نودّع الحرب... ونستعدّ للحرب القادمة

جنود روس يتدربون على استخدام دبابة من طراز «تي-72» قبيل التوجه إلى الجبهة (رويترز)
جنود روس يتدربون على استخدام دبابة من طراز «تي-72» قبيل التوجه إلى الجبهة (رويترز)
TT

نودّع الحرب... ونستعدّ للحرب القادمة

جنود روس يتدربون على استخدام دبابة من طراز «تي-72» قبيل التوجه إلى الجبهة (رويترز)
جنود روس يتدربون على استخدام دبابة من طراز «تي-72» قبيل التوجه إلى الجبهة (رويترز)

كيف تتصرّف الأمم الصغيرة عند التحوّلات الكبرى؟ ما معنى العقلانية والواقعية السياسيّة في ظل الزلازل الجيوسياسيّة؟ هل مفروض على هذه الأمم أن تكون في وضع الخاسر - خاسر دائماً، وجُلّ ما يمكن لها القيام به هو السعي لتقليل الخسائر قدر الإمكان؟ لم يذكر التاريخ إمبراطوريّة واحدة قامت وتشكّلت من أمّة واحدة صرفة.

فقد وُعدت الأمم المتعدّدة ضمن الإمبراطوريات بالأمن والسلام والازدهار، وذلك مقابل الانصياع والانضمام إلى حدود القوّة. فالتمرّد على السلطة المركزيّة سيكون حسابه عسيراً وصولاً إلى حدّ الإبادة والإلغاء.

كان مركز السلطة في الإمبراطوريّة يُشكّل محور الكون. ومن هذا المحور - المركز، يتسلّل الضوء والقوّة معاً إلى الأطراف لفرض نوع مُعيّن من النماذج السياسيّة، كما فرض الإرث الثقافي والحضاريّ. وعندما يضعف المركز، تتفلّت الأطراف ويسقط المحور الكونيّ في مكان، لينبثق من مكان آخر. فالإمبراطوريات مثل طائر الفينيق. تنبعث الإمبراطورية الجديدة من رماد الإمبراطورية التي سبقتها، وعلى حسابها.

وعند التغيير، لزم على الأمم الصغيرة أن تعتمد خيارين ممكنين؛ الأولّ، أن تتمرّد على السلطة الجديدة فتدفع الأثمان، الثاني، أن تنضوي وتصطف، لتُبدّل الراية التي تنادي بـ«سقطت الإمبراطورية، عاشت الإمبراطوريّة».

يقول المفكّر الفرنسي جاك إتالي إن لقيام الإمبراطوريات مُحددات ومُتطلبّات معيّنة، أهمّها الحجم الجغرافيّ، الحجم السكانيّ، كما الثروة والقدرة على تمويل المشروع الكبير. لكن أهمّها هو الفكرة (The Idea) التي تقوم عليها هذه الإمبراطوريّة، والتي تقنع الأمم الأخرى بالانضمام إليه طوعاً. هناك الإمبراطوريات البحرية، كما البريّة - القاريّة. هناك إمبراطوريات نجحت طموحاتها، ومنها من فشل.

مؤشرات التحوّلات الجيوسياسيّة - عسكرياً!

شكّلت الحرب الأهليّة الإسبانيّة قبيل الحرب العالمية الثانية مسرحاً لتجربة واختبار الأسلحة الألمانيّة، وذلك إلى جانب اختبار التكتيكات؛ تدريب العسكر وتراكم للخبرات العسكريّة.

شكّلت الحرب الروسية على أوكرانيا مسرح اختبار لأسلحة القرن الواحد والعشرين. فهي، أي الحرب، حتى ولو شهدت أشكالاً من الحرب العالمية الأولى، كما الثانية، لكنها تدور في عصر الذكاء الاصطناعي، والعوالم الافتراضيّة. في هذه الحرب دخلت المسيّرات بشكل لم يحدث من قبل، الأمر الذي فاجأ القادة العسكرييّن، وغيّر معادلات الحماية في الحرب، كما ظهّر الفجوات الكبيرة في أغلب الاستراتيجيات العسكريّة (Military Doctrine). لم يقتصر تأثير المسيرات على القتال البريّ، لا بل تجاوزها إلى أبعاد الحرب الأخرى، من جو، بحر، برّ وحتى السيبرانيّ.

شكّلت الحرب على غزّة أهم تجربة لحرب المدن، كما لحرب العصابات. في هذه الحرب، خيضت الحرب في الأنفاق أيضاً، التي شكّلت العمق الجغرافي العمودي لحركة «حماس»، الأمر الذي عقّد العمليات العسكرية التقليدية للجيش الإسرائيليّ. ومن تجارب هذه الحرب، سوف تؤخذ الكثير من الدروس، خصوصاً وأن أغلب مسارح حروب المستقبل، وحسب بعض الدراسات العسكريّة، سوف تكون في المدن، وذلك بسبب النمط المتسارع لعملية التحضّر (Urbanization). في الحرب على غزّة، استخدم الجيش الإسرائيليّ الذكاء الاصطناعي في برنامجين هما «Gospel» لاقتراح الأهداف المتعلّقة بالأبنية والبنى التحتية لحركة «حماس»، وبرنامج «الخزامى» (Lavender) لاقتراح الأهداف البشريّة. سرّعت هذه البرامج عملية القتل، الأمر الذي يفسّر عدد القتلى في القطاع.

دبابة إسرائيلية بالقرب من الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة (رويترز)

شكّلت الحرب على لبنان تجربة مختلفة في الكثير من الأبعاد عن الحرب في غزّة. فهي انتقلت من الحرب الدفاعية (Positional) للجيش الإسرائيليّ، التي ترافقت مع السعي لاستنزاف قوات «حزب الله» إلى الحرب الهجوميّة وفي كلّ الأبعاد. شكّلت القوة الجويّة الإسرائيليّة العمود الفقري لعنصر المناورة والحركيّة في الجوّ. في الوقت نفسه، كانت المناورة البريّة المحدودة على الخطّ الأزرق ضد قوات «حزب الله» تسعى إلى وضع هذه القوات بين ما يُسمّى بـ«السندان والمطرقة».

لعب الهجوم البريّ المحدود داخل الخط الأزرق دور السندان، حتى لو كان متحرّكاً. أما سلاح الجو الإسرائيليّ فقد لعب وبامتياز دور المطرقة.

دبابات مهجورة على طريق سريع في منكت الحطب بالقرب من درعا (أ.ف.ب)

في المقابل استمرّ «حزب الله» بما تبقّى له من وسائل في تنفيذ الاستراتيجيّة التي كانت قد وُضعت أصلاً من قبل قياداته لاستعمالها في حال حصول السيناريو السيّئ. فكانت الصواريخ النوعيّة، كما الصواريخ المتوسّطة وقصيرة المدى، كما ما تبقّى من المسيّرات، لكن دون الوصول إلى المُبتغى المرسوم في الخطط الأصليّة. لكنه، أي الحزب، قد أقلق حتماً الخطط الإسرائيلية، خصوصاً عبر المسيّرات.

ماذا عن حروب المستقبل؟

* إذا كانت طبيعة الحرب ثابتة على أنها تُخاض لأهداف سياسيّة، فإن خصائص الحرب متبدّلة في الأبعاد السياسية، الاقتصادية والاجتماعيّة.

* سوف تتميز حروب القرن الـ21 عن سابقاتها، بدخول الذكاء الاصطناعي إلى الآلة العسكرية (Autonomous)، خصوصاً في جمع المعلومات والتنفيذ. أما قرار القتل فهو حتى الآن بيد الإنسان.

* لم تعد التكنولوجيا حكراً على الدولة وتحت سيطرتها. لا بل دخل إلى اللعبة الجيوسياسيّة أشخاص مدنيون يملكون الشركات الحديثة، التي تُصنع وتنتج هذه التكنولوجيا. وإذا كان قد قيل إن «الداتا» هي نفط القرن الـ21، فإن أغلب مراكز تجميع «الداتا» في العالم هي في يد الشركات المدنيّة؛ أغلبها أميركيّة.

* وبسبب الانتشار التكنولوجي السريع، والاستعمال المزدوج لها (Dual use)، كما سهولة الحصول عليها، أصبحت الحرب بالنسبة للاعب من خارج إطار الدولة ممكنة بسبب التكلفة المتدنّية. فمن يقاتل من حالياً في منطقة الهلال الخصيب؟ «حزب الله» ضد إسرائيل. حركة «حماس» ضد إسرائيل. الحوثيون ضد إسرائيل. وأخيراً وليس آخراً «هيئة تحرير الشام» ضد النظام السوري السابق.


مقالات ذات صلة

موجة الحر تثقل كاهل جنود أوكرانيين داخل دبابة من الحقبة السوفياتية

أوروبا جندي أوكراني على دبابة من طراز «تي-72» من الحقبة السوفياتية خلال مناورات عسكرية قرب خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا 21 يوليو 2024 (رويترز)

موجة الحر تثقل كاهل جنود أوكرانيين داخل دبابة من الحقبة السوفياتية

مع اجتياح موجة حرّ غير مسبوقة أجزاء واسعة من أوروبا وامتدادها إلى أوكرانيا، كانت الحرارة الحارقة أشد قسوة على جنود أوكرانيين داخل دبابة من الحقبة السوفياتية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أشخاص يسيرون في الساحة الحمراء خارج الكرملين في يوم صيفي في وسط مدينة موسكو بروسيا يوم 26 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

تزايد الضغوط الداخلية في روسيا... الحرب الطويلة تضع بوتين أمام تحديات متصاعدة

بعد أكثر من 4 سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، تزداد مؤشرات الإرهاق داخل المجتمع الروسي، في وقت يواصل فيه الرئيس فلاديمير بوتين التأكيد على مواصلة الحرب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

تركيا تطالب بإشراكها في مبادرات الـ«ناتو» الأمنية بأوروبا

أكد وزير الدفاع التركي، يشار غولر، أن حلف الـ«ناتو» يتكيف مع المشهد الأمني المتغير، وأن قمته المرتقبة في أنقرة ستركز ‌على اتحاده ‌وتقييم زيادة الإنفاق الدفاعي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز) p-circle

أوكرانيا تتلقى أول دفعة من قرض أوروبي لشراء المسيرات

أوكرانيا تتلقى أول دفعة من قرض أوروبي لشراء المسيرات وزيلينسكي يعلن استهداف مركز روسيا للاتصالات الفضائية للمرة الثانية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا جنود أوكرانيون يحمّلون صاروخاً على قاذفة قبل إطلاق النار على القوات الروسية وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في منطقة دنيبروبتروفسك بأوكرانيا يوم 22 يونيو 2026 (رويترز)

أوكرانيا تراهن على الاستنزاف... ضربات العمق تضغط على روسيا وتغيّر معادلات الحرب

تكثّف أوكرانيا حرب الاستنزاف ضد روسيا عبر ضربات بعيدة المدى تستهدف منشآت حيوية، بينما يثير استمرار الخسائر الروسية تساؤلات حول مسار الحرب ومستقبلها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

النصف الأول من عام 2026 كان «الأكثر حراً على الإطلاق» في إسبانيا

عامل يرتشف الماء في موقع بناء طرق بمدريد (أ.ف.ب)
عامل يرتشف الماء في موقع بناء طرق بمدريد (أ.ف.ب)
TT

النصف الأول من عام 2026 كان «الأكثر حراً على الإطلاق» في إسبانيا

عامل يرتشف الماء في موقع بناء طرق بمدريد (أ.ف.ب)
عامل يرتشف الماء في موقع بناء طرق بمدريد (أ.ف.ب)

كان النصف الأول من عام 2026 بصورة إجمالية «الأكثر حراً المسجل على الإطلاق» في إسبانيا مع ارتفاع متوسط الحرارة بمقدار 1.6 درجة مئوية عن المستوى الاعتيادي، على ما أعلنت الوكالة الوطنية للأرصاد الجوية اليوم (الأربعاء).

وأوضحت الوكالة، عبر «إكس»، أن «السنوات العشر الأخيرة شهدت أنصاف السنوات الأولى السبعة الأكثر حراً في السلسلة (التي تبدأ عام 1961)».

وسجلت إسبانيا خلال شهر يونيو (حزيران) ما لا يقل عن 1028 حالة وفاة يمكن ربطها بموجة الحر التي تجتاح أوروبا حالياً، وفق بيانات أصدرها اليوم معهد كارلوس الثالث للصحة في مدريد، حسبما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتمثل هذه الحصيلة ضعف حصيلة 407 حالات وفاة منسوبة إلى الحر التي سُجلت في يونيو 2025، الشهر الأكثر حراً في إسبانيا منذ بدء تسجيل البيانات، وفق الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية.

وقال المدير الإقليمي لأوروبا بمنظمة الصحة العالمية، هانز كلوجه، أمس، إن موجة الحر الأحدث التي ضربت أوروبا هي مجرد «بروفة»، والقادم أسوأ.

وتوقع هانز كلوجه، في بيان، أن «الصيف في السنوات المقبلة سيكون أكثر قسوة». وحذر من أن أوروبا ترتفع درجة حرارتها بأكثر من ضعف المعدل العالمي، وقال إن موجات الحر لم تعد أحداثاً تحدث لمرة واحدة، بل هي أزمات متكررة تزداد تواتراً وقوة وتستمر لفترات أطول.

وقال كلوجه: «كل صيف نفشل في الاستعداد له ندفع ثمنه من الأرواح». ودعا إلى بذل المزيد من الجهود، حيث قال: «أكثر من نصف الدول الأوروبية ليست لديها حتى الآن خطة عمل شاملة للصحة والحرارة. وهذا الأمر بحاجة إلى التغيير».


البابا ليو يدعو جماعة كاثوليكية إلى عدم الانشقاق

البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان... 29 يونيو 2026 (رويترز)
البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان... 29 يونيو 2026 (رويترز)
TT

البابا ليو يدعو جماعة كاثوليكية إلى عدم الانشقاق

البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان... 29 يونيو 2026 (رويترز)
البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان... 29 يونيو 2026 (رويترز)

دعا البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، جمعية كاثوليكية تقليدية إلى التراجع عن خطّتها القاضية بتعيين أساقفة جدد من دون موافقة الفاتيكان.

وكانت جمعية القديس بيوس العاشر، ومقرها في إيكون السويسرية، أعلنت نيّتها تعيين أساقفة جدد الأربعاء، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى الكرسي الرسولي أن هذه الخطوة ستمثّل عصياناً من شأنه أن يؤدي إلى معاقبة الأساقفة كنسيّاً.

وتأسست الجمعية في العام 1970 في إيكون على يد الأسقف الفرنسي مارسيل لوفيفر، وهي ترفض بشكل قاطع التغييرات التي شهدتها الكنيسة منذ المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965).

ويتمسّك أتباعها بتفسير صارم للتقاليد، بما في ذلك إقامة القداس باللغة اللاتينية حيث يؤدي الكاهن الصلاة بينما يدير ظهره للمصلين.

وقال البابا في رسالة موجّهة إلى رئيس الجمعية الاثنين، وكُشف عنها الثلاثاء، «أناشدكم وأطلب منكم من أعماق قلبي: أرجوكم تراجعوا!».

كما دعا البابا ليو الجماعة إلى «التفكير ملياً في الخير الروحي للمؤمنين»، الذين يُقدَّر عددهم بنحو 600 ألف شخص حول العالم.

وحذّر من أن «العمل الانشقاقي الذي أنتم على وشك القيام به سيحرمهم من تلقي الأسرار المقدسة بطريقة شرعية... مثل الزواج أو الاعتراف». وأضاف: «أصلّي من أجلكم، لأن تمزيق وحدة جسد المسيح خطيئة بالغة الخطورة».

يُذكر أن البابا يوحنا بولس الثاني كان وجّه نداءً مشابهاً في عام 1988 لمنع الجمعية من تعيين أساقفة، لكن دون جدوى، إذ أدى ذلك في حينه إلى حرمان الأساقفة كنسيّاً، قبل أن يُلغى هذا القرار في عام 2009.


تركيا تطالب بإشراكها في مبادرات الـ«ناتو» الأمنية بأوروبا

تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

تركيا تطالب بإشراكها في مبادرات الـ«ناتو» الأمنية بأوروبا

تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
تركي يسير أمام لافتات تحمل شعار قمة حلف الـ«ناتو» في إحدى الطرق المؤدية إلى القصر الرئاسي بأنقرة حيث ستعقد قمة الحلف يومي 7 و8 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكد وزير الدفاع التركي، يشار غولر، أن «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» يتكيف مع المشهد الأمني المتغير، وأن قمته المرتقبة في أنقرة ستركز ‌على اتحاده، ‌وتقييم زيادة إنفاق ​الحلفاء على الدفاع، ‌وتعزيز التعاون في مجال الصناعات ‌الدفاعية، لافتاً إلى ضرورة إشراك تركيا في المبادرات الدفاعية الأوروبية.

وتستضيف تركيا في 7 و8 يوليو (تموز) القمة الـ36 لرؤساء دول وحكومات الـ«ناتو»، بالإضافة إلى مسؤولين من ‌دول الخليج ومنطقة ‌آسيا والمحيط الهادئ، ​في أنقرة لثاني مرة بعد استضافتها قمة «الحلف» في إسطنبول عام 2004.

وتستعرض «قمة أنقرة» التقدم المحرز منذ «قمة لاهاي» عام 2025، وستعمل على وضع خريطة طريق عملية لتحقيق أهداف الـ«ناتو» ذات الأولوية، ⁠وسط توتر داخله بشأن تقاسم الأعباء، والإنفاق الدفاعي، وشكاوى الولايات المتحدة من عدم مشاركة الحلفاء في إعادة فتح مضيق هرمز خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (وزارة الدفاع التركية)

وفي ردود مكتوبة على أسئلة من وكالة «رويترز»، الثلاثاء، ⁠قال غولر إن القمة ستركز ‌على اتحاد «الحلف» ‌وتقييم زيادة إنفاق ​الحلفاء على الدفاع، ‌وتعزيز التعاون في مجال الصناعات ‌الدفاعية، وزيادة الدعم لأوكرانيا، مضيفاً أنه يجب إشراك أنقرة في المبادرات الدفاعية الأوروبية.

دعم أوكرانيا

ويُعدّ دعم أوكرانيا أحد أهمّ الموضوعات المطروحة على أجندة القمة، وربما أكبرها إثارةً للقلق بالنسبة إلى روسيا، وسيعمل الحلفاء على تعزيز آليات المساعدة المستدامة طويلة الأجل، مع استمرار تلبية الاحتياجات الدفاعية العاجلة، وسيجري التركيز على تنسيق عمليات التسليم وبرامج التدريب من خلال قائمة الاحتياجات الأوكرانية ذات الأولوية.

زيلينسكي في أثناء مشاركته بقمة الـ«ناتو» في لاهاي خلال يونيو 2025 (أ.ف.ب)

ومن المتوقع أن يحضر الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، قمة أنقرة. ورأى مراقبون أن الحفاظ على وحدة حلف الـ«ناتو» في ظل استمرار حرب روسيا وأوكرانيا، أحد أهمّ اختبارات القمة.

وقال غولر: «لا يزال (الحلف) منصة لا ‌مثيل لها، وأساسية لأمن منطقة أوروبا والمحيط الأطلسي والدفاع عنهما، ⁠ونحن ⁠لا نعدّ الفترة التي نمر بها أزمة، بل عملية تَكيّف مع البيئة الأمنية المتغيرة».

وأكد أن الولايات المتحدة لا تنوي الانسحاب من الـ«ناتو»، لكنها «تريد أن يتحمل الحلفاء الأوروبيون وكندا مزيداً من المسؤولية عن أمن أوروبا»، الذي قال إنه ​يجب أن ​يتضمن إشراك تركيا في الخطط والمبادرات الدفاعية المتعلقة به.

وتشكل انتقادات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للـ«ناتو»، واحتمالية تراجع التزام بلاده بشأن أمن أوروبا، والضغط عليها لزيادة تقاسم الأعباء، أحد الاختبارات المهمة لقمة أنقرة.

الإنفاق الدفاعي

وتطرق غولر إلى مسألة زيادة الإنفاق الدفاعي للـ«ناتو» تدريجياً؛ من اثنين إلى 3.5 ثم 5 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للدول الأعضاء بحلول عام 2035، قائلاً إن تركيا تهدف إلى تحقيق جميع أهداف قدرات الـ«ناتو» بحلول عام 2029.

الأمين العام لحلف الـ«ناتو» مارك روته (أ.ف.ب)

ووصف الأمين العام للـ«ناتو»، مارك روته، قمة أنقرة بأنها «قمة إنجاز»، بمعنى أنه «ينبغي على الأعضاء تجاوز مجرد التعهد بزيادة الإنفاق العسكري، وبدء ترجمة ذلك إلى إجراءات عملية».

ويتوقع أن يقدم الحلفاء في قمة أنقرة خططاً ملموسة بشأن كيفية زيادة الإنفاق الدفاعي تدريجياً، وفقاً لما اتُّفق عليه في «قمة لاهاي» عام 2025.

ومن المتوقع أن يشهد «منتدى صناعات الدفاع» التابع للـ«ناتو»، الذي سيُعقد بقصر الرئاسة التركي في حي بيشتبه بأنقرة يوم 7 يوليو 2026، إبرام عقود جديدة واتفاقيات شراء مشتركة بقيمة عشرات المليارات من الدولارات، كما ذكر روته.

في الوقت ذاته، قال وزير الدفاع التركي إن بلاده تدرس جميع الخيارات لتعزيز دفاعاتها الجوية، بما في ذلك شراء منظومات «سامب تي» التي تنتجها إيطاليا وفرنسا، و«باتريوت» الأميركية.

وتواجه تركيا منذ مدة طويلة صعوبات في الحصول على أنظمة دفاعية من دول «الحلف»، في مقدمتها «باتريوت»؛ مما دفعها إلى اقتناء منظومة «إس400» الروسية؛ الأمر الذي عرضها لعقوبات أميركية في إطار «قانون مكافحة خصوم أميركا بالعقوبات (كاتسا)».

انتقادات للحكومة

في سياق متصل، انتقد الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» التركي المؤيد للأكراد، تونغر باكيرهان، التدابير الأمنية المشددة التي بدأت السلطات تطبيقها في أنقرة منذ 23 يونيو (حزيران)، قائلاً إن المدينة «تحولت عملياً (سجناً مفتوحاً)، ومن غير الواضح ما إذا كانوا يستعدون لقمة أم لحرب».

مظاهرة في إسطنبول يوم 27 يونيو 2026 احتجاجاً على استضافة قمة الـ«ناتو» في أنقرة (أ.ف.ب)

وندد باكيرهان، خلال كلمة أمام نواب حزبه بالبرلمان، الثلاثاء، بتوقيف 175 من الأكاديميين والصحافيين والمحامين وأعضاء المنظمات الأمنية؛ بسبب احتجاجات على انعقاد قمة الـ«ناتو» في أنقرة.

كما وجه انتقادات إلى سياسات التوسع في الـ«ناتو» التي قال إنها «أدت إلى خلق خطوط توتر جديدة، كما تُفرض التزامات عسكرية ومالية وصناعية ثقيلة على الدول الأعضاء؛ مما يعني الاقتطاع من ميزانيات الشعوب لتمويل شراء الأسلحة بذريعة الأمن، كما أن كل هذا يقرَّر بعيداً عن أعين الناس، دون أي رقابة، حيث لا توجد شفافية ولا مساءلة».