شاهد عيان ياباني تسعينيّ يروي لـ«الشرق الأوسط» فظائع القنبلة النووية على هيروشيما

ياماماتو: شهدت يومها جهنم وأمطاراً داكنة السواد وآخرين يموتون من حرارة الإشعاع

القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)
القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)
TT

شاهد عيان ياباني تسعينيّ يروي لـ«الشرق الأوسط» فظائع القنبلة النووية على هيروشيما

القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)
القبة التي ضُربت بالقنبلة وهي على بُعد 200 متر من مركز الضربة (الشرق الأوسط)

الرحلة استغرقت 40 دقيقة بالقطار السريع من طوكيو إلى مدينة هيروشيما، التي تعرضت لأول ضربة نووية في التاريخ يوم 6 أغسطس (آب) 1945، وأمطرت حينها أمطاراً داكنة السواد اختلط فيها الإشعاع النووي العالق في الهواء، مع حبيبات الغبار لترسم سحابة قاتمة عبَّرت عن حزن غطى السماء.

هناك، وقفت «الشرق الأوسط»، على آثار القنبلة الذرية على المدينة التاريخية المكلومة، التي بدت كأنها تغتسل للتوِّ من غبار الإشعاع النووي، ومع ذلك لم تمنع تدفق زوار العالم إليها من كل حدب وصوب، ليقفوا بأنفسهم على قصة أكبر وأول حدث نووي في العالم على مدينة كانت تحلم بأيام سعيدة يرفع فيها الأطفال أصواتهم فرحاً، وهم يستنشقون هواء رذاذ المطر النقي في تلك الأيام الحالمة قبل أن تتحول في لحظات إلى أيام حالكة السواد.

في مبنى يفصل بين القبة التي تعرضت للضربة النووية ومتحف هيروشيما، قال شاهد العيان ساداو ياماماتو لــ«الشرق الأوسط»: «كان عمري 14 عاماً وأدرس في الصف الثامن بالمرحلة الإعدادية حين قُصفت المدينة، ورغم بلوغي اليوم 92 عاماً فإنني ما زلت أتذكر ذلك اليوم جيداً». ياماماتو الذي لا يزال يحتفظ بذاكرة حديدية أردف قائلاً: «حين أصابت القنبلة النووية هدفها، كنت في مكان تابع للجيش الياباني لا يبعد أكثر من 2.5 كيلومتر عن محطة هيروشيما».

وبعد ذلك بدأ ياماماتو، سرد القصة بعدد كبير من الاستفهامات، كان أولها: لماذا اختارت أميركا «هيروشيما»، هدفاً للقنبلة الذرية؟ ولماذا اختارت وقت ذهاب الأطفال إلى المدراس وهم ينشدون ألحان السلام والجمال؟

لماذا اختيرت هيروشيما من بين مدن أخرى؟

يقول ياماماتو بعد تنهيدة ملؤها الألم: «تم اختيار هيروشيما من بين المدن اليابانية الأخرى لأن بعض الأميركيين المعنيين طالبوا باستهداف مدينة يابانية يكون قطرها 4.8 كيلومتر، رغبةً منهم في قياس مدى تأثير القنبلة من مسافة محددة على مدينة بهذا الحجم». وأضاف «في 27 من شهر أبريل (نيسان) 1945 اختاروا 17 مدينة في اليابان هدفاً للقنبلة الذرية، وبعد ذلك في يوم 25 من شهر يوليو (تموز) اختار الأميركان من بين الـ17 مدينة 4 مدن، وفي شهر أغسطس (آب) اختاروا 3 مدن من بينها، هي هيروشيما وناغازاكي وكوكورا».

وتابع ياماماتو: «إلا أنهم أخيراً قرروا إلقاء أول قنبلة على هيروشيما، والثانية على مدينة كوكورا، والثالثة على مدينة ناغازاكي، ثم تقرر أن يكون شهر أغسطس موعداً لتحليق الطائرة التي ستُلقي القنبلة، ولكن حتى الآن ليست لدينا معلومات عن سبب اختيار هيروشيما أول هدف». وزاد: «يوم 6 أغسطس 1945، أقلعت الطائرة الحربية الأميركية (الإينولا جا) من قاعدة موجودة في جزيرة تينيان في المحيط الهادئ، في رحلة استغرقت 6.5 ساعة».

لكن قبل انطلاق «الإينولا جا»، وفق ياماماتو، كانت هناك طائرة أخرى تتلخص مهمتها في قياس الطقس في المدن الثلاث المستهدفة، قبل أن يقع الاختيار الأخير على هيروشيما، بسبب أن طقس هيروشيما كان الأفضل لهم في ذلك الوقت. وفي الساعة الثامنة صباحاً، يقول ياماماتو، تم إسقاط القنبلة الذرية وحدث الانفجار كما كان مخططاً له على مساحة دائرية طول قطرها 3 أميال، حيث كانت هيروشيما متوافقة مع هذه المقاييس، فكانت هي المدينة المختارة للضربة النووية.

يستذكر ياماماتو بصوت حزين: «المحصلة النهائية هي أن 140 ألف شخص لقوا حتفهم نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) 1945. كان معظم الضحايا يابانيين ولكن كان من بينهم كوريون عاملون في اليابان ومعتقلون قسريون و12 من الجنود الأميركان». ويقول شاهد العيان إن أكثر ما أثّر في نفسه هو استهداف موقع مشغول بعدد كبير من طلاب المدارس من عمره، وفي وقت كان يقام فيه عدد من الأنشطة الطلابية، كما يوجد فيه عدد من العمال يقومون ببعض أعمال لحماية المدينة من القصف الجوي التقليدي ولم يَدُر بخلدهم قرب وقوع قصف نووي.

أطفال تحت القصف

يقول ياماماتو: «مدرستي الإعدادية (هيروشيما نيتيو)، تدمرت بشكل كامل... عدد الضحايا في مدرستي فقط وصل إلى 321 طالباً في الصف الأول و4 مدرسين»، وزاد: «لحسن حظي كنت على بُعد 2.5 كيلومتر، ولذا نجوت على الرغم من تعرضي لهواء ساخن وإشعاع تسبب لي في أضرار بجسمي استمرت معي أكثر من أسبوعين».

وتابع: «في ذلك اليوم، ظهرت 3 طائرات حربية دون حصول إنذار بقصف جوي، ولذلك اعتبرنا ذلك مجرد استطلاع، وحلَّقت الطائرات الثلاث فوق رؤوسنا وبعدها عادت أدراجها، ففكرنا أنها شيء غريب ولحظتها سمعت صوت انفجار وأحسست بهواء ساخن جداً، وكل الطلاب تطايروا كالقطع الصغيرة الخفيفة في الهواء، وأنا أُصبت بحالة إغماء».

ومضى ياماماتو إلى القول: «عندما استعدت وعيي، رأيت انفجار محطة هيروشيما وكانت النيران تتصاعد إلى السماء بشكل مخيف، بعدها شاهدت شكل القنبلة كأنها كرة من النار بقطر 400 متر وبعد 10 ثوان تقريباً انكسرت الكرة وأصبحت عبارة عن ألسنة نيران تغطي أرجاء المكان». وزاد: «تملَّكنا خوف شديد فهرولنا إلى معبد عند جبل على الوادي، وجاء القائمون على المعبد بزيت لدهن أجسامنا لتخفيف الألم الذي كنا نشعر به، حيث كانت الرؤية ضبابية، بعدها شهدنا حريقاً كبيراً في وسط المدينة وشاهدت الحريق يلتهم المدرسة الابتدائية التي كنا فيها، حينها قررت العودة إلى المنزل».

وتابع: «وجدت منزلنا مهشماً من شدة الاهتزاز الذي خلّفته القنبلة، ولكن كانت عائلتي سليمة، لأنهم بعيدون عن أثر الحريق، وكان أبي محظوظاً، لأنه كان على مسافة 680 متراً وموجوداً داخل مبنى محاط بجدار سميك وهو ما حماه من أثر القنبلة، ومع ذلك أُصيب والدي بأضرار خفيفة في البطن وتوفي بسبب أعراض القنبلة النووية عن عمر ناهز 93 عاماً».

حرارة تناهز 4 آلاف درجة عمَّت المكان

وقال ياماماتو: «طلاب الصف الأول الإعدادي في مدرستنا كانوا موجودين على بُعد 500 متر من مركز القنبلة، ومات 70 في المائة منهم، من أثر القنبلة التي خلَّفت درجة حرارة عالية جداً تصل إلى 4000 درجة مئوية».

وأردف قائلاً: «شاهدت بعض الطلاب يموتون على الفور، وبعضهم وصلوا إلى منازلهم بصعوبة وبعضهم ماتوا في الطريق والبعض منهم رمى نفسه في النهر وهو ينادي: أمي أمي، لقد شاهدت بعيني موت طالب لطيف جداً يُدعى (شيغيل إليمونت)، وجدتْه أمه ميتاً وهو ممسك بحقيبة الوجبات. كما رأيت طالباً اسمه (إيساو تانوبتيتشي) ووجهه محروق ولم يكن حينها قد فارق الحياة، وعندما وجده والده لم يستطع تمييزه، ولكن عرفه من خلال (جاكيت) لشقيقه كان يرتديه، بينما شاهدت طالباً ثالثاً تسلخ جلده عن جسمه ومات أيضاً في اليوم التالي».

أمطار داكنة السواد

يقول ياماماتو: «انفجار القنبلة كان على قطر كيلومتر ولكن تأثيرها كان أكبر بكثير ومعظم من كان في محيطها إمَّا مات في اليوم الأول وإما في اليوم الذي يليه وإما بعد فترة من الإصابة، وفي عام 1946 عانى كثيرون من أعراض مرض يطلق عليه اسم (كرويتو)، أي الجسم المحروق والكروش المنفوخة إضافة إلى تغيير شكل الجلد بسبب الإشعاع الذي دخل الجسم ودمَّر وظيفة الدم في الخلايا».

وفي ختام حديثه يقول ياماماتو: «من شدة الانفجار اكتست السماء باللون الأسود بسبب امتزاج الهواء مع تراب الأرض، حتى الأمطار كانت تنزل سوداء جراء تشبع الهواء بالإشعاع، والذين كانوا يشربون من الآبار الملوثة من الأمطار ظهر عليهم كثير من الأمراض والأضرار التي لازمتهم فترة من الزمن، أما النساء الحوامل فتأثر أطفالهن بالأمراض والأشعة، وبعضهم خرج مشوهاً والبعض الآخر مات في بطن أمه، في حين انتشر سرطان الدم الذي أودى بحياة كثيرين بعد عامين وثلاثة أعوام من الحادثة».


مقالات ذات صلة

ماكرون: برنامج الطائرات الحربية مع ألمانيا وإسبانيا لم يمت

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

ماكرون: برنامج الطائرات الحربية مع ألمانيا وإسبانيا لم يمت

كشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن أن برنامج ​الطائرات الحربية المشترك مع ألمانيا وإسبانيا لم يمت بعد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
آسيا أحد أفراد جيش التحرير الشعبي الصيني يقف بينما تستعرض «مجموعة الضربات الاستراتيجية» صواريخ نووية خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية في بكين يوم 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

الصين ترفض اتهامات واشنطن بإجراء تجارب نووية سرّية

نفت الصين، الاثنين، ادعاءات الولايات المتحدة بأنها أجرت تجارب نووية ووصفتها بأنها «محض أكاذيب»، متهمةً واشنطن باختلاق ذرائع لتبدأ تجاربها النووية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)
تكنولوجيا صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية.

«الشرق الأوسط» (بكين)

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».