مصر وإسرائيل... الحديث عن «انتهاكات اتفاقية السلام» لا يهدد بتقويضها

إعلام عبري يزعم أن «الكونغرس سيناقش الخروقات»

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
TT

مصر وإسرائيل... الحديث عن «انتهاكات اتفاقية السلام» لا يهدد بتقويضها

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

حديث إسرائيلي عن «خروقات مصرية» لاتفاقية السلام الموقعة عام 1979 شمل «مزاعم» أن الكونغرس الأميركي سوف يناقش الملف «وقد يتخذ عقوبات اقتصادية بسبب ذلك»، وذلك بالتزامن مع إعلان واشنطن وقف كل المساعدات الخارجية، مستثنية إسرائيل ومصر.

وشدَّدت مصادر مصرية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» على أن «مصر لم تخترق المعاهدة، وإسرائيل هي من أقدمت على تلك الخطوة باحتلالها (محور فيلادلفيا) والجانب الفلسطيني من معبر رفح منذ 7 مايو (أيار) 2024 ورفض أي انسحاب أو جهود أميركية ودولية في هذا الصدد قبل توقيع اتفاق الهدنة في غزة».

وأكدت المصادر أن «مصر توجد في سيناء لمحاربة الإرهاب على مدار سنوات، وبموافقة إسرائيلية، وأي مزاعم عن خروقات، فإن هناك لجنة أمنية تبحث ذلك باستمرار، وهناك اتفاق بشأن (هدنة غزة) يلزِم الجانب الإسرائيلي بالانسحاب من المحور في اليوم الـ50 ولا يجب تبرير البقاء به تحت أي مزاعم أو ضغوط جديدة».

وبينما يعتقد سفير أسبق لمصر لدى إسرائيل أن «تلك التسريبات التي صدرت من منابر غير مؤثرة لا تحمل جدية ولن تؤثر على مسار اتفاقية السلام»، وتحمل نوعاً معتاداً من «الإشغال» الإسرائيلي للجميع، رجح خبير استراتيجي وعسكري مصري، أن تكون تلك التحركات مقصودة للمساس بالمعونة الأميركية لمصر، وتبرير عدم تنفيذ الانسحاب من «محور فيلادلفيا» الذي يقع ضمن بنود المعاهدة التي لن تتأثر بتلك الضغوط.

وزعمت صحيفة «يسرائيل هيوم»، أخيراً، أن الكونغرس الأميركي الذي يسيطر عليه الجمهوريون، حزب الرئيس دونالد ترمب، «سيناقش خروقات مصر لاتفاق السلام، بعد دخول قواتها المستمرة بسيناء والتهديد الاستراتيجي لإسرائيل». ولفتت الصحيفة إلى أنه «ستتم مناقشة هذه القضية، وبحث طلب إعادة تقييم المساعدات لمصر وسحب قواتها في اجتماع مغلق للأعضاء الجمهوريين بواشنطن».


منظر عام لـ«محور فيلادلفيا» على الحدود بين جنوب قطاع غزة ومصر (أ.ف.ب)

ولم يكن ذلك الحديث الإسرائيلي الأول هذا الشهر، ففي مطلع الشهر الحالي، زعمت «القناة 14» الإسرائيلية، انتهاك مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل بأنشطة لوجيستية في وسط سيناء، وبالتزامن تحدثت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن ضرورة وجود بلادها في «محور فيلادلفيا» لدعم أمنها، مشيرة إلى تهديد مصري بتعليق اتفاقية السلام بحال لم تنسحب منه.

ولم يعلق الكونغرس أو الجانب المصري أو الجانب الإسرائيلي على ذلك، غير أن «رويترز» نقلت مذكرة لوزارة الخارجية الأميركية، الجمعة، تكشف عن أن قرار تعليق المساعدات الخارجية، الذي أمر ترمب به لمدة 90 يوماً، ينطبق على المساعدات الجديدة والقائمة، لكنه يشمل إعفاءات للتمويل العسكري لإسرائيل ومصر.

ويعتقد سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل، عاطف سيد الأهل، أن تلك التسريبات التي تخرج من منابر غير ذات حيثية كبيرة بإسرائيل، تثير علامات استفهام، لكن لا تحمل أي جدية بالمستقبل، خصوصاً أن ترمب استثنى تمويل مصر وإسرائيل من قرار تقييم المساعدات، لافتاً لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الواضح حتى الآن أن سياسة ترمب ستحافظ على علاقاتها مع مصر، وبالتالي لا تأثير على المساعدات».

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري، اللواء سمير فرج، أن تلك التقارير الإسرائيلية المتكررة خلال الشهر الحالي الذي يشهد تنفيذ اتفاق «هدنة غزة»، محاولة للضغوط على مصر للتأثير على الموقف الأميركي للإضرار بالمساعدات لمصر، متوقعاً أن «علاقات ترمب مع مصر لن تسمح بحدوث ذلك».

والسبب الثاني لتلك التسريبات، وفق فرج لـ«الشرق الأوسط»، هو تبرير احتمال عدم الانسحاب الإسرائيلي من «محور فيلادلفيا» في اليوم الـ50 كما هو منصوص باتفاق «هدنة غزة»، متوقعاً أن «تُحل تلك الأمور خصوصاً وأن (المحور) لا يحمل قيمة عسكرية لإسرائيل وكان مجرد رسائل للرأي الداخلي فقط».


جانب من الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

وعقب احتلال إسرائيل «محور فيلادلفيا»، في مايو (أيار) 2024، أفادت وسائل إعلام مصرية وإسرائيلية وعربية، بانتشار عسكري مصري شرق معبر رفح وغربه في الجانب المصري، وأفاد أوفير جندلمان، متحدث نتنياهو، وقتها بأن العملية لا تخالف على الإطلاق معاهدة السلام المبرمة بين الجانبين.

ويستبعد عاطف سيد الأهل، أن يكون لتلك المزاعم أي تأثير على معاهدة السلام، متوقعاً أن تلك الأحاديث بمثابة عمليات إشغال معتادة من إسرائيل، لإبعاد الأنظار عن حقائق أخرى خصوصاً وأن إسرائيل تردد عادة أن «اتفاقية السلام أعظم شيء فعلته»، وأن الخروقات تعالج من خلال لجان أمنية كما هو معلوم، ولن تغامر بإلغائها، خصوصاً وجيشها عنده قناعة بأهميتها بينما السياسيون يناورون بخرقها بالوجود بـ«محور فيلادلفيا» ضمن أجندة داخلية وتعبئة شعبوية.

ويرجّح سمير فرج ألا تؤثر تلك الخروقات أو التجاذبات أو التسريبات على معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، مشدداً على أهمية زيادة الضغوط الدولية لكي لا تواصل إسرائيل وضع حجج أو عراقيل للسلام في المنطقة أو تؤخر تنفيذ اتفاق «هدنة غزة».


مقالات ذات صلة

مصادر تكشف لـ«الشرق الأوسط» كواليس لقاءات «فتح» و«حماس» في القاهرة

المشرق العربي فلسطيني يرشق بالحجارة سيارة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في مخيم بلاطة للاجئين قرب نابلس في الضفة الغربية المحتلة يوم الأربعاء (إ.ب.أ) p-circle

مصادر تكشف لـ«الشرق الأوسط» كواليس لقاءات «فتح» و«حماس» في القاهرة

كشفت مصادر فلسطينية عدة عن تفاصيل اللقاءات التي أجراها وفد قيادي من حركة «فتح» مع قيادات وممثلين عن الفصائل -وخاصةً حركة «حماس»- في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق نسرين سكيك (إنستغرام)

من غزة إلى العالم... طفلة فلسطينية تصل إلى نهائيات جوائز صناع المحتوى الرقمي

تأهلت الطفلة الفلسطينية نسرين سكيك إلى نهائيات جوائز صناع المحتوى الرقمي (Digital Creator Awards) لعام 2026، ضمن قائمة تضم ثمانية متنافسين، فماذا تعرف عنها؟

يسرا سلامة (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقّدون منزلاً مدمّراً إثر غارة إسرائيلية غرب مدينة غزة يوم 20 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

7 قتلى بضربات إسرائيلية على قطاع غزة

قُتل سبعة فلسطينيين، الثلاثاء، في ضربات إسرائيلية على قطاع غزة، وفقاً لما أفاد الدفاع المدني المحلي ومستشفيات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نساء يواسين ابنة ناشط في «حماس» بعد مقتله وزوجته في غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

قوة إسرائيلية تختطف ناشطاً في «القسام» من خان يونس

اختطفت قوة خاصة إسرائيلية، بدعم وإسناد من عناصر العصابات المسلحة، ناشطاً في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، بخان يونس جنوب قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج محمد بن سلمان ورجب طيب إردوغان وشهباز شريف عقب توقيع «اتفاقية مكة» (الرئاسة التركية)

إردوغان يحيل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» إلى البرلمان للتصديق عليها

أحال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الثلاثاء، «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقَّعة بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس (آب) الماضي للبرلمان للتصديق عليها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
TT

الأمم المتحدة تتمسك باستقرار ليبيا شرطاً مسبقاً للدستور الدائم

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)
نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)

تتمسك بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بضرورة تحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي، قبل حسم ملف الدستور الدائم، في وقت تتجدد فيه مطالب ليبيين بطرح مشروع الدستور المنجز عام 2017 للاستفتاء الشعبي، باعتباره مخرجاً من دوامة المراحل الانتقالية، التي تعاقبت على البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.

وبدا التباين واضحاً خلال لقاء عقدته نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، مع أكاديميين وأعيان وشيوخ قبائل في جامعة غريان (غرب)، حيث انصب حديث المشاركين على ضرورة الاحتكام إلى الشعب بشأن المسودة الدستورية، وفق بيان للبعثة الأممية، مساء أمس الثلاثاء.

في المقابل، ركزت المقاربة الأممية على الخيارات التي طرحتها اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، وما خلصا إليه من توصيات تربط استكمال الاستحقاق الدستوري بتهيئة ظروف سياسية أكثر استقراراً.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع شيوخ قبائل وأكاديميين في غريان الأحد الماضي (البعثة الأممية)

ولا تزال ليبيا تُدار بموجب الإعلان الدستوري، الصادر عقب إسقاط النظام السابق، فيما بقي مشروع الدستور الذي أنجزته الهيئة التأسيسية المنتخبة في يوليو (تموز) 2017 معلقاً، من دون عرضه على استفتاء عام، وهو ما أبقى الخلاف بشأن الأساس الدستوري الدائم للدولة مفتوحاً طوال سنوات الانقسام السياسي.

وخلال لقاء غريان، عبّر المشاركون عن إحباطهم من استمرار الأزمة، وتكرار المراحل الانتقالية، معتبرين أن بقاء المؤسسات السياسية في مواقعها، وسط الخلاف على شرعيتها، يطيل أمد الأزمة ويؤجل الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.

ورأى أحد الأكاديميين المشاركين أن تكرار تجربة الحكومات الانتقالية يقود إلى إعادة إنتاج المحاولات الفاشلة، في ظل استمرار الهيئات السياسية في تمديد ولاياتها، من دون إتاحة الفرصة أمام المواطنين لتحديد مستقبل النظام السياسي. واعتبر أن الاستفتاء على الدستور «يمثل مدخلاً ضرورياً لتمكين الليبيين من التعبير عن إرادتهم بشأن شكل الدولة ونظام الحكم».

واستحضر أحد الأعيان المحليين مؤتمر غريان لعام 1920، بوصفه محطة في تاريخ الحركة الوطنية الليبية، مشدداً على أن بناء الدولة لا يمكن أن يكتمل من دون دستور دائم يحظى بقبول الشعب. واختصر مشارك آخر مطلب الحاضرين في عبارة «دولة دستور يعني دولة قانون»، في إشارة إلى ارتباط إنهاء المرحلة الانتقالية بإقامة إطار قانوني مستقر، ينظم السلطات والعلاقة بينها.

أعضاء بالهيئة الدستورية لصياغة الدستور الليبي خلال مؤتمر صحافي عام 2014 (الصفحة الرسمية للهيئة)

في المقابل، نقلت خوري إدراك البعثة بأهمية التوصل إلى دستور دائم، موضحة أنها دعمت وستواصل دعم الجهود الليبية لتحقيق هذا الهدف، مع التشديد على أن تقرير مستقبل البلاد الدستوري يظل قراراً سيادياً لليبيين. لكن مقاربة البعثة تستند إلى ما خلصت إليه مساراتها السياسية (اللجنة الاستشارية الليبية والحوار المهيكل) من ضرورة معالجة التحديات القائمة، وتهيئة ظروف أكثر استقراراً قبل حسم الخيارات الدستورية.

وكانت اللجنة الاستشارية، التي شكلتها البعثة، قد خلصت في مايو (أيار) 2025 إلى أربعة خيارات دستورية وانتخابية، شملت إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن، أو انتخاب البرلمان أولاً، ثم اعتماد دستور دائم، أو إقرار الدستور قبل الانتخابات، أو تشكيل لجنة حوار سياسي تتولى استكمال القوانين الانتخابية، وتحديد السلطة التنفيذية ومسار الدستور.

أما الحوار المُهيكل، الذي اختتم أعماله في يونيو (حزيران) الماضي، فقد أوصى مسار الحوكمة فيه بوضع إطار دستوري انتقالي توافقي وملزم، مع تأجيل حسم الدستور الدائم إلى حين استقرار الأوضاع السياسية. وتضمنت التوصيات مراجعة خبراء وطنيين لمسودات الدستور السابقة، وإحالة نتائج المراجعة إلى مجلس الشيوخ بعد انتخابه.

وفي ظل استمرار هذا التباين، يرى نوح عبد السيد، عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي، أن المشكلة لا تكمن في غياب مشروع دستوري جاهز، بل في عدم اتخاذ خطوات عملية لعرضه على المواطنين، رغم إنجازه من هيئة منتخبة.

واستغرب عبد السيد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، عدم تحرك الأمم المتحدة والدول المنخرطة في الأزمة الليبية لدفع الاستفتاء على مشروع 2017، معتبراً أن تجاهله يثير تساؤلات بشأن جدية المواقف الدولية إزاء إنهاء الخلاف الدستوري. وشدد على أن الإشادة بأهمية الدستور لا تكفي ما لم تقترن بإجراءات تتيح لليبيين إبداء رأيهم فيه.

وتساءل عبد السيد عما إذا كانت التصريحات الأممية بشأن دعم الدستور تستهدف احتواء المطالب المحلية، أم تعكس توجهاً عملياً نحو إنهاء حالة الجمود، مشيراً إلى أن الاختبار الحقيقي للمواقف الدولية يتمثل في مدى استعدادها لدعم الاستفتاء على مشروع أنجزته هيئة تأسيسية منتخبة.

وانتهى عضو الهيئة التأسيسية إلى الربط بين استمرار التعثر الدستوري وحسابات القوى الخارجية، معتبراً أن بعض الدول قد تفضل التعامل مع سلطة مركزية مستقرة، حتى وإن اتسمت بطابع سلطوي، على دعم نظام ديمقراطي يتيح تداول السلطة، وتغيير الحكومات عبر الانتخابات.


رفض مصري - يوناني لمصادقة البرلمان الليبي على اتفاق الحدود البحرية مع تركيا

جلسة مجلس النواب الليبي لمناقشة مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع تركيا الثلاثاء (إعلام مجلس النواب الليبي)
جلسة مجلس النواب الليبي لمناقشة مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع تركيا الثلاثاء (إعلام مجلس النواب الليبي)
TT

رفض مصري - يوناني لمصادقة البرلمان الليبي على اتفاق الحدود البحرية مع تركيا

جلسة مجلس النواب الليبي لمناقشة مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع تركيا الثلاثاء (إعلام مجلس النواب الليبي)
جلسة مجلس النواب الليبي لمناقشة مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع تركيا الثلاثاء (إعلام مجلس النواب الليبي)

أعادت مصادقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا ملف ترسيم الحدود في شرق المتوسط إلى واجهة الخلافات الإقليمية، في ظل رفض مصري - يوناني للمصادقة، وتمسك أوروبي وإسرائيلي بموقف معارض للاتفاقية، مقابل تأكيد حكومة «الوحدة» الوطنية في طرابلس انفتاحها على التفاوض، وعدم استبعادها اللجوء إلى القضاء الدولي.

وعبّرت القاهرة، الأربعاء، عن رفضها القاطع للخطوة، التي أقدم عليها البرلمان الليبي الثلاثاء، مؤكدة أن المذكرة «باطلة بطلاناً مطلقاً، ومعدومة الأثر القانوني»، موضحة أن تصديق مجلس النواب عليها لا تترتب عليه أي آثار قانونية بالنسبة إلى مصر.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء مع نظيره اليوناني جيورجوس جيرابيتريتيس في القاهرة (أرشيفية - الخارجية المصرية)

واستندت وزارة الخارجية المصرية إلى ما وصفته بمخالفة المذكرة مبادئ القانون الدولي للبحار، وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المتعلقة بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، عادّةً أنها تمس الحقوق السيادية المصرية في المنطقتين.

وجدّدت القاهرة رفضها أي إجراءات تستند إلى الاتفاقية، وتتعارض مع حدودها البحرية المعلنة، مؤكدة احتفاظها بحقها في حماية حقوقها، التي يكفلها القانون الدولي، والتصدي لأي محاولة للإخلال بها.

وجاء الموقف المصري غداة اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظيره اليوناني جيورجوس جيرابيتريتيس، مساء الثلاثاء، بحثا خلاله تطورات الملف الليبي، والوضع في شرق المتوسط والتعاون الثلاثي مع قبرص، وفق بيان الخارجية المصرية، الذي لم يشر مباشرة إلى الاتفاقية.

وكانت اليونان قد جدّدت اعتراضها على المصادقة البرلمانية، عادّةً أن الاتفاقية تنتهك القانون الدولي للبحار، وتمس الحقوق السيادية لدول المنطقة. وقالت إن ليبيا وتركيا لا تربطهما سواحل متقابلة أو متجاورة، تبرر الترسيم الوارد فيها، مؤكدة عزمها حماية حقوقها.

وانضمت المفوضية الأوروبية إلى الاعتراض، إذ أعربت رئيستها أورسولا فون دير لاين عن أسفها لقرار البرلمان الليبي، مشدّدة على أن موقف الاتحاد الأوروبي المعلن عام 2019 لم يتغير، وأن الاتفاقية، وفقاً للموقف الأوروبي، تنتهك حقوق دول ثالثة، ولا تتوافق مع قانون البحار. وأكدت تضامن الاتحاد مع اليونان وقبرص ورفضه التدخل الخارجي في ليبيا.

رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية السابقة فائز السراج (أرشيفية - رويترز)

بدورها، نددت ​إسرائيل بشدة، الأربعاء، بمصادقة مجلس النواب الليبي، على ⁠مذكرة تفاهم ​لتعيين الحدود ⁠البحرية مع تركيا، التي لاقت ⁠انتقادات ‌حادة من حليفتها ‌اليونان. وقالت ​وزارة ‌الخارجية ‌الإسرائيلية في بيان: «مع الأسف، نرى تركيا ‌مجدداً تسعى إلى زعزعة استقرار ⁠منطقة ⁠شرق المتوسط».

وتعود جذور الخلاف إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، حين وقّعت حكومة «الوفاق الوطني» الليبية، برئاسة فائز السراج، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع أنقرة، أثار اعتراض مصر واليونان، بصفته متعارضاً مع حقوقهما ومصالحهما البحرية.

إردوغان في لقاء سابق مع عقيلة صالح بحضور رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش (الرئاسة التركية)

وفي مواجهة الاعتراضات، أبقت حكومة «الوحدة» باب التسوية مفتوحاً. وقال محمد الحراري، رئيس لجنة الحدود البرية والبحرية بوزارة الخارجية في حكومة «الوحدة» الوطنية، لـ«الشرق الأوسط»، الأربعاء، إن جميع الحلول السلمية مطروحة، بما فيها الاستثمار المشترك، واللجوء إلى محكمة العدل الدولية إذا تعذر التوصل إلى تسوية تفاوضية.

وأوضح الحراري أن ليبيا مستعدة للتفاوض مع الدول المعنية بشأن حدودها البحرية، مشيراً إلى أن بلاده أعلنت مجالاتها البحرية لدى الأمم المتحدة بالإحداثيات والخرائط، وفق الإجراءات المعتمدة، وأنها منفتحة على خيارات متعددة تحفظ حقوقها وسيادتها.

وفي رده على الاعتراض اليوناني، أرجع المسؤول الليبي الخلاف إلى تباين وجهات النظر بشأن تأثير الجزر في ترسيم الحدود البحرية؛ إذ تمنح أثينا الجزر تأثيراً كاملاً، بينما تستند ليبيا، حسب قوله، إلى تفسيرات وسوابق قضائية دولية مختلفة.

الدبيبة وإردوغان في لقاء سابق في أنقرة (الرئاسة التركية)

واستشهد الحراري بقضيتي ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا ومالطا وليبيا وتونس، قائلاً إن الاجتهادات القضائية الدولية لا تمنح الجزر تأثيراً موحداً في جميع النزاعات، بل تراعي الظروف الجغرافية لكل حالة. وأوضح أن الطبيعة شبه المغلقة للبحر المتوسط، وتعدد الدول المتشاطئة، وضيق المساحات المتاحة للترسيم تجعل هذه الظروف عاملاً مهماً في معالجة المطالبات المتعارضة.

وكشف الحراري عن إجراء جلسات مع الجانب اليوناني، وإرسال مذكرات إلى إيطاليا لدعوتها إلى التفاوض، فيما لا تزال طرابلس تنتظر رد القاهرة، مؤكداً استعدادها لمواصلة الاتصالات مع الدول المعنية، من دون المساس بسيادة ليبيا.

وفي دفاعه عن الاتفاقية مع تركيا، قال المسؤول الليبي إنها منحت بلاده مساحات بحرية واسعة، ولم تنتقص، حسب تقديره، من حقوق الدول الأخرى، بل أتاحت لليبيا مساحات أوسع مما أتاحته الاتفاقية البحرية المصرية - اليونانية لمصر. وأشار إلى تصريحات مصرية سابقة، قال إنها لم تعد الاتفاقية الليبية التركية مساساً بالمصالح المصرية، قبل أن يلفت إلى ما وصفه بالتباس الموقف المصري لاحقاً.

وبالتوازي مع المسار التفاوضي، برزت دعوات ليبية إلى الاحتكام للقضاء الدولي، إذ قال أستاذ القانون الليبي، راقي المسماري، في منشور عبر «فيسبوك»، الثلاثاء، إن المواجهة القضائية احتمال قائم، عادّاً أن خوضها لا يضر بليبيا، وأن نجاح الموقف التركي قانونياً قد يمنحها مساحات بحرية أكبر.

ورأى المسماري أن خسارة تركيا نزاعاً قانونياً أمام اليونان لن تعني بالضرورة تراجع المساحة البحرية السيادية الليبية، في تقدير يعكس اعتقاده بأن نتائج التقاضي قد تختلف آثارها على المصالح الليبية عن آثارها على أنقرة.

من جهته، قال إبراهيم الدباشي، المندوب الليبي السابق لدى الأمم المتحدة، إن من حق بلاده الدفاع عن حقوقها، وأوضح أن القضاء الدولي يمثل ساحة مناسبة لحفظ الحقوق وتسوية المنازعات، مؤكداً ترحيب ليبيا بأي مبادرة من الدول المعنية في هذا الاتجاه.

وفي الداخل الليبي، اتسع التأييد للمصادقة البرلمانية، مع انضمام المجلس الأعلى للدولة إلى الجهات المرحبة بها، بعدما أُقرت بالإجماع في مجلس النواب. وشملت المواقف المؤيدة صدام حفتر، والحكومة الموازية برئاسة أسامة حماد، ووزارة الخارجية بحكومة «الوحدة»، وعضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، إلى جانب المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان.

وألغى مجلس النواب، بالتزامن مع المصادقة، قرارين صادرين عام 2020 رفض بموجبهما الاتفاقية، وقرر قطع العلاقات السياسية مع أنقرة، في خطوة أضفت على التحرك الأخير أبعاداً سياسية، تتجاوز الخلاف القانوني بشأن ترسيم الحدود البحرية.


فوضى الميليشيات والسلاح تداهم أكبر جهاز رقابي في ليبيا

مقر ديوان المحاسبة في طرابلس لحظة حصاره الأربعاء (حسابات ليبية موثوقة)
مقر ديوان المحاسبة في طرابلس لحظة حصاره الأربعاء (حسابات ليبية موثوقة)
TT

فوضى الميليشيات والسلاح تداهم أكبر جهاز رقابي في ليبيا

مقر ديوان المحاسبة في طرابلس لحظة حصاره الأربعاء (حسابات ليبية موثوقة)
مقر ديوان المحاسبة في طرابلس لحظة حصاره الأربعاء (حسابات ليبية موثوقة)

عاد الصراع على قيادة المؤسسات السيادية في ليبيا إلى الواجهة، الأربعاء، إثر اقتحام عناصر ميليشياوية مسلحة مقر ديوان المحاسبة في العاصمة طرابلس، في محاولة لتمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، وسط نزاع على شرعية تكليفه، والجهة المخولة قانوناً بإصداره.

وتضع هذه الحادثة أكبر جهاز رقابي في ليبيا في قلب مواجهة جديدة، تتداخل فيها الخلافات السياسية والمؤسسية مع نفوذ الميليشيات وفوضى السلاح في غرب البلاد، بعدما انتقل الخلاف على تعيين مسؤول إلى تحرك ميداني داخل مقر المؤسسة، في تطور استدعى إدانة أممية.

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك (صفحة الديوان)

وتداول ليبيون مشاهد تُظهر إغلاق رئيس الديوان خالد شكشك، مقر المؤسسة، احتجاجاً على دخول الوكيل الجديد، وسط اتهامات بالاستعانة بعناصر مسلحة تابعة لما يُعرف بـ«اللواء 444»، المرتبط بحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، لتأمين دخوله. كما أظهرت المشاهد لجنة التسليم والتسلم، وهي تتحدث عن مباشرة أنور الهوش مهامه من داخل المقر.

وحسب شهود عيان، دخلت عناصر مسلحة مقر الديوان في منطقة الظهرة بطرابلس، بهدف تمكين الهوش من تولي منصب الوكيل، وسط اعتراضات على الأساس القانوني للتكليف، والإجراءات التي سبقت تنفيذه.

وحسب مراقبين تعيد هذه الواقعة تسليط الضوء على تداعيات انتشار السلاح، وتداخل النفوذ السياسي والعسكري في إدارة المؤسسات العامة، وسط مخاوف من انتقال الخلافات بشأن التعيينات إلى فرض الأمر الواقع بالقوة، في بلد لا يزال يعاني انقساماً مؤسسياً وتنافساً على السيطرة على مفاصل الدولة.

ولا يقتصر الخلاف على دخول المقر، بل يمتد إلى تحديد الجهة المخولة قانوناً بتعيين وكيل الديوان، ومدى الالتزام بالإجراءات المؤسسية اللازمة لشغل المنصب، في ظل تضارب المواقف بشأن صحة التكليف ونفاذه.

وتتعلق الأزمة بمراسلة منسوبة إلى رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، بشأن تكليف الهوش، اعترض عليها النائب الأول لرئيس المجلس، ناجي مختار، مطالباً بالتحقق من صحتها واستيفاء الإجراءات المؤسسية اللازمة. كما نفت مصادر مقربة من شكشك تلقيه إخطاراً رسمياً بالتكليف.

رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة (إ.ب.أ)

واعترض أعضاء في المجلس الأعلى للدولة على انفراد تكالة بإصدار التكليف، مشيرين إلى ضرورة الالتزام باللوائح الداخلية، والتفاهمات المتعلقة بتوزيع المناصب السيادية، في خلاف يعكس استمرار التباين داخل المؤسسات السياسية بشأن صلاحيات شغل تلك المواقع.

في السياق ذاته، أدان أعضاء بالمجلس عن المنطقة الجنوبية اقتحام مقر الديوان بالقوة، محذرين من استخدام التهديد والترهيب لفرض الأمر الواقع، أو التدخل في عمل المؤسسات الرقابية. ودعوا إلى احترام استقلال الديوان وحماية موظفيه وضمان استمرار عمله بعيداً عن الضغوط.

من جهته، خاطب رئيس مجلس النواب، الصالحين عبد النبي، رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، مطالباً إياه بعدم الاعتداد بأي قرارات أو تكليفات تتعلق بمنصب وكيل الديوان، ما لم تكن صادرة عن مجلس النواب.

كما طالب زايد هدية، رئيس لجنة متابعة الأجهزة الرقابية بمجلس النواب، شكشك بعدم الاعتداد بأي تكليفات لشغل المنصب ما لم تصدر عن المجلس، وفقاً لما ورد في خطابه إلى رئيس الديوان، في موقف يضيف بُعداً تشريعياً إلى النزاع القائم.

ولم يصدر رد رسمي من تكالة على الاعتراضات، كما لم تتضح الإجراءات القانونية التي قد تُتخذ لحسم الخلاف، الذي أعاد استقلال المؤسسة الرقابية، وآليات شغل المناصب السيادية إلى واجهة المواجهة بين المؤسسات الليبية.

وفي مواجهة هذا التصعيد، أدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في بيان، بأشد العبارات استخدام القوة والترهيب داخل مقر الديوان لفرض تعيين متنازع عليه لوكيل رئيسه، مؤكدةً رفض فرض التعيينات في المؤسسات السيادية بالقوة، لما يمثله ذلك من تهديد لسيادة القانون واستقلال المؤسسات.

وطالبت البعثة بالوقف الفوري لجميع أشكال التدخل المسلح في شؤون الديوان، والانسحاب العاجل للعناصر المسلحة من مقره، داعيةً الأطراف المعنية إلى تسوية النزاع عبر القنوات القانونية والمؤسسية، وفقاً للتشريعات الليبية وأحكام الاتفاق السياسي الليبي.

ويستند جانب من الخلاف إلى تفسير الصلاحيات القانونية المتعلقة بتعيين وكيل الديوان؛ إذ تنص المادة الثامنة من القانون رقم 19 لسنة 2013 بشأن إعادة تنظيم ديوان المحاسبة، وفقاً لما أوردته تقارير محلية، على تعيين الوكيل بقرار من السلطة التشريعية. ويجعل ذلك تحديد السند القانوني للتكليف والإجراءات المتبعة لإصداره محوراً أساسياً للنزاع.

ولا تُعد الأزمة الحالية الأولى من نوعها داخل ديوان المحاسبة. ففي أواخر عام 2024، احتدم الخلاف بشأن منصب الوكيل بين شكشك وعطية الله السعيطي، الذي عيّنه مجلس النواب في أغسطس (آب) من العام نفسه، قبل أن يسحب قرار تعيينه في سبتمبر (أيلول)، لكنه استمر في موقعه بدعم من جهاز دعم الاستقرار.

تضع هذه الحادثة جهاز المحاسبة في قلب مواجهة جديدة تتداخل فيها الخلافات السياسية مع نفوذ الميليشيات وفوضى السلاح (أ.ب)

وتنبع أهمية الديوان من مسؤوليته عن الرقابة على الإنفاق العام، وفحص التصرفات المالية للجهات الحكومية، مما يجعل النزاع على قيادته يتجاوز الخلاف على منصب إداري إلى مسألة استقلال الجهة المعنية بمراقبة موارد الدولة، ومساءلة المسؤولين عن إدارتها.

تأتي الواقعة في وقت تسعى فيه الأمم المتحدة إلى دفع الأطراف الليبية نحو توحيد المؤسسات، وتجاوز الانقسام السياسي، بينما تضع التطورات الأخيرة استقلال الأجهزة الرقابية، وحدود تدخل القوى السياسية والمسلحة في عملها أمام اختبار جديد.