مصر: جدل متصاعد بسبب قانون «المسؤولية الطبية»

الحكومة تصفه بـ«المتوازن»... و«الأطباء» ترفضه وتدعو لـ«عمومية طارئة»

TT

مصر: جدل متصاعد بسبب قانون «المسؤولية الطبية»

مجلس الشيوخ المصري أثناء مناقشة قانون «المسؤولية الطبية» (وزارة الشؤون النيابية والقانونية المصرية)
مجلس الشيوخ المصري أثناء مناقشة قانون «المسؤولية الطبية» (وزارة الشؤون النيابية والقانونية المصرية)

تصاعد الجدل في مصر بسبب قانون «المسؤولية الطبية»، عقب موافقة مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) نهائياً على القانون. وبينما ترفض نقابة الأطباء المصرية مشروع القانون الجديد، ودعت إلى جمعية عمومية طارئة للأطباء، ترى الحكومة المصرية أن القانون الجديد «يحقق التوازن بين حقوق المرضى والطبيب».

ووافق «الشيوخ المصري» أخيراً على تشريع «المسؤولية الطبية وحماية المرضى»، ومن المقرر إحالته إلى مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) لمناقشته وإقراره في صيغته النهائية.

وينصّ مشروع القانون الجديد على تشكيل «لجنة عليا»، تتبع رئيس الوزراء، تسمى «اللجنة العليا للمسؤولية الطبية وحماية المريض». وعرّف القانون اللجنة بأنها «جهة الخبرة الاستشارية المتعلقة بالأخطاء الطبية، وهي معنية بالنظر في الشكاوى، وإنشاء قاعدة بيانات، وإصدار الأدلة الإرشادية للتوعية بحقوق متلقي الخدمة، بالتنسيق مع النقابات والجهات المعنية».

ويشتمل مشروع القانون الجديد على 30 مادة، من بينها مادتان «أجازتا الحبس للأطباء»، حيث نصّت المادة 27 على «الحبس لمدة لا تقل عن 6 أشهر لمن تسبب في خطأ طبي أدى إلى وفاة متلقي الخدمة»، أما المادة 29 فأجازت لجهات التحقيق إصدار «قرارات بالحبس الاحتياطي للأطباء، حال ارتكاب جرائم أثناء تقديم الخدمة الطبية».

وشهدت مصر في الشهور الماضية تعرض عدد من الأطباء لاعتداءات خلال عملهم بالمستشفيات من أقارب المرضى، من بينها واقعة تعدي الفنان محمد فؤاد على طبيب مستشفى «جامعة عين شمس»، خلال مرافقة شقيقه الذي أصيب بأزمة قلبية الصيف الماضي، وكذا الاعتداء على طبيب بمستشفى «الشيخ زايد» في القاهرة من أقارب مريض، نهاية أكتوبر (تشرين أول) الماضي، وهي الوقائع التي يجري التحقيق فيها قضائياً.

واستقبلت نقابة الأطباء المصرية مشروع القانون الجديد برفض واسع، باعتباره ينصّ على «عقوبات مشددة تجاه الأطباء»، ودعت أعضاءها إلى جمع عام طارئ في 3 يناير (كانون ثاني) المقبل للمطالبة بتعديل التشريع الجديد.

وعدّ نائب رئيس الوزراء المصري، وزير الصحة، خالد عبد الغفار، أن «التشريع الجديد متوازن». وقال خلال مشاركته في مناقشة القانون بـ«الشيوخ» أخيراً، إن فلسفة القانون «تستهدف تحقيق التوازن والتكامل بين الطبيب والمريض»، لافتاً إلى أن التشريع «يمنح الحماية الجنائية للأطباء، ويوفر بيئة عمل آمنة للطواقم الطبية، بعد أن تكررت حوادث التعدي على الأطباء».

من جانبه، قال وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي المصري، محمود فوزي، إن القانون الجديد «يعزز الثقة بين الطبيب والمريض، ويسعى لتحقيق جودة الخدمة العلاجية»، مشيراً في تصريحات إلى أن التشريع «وضع ضمانات للطبيب، من بينها التعريف المحكم للخطأ الطبي، وحدّد الحالات التي تنتفي فيها مسؤولية الطبيب ومقدم الخدمة الطبية».

نقيب الأطباء المصري خلال مناقشته قانون المسؤولية الطبية مع أطباء الفيوم (نقابة الأطباء المصرية)

لكن نقيب الأطباء المصري، أسامة عبد الحي، عدّ أن القانون الجديد «لا يحقق مصلحة الطبيب والمريض»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أهمية التشريع لتنظيم العلاقة بين مقدم ومتلقي الخدمة الطبية، فالصيغة الحالية لا تحقق الغاية من صدور القانون».

وتأتي تحفظات الأطباء تجاه القانون حول آلية وصيغة محاسبة الطبيب، حال وقوع خطأ طبي، وفق عبد الحي، الذي قال إن «التشريع لم يتعامل بجدية مع دور اللجنة العليا للمسؤولية الطبية، وجعل لجوء جهات التحقيق لها اختيارياً»، مطالباً بضرورة «النصّ على إحالة جميع الشكاوى الموجهة ضد الأطباء إلى (اللجنة) من أجل فحصها، وحال ثبوت ارتكاب الطبيب خطأ طبياً يحال بعدها إلى جهات التحقيق».

في حين ترى الحكومة المصرية أن «إنشاء لجنة المسؤولية الطبية بالقانون تمثل ضمانة أكبر للأطباء».

وبحسب نقيب الأطباء، فإن «التشريع لم يفرق بين الخطأ الطبي الصادر من طبيب متخصص، والخطأ الصادر من طبيب خالف القانون في ممارسة المهنة، بممارسته الخدمة الطبية في مكان غير مرخص، أو من دون مؤهل علمي»، مطالباً بـ«إلغاء الحبس الاحتياطي في مشروع القانون، والنص على بدائل أخرى مع الأطباء».

وكان وزير الصحة المصري قد قلّل من خطورة نصوص الحبس في القانون، بقوله إن قرارات الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في القانون «وضعت وفقاً لضوابط واضحة ومحددة، أهمها أن تصدر من رئيس نيابة في الجرائم التي تقع من مقدم الخدمة الطبية».

ويعتقد عضو «لجنة الصحة» بمجلس الشيوخ المصري، محمد صلاح البدري، أن قانون المسؤولية الطبية «خطوة جيدة لتنظيم العلاقة بين الطبيب والمريض»، مشيراً إلى أن «هناك دعاية سلبية تسعى لإظهار القانون باعتباره مخصصاً لحبس الأطباء»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن القانون «ينص على إجراءات محددة لمحاسبة الطواقم الطبية حال وقوع أخطاء أو إهمال، بدلاً من الإجراءات الحالية للمحاسبة المنصوص عليها في قانون العقوبات». ورأى البدري أنه «لا يمكن إلغاء عقوبة الحبس بشكل مطلق من القانون»، معتبراً ذلك «يخالف قواعد الدستور».

وانتقل الجدل المثار بشأن مشروع القانون إلى «السوشيال ميديا»، حيث أشار الطبيب ومقدم البرامج الطبية، خالد منتصر، إلى أن «أي قانون يحافظ على حقوق المرضى، ويعاقب الفئة القليلة من الأطباء، ضروري». وقال عبر حسابه على «إكس» إن هناك فئة «تسيء لمهنة الطب بسبب أخطائها الطبية، ويجب أن يكون هناك قانون لردعهم».

من جهته، أكد مدير «المركز المصري للحق في الدواء» (منظمة حقوقية)، محمود فؤاد، «أهمية وجود تشريع مصري للمسؤولية الطبية، للحد من الأخطاء وحوادث الإهمال الطبي». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يجب اختزال القانون في الخلاف حول مسألة حبس الأطباء».

ويرى فؤاد ضرورة توفير «بيئة صحية ومناخ طبي آمن داخل المستشفيات، قبل تطبيق القانون»، مضيفاً أنه «مثلما أشارت نصوص القانون على تحقيق أهداف معينة، تخدم المرضى والأطباء، لا بد أيضاً من توفير الإمكانات والأدوات اللازمة للطبيب لأداء عمله».


مقالات ذات صلة

«خيبة الأمل» لم تمنع المصريين من الاحتفاء بأداء منتخبهم «المشرف»

رياضة عربية خروج «الفراعنة» من مونديال كأس العالم لم يمنع الجماهير من الاحتفاء بالأداء المشرف (الاتحاد المصري لكرة القدم)

«خيبة الأمل» لم تمنع المصريين من الاحتفاء بأداء منتخبهم «المشرف»

لم يكن خروج المنتخب المصري من كأس العالم حدثاً عابراً، بل لحظة امتزجت فيها المشاعر لدى الجماهير.

محمد عجم (القاهرة )
رياضة عربية رغم الخروج المؤلم ترك صلاح انطباعاً واضحاً بأنه ما زال لاعباً يصنع الفارق في أكبر المناسبات (رويترز)

إلى أين يتجه محمد صلاح بعد المونديال؟

وسط الفوضى التي اجتاحت مدرجات ملعب أتلانتا، وبعد واحدة من أكثر مباريات كأس العالم إثارة، كان المشهد الأكثر هدوءاً هو الذي جمع محمد صلاح وليونيل ميسي.

The Athletic (أتلانتا (الولايات المتحدة))
شمال افريقيا الرئيس المصري عقب استعراض إمكانات أجهزة الدولة في مجابهة الأزمات والكوارث (الرئاسة المصرية)

السيسي يستعرض إمكانات مصر في إدارة الطوارئ والأزمات

استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، إمكانات أجهزة الدولة لمُجابهة الأزمات والكوارث.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر جامعة سوهاج في صعيد مصر (الصفحة الرسمية للجامعة على «فيسبوك»)

تدني نسب النجاح في الطب يجدد الشكوك بنتائج «الثانوية» المصرية

جدد تدني نسب النجاح في بعض كليات الطب بصعيد مصر، الشكوك في نتائج بعض الطلاب بـ«الثانوية العامة».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
رياضة عالمية تحضيرات مصرية أخيرة قبل بدء المباراة (إ.ب.أ)

ألفاريز يعود لتشكيلة الأرجنتين... ومرموش على مقاعد بدلاء المنتخب المصري

استعاد جوليان ألفاريز مكانه في التشكيلة الأساسية لمنتخب الأرجنتين لكرة القدم خلال مواجهة مصر في دور الـ16 بكأس العالم، اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (أتلانتا)

العجز المائي يثير مخاوف وسط سكان غرب ليبيا

خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)
خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)
TT

العجز المائي يثير مخاوف وسط سكان غرب ليبيا

خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)
خزان القرضابية التابع للنهر الصناعي في مدينة سرت الليبية (الصفحة الرسمية للجهاز)

عادت أزمة المياه إلى واجهة المشهد في غرب ليبيا، بعد تحذيرات رسمية من تفاقم العجز المائي نتيجة انتشار التوصيلات غير الشرعية على مسار منظومة «الحساونة - سهل الجفارة»، في وقت توعد فيه جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي بإطلاق «حملة أمنية» لإزالة هذه التعديات، وحماية إمدادات المياه المتجهة إلى العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية.

ويُعد «النهر الصناعي العظيم» المصدر الرئيسي لمياه الشرب في معظم المدن الليبية منذ عقود، ويُعرف محلياً بـ«شريان الحياة»، إذ ينقل هذا المشروع المياه الجوفية من الأحواض الصحراوية في جنوب البلاد إلى المناطق الساحلية في الشمال، عبر شبكة من الأنابيب تمتد مئات الكيلومترات.

رئيس اللجنة الإدارية لجهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي المهندس أحمد الذيب (صفحة الجهاز)

وتفجرت هذه المخاوف والتحذيرات عقب جولة ميدانية أجراها رئيس اللجنة الإدارية للجهاز في غرب البلاد، أحمد الديب، على امتداد المسار الأوسط للمنظومة، شملت ترهونة وبني وليد ومحطة التحكم بالشويرف، وصولاً إلى حقول آبار الحساونة، للوقوف على حجم التعديات المقامة على خطوط نقل المياه، بحسب بيان للجنة فجر الأربعاء.

يشار إلى أن منظومة «الحساونة - سهل الجفارة»، التي تعرضت للاعتداءات هي المرحلة الثانية من المشروع، وقد صُممت لنقل نحو 2.5 مليون متر مكعب من المياه يومياً من حقول آبار جبل الحساونة إلى الشريط الساحلي حتى العاصمة طرابلس.

وكشفت جولة المسؤول الليبي عن انتشار توصيلات غير قانونية تُستخدم لري مزارع عشوائية بطريقة الغمر، وهو ما اعتبره الجهاز سبباً في «نقص الإمداد المائي» إلى العاصمة طرابلس وبلديات المنطقة الغربية، ونتج عنه «عجز مائي خطير» بسبب «الاستنزاف غير القانوني للمياه».

مزرعة غير شرعية جرى ريها بتوصيلات مخالفة من النهر الصناعي في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية لإدارة النهر)

وحمّل الجهاز المزارعين الذين يمدون هذه التوصيلات «المسؤولية المباشرة عن الأزمة المائية الحالية»، محذراً من أن استمرار هذه الممارسات «سيؤدي إلى زيادة العجز المائي»، وقد يفضي إلى «إيقاف الإمداد المائي عن العاصمة والبلديات الغربية بالكامل».

وفي مؤشر على تصعيد الإجراءات، أعلن الجهاز الشروع «فوراً» في «حملة أمنية» بالتنسيق مع الأجهزة المختصة لإزالة التوصيلات غير الشرعية، مؤكداً أنه «لن يسمح باستمرار هذه الأعمال العبثية»، التي قال إنها «أتلفت المكونات الميكانيكية للمسار»، و«زادت معاناة المواطنين». وشدد الجهاز على أن «الأمن المائي للدولة خط أحمر»، مؤكداً أنه «لن يُسمح لأي طرف بتهديده أو العبث به».

وبرزت مؤشرات الأزمة منذ يوم الجمعة الماضي، مع تعرض منظومة آبار النهر الصناعي لتذبذبات متتالية في الجهد الكهربائي، أسفرت عن فقدان أكثر من 120 ألف متر مكعب من المياه، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وما صاحب ذلك من زيادة في الاستهلاك، واتساع نطاق التوصيلات غير الشرعية على مسارات النهر.

ودفعت هذه التطورات الجهاز إلى تسيير دوريات تابعة لـ«كتيبة حماية النهر» لإزالة التجاوزات، بالتوازي مع أعمال تركيب مضخات بديلة للمضخات، التي تعرضت للأعطال، في محاولة لضمان استمرار تدفق المياه إلى المدن المستفيدة وتقليص آثار الأزمة.

مشروع «النهر الصناعي العظيم» أحد أكبر مشروعات نقل المياه في العالم الذي أطلقه الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (رويترز)

ويُعد مشروع «النهر الصناعي العظيم» أحد أكبر مشروعات نقل المياه في العالم، وقد أطلقه الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في ثمانينات القرن الماضي لنقل المياه الجوفية من أحواض الجنوب إلى المدن الساحلية في الشمال، بتكلفة قُدرت آنذاك بنحو 35 مليار دولار، ليصبح المصدر الرئيسي لمياه الشرب لملايين الليبيين.

ومنذ سقوط نظام القذافي عام 2011، لم تتوقف الاعتداءات على المشروع، سواء عبر إغلاق الآبار، أو تعطيل محطات الضخ عبر مجموعات مسلحة، أو تنفيذ توصيلات غير قانونية تستخدم في ري الأراضي الزراعية، أو تزويد تجمعات سكانية بالمياه خارج الشبكة الرسمية، الأمر الذي أدى إلى تكرار أزمات الإمدادات، لا سيما خلال أشهر الصيف، إلى جانب انقسام إدارته بين طرابلس وبنغازي.

ورغم الحديث عن حملة أمنية لكبح الاعتداءات على مشروع النهر الصناعي، فإنها «تبقى أزمة مفتوحة»، بحسب رؤية الدكتور سيف الله الحطاب، الأكاديمي الليبي والباحث المتخصص في التنمية المستدامة، في ظل ما عدّه «استمراراً لغياب سلطة الدولة على كامل مواردها ضمن سياق عام من العدالة الاجتماعية».

وقال الحطاب لـ«الشرق الأوسط» إن «ضعف القبضة الأمنية سمح باستمرار التعديات على مسارات النهر، ويضع مناطق غرب ليبيا على حافة عطش حقيقي»، لكنه اعتبر أن «المشكلة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل ترتبط أيضاً باختلالات متجذرة في توزيع الثروة والتنمية بين المناطق الليبية، ما يدفع بعض الفئات إلى محاولة انتزاع ما تعتبره حقوقاً لها عبر التعدي على هذا المورد».

وانتهى الحطاب إلى أن معالجة الأزمة «لا يمكن أن تقتصر على إزالة التوصيلات غير الشرعية أو تنفيذ حملات أمنية»، مؤكداً أن الحل يتطلب «معالجة جذرية في إطار دولة مستقرة تقوم على قواعد جديدة للحكم والإدارة وتوزيع عادل للثروة، بما يضمن حماية الموارد الاستراتيجية، ويحد من اللجوء إلى فرض الأمر الواقع».


السجن 18 عاماً بحق مرشح سابق للرئاسة التونسية

المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية سمير العبدلي (متداولة)
المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية سمير العبدلي (متداولة)
TT

السجن 18 عاماً بحق مرشح سابق للرئاسة التونسية

المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية سمير العبدلي (متداولة)
المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية سمير العبدلي (متداولة)

أصدرت محكمة متخصصة في قضايا الإرهاب في تونس، اليوم (الأربعاء)، حكماً بسجن المحامي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية، سمير العبدلي لمدة 18 عاماً بتهم ترتبط بجرائم إرهابية وغسل أموال، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية.

وكان العبدلي ضمن المرشحين للانتخابات الرئاسية في عام 2014، التي فاز بها الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي. وأوقف في مايو (أيار) 2024 للتحقيق في شبهات بالتورط في قضايا إرهابية ومالية، ووجهت له أيضاً «تهمة التآمر على أمن الدولة». وأصدرت المحكمة أيضاً حكماً بسجن سائقه لمدة 3 سنوات بتهم التستر عن إبلاغ السلطات، بما توفر له من معلومات عن ارتكاب احدى الجرائم، وفق ما ذكرته وكالة تونس أفريقيا للأنباء الرسمية اليوم.

وإلى جانب العبدلي يلاحق أيضاً عدد آخر من السياسيين من بين المرشحين للرئاسة في 2024 والقابعين في السجن في قضايا إرهابية ومالية، وتآمر على أمن الدولة وتهم بالتزوير، من بينهم عبير موسى ولطفي المرايحي والعياشي زمال. كما صدرت أحكام ضد المرشح لانتخابات 2024 المنذر الزنايدي، والرئيس السابق المنصف المرزوقي، الموجودين خارج تونس.

وتقول المعارضة إن الاتهامات الموجهة لقيادييها في السجون «سياسية»، وتتهم القضاء بالافتقاد إلى معايير المحاكمة العادلة، وهو ما تنفيه السلطة.

ويأتي هذا القرار بعد يوم واحد فقط من إصدار محكمة تونسية، أمس (الثلاثاء)، أحكاماً بسجن صناع محتوى على منصات تواصل اجتماعي، لفترات تتراوح بين عام واحد و27 عاماً، بتهمة غسل أموال ونشر محتوى إباحي، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية. وتشمل الأحكام 18 متهماً، من بينهم عدد من الصناع المحتوى على تطبيق «تيك توك» و«إنستغرام»، بحسب ما ذكر راديو «موزاييك» الخاص ووسائل إعلام أخرى.

واعتمدت المحكمة في قراراتها على عدة فصول قانونية، من بينها مرسوم مثير للجدل أصدره الرئيس قيس سعيد في عام 2022، يضبط الجرائم المرتبطة بأنظمة الاتصال والمعلومات، وكان سبباً مباشراً أيضاً في إيقاف نشطاء وصحافيين بتهم، مثل نشر أخبار غير صحيحة والتشويه. ومن بين التهم الأخرى التي يواجهها الموقوفون، الاتجار بالبشر، والاستغلال وبثّ صور ومقاطع تصويرية لاعتداءات جنسية على الغير.


أزمة رئاسة جهاز المخابرات الليبية تتصاعد

الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)
الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)
TT

أزمة رئاسة جهاز المخابرات الليبية تتصاعد

الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)
الدبيبة في لقاء سابق مع العائب (مكتب الدبيبة)

دخلت أزمة رئاسة جهاز المخابرات الليبية فصلاً جديداً، يوم الأربعاء، إثر تمسك رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، باستمرار الفريق أول حسين العائب في ممارسة مهامه رئيساً للجهاز، وذلك في أحدث حلقة من الخلاف المتصاعد مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بشأن الجهة المخولة قانوناً بإجراء تغييرات في قيادة أحد أبرز الأجهزة السيادية في البلاد.

ويعكس التحرك الجديد استمرار النزاع بين المؤسسات السياسية حول الصلاحيات الدستورية، في وقت يرى فيه مراقبون أن الخلاف تجاوز مسألة تغيير مسؤول أمني إلى صراع أوسع على النفوذ داخل المؤسسات السيادية التي كثيراً ما كانت محل تجاذب بين الأطراف الليبية المتنافسة.

جلسة سابقة لمجلس النواب برئاسة صالح وبحضور نائبيه دومة (يمين) والنويري (يسار) (النواب الليبي)

ووجّه صالح، في رسالة رسمية إلى رئيس جهاز المخابرات، استمرار العائب في مباشرة مهامه «رئيساً لجهاز المخابرات الليبية»، مستنداً إلى أحكام الإعلان الدستوري وتعديلاته، والاتفاق السياسي الليبي، إضافة إلى القانون رقم «8» لسنة 2023، الخاص بإعادة تنظيم جهاز المخابرات.

وشدد صالح على «ضرورة احترام الشرعية الدستورية والقانونية، والحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة، وضمان انتظام عمل المرافق العامة»، مؤكداً أن العائب سيواصل ممارسة جميع اختصاصاته القانونية والإدارية، والإشراف على إدارات الجهاز وفروعه ووحداته. كما كلّفه باتخاذ ما يلزم لضمان سير العمل، وحماية مقار الجهاز ووثائقه ومعلوماته ومعداته من أي اعتداء أو استيلاء أو تصرف غير مشروع، إلى جانب اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت مخالفته لأحكام القانون.

عبد المجيد مليقطة (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

ودعا صالح إلى استمرار الجهاز في أداء مهامه الأمنية، وتعزيز التعاون مع مختلف مؤسسات الدولة، وكذلك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يضمن تنفيذ اختصاصاته وفق الأطر القانونية، مطالباً رئيس الجهاز برفع تقارير دورية إلى رئاسة مجلس النواب حول سير العمل، وإبلاغها بأي تطورات أو ظروف استثنائية قد تؤثر في أداء الجهاز.

وانتهى صالح في توجيهاته بتأكيد ضرورة التزام جميع منتسبي الجهاز بأحكام القانون، والحفاظ على وحدة المؤسسة وإبعادها عن التجاذبات السياسية، بما يُسهم في حماية الأمن الوطني واستقرار الدولة.

ويعيد هذا الموقف تأكيد ما أعلنه صالح في نهاية يونيو (حزيران) الماضي، عندما رفض قرار رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، إعفاء العائب من منصبه، معتبراً أن تغيير رؤساء المؤسسات السيادية يجب أن يكون وفق الأطر القانونية والتوافقات السياسية، بعيداً عن القرارات الأحادية.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (رويترز)

وكان المنفي قد أصدر في أواخر يونيو الماضي قراراً بإعفاء حسين العائب من رئاسة جهاز المخابرات، وتكليف عبد المجيد مليقطة برئاسة الجهاز، وعبد الشفيع الجويفي نائباً له، وهو القرار الذي قوبل باعتراض معلن من عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، إلى جانب رفض رئيس مجلس النواب.

وفي موازاة ذلك، واصل الكوني حشد الدعم لموقفه الرافض للتغييرات التي طالت قيادة جهاز المخابرات، في تحرك يعكس استمرار الانقسام داخل المجلس الرئاسي نفسه بشأن هذه القضية.

وأكد الكوني، خلال لقائه وفداً من «تجمع أبناء فزان القاطنين في طرابلس»، أن «وحدة ليبيا ومؤسساتها السيادية خط أحمر لا يمكن المساس به»، مجدداً الدعوة إلى تغليب المصلحة الوطنية، والابتعاد عن التجاذبات السياسية التي تُهدد استقرار مؤسسات الدولة.

وقال المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي إن اللقاء تناول مستجدات الأوضاع السياسية والأمنية، وسبل تعزيز اللحمة الوطنية، والحفاظ على وحدة البلاد، في ظل تصاعد الجدل بشأن التغييرات الأخيرة في قيادة جهاز المخابرات.

وسبق أن نقل الكوني عن وفد من شيوخ وأعيان وحكماء المنطقة الغربية، كان قد التقاه في طرابلس، رفضه القاطع لسياسات فرض الأمر الواقع، أو اتخاذ قرارات أحادية قد تمس بسلامة المؤسسات السيادية للدولة واستقرارها.

وشدد الوفد، حسب الكوني، على ضرورة «النأي الكامل بالمؤسسات الأمنية والسيادية الحساسة عن التجاذبات والخلافات السياسية»، معتبراً أن التعيينات في المناصب العليا يجب أن تخضع للضوابط والآليات المتفق عليها، بعيداً عن «سياسة المغالبة أو الانفراد بالرأي».

ويرى متابعون أن استمرار تمسك كل طرف بقراراته يُنذر بإطالة أمد الأزمة، خصوصاً في ظل غياب توافق سياسي أو قضائي يحسم الجهة صاحبة الاختصاص في إجراء التغييرات داخل المؤسسات السيادية.

كما يخشى مراقبون من أن ينعكس هذا الخلاف على أداء جهاز المخابرات نفسه، في وقت تواجه فيه ليبيا تحديات أمنية وسياسية متزايدة، تتطلب الحفاظ على تماسك المؤسسات الأمنية، وإبعادها عن صراعات النفوذ بين الأطراف المتنافسة.