ماكرون في مواجهة تحديات داخلية وخارجية في 2025

أبرزها غياب الاستقرار السياسي في الداخل والحمائية الأميركية وحروب الخارج

شاشات تنقل خطاب ماكرون بمناسبة السنة الجديدة في باريس (أ.ف.ب)
شاشات تنقل خطاب ماكرون بمناسبة السنة الجديدة في باريس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون في مواجهة تحديات داخلية وخارجية في 2025

شاشات تنقل خطاب ماكرون بمناسبة السنة الجديدة في باريس (أ.ف.ب)
شاشات تنقل خطاب ماكرون بمناسبة السنة الجديدة في باريس (أ.ف.ب)

في كلمته التقليدية للفرنسيين عشية رأس السنة الجديدة، سعى الرئيس الفرنسي لاستنهاض مواطنيه بعد عام تميز بانعدام الاستقرار السياسي، وخسارته المدوية للانتخابات الأوروبية والتشريعية، وصعود نجم اليمين المتطرف الذي يقترب بشكل خطير من الاستحواذ على السلطة، وتفاقم أزمة المديونية التي بلغت أرقاماً قياسية «3300 مليار يورو»، وتعاقب أربعة رؤساء حكومات في عام واحد، وسقوط ثالث حكوماته في البرلمان، وتصاعد المطالبة باستقالته، والعجز عن إقرار الميزانية في البرلمان. وخارجياً، تواصلت المطالبة بانسحاب القوات الفرنسية من أفريقيا، فانضمت تشاد والسنغال إلى دول الساحل الثلاث التي أُغلقت القواعد الفرنسية على أراضيها «مالي وبوركينا فاسو والنيجر». فضلاً عن ذلك، تضاءل نفوذ فرنسا، العضو المؤسس للمشروع الأوروبي بالشراكة مع ألمانيا، داخل الاتحاد؛ بسبب ضعف إيمانويل ماكرون في الداخل، ومشاكل بلاده الاقتصادية.

الرئيس إيمانويل ماكرون متحدثاً خلال مؤتمر صحافي ببروكسل 17 أكتوبر (د.ب.أ)

وباختصار، فإن باريس تجد نفسها، فجر عام 2025، بمواجهة تحديات استثنائية في الداخل والخارج.

من هنا، فإن كلمة ماكرون التي تابعها عشرة ملايين شخص، كانت مرتقبة ليعرف الفرنسيون طبيعة المسار الذي ستسلكه بلادهم، ليس فقط في العام الذي انطلق، بل، على الأقل، للأشهر الثلاثين المتبقية من ولاية ماكرون الثانية، التي تنتهي في ربيع عام 2027.

بالنظر لما سبق، كان على الرئيس الفرنسي أن يحارب موجة التشاؤم التي لها الغلبة حالياً، ولذا لم يتردد في تأكيد أن «المستحيل ليس فرنسياً»، مُذكّراً بنجاح الألعاب الأولمبية والبارالمبية التي استضافتها بلاده، الصيف الماضي، والتي «دخلت التاريخ». كما ذكّر بالنّجاح السريع في ترميم كاتدرائية نوتردام، ضحية حريق كبير التهم أجزاء كبيرة منها.

وفي الحالتين، برزت فرنسا، وعاصمتها باريس، في أبهى حلّة لهما. ولم تفُته الإشارة إلى الاحتفالات الدولية الواسعة التي استضافتها فرنسا بمناسبة ثمانين عاماً على إنزال الحلفاء في منطقة النورماندي «شمال غربي البلاد»، وإنهاء الاحتلال النازي الألماني. وخلاصته دعوة مواطنيه للبقاء «متحدين ومتضامنين وحازمين» لمواجهة التحديات المقبلة.

تحديات بالجملة

يتمثّل التحدي الأول، وفق ماكرون نفسه، في «مواجهة انعدام الاستقرار السياسي». وللمرّة الأولى، اعترف بمسؤوليته بسبب قراره في يونيو (حزيران) الماضي حلّ المجلس النيابي. وقال في كلمته للفرنسيين: «يتعيّن عليّ أن أعترف هذا المساء بأن حلّ البرلمان أفضى، حتى اليوم، لمزيد من الانقسامات في الجمعية الوطنية، أكثر مما وفر من حلول»، مضيفاً: «آمل أن يكون العام المقبل عام التعافي الجماعي، عام الاستقرار، عام (التوصل) إلى تسويات سليمة، واتخاذ القرارات الصحيحة لخدمة الفرنسيين».

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة الجديدة فرنسوا بايرو في عام 2017 (أ.ب)

بيد أن ما بين التمني والواقع مسافات شاسعة؛ إذ إن حكومة فرنسوا بايرو الجديدة، التي وُلدت في عملية قيصرية، تبقى رهينة توافق المصالح بين اليمين المتطرف، وتحالف أحزاب اليسار والخضر، الذي أسقط حكومة سلفه ميشال بارنييه. واليوم، يبدو ماكرون الطرف السياسي الأضعف، حيث إن القرارات راحت تؤخذ في البرلمان، وليس في القصر الرئاسي.

وثمّة ورقة يستطيع الأخير اللجوء إليها، وهي حل البرلمان مرة ثانية بدءاً من شهر يوليو (تموز) المقبل. إلا أن خطوة كهذه التي يتيحها الدستور، ستكون محفوفة بالمخاطر؛ لأن خسارة الانتخابات مجدداً تعني أن ماكرون لن يجد مخرجاً منها سوى الاستقالة؛ لأنها لن تعني وجود أزمة سياسية فحسب، بل أزمة نظام.

جموع من الناس تقف مصطفة للدخول إلى كاتدرائية «نوتردام» التي أُعيد ترميمها بعد خمس سنوات من الحريق (أ.ب)

من هنا، فإن الرئيس الفرنسي، الساعي لاستعادة المبادرة السياسية ولهامش من التحرك، لوّح باللجوء إلى الاستفتاء الشعبي بقوله: «سيكون علينا أن نُحدّد خياراتنا بالنسبة للاقتصاد والديمقراطية والأمن ومستقبل أبنائنا؛ إذ إن الازدهار والسلام لربع القرن المقبل مرهونان بما نقرره اليوم. لذا، سأطلب منكم في عام 2025 أن تعمدوا إلى الحسم في عدد من هذه المواضيع».

لكن ماكرون اكتفى بالعموميات، والخوف الأكبر أن يتحول الاستفتاء، بالنسبة لمعارضيه، إلى فرصة لوضع حد لولايته. والجمهورية الفرنسية تعرف سابقة من هذا النوع؛ فالجنرال ديغول خرج من السلطة عام 1969؛ لأنه خسر الاستفتاء الذي أقره حول تحديث السلطات في فرنسا. ويبقى هذا الخطر جاثماً رغم أن الدستور لا يلزم رئيس الجمهورية بالاستقالة. إلا أن خسارة الاستفتاء ستعني مزيداً من الضعف السياسي، وتكبيل يديه، وحرمانه من أي مبادرة جدية.

فجوة الميزانية

سينعقد، صباح الثلاثاء، أول اجتماع للحكومة في قصر الإليزيه. وسيكون الملف الأول والحارق، اتّخاذ قرار بخصوص ميزانية عام 2025 التي تأخر إقرارها بسبب استقالة الحكومة السابقة. والحال، أن مشكلة بايرو أنه يتعين عليه العثور على مبلغ 60 مليار يورو، الذي يُجسّد الفارق بين مداخيل الدولة ومصاريفها.

وثمة انقسامات عامودية بين الكتل حول كيفية ردم الفجوة، بين من يطالب بفرض ضرائب على الشركات والأثرياء، ومن يدفع باتجاه خفض النفقات العامة. وتنظر المفوضية الأوروبية، ومعها مؤسسات التصنيف الدولية، بكثير من القلق إلى ما ستقرره الحكومة الفرنسية. ومشكلة باريس أن تراجع تصنيف الديون الفرنسية سيعني ارتفاع كلفة المديونية التي تلتهم حالياً ما يزيد على خمسين مليار يورو من الميزانية. إلا أن ماكرون يعارض فرض ضرائب جديدة؛ لأنه حريص على ما يسميه «قدرة جذب الاقتصاد الفرنسي» للاستثمارات الخارجية.

ترمب وماكرون يتصافحان في اجتماع ثنائي بباريس 7 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وقال في كلمته إنه «سيسهر على ذلك». بيد أن التحدي، في نظره، ليس فرنسياً فحسب، بل هو أوروبي. ولا شك أنه سيستفحل مع عودة الرئيس الأميركي المعاد انتخابه، دونالد ترمب، إلى البيت الأبيض. وما تخشاه فرنسا من قيام حرب تجارية مع الولايات المتحدة؛ إذ أكّد ترمب أنه سيفرض 10 إلى 20 في المائة من الرسوم الإضافية على البضائع الخارجية الداخلة إلى بلاده، ومنها الفرنسية والأوروبية.

وقال ماكرون بهذا الخصوص: «يتعين على الأوروبيين أن يتخلّوا عن سذاجتهم. لذا، يجب أن نقول لا لقوانين التجارة التي سنّها الآخرون، والتي ما زلنا نحترمها نحن فقط. ويجب أن نقول (لا) لكل ما يجعلنا معتمدين على الآخرين، دون مقابل ودون التحضير لمستقبلنا». وفي هذا السياق، أشارت الباحثة الاقتصادية، بياتريس ماتيو، إلى أن صادرات فرنسا إلى الولايات المتحدة بلغت، العام الماضي، 45.2 مليار يورو، وأن السياسة الحمائية الأميركية ستضر كثيراً بالصادرات الفرنسية، فضلاً عن أن قيام حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين ستكون أوروبا ضحيتها.

الدفاع عن المصالح الفرنسية

يريد ماكرون أن تتوقّف القارة الأوروبية عن «إيكال المحافظة على أمنها والدفاع عنه إلى قوى خارجية». كذلك، يريد لبلاده أن «تكون أقوى وأكثر استقلالية إزاء فوضى العالم»، مُذكّراً بالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، والتحولات في سوريا، والإرهاب «في محيطنا»، فضلاً عن التدخلات الروسية المباشرة في الانتخابات الأوروبية، كما في جورجيا ومولدوفا ورومانيا، ما يهدد، في نظره أمن ومسار الديمقراطيات الأوروبية.

لذا، فإنه يدعو لأن تواصل فرنسا «الاستثمار في دفاعها وتسليحها من أجل المحافظة على سيادتها وحماية مصالحها وأمن مواطنيها». وما يريده لفرنسا يطالب بمثله الاتحاد الأوروبي، الذي يتعين عليه أن «يسارع الخطى لتولي مسؤولية دفاعه وأمنه وحدوده. وهذا ما ناضلت من أجله لسنوات عديدة، وما بدأنا في بنائه مع شركائنا الأوروبيين، وما سنواصل القيام به».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الجيبوتي إسماعيل عمر جيله 21 ديسمبر (أ.ف.ب)

بيد أن الدعوة شيء، والتنفيذ العملي شيء آخر. ومشكلة ماكرون، وفرنسا، اليوم أن صوته لم يعد مسموعاً في أوروبا. إلا أن عودة ترمب إلى البيت الأبيض وعلاقته الإشكالية بالأوروبيين، وبالحلف الأطلسي، والضبابية التي تحيط بالسياسة التي ينوي السير بها إزاء روسيا، ومدى التزامه بالدفاع عن الأوروبيين، تعطي دعوات ماكرون قوة ومعنى إضافيين. لكن أوروبا منقسمة على نفسها؛ بين من هو متمسك بالمظلة الأطلسية ولا يريد التخلي عنها بأي ثمن، ومن يستشعر حاجة أوروبا لتعزيز دفاعاتها الخاصة.

ما سبق غيض من فيض؛ فتحديات الداخل لها عناوين إضافية، مثل الارتقاء بالخدمات؛ كالمدرسة، والصحة، والقوة الشرائية للشرائح الأكثر هشاشة، ومواجهة نتائج الإعصار الذي ضرب مقاطعة مايوت، وتعزيز الأمن، ومحاربة التهريب والمخدرات. ومن عناوين تحديات الخارج، المحافظة على النفوذ الفرنسي في أفريقيا، واستعادة قدرة التأثير على القرار الأوروبي التي برزت محدوديته مؤخراً، عندما لم تتردد رئيسة المفوضية الأوروبية في التوقيع على اتفاقية «ماركو سور» للتبادل التجاري الحر بين أوروبا ودول أميركا اللاتينية، رغم المعارضة الفرنسية.


مقالات ذات صلة

ماكرون يحذِّر بيلاروسيا من التورُّط في الحرب على أوكرانيا

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

ماكرون يحذِّر بيلاروسيا من التورُّط في الحرب على أوكرانيا

حذَّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشنكو (حليف روسيا) اليوم (الأحد)، من التورُّط في حرب موسكو ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
بروفايل رئيس وزراء فرنسا الأسبق غابرييل أتال (رويترز)

بروفايل أصغر رئيس وزراء في تاريخ فرنسا... هل يصبح النجم الحارس لقصر الإليزيه؟

أتال يترشح لرئاسة فرنسا 2027: فتى الوسط الطموح يقود معركة مبكرة لإنقاذ إرث ماكرون وصد زحف اليمين المتطرف.

كوثر وكيل (لندن)
الاقتصاد ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

صادق البرلمان الفرنسي على تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا، رغم الجدل الذي أثاره قربه من الرئيس إيمانويل ماكرون.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مولان (في الوسط) يستعد للإدلاء بشهادته أمام اللجنة المالية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

مرشح ماكرون لرئاسة بنك فرنسا يتعهد بالاستقلالية ويدعو لضبط العجز

دافع مرشح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإدارة بنك فرنسا ورئيس ديوانه السابق، إيمانويل مولان، بقوة عن استقلاليته السياسية وكفاءته المهنية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
كتب «زوج شبه مثالي» يكشف عن الوجه الخفي لعلاقة ماكرون وبريجيت

كتاب يكشف علاقة ماكرون وبريجيت... ورسائل تربط الرئيس بفراهاني تثير الجدل

يرصد كتاب فلوريان تارديف علاقة ماكرون وبريجيت وكيف تحولت حياتهما الخاصة وأزمات الإعلام جزءاً من صورة السلطة والسياسة في فرنسا.

كوثر وكيل (لندن)

إطلاق سراح مسؤولَين سابقَين في شركة «لافارج» الفرنسية مُدانين بتمويل الإرهاب

الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» برونو لافون يصل إلى محكمة باريس في 13 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» برونو لافون يصل إلى محكمة باريس في 13 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إطلاق سراح مسؤولَين سابقَين في شركة «لافارج» الفرنسية مُدانين بتمويل الإرهاب

الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» برونو لافون يصل إلى محكمة باريس في 13 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» برونو لافون يصل إلى محكمة باريس في 13 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وافقت محكمة فرنسية، الثلاثاء، على إطلاق سراح الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» برونو لافون، ونائبه كريستيان هيرو، تحت إشراف قضائي، بعد سجنهما، منذ منتصف الشهر الفائت، على أثر إدانتهما بتهمة تمويل الإرهاب في سوريا، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحُكم على الرئيس التنفيذي السابق، البالغ 69 عاماً، ونائبه السابق البالغ 75 عاماً، في 13 أبريل (نيسان) الماضي، من جانب محكمة باريس الجنائية بالسجن ست سنوات وخمس سنوات على التوالي. وفي 19 مايو (أيار)، طلب الرجلان إطلاق سراحهما بانتظار إعادة المحاكمة.

وقالت محكمة الاستئناف إن الحبس الاحتياطي «ليس الوسيلة الأساسية» لضمان مثول الرجلين أمام المحكمة، وأخذت في الحسبان «صدمة السجن» التي تعرّضا لها.

وكجزء من الإشراف القضائي، أصدرت المحكمة قراراً بمنعهما من مغادرة الأراضي الفرنسية، وحددت كفالة قدرها 100 ألف يورو للافون، و90 ألف يورو لهيرو، على أن تُدفع بحلول 2 يوليو (تموز) المقبل.

ورغم ذلك، لم تمنعهما المحكمة من التواصل فيما بينهما، خلافاً لطلب مكتب المدعي العام، بينما الرجلان محتجَزان في الزنزانة نفسها بسجن لا سانتيه.

وصرحت جاكلين لافون، محامية لافون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بأنها «مرتاحة» و«مطمئنة للغاية عندما يطبّق القضاة القانون، كما هي الحال اليوم».

لافون وهيرو هما من بين تسعة متهمين أدانتهم المحكمة الجنائية، في 13 أبريل، بدفع ما يقارب 5.6 مليون يورو، خلال عاميْ 2013 و2014، عبر شركة «لافارج سمنت سيريا» (LCS) التابعة لها في سوريا، إلى جماعات متطرفة مسلَّحة؛ وذلك بهدف استمرار عمليات مصنع أسمنت في شمال سوريا.

كانت شركة «لافارج» رائدة في الصناعة الفرنسية، وباتت تملكها شركة «هولسيم» السويسرية المنافِسة. وفُرضت عليها الغرامة القصوى وقدرها 1.125 مليون يورو، كما أُمرت بدفع غرامة جمركية قدرها 4.57 مليون يورو، بالتضامن مع أربعة من مسؤوليها التنفيذيين السابقين؛ وذلك لانتهاكها العقوبات المالية الدولية. وقد استأنف جميع المتهمين أحكام الإدانة، ومن المقرر إعادة محاكمتهم خلال الأشهر المقبلة.


بولندا وبريطانيا توقعان معاهدة دفاعية الأربعاء في لندن

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في بودابست خلال زيارة للمجر في 20 مايو الحالي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في بودابست خلال زيارة للمجر في 20 مايو الحالي (أ.ف.ب)
TT

بولندا وبريطانيا توقعان معاهدة دفاعية الأربعاء في لندن

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في بودابست خلال زيارة للمجر في 20 مايو الحالي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في بودابست خلال زيارة للمجر في 20 مايو الحالي (أ.ف.ب)

أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، الثلاثاء، أن بلاده وبريطانيا ستوقعان معاهدة دفاعية في لندن الأربعاء.

وقال توسك للصحافيين في وارسو: «إنها لحظة تاريخية، إذ بعد توقيع معاهدة في نانسي مع الجمهورية الفرنسية، ستوقع بولندا هذه المعاهدة مع المملكة المتحدة غداً».

ويمهد ميثاق الأمن والدفاع الذي سيوقعه توسك مع نظيره البريطاني كير ستارمر، الطريق أمام إجراء مناورات عسكرية مشتركة وتبادل معلومات، وسيشمل أيضاً التعاون في مجالي الأمن السيبراني والأمن الصحي، وفق الحكومة البولندية.

وتشترك بولندا، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، في حدودها الشرقية مع روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا.

وقال توسك إن هذا الموقع الجغرافي جعل انعدام الاستقرار واقعاً بالنسبة إلى الدولة التي كانت عضواً في حلف وارسو السابق. وأضاف: «بالتأكيد ليس لشهر واحد، بل لسنوات، بالنظر إلى الجوار».

ونتيجة لذلك، تهدف اتفاقات الدفاع التي تبرمها بولندا مع دول أوروبية، إلى جانب تحالفها مع الولايات المتحدة، إلى ضمان «الأمن الكامل»، وفق ما نقلته عنه وكالة الصحافة الفرنسية.

وتنفق بولندا، أكبر دول الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي من حيث عدد السكان، أكثر من أي دولة أخرى في الحلف على الدفاع، إذ خصصت له هذا العام وحده أكثر من 4.8 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي.

وفي مطلع مايو (أيار)، وقّعت وارسو اتفاق قرض مع المفوضية الأوروبية لتمويل تحديث جيشها وصناعتها الدفاعية، تحصل بموجبه على نحو 44 مليار يورو.

وفي العام الماضي، وقّعت بولندا وفرنسا معاهدة صداقة وتعاون معزز، تشمل بنوداً دفاعية وأخرى للمساعدة المتبادلة.


روبيو: مستعدون للوساطة بين موسكو وكييف وسط تصاعد التهديدات

راجمة صواريخ «غراد» أوكرانية تصوب باتجاه المواقع الروسية على خطوط الجبهة الاثنين الماضي (رويترز)
راجمة صواريخ «غراد» أوكرانية تصوب باتجاه المواقع الروسية على خطوط الجبهة الاثنين الماضي (رويترز)
TT

روبيو: مستعدون للوساطة بين موسكو وكييف وسط تصاعد التهديدات

راجمة صواريخ «غراد» أوكرانية تصوب باتجاه المواقع الروسية على خطوط الجبهة الاثنين الماضي (رويترز)
راجمة صواريخ «غراد» أوكرانية تصوب باتجاه المواقع الروسية على خطوط الجبهة الاثنين الماضي (رويترز)

أكد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الثلاثاء، استعداد واشنطن للوساطة في الحرب بين روسيا وأوكرانيا. فيما هدد رئيس مجلس «الدوما» الروسي، فياتشيسلاف فولودين، باستخدام أسلحة دمار شامل ضد أوكرانيا في حال شن هجمات على سكان مدنيين في روسيا.

وجاء عرض الوساطة الأميركي في أعقاب تكثيف روسيا هجماتها على أوكرانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكذلك بعد اتصال هاتفي بين روبيو ونظيره الروسي سيرغي لافروف.

ويمثّل التحذير الروسي، الذي تضمّن دعوة الدبلوماسيين الأجانب إلى مغادرة العاصمة الأوكرانية، تصعيداً جديداً في الحرب المستمرة منذ ما يزيد على 4 سنوات؛ إذ توعدت موسكو بشن هجمات «منهجية» على كييف، واستهداف «مراكز صنع القرار».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء في الكرملين الثلاثاء (إ.ب.أ)

وقال وزير الخارجية الأميركي، في تصريح للصحافيين من الهند: «في كل مرّة نشهد فيها ضربات كبيرة من هذا الطرف أو ذاك، يشكّل ذلك تذكيراً بمدى فظاعة هذه الحرب التي طالت أكثر من الحرب العالمية الثانية، ويجب أن تنتهي». وأضاف: «الولايات المتحدة تقف على أهبة الاستعداد لبذل كل ما في وسعها للمساعدة في إنهاء هذه الحرب، ونأمل في أن تتوفّر الفرصة لذلك في مرحلة ما».

على المستوى الميداني، أودى قصف روسي ليلي بحياة رجل يبلغ 45 عاماً في مدينة أوديسا، وفق ما أفاد به مسؤول إقليمي عبر «تلغرام».

وأسفر الهجوم الروسي خلال عطلة نهاية الأسبوع عن مقتل 4 أشخاص، فضلاً عن أضرار واسعة في العاصمة كييف.

ومن بين الأسلحة المستخدمة في الهجوم الروسي، الصاروخ الفرط صوتي «أوريشنيك» الذي يمكنه بلوغ سرعة تفوق سرعة الصوت بعشر مرات والقادر على حمل رؤوس نووية.

وجاءت الضربات بعد اتهام موسكو كييف باستهداف مدرسة مهنية في منطقة لوغانسك الخاضعة لسيطرة الأولى؛ ما أسفر عن مقتل 21 شخصاً.

وعلى هذه الخلفية، أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الجيش بالردّ.

وقال رئيس «الدوما»، فولودين، في بيان صحافي للبرلمان، الثلاثاء: «يمكن أن يؤدي بنا كل هذا إلى استخدام سلاح لا يُبقي أثراً لأي أحد». وحذر من السماح بتصعيد الوضع إلى ذلك الحد.

أوكرانيون في موقع أصيب بقصف روسي الاثنين الماضي (رويترز)

وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان: «ستستهدف الضربات مراكز صنع القرار ومراكز القيادة... نحضّ الرعايا الأجانب، بمن فيهم موظفو البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، على مغادرة المدينة في أقرب وقت ممكن»، داعية سكان العاصمة الأوكرانية إلى الابتعاد عن «البنى التحتية العسكرية والإدارية».

وأفادت الوزارة بأن لافروف نقل هذا التحذير إلى نظيره الأميركي خلال الاتصال بينهما، ودعاه إلى إجلاء الدبلوماسيين الأميركيين.

لكن روبيو أوضح، الثلاثاء، أن روسيا «وجهت الإخطار إلى جميع السفارات»، وليس فقط إلى البعثة الأميركية.

وندّد نحو 50 دولة و«الاتحاد الأوروبي»، الثلاثاء، بما وصفوها بـ«التهديدات الأخيرة» التي وجهتها موسكو إلى الدبلوماسيين في كييف، وذلك عبر ممثل أوكرانيا لدى الأمم المتحدة، آندريه ميلنيك. وقال ميلنيك في مؤتمر صحافي: «ندين التهديدات الأخيرة التي وجهتها روسيا ضد المؤسسات الدبلوماسية والسفارات في كييف. هذا أمر لا يمكننا قبوله». وأعلن الأمين العام للأمم ​المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أمام ‌مجلس ‌الأمن ​الدولي، الثلاثاء، أنه «يشعر بقلق بالغ» إزاء إعلان ‌روسيا ‌عزمها ​شن ‌ضربات على ⁠منشآت ​الدفاع الأوكرانية ⁠ومراكز صنع القرار في كييف.

نيران تندلع في مبنى أصيب بقصف روسي بمنطقة دونيتسك شرق أوكرانيا (إ.ب.أ)

تعزيزات «أطلسية» في البلطيق

وأعلن مصدران مطلعان لوكالة «رويترز» أن «حلف شمال الأطلسي» سيعزز الدفاع في جناحه الشرقي من خلال هيكل جديد من شأنه تسهيل النشر السريع للقوات في لاتفيا ​وإستونيا في حال اندلاع حرب مع روسيا. وتخضع قوات «الحلف» في دول البلطيق الثلاث (لاتفيا ​وإستونيا وليتوانيا)، وكذلك شمال بولندا، في الوقت الحالي لقيادة مقر واحد متعدد الجنسيات بمدينة شتيتشين البولندية.

ويؤكد التغيير المزمع الأهمية الاستراتيجية لدول البلطيق التي صارت محط اهتمام منذ غزو روسيا أوكرانيا. وقال مسؤول عسكري إن من شأن تخصيص فيلق ثان للمنطقة أن يسمح لـ«الحلف» بـ«التحرك السريع بأعداد كبيرة» للتعامل مع ‌العمق الاستراتيجي المحدود للمنطقة ‌وهشاشتها. وعندما يعمل «الفيلق» بكامل طاقته، فإنه ​عادة ‌ما ⁠يقود 3 فرق، أو ⁠ما بين 40 ألفاً و60 ألف جندي. وفي أوقات السلم، يكون «الفيلقُ» عادة هيكلَ قيادة محدوداً، مع وجود وظائف مختصة، مثل المدفعية والدفاع الجوي والخدمات الطبية، وذلك للسماح بالنشر السريع للقوات عند الحاجة. وقالت مصادر عسكرية لـ«رويترز» إن ألمانيا وهولندا توصلتا، بالتنسيق مع «الحلف»، إلى اتفاق لتكليف «الفيلق الألماني - الهولندي»، الذي سيكون ⁠مقره مدينة مونستر الألمانية، الدفاع عن لاتفيا وإستونيا.

وتزداد ‌مسؤولية الدول الأعضاء في «الحلف» عن ‌أمنها، وسط انتقادات شديدة من الرئيس الأميركي، ​دونالد ترمب، الذي اتهم ‌مؤخراً الأعضاء الأوروبيين بعدم تقديم الدعم في الحرب مع إيران، وأعلن ‌أن واشنطن ستسحب 5 آلاف جندي أميركي من ألمانيا. وقالت المصادر إن الاتفاق تجاوز العقبة الأخيرة، التي كانت تتمثل في عدم وجود ما يكفي من الجنود لـ«الفيلق»، مشيرة إلى الحد الضروري من القدرة التي يحتاجها أي فيلق ‌في مجالات مثل المدفعية بعيدة المدى والدفاع الجوي، فضلاً عن المهندسين والمسعفين.

عمال إنقاذ أوكرانيون ينقلون جثة انتُشلت من تحت أنقاض موقع أصيب بقصف روسي الاثنين الماضي (رويترز)

وقالت المصادر إن ألمانيا وهولندا ⁠ستعملان في ⁠الوقت الراهن، بالتعاون مع شركاء آخرين، على تعزيز هذه القوات. ولم يتضح بعد متى سيدخل القرار حيز التنفيذ وعدد الجنود الذين سيخضعون لقيادة الوحدة الجديدة في أي صراع. وقالت وزارة الدفاع الهولندية إنه «يجري العمل حالياً على مزيد من التفاصيل» لمهمة «الفيلق»، ورفضت التطرق لتفاصيل. ويحذر مسؤولون في «الحلف» منذ سنوات من تصاعد التهديد من روسيا التي يقولون إنها قد تشن هجوماً واسع النطاق على أراضي دول أعضاء في «الحلف» ​خلال وقت قريب قد ​يكون عام 2029. وتنفي موسكو أي نيات عدوانية، وتتهم «الحلف» بتأجيج التوتر من خلال التوسع في الأراضي المجاورة.

اتهام أوروبي لروسيا

«الاتحاد الأوروبي» اتهم موسكو بـ«محاولة زعزعة استقرار» الديمقراطيات الأوروبية، محملاً موسكو مسؤولية الإنذارات الأخيرة المرتبطة بطائرات مسيّرة في دول البلطيق المجاورة. غير أن رئيسة «المفوضية الأوروبية»؛ أورسولا فون دير لاين، أقرّت بأن موجة إنذارات الغارات الجوية خلال الأسابيع الماضية «كشفت مكامن ضعف» في دفاعات القارة، وذلك خلال مؤتمر صحافي مع قادة من المنطقة المحاذية لروسيا على الجناح الشرقي لـ«حلف شمال الأطلسي».

وأعلنت أنيتا ​هيبر، المتحدثة باسم «الاتحاد الأوروبي» للسياسة الخارجية والأمنية، الثلاثاء، أن «الدائرة ‌الدبلوماسية» للتكتل ‌استدعت ​القائم ‌بالأعمال ⁠الروسي؛ ​وذلك بعد أن ⁠أعلنت روسيا عزمها شن «ضربات ممنهجة» على أهداف في ⁠كييف، وحثت الأجانب ‌على ‌مغادرة ​المدينة.

وأضافت ‌في منشور ‌على منصة «إكس»: «تهديدُ روسيا المواطنين الأجانب والدبلوماسيين بمغادرة ‌كييف تصعيدٌ غير مقبول»، ⁠ودعت ⁠موسكو إلى «التوقف عن استهداف المدنيين». وتابعت أن وفد «الاتحاد الأوروبي» سيبقى في كييف.