في 29 مايو (أيار) من عام 2017، كان الرئيس الروسي ضيف نظيره الفرنسي الذي اصطحبه لزيارة قصر فرساي بمناسبة معرض يستعيد ذكرى زيارة قيصر روسيا، نيكولا الثاني لباريس في عام 1896.
حينها، كانت فرنسا قد وضعت وراءها الانتخابات الرئاسية التي أفضت إلى وصول إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه.
وفي المؤتمر الصحافي المشترك، لم يتردد الأخير عن التنديد بوسيلتين إعلاميتين روسيتين: القناة الإخبارية «روسيا اليوم» «بالفرنسية»، ووكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك» اللتين اتهمهما ماكرون بالتحيز والعمل ضده، وضمناً لصالح منافسته، مرشحة اليمين المتطرف، مارين لوبان.
وكانت موسكو قد أطلقت القناة «روسيا اليوم» في العام نفسه، وأوكلت إدارتها للصحافية الروسية زينيا فيدوروفا. ويوم الأربعاء، صدر عن وزارة الداخلية الفرنسية قرار «الطرد الفوري» من الأراضي الفرنسية بحق فيدوروفا، ما استتبع سحب تصريح إقامتها ومنعها من العمل داخل فرنسا.
وبررت وزارة الداخلية القرار باعتبار «سلوك» فيدوروفا واسمها الأصلي «كزينيا بورتشيك»، «يمس بالمصالح الأساسية للدولة» الفرنسية، وأن وجودها على الأراضي الفرنسية «يشكل، لهذا السبب، تهديداً بالغ الخطورة وقائماً للنظام العام»، بحسب نص القرار الإداري الذي دعمه بمجموعة من التفاصيل المستخلصة من كتابات ومداخلات الصحافية المذكورة. وسارع إيمانويل بيفنيكا، محامي فيدوروفا، إلى التأكيد أن موكلته ستتقدم على الفور بطعن ضد ما وصفه بأنه «انتهاك جسيم لحرية التعبير لصحافية مارست عملها دائماً بأقصى درجات المهنية».
«السردية الروسية»
ليست فيدوروفا صحافية عادية، بل إنها وجه معروف في المشهد الإعلامي الفرنسي، رغم أن الحكومة عمدت في بداية عام 2023 إلى منع «روسيا اليوم» من بث برامجها، انسجاماً مع القرار الصادر عن الاتحاد الأوروبي الذي اتخذ بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا.
إلا أن فيدوروفا بقيت في فرنسا؛ إذ وجدت من يشرع لها أبواب وسائله الإعلامية كافة. ذلك أن فانسان بولوريه، رجل الأعمال الشهير الذي يملك إمبراطورية إعلامية تضم القناة التلفزيونية «سي نيوز»، وإذاعة «أوروبا رقم واحد»، وصحيفة «جورنال دو ديمانش»، «تبنّى» الصحافية الروسية ومكّنها من مواصلة عملها الصحافي.
والأخيرة قالت عن نفسها يوماً إنها «محمية» بولوريه. لا بل ثمة من يرى أنها نجحت، إلى حد كبير، في اجتذاب الأخير الذي يتأرجح بين اليمين الكاثوليكي التقليدي واليمين المتطرف، إلى تفهّم - وأحياناً مساندة - السياسة الروسية إزاء أوكرانيا.
والحقيقة أن فيدوروفا تتبنّى السردية الروسية للحرب المذكورة، وما زالت حتى اليوم، ورغم مرور أربع سنوات ونصف سنة على انطلاقتها، تُسمّيها «العملية العسكرية الخاصة»، الأمر الذي تعدّه الحكومة الفرنسية «ترويجاً» للدعاية الروسية، فيما يقف الرئيس ماكرون إلى جانب نظيره فولوديمير زيلينسكي، لا بل إنه يعُدّ نفسه أحد أكبر الداعمين له على المسرح الأوروبي.
حرب هجينة
ويأتي قرار وزارة الداخلية فيما تتهم فرنسا، ومعها العديد من الدول الأوروبية، روسيا بشن «حرب هجينية - سيبرانية» على الديمقراطيات الغربية، والوقوف انتخابياً إلى جانب اليمين المتطرف الذي يتبنى مواقف متمايزة عن مواقف الحكومات الأوروبية بخصوص الحرب في أوكرانيا.
ولعل الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وفق صحيفة «لوموند» المستقلة، انضمام فيدوروفا إلى «مركز الدراسات المسيحي» الذي أوجده بولوريه من أجل «التأثير» في الانتخابات الفرنسية، وأبرزها انتخابات رئاسة الجمهورية التي ستجرى الربيع المقبل. وليس سراً أن بولوريه الساعي إلى تصالح جناحي اليمين الفرنسي «اليمين التقليدي واليمين المتطرف» يدعم مارين لوبان، المرشحة الأوفر حظاً في الوصول إلى الجولة الثانية من الرئاسيات، وبعض استطلاعات الرأي ترى أنها أيضاً الأوفر حظاً في خلافة ماكرون في قصر الإليزيه. بيد أنه من المبكر التكهن بنتائج انتخابات ستحصل بعد 9 أشهر.
سابقة ألمانية
ثمة أمر لم يكن معلوماً لدى الجمهور الفرنسي، وكُشف عنه مؤخراً، وعنوانه أن فيدوروفا حطت رحالها في برلين قبل انتقالها إلى باريس، وأن الحكومة الألمانية منعتها من دخول أراضيها في عام 2024 بسبب ما عدّته تدخلاً في شؤون البلاد الداخلية.
ولا تختلف الحجج الفرنسية كثيراً عن حجج ألمانيا؛ فالقرار الحكومي الفرنسي يعتبر أن فيدوروفا «تسهم في نشر خطاب يقوم على التضليل الإعلامي وزعزعة الاستقرار»، والهدف منه «التلاعب بالرأي العام، وتقويض ثقة المواطنين الأوروبيين، ولا سيما المواطنين الفرنسيين، في مؤسساتهم».
وعملياً، تُتهم فيدوروفا بـ«نشر المعلومات المضللة والتحريف المنهجي للوقائع» بالنسبة للحرب الروسية على أوكرانيا، بحيث تشارك بما تقوم به الدعاية الروسية مباشرة؛ أي «التضليل الإعلامي».
ومن جانب آخر، ترى باريس أن ما تقوله وتكتبه الصحافية الروسية يندرج في إطار «استراتيجية زعزعة استقرار النسيج الاجتماعي وتهديد النظام العام» في البلاد. ولعلّ ما دفع وزارة الداخلية مؤخراً إلى الإقدام على قرار طردها، ما كتبته في صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» تعليقاً على العرض العسكري الذي جرى في جادة الشانزليزيه بحضور 25 رئيس دولة وحكومة من مجموعة «تحالف الراغبين»، ومن بينهم الرئيس الأوكراني، حيث رأت أن ما قامت به باريس يمثل «خلطاً خطيراً بين التكريم الوطني والانحياز الاستراتيجي».
لم تكن فيدوروفا صحافية وكاتبة فقط. فقد عملت على بناء شبكة من العلاقات الواسعة إعلامياً وسياسياً واجتماعياً، كما أنها كانت موضع متابعة من المخابرات الداخلية الفرنسية، وفق تقارير إعلامية متداولة في باريس، ووفق ما أشار إليه وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز.
وتفيد المعلومات المتوافرة أن فيدوروفا حصلت صيف عام 2024 على تجديد تأشيرة إقامتها في فرنسا لعشر سنوات. ولذا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة يتناول توقيت قرار الداخلية الفرنسية، خصوصاً أن أصواتاً وزارية ونيابية وسياسية طالبت بترحيلها وإبقائها خارج فرنسا. وبالمقابل، فإن «زملاءها» في الوسائل الإعلامية التابعة لبولوريه أصدروا بيان «دعم كامل لها»، وجاء فيه أن «منعها من المشاركة في النقاش العام ومن التعبير عن آرائها بشأن الوضعين الفرنسي والدولي يشكل انتهاكاً بالغ الخطورة لحرية التعبير ولتعددية الآراء. كما نذكر بأن ديمقراطيتنا ودولة القانون تمنحان حرية التعبير وحرية الصحافة قيمة دستورية».
