموضة الممثلة سارة بولسون خلال الحفل بإطلالة تثير الكثير من التساؤلات حول معانيها السياسية الرافضة لنفوذ المال (إ.ب.أ)

«ميت غالا 2026» يُشعل جدل علاقة المال بالفن

مساء الاثنين الماضي، كانت الموضة فناً قائماً بذاته. هذا هو عنوان حفل الميتروبوليتان 2026، الحدث السنوي الذي يقيمه متحف ميتروبوليتان في نيويورك.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق حوش النخيل على ضفاف النيل من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

«تقاسيم»... معرض قاهري على إيقاع الأبيض والأسود

تطل أبراج الحمام فوق البيوت الريفية وفي الخلفية تعلو قامة النخيل الذي يحرس الأرض ويظللها من لهيب الشمس، فيما تسير المراكب أو ترسو بحنوٍّ على صفحة المياه.

محمد الكفراوي (القاهرة )

مصر: سقوط تشكيل عصابي باع أراضي بزعم احتوائها على مقابر أثرية

جانب من المضبوطات لدى التشكيل العصابي (وزارة الداخلية المصرية)
جانب من المضبوطات لدى التشكيل العصابي (وزارة الداخلية المصرية)
TT

مصر: سقوط تشكيل عصابي باع أراضي بزعم احتوائها على مقابر أثرية

جانب من المضبوطات لدى التشكيل العصابي (وزارة الداخلية المصرية)
جانب من المضبوطات لدى التشكيل العصابي (وزارة الداخلية المصرية)

أعلنت وزارة الداخلية المصرية عن ضبط تشكيل عصابي بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) تخصص نشاطه الإجرامي في النصب والاحتيال على المواطنين، والاستيلاء على أموالهم من خلال إيهامهم بتمكنهم من العثور على مقابر أثرية أسفل قطع أراضٍ، والحصول منهم على مبالغ مالية كمقدمات لشراء تلك الأراضي.

ووفق بيان لـ«الداخلية المصرية»، فقد تم ضبط 33 عنصراً، بينهم 5 سيدات و14 منهم لديهم معلومات جنائية، في إطار مكافحة جرائم النصب والاحتيال على المواطنين، والاستيلاء على أموالهم؛ إذ قاموا بالنصب على ضحاياهم بعرض بعض القطع الأثرية «المقلدة» عليهم، والتأكيد على أنها مستخرجة من إحدى قطع الأراضي المشار إليها، وتعريفهم ببعض المتهمين بزعم كونهم خبراء آثار؛ إذ يؤكدون لهم أن «القطع التي عُثر عليها» أثرية.

واستهدفت قوات الأمن عناصر التشكيل في أماكن وجودهم بعدد 3 فيلات مستأجرة بدائرة قسم شرطة أول أكتوبر بالجيزة اتخذوها مسرحاً لمزاولة نشاطهم الإجرامي، وأمكن ضبطهم، وضُبط بحوزتهم «11 سيارة ملاكي، وبندقيتان خرطوش، و34 قطعة أثرية (مقلدة)، وملابس أميرية، وأجهزة لا سلكية، وكمية من المشغولات الذهبية، ومبالغ مالية محلية وأجنبية (من متحصلات نشاطهم الإجرامي)، ودفاتر إيصالات أمانة (مزيلة بتوقيعات وبصمات مختلفة لعدد من الضحايا)، ومبالغ مالية (مزورة)»، وأثناء الضبط تبين وجود 9 من المجني عليهم حال سدادهم مبالغ مالية لعناصر التشكيل، وبمواجهة المتهمين اعترفوا بنشاطهم الإجرامي، واتهمهم المجني عليهم بالنصب والاحتيال.

التشكيل العصابي الذي ضبطته «الداخلية» (وزارة الداخلية المصرية)

و«يعد التنقيب عن الآثار في مصر عملاً مجرّماً قانوناً إذا تم من دون ترخيص رسمي من الجهات المختصة (المجلس الأعلى للآثار)، وقد غلّظ المشرّع المصري العقوبات في هذا الشأن لحماية التراث القومي»، وفق تصريحات للدكتور محمد جلال عبد الرحمن، الخبير القانوني.

ويُعاقب القانون كل من قام بالتنقيب عن الآثار، سواء كانت المنطقة مسجلة منطقة أثرية أو أرضاً خاصة، ما دام الحفر تم بقصد البحث عن الآثار، وتصل العقوبة إلى السجن المؤبد، وغرامة لا تقل عن مليون جنيه، ولا تزيد على 5 ملايين جنيه، خاصة عند الاتجار أو التنقيب غير المشروع.

ويضيف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أن «المادة (42) من قانون حماية الآثار رقم (117) لسنة 1983تعاقب بالسجن مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 7 سنوات، وغرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه، ولا تزيد على مليون جنيه، لمن أتلف أو هدم أثراً عمداً أو أجرى تنقيباً. وكذلك تتم مصادرة الآلات والأدوات والمعدات المستخدمة في التنقيب»، كما يشير عبد الرحمن إلى عقوبة جرائم النصب والاحتيال المتهم فيها التشكيل العصابي، والتي تتراوح وفقاً للمعاملات والأموال والوقائع التي ارتكبوها، وأبرزها مرتبطة بجريمة النصب التي تحدد عقوبتها المادة «336» من قانون العقوبات المصري، فضلاً عن جرائم «التهديد» و«التزوير» و«انتحال الصفة».

في حين يصف الخبير الآثاري المصري، أحمد عامر، فكرة «النصب والاحتيال المرتبطة بالاتجار في الآثار، بأنها أصبحت بوابة لمن يريدون الثراء السريع من دون النظر إلى العواقب»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه الجرائم تتكرر بشكل مستمر، حتى إن العصابات لا تنتبه أو تكترث للتجارب السابقة، والقبض على الكثير منهم بمعرفة رجال الشرطة، بسبب بحثهم عن الثراء السريع، ومن يقع في فخاخ النصب هذه يعتقد أنه من خلال الآثار سوف يعيش رفاهية مادية طوال حياته».

وأشار عامر إلى أن المغامرة التي يقوم بها الكثيرون ترجع وفقاً لاعتقادهم إلى أن العائد المادي يستحق ذلك من وجهة نظرهم؛ فعلى الرغم من أن بعض المغامرين ينجحون في الوصول إلى هذه الآثار، نجد أن هناك من يلاقي الحظ السيئ، أو النهاية المأساوية.


هل حصل هاني شاكر على «وداع لائق»؟

شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
TT

هل حصل هاني شاكر على «وداع لائق»؟

شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)

أعادت الانتقادات التي صاحبت جنازة وعزاء هاني شاكر (1952-2026) الحديث حول ما إذا كان المطرب المصري الملقب بـ«أمير الغناء العربي» قد حصل على «وداع لائق» يناسب مكانته الفنية من عدمه.

وأقيمت مراسم الجنازة والعزاء في مسجد «أبو شقة» داخل أحد التجمعات السكنية في ضاحية السادس من أكتوبر، وهو مسجد بعيد نسبياً عن حركة المواطنين ويصعب الوصول إليه من دون سيارة خاصة.

ورغم حضور المئات من محبي الفنان الراحل لصلاة الجنازة والعزاء يومي الأربعاء والخميس، فإن انتقادات وجهت لاختيار المسجد باعتبار أن موقعه واختياره تسببا في غياب الكثير من جمهور الفنان الراحل الذي كان يرغب في توديعه والمشاركة في مراسم الجنازة والعزاء.

ومن بين المنتقدين لاختيار المسجد، المخرج السينمائي خالد يوسف الذي كتب تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» تحت عنوان «لماذا حرموك من مشهد مهيب في وداعك يا هاني؟» عادّاً اختيار المسجد حرم الراحل من مشهد «وداع مزدحم بجماهيره»، مؤكداً أن الفنانين الكبار الباقين في ذاكرتنا تهافتت الجماهير على المشاركة في تشييعهم.

واعتبر أن ما حدث باسم «التنظيم» و«الرغبة في تجنب المتطفلين» أو «الزحام المحتمل» ليست أسباباً كافية وأن أسرته كان عليها تحمل التعب والإرهاق لخروج الجنازة بصورة تليق به.

جنازة هاني شاكر (نقابة الصحفيين المصريين)

وشهدت جنازة وعزاء هاني شاكر إجراءات «منضبطة» مع تخصيص أماكن للصحافيين والمصورين، بجهود مشتركة بين نقابة الصحافيين والشركة المسؤولة عن تنظيم العزاء من نقابة الموسيقيين، وهو ما حدّ بشكل كبير من التجاوزات التي كانت تُرصد في جنازات وعزاءات المشاهير خلال الفترة الماضية.

وأكد الناقد المصري أحمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بالرغم من كون الدخول والخروج من المسجد أمراً سمح به دون مشكلات، فإن اختيار موقعه تسبب في الحد بشكل كبير من الحضور الجماهيري المتوقع لنجم مثل هاني شاكر»، مشيراً إلى أن «ما حدث حوّل العزاء والجنازة لتكون نخبوية بحضور الشخصيات العامة وزملائه».

واتشحت مواقع التواصل الاجتماعي بحالة من الحزن مع استذكار مقاطع فيديو للقاءات سابقة أجراها هاني شاكر بها أحاديث عن حياته وحبه لزوجته واللحظات الصعبة في حياته، ومن بينها رحيل ابنته دينا بعد صراع مع مرض السرطان في شبابها، بالإضافة لصدمته في الوفاة المفاجئة لوالدته في يوم عيد الأم نفسه.

وقالت الناقدة الفنية مها متبولي إن «الراحل كان يستحق جنازة شعبية حقيقية نظراً لتاريخه الفني الطويل ومسيرته التي لم تشهد خلافات، وأعماله الفنية التي ستظل خالدة في الوجدان العربي وليس المصري فقط»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الأمر تمثل في حضور عدد كبير من الفنانين للعزاء والجنازة».

جنازة هاني شاكر (نقابة الصحفيين المصريين)

وشهد العزاء الذي أقيم مساء الخميس، حضور عدد كبير من الفنانين، منهم أنغام، ويسرا، ومصطفى قمر، وحمادة هلال، ولبلبة، ونادية الجندي، وإلهام شاهين، وسلاف فواخرجي، ووائل جسار، ومحمد الحلو، وماجد المصري، وكارول سماحة، فيما تلقى نجله شريف العزاء برفقة والدته التي استقبلت السيدات المعزيات.

وكان لافتاً عبر مواقع التواصل الاهتمام بغياب حضور الفنان عمرو دياب للجنازة والعزاء، وكذلك أحمد سعد الذي تعاون مع هاني شاكر في مشاريع فنية أخيراً، لكن سعد كان لديه حفل غنائي في توقيت العزاء نفسه، مما عرضه لانتقادات «سوشيالية».

وتؤكد مها متبولي أن «الحضور الكبير في العزاء من نجوم مصريين وعرب عبّر بشكل واضح عن مكانة هاني شاكر الذي يُعد من أهم نجوم الغناء»، لافتة إلى أن كل شخص يكون لديه ظروف خاصة أو ارتباطات قد تحول بينه وبين حضور العزاء.

وهنا يشير أحمد سعد الدين إلى أن «مكانة هاني شاكر لدى جمهوره وزملائه كبيرة والتعبير عنها إن تعذر بحضور الجنازة أو العزاء بشكل مباشر نظراً لمكان إقامتهما فإن التدوينات التي كتبت عبر مواقع التواصل، سواء لذكريات مع أغانيه أو ذكريات وتأثير لها لا يزال مستمراً، أكبر دليل على مكانته التي كان تحتم وداعاً له بشكل أفضل».


رحيل «عميد الأغنية المغربية»... عبد الوهاب الدكالي يودع «كان يا ما كان»

الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)
الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)
TT

رحيل «عميد الأغنية المغربية»... عبد الوهاب الدكالي يودع «كان يا ما كان»

الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)
الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)

غيَّب الموت، صباح اليوم الجمعة، الموسيقار المغربي عبد الوهاب الدكالي عن عمر ناهز 85 عاماً، بعد صراع مع المرض لم يمهله كثيراً، ليرحل تاركاً وراءه خزانة موسيقية تعد من أنفس ذخائر الفن العربي المعاصر، وصفحة مطوية من زمن الريادة الذي صاغ هوية الأغنية المغربية الحديثة.

وبوفاة الدكالي، تفقد الساحة الفنية العربية، ليس فقط مطرباً وملحناً، بل «مؤسسة فنية» متكاملة الأركان، فالرجل الذي لُقب بـ«العميد»، لم يكن مجرد مؤدٍّ للألحان، بل كان مثقفاً موسيقياً استطاع بعبقريته الفذة أن ينقل الأغنية المغربية من نطاقها المحلي الضيق إلى رحابة العالمية، جامعاً في نسيجه اللحني بين أصالة المقامات الشرقية، وخصوصية الإيقاع المغربي، وروح التجديد الغربي.

فلسفة اللحن والأداء

بدأت رحلة الدكالي في مدينة فاس العريقة عام 1941، حيث تشبع بروح الأندلس وعمق التراث، لكن طموحه كان يرمي دوماً إلى ما وراء الأسوار. انطلق في أواخر الخمسينات، وفي حقبة الستينات والسبعينات، كان قد نجح بالفعل في نحت شخصية فنية فريدة، فهو «المسرحي» الذي يجسد الأغنية بحركات جسده وتعبيرات وجهه، وهو «التشكيلي» الذي يرسم باللحن صوراً شعورية معقدة.

خلّف الراحل إرثاً يصعب حصره، لكن تظل أيقونته «مرسول الحب» بمثابة النشيد العابر للأجيال والجغرافيا، وهي الأغنية التي كسرت حواجز اللغة واللهجة، وظل يرددها العرب من المحيط إلى الخليج لعقود. كما شكلت أعمال مثل «كان يا ما كان»، و«ما أنا إلا بشر»، و«أنا والغربة»، محطات فاصلة في تاريخ التلحين العربي، حيث قدم فيها الدكالي حلولاً موسيقية مبتكرة، تميزت بالدراما والعمق الفلسفي.

الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (و.م.ع)

تتويج بمداد الذهب

لم تكن مسيرة الدكالي مجرد أرقام أو سنوات، بل كانت سلسلة من الإنجازات التي وثقتها أرقى الجوائز والأوسمة. فقد توج الراحل بـ«الأسطوانة الذهبية» عن رائعته «ما أنا إلا بشر»، التي لا تزال تتردد في جنبات العالم العربي كواحدة من أيقونات الموسيقى الإنسانية.

وفي المغرب، ظل الدكالي رقماً صعباً في معادلة الإبداع، حيث انتزع الجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية المغربية بالمحمدية عام 1985 عن أغنيته الخالدة «كان يا ما كان»، ليعود ويؤكد علو كعبه بحصده الجائزة ذاتها في مهرجان مراكش عام 1993 عن أغنية «أغار عليك»، التي جسدت قدرته على تطويع المقامات الموسيقية برؤية عصرية.

ريادة عابرة للحدود

تجاوزت شهرة الدكالي الحدود الجغرافية، حيث فرض حضوره في القاهرة، قلب العروبة النابض بالفن، وظفر بـالجائزة الكبرى لمهرجان القاهرة سنة 1997 عن عمله الفلسفي «سوق البشرية». هذا الحضور الطاغي جعل الأنظار تتجه صوبه بوصفه رمزاً ثقافياً؛ إذ اختير أفضل شخصية في العالم العربي لعام 1991، بناءً على استفتاء أجرته مجلة «المجلة» الصادرة عن «الشركة السعودية للأبحاث والنشر»، وهو التكريم الذي يعكس مكانته المرموقة في وجدان الجمهور والمثقفين العرب على حد سواء.

تكريم الفاتيكان

ولم يتوقف صدى فنه عند حدود المنطقة العربية، بل امتد ليتلقى تقديراً عالمياً استثنائياً، حيث تم تكريمه من قبل الفاتيكان في مناسبتين، في لفتة تبرز البعد الإنساني والرسالة الحضارية التي كان يحملها في نوتاته الموسيقية، بوصفه فناناً يدعو للحب والسلام والتعايش.

وبين مرسمه في الدار البيضاء ومسارح العالم التي صفق لها الجمهور طويلاً، يترجل الفارس اليوم، لكن صدى صوته سيظل يتردد في أزقة فاس، وساحات الرباط، وقاعات الأوبرا، بوصفه سفيراً فوق العادة للجمال المغربي في أبهى تجلياته.

وبرحيله، تغيب شمس «الكان يا ما كان» التي أضاءت سماء الفن المغربي، لكن ألحانه ستظل حية، تحكي قصة فنان لم يكتفِ بالعزف على أوتار العود، بل عزف على شغاف قلوب الملايين.