دمشق... «صندوق باندورا» انفتح لأبنائها والعالم

الحياة تسير بانتظام كاستراحة بين شوطين

حيوية الدمشقيين عادت سريعاً إلى قلب دمشق (الشرق الأوسط)
حيوية الدمشقيين عادت سريعاً إلى قلب دمشق (الشرق الأوسط)
TT

دمشق... «صندوق باندورا» انفتح لأبنائها والعالم

حيوية الدمشقيين عادت سريعاً إلى قلب دمشق (الشرق الأوسط)
حيوية الدمشقيين عادت سريعاً إلى قلب دمشق (الشرق الأوسط)

لا يسع زائر العاصمة السورية دمشق اليوم إلا التوقف دهشة من نبض المدينة المتسارع. ازدحام سير عند المداخل ومفترقات الشوارع الرئيسة والأسواق، مشهد تلامذة المدارس يتقافزون خلف ذويهم متخففين من حقائبهم عند انتهاء اليوم المدرسي، وتفاصيل كثيرة تبث شيئاً من الألفة وتقول إن الحياة اليومية لم تتعطل أمام الحدث الجلل.

سيارات بصفائح تدلل على قدومها من مختلف المناطق السورية ازدحمت عند تقاطعات الطرق وإشارات المرور الضوئية التي تعمل بشكل طبيعي. هنا سيارة من الرقة وأخريان من حمص وإدلب وسط سيل من سيارات دمشق. «هذا مشهد جديد علينا» يقول محدثي. لم نكن نرى هذه السيارات قبلاً. ووسط الزحام ومحاولة كل سائق شق طريق لنفسه قال ممازحاً: «إشارة إدلب على السيارة صارت تعني (حكومي)... يجب أن نفسح الطريق».

الغياب الكبير لعناصر شرطة المرور لا يعوضه وجود بضعة عناصر من «هيئة تحرير الشام» الذين حضروا إلى مفاصل رئيسة وسط المدينة لمحاولة تنظيم المرور، لكن يبدو أن الناس يتدبرون أمرهم بدفع ذاتي أيضاً.

لا يكاد يخلو محل تجاري من علامة تحتفي بالمرحلة الجديدة ولو على شكل تخفيض 50% (الشرق الأوسط)

وبالكاد هبط المساء حتى امتلأت الحدائق العامة والمقاهي بالعائلات والشباب والصبايا وغص بهم شارع الشعلان ومتفرعاته، متنقلين بين محال العصائر الطازجة والسندويشات ومقاهي النراجيل وقد اتخذت بغالبيتها أسماء أجنبية أو مطعَّمة بالإنجليزية.

«سرعة التأقلم» التي يوصف بها الدمشقيون تُلمس في تفاصيل صغيرة بعضها شكلي وبعضها الآخر إجرائي، كقبول التعامل فجأة بكل العملات الأجنبية والعربية، أو كمعاودة جمع النفايات واستئناف عمال النظافة أعمالهم بسرعة قياسية، أو حتى تحديث شروط شراء شريحة هاتف لغير السوريين على سبيل المثال. فالإجراء السابق كان يقضي بتسجيل الأجنبي ضمن سجل خاص مترافق مع صورة لختم دخوله إلى الأراضي السورية وعنوان إقامته. أما اليوم، والحدود البرية من الجهة السورية متروكة لحالها، ولا أختام دخول أو خروج (بعد)، وحيث ضبط حركة الوافدين والمغادرين ملقاة على عاتق الجانب اللبناني وحده، فلم ترم الإجراءات كلياً ولم تعم فوضى الأرقام الهاتفية، وإنما تمت الاستعاضة عنها بإجراءات بديلة عملية تحفظ هوية صاحب الخط الهاتفي من جهة، ولا تعيق حصوله على شريحة من جهة أخرى.

مدنيون وعسكر يحتفلون في ساحة الأمويين وسط العاصمة السورية (الشرق الأوسط)

إلى ذلك، فقد انتشر «علم الثورة» على السيارات الخاصة وسيارات الأجرة ومداخل المحال التجارية، مترافقاً مع عروض لتخفيضات خاصة على الملابس والأحذية وغيرهما «احتفالاً بالنصر». كذلك كثر الباعة المتجولون الذين يعرضون العَلم الجديد بإصرار مريب، وهم يحثونك على الشراء بكلمات المباركة والتهليل. وقد يصعب التمييز بدقة من استبدل بمظاهر الولاء الجديدة المظاهر القديمة عن قناعة أو تقية، خصوصاً بين الأفراد وأبناء المدينة من أصحاب المصالح الصغيرة، لكن المؤكد أن المساحات العامة والمشتركة طوت صفحة «الأبد». فعلى طول الطريق من الحدود اللبنانية وحتى آخر زقاق في دمشق شُطبت كل عبارة تمجد الأسد الأب والابن أو «الأبد» الذي سلّط على رقاب السوريين لعقود.

بعض اللافتات الترحيبية بالمرحلة الجديدة تتبع شركات تجارية (الشرق الأوسط)

كذلك انتشرت في الساحات العامة، وخصوصاً ساحة الأمويين، ملصقات وشاشات إعلانية تفيد بأن «سوريا لكل السوريين»، وأنه «حان وقت العمل لبناء مستقبل أفضل»، وغير ذلك من عبارات التطمين ومد اليد والتطلع إلى «غدٍ جامع لكل أبناء الوطن». ولم يمكن متاحاً التأكد إن كانت هذه الملصقات جزءاً من حملة إعلامية صريحة لـ«هيئة تحرير الشام»، أم أنها أيضاً لحظة ارتجال سياسي.

منحوتة السيف الدمشقي وسط دمشق (الشرق الأوسط)

ولعل ساحة الأمويين التي تحولت «مزاراً ثورياً» تؤمّه الجموع ليلاً ونهاراً لالتقاط صور تذكارية قرب النصب التاريخي وفوق تمثال حافظ الأسد المتروك على الأرض، تقول الكثير مما لم يحكَ بعد. فبالإضافة إلى كونها المَعلَم الأول لمدينة دمشق، هي اليوم بوابة سوريا إلى العالم، ليس فقط عبر سوريين سارعوا إليها من داخل البلاد وخارجها وملأوا الفضاء الإلكتروني بصورهم وفرحتهم، بل أيضاً عبر مراسلين صحافيين وقنوات تلفزة عالمية وفرق بث بالمئات وبلغات مختلفة، جعلت الوضع كله أقرب إلى فتح «صندوق باندورا» بحلوه ومرّه.

«سوريا للجميع» لافتة بمضمون جديد (الشرق الأوسط)

الصحافيون هؤلاء المرابطون في الساحة وتصادفهم لاحقاً في المطاعم الشعبية الصغيرة وردهات الفنادق، يعيدونك مرغماً إلى بغداد ما بعد 2003... مشهد آخر لعاصمة أمام مفترق تاريخي وطوفان من البشر والمشاعر.

وكما في بغداد ذات يوم، هنا أيضاً تعج ردهات الفنادق بكل التناقضات الممكنة، وليس الصحافيون على اختلاف مشاربهم إلا حلقة صغيرة فيها.

هنا في هذه القاعات الكبيرة، وحول فناجين القهوة والشاي، يتجاور صناع القرار من الوفود الدبلوماسية، وأعضاء البعثات الأممية ومترجميهم، كما التجار والمقاولون الذين تهافتوا ليقتنصوا فرصاً اقتصادية يعلمون جدواها مسبقاً. فصحيح أن دمشق نفسها لم تتغير معالمها كثيراً، لكن حاجتها إلى مختلف أنواع الخدمات وأولها الكهرباء كبيرة جداً، كما وأن أحياء كاملة سُويت بالأرض وشهدت تهجيراً قسرياً وتجويعاً وترويعاً تجاور فقاعة العاصمة وفنادقها ومطاعمها حتى تكاد تلامسها.

مسلّحون من الفصائل يحتفلون بسقوط النظام في دمشق 8 ديسمبر (أ.ب)

هنا أيضاً، في هذه الفنادق التي تحولت مطبخاً مصغراً للمجتمع السوري الكبير، يلتقي الدمشقيون للمرة الأولى أبناء بلدهم من قادة الفصائل والمسلحين القادمين من الشمال الذين لم تسمح ظروف حياتهم وأعمار كثير منهم بالتعرف على عاصمتهم أو دخول فندق أصلاً. شعورهم العارم بالنصر والإنجاز لا يخفي إرباكاً في نظراتهم وسلوكياتهم الصغيرة. كأن تصادف أحدهم في المصعد فيحتار أن يخرج أم يبقى، ثم يرد التحية بأفضل منها ويغض الطرف.

تخفيض على الملابس بمناسبة سقوط النظام (الشرق الأوسط)

بدلاتهم العسكرية بمختلف تلاوينها وسلاحهم وذخيرتهم الظاهرة للعيان ولحاهم الطويلة، غير معدّة لهذه الفنادق العريقة وفخامة خزفياتها وأدبيات الموظفين فيها وكلماتهم المنمقة، كما وتعاكس دماثة دمشقيين «عاديين» اعتادوا زيارة مقاهي الفنادق ومطاعمها مساءً لا لشيء إلا لأن ذلك متاح ويمنحهم بعض الهدوء والخصوصية. هذه الهوة يردمها المسلّحون بالوقار والعبوس والتوجس الأمني الذي لا ينفك يتهاوى عند أول مزاح من صديق أو شخص مقرب.

أما الدمشقيون فيشعرون بأن «فقاعتهم» قد كُسرت وشكل حياتهم المتوارث قد تغير إلى غير رجعة، لكنهم شبه مجمعين على أن شيئاً لن يكون أسوأ أو أطول مما كان.


مقالات ذات صلة

سوريا: استئناف محاكمة «مجرم درعا» عاطف نجيب الأحد

خاص العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري داخل المحكمة الجنائية في دمشق يحضر أولى جلسات محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

سوريا: استئناف محاكمة «مجرم درعا» عاطف نجيب الأحد

ستخصص جلسة المحاكمة لاستجواب عاطف نجيب، وهو قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وتولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات عام 2011.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي قوات تتبع الأمن الداخلي السوري (الداخلية السورية)

سوريا: توقيف ضابط من عهد الأسد متّهم بالضلوع في هجوم كيميائي

أعلنت وزارة الداخلية السورية توقيف ضابط من عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد، واتّهمته بالضلوع في عام 2013 بهجوم بسلاح كيميائي في الغوطة الشرقية لدمشق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أنباء عن اعتقال مدير مشفى «تشرين» العسكري بدمشق في عهد الأسد

أنباء عن اعتقال مدير مشفى «تشرين» العسكري بدمشق في عهد الأسد

اعتقلت قوى الأمن الداخلي العميد الطبيب أكرم موسى، المدير السابق لمستشفى «تشرين» العسكري، وفق وسائل إعلام محلية، قالت إن ذلك تم في عملية أمنية نفّذتها قوى الأمن.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جدارية تُحيي ذكرى الهجوم الكيميائي عام 2013 في زملكا بضواحي دمشق مساء الخميس (إ.ب.أ)

اعترافات «عدو الغوطتين»: هاجمنا الأهداف عشوائياً وأوامر القصف كانت تأتي من الأسد

نشرت وزارة الداخلية السورية، مساء الثلاثاء، فيديو مسجلاً لاعترافات ميزر صوان، اللواء الطيار في عهد بشار الأسد والملقّب بـ«عدو الغوطتين».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء

تسريب مقاطع كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا يثير الريبة في توقيته

أثارت مقاطع فيديو بثها مجهولون، فجر الثلاثاء، لمشاهد من داخل سجن صيدنايا، سُجلت قبل أيام قليلة من الإطاحة بنظام الأسد، جدلاً واسعاً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

تدمير إسرائيل منزلاً بغزة يعيد مشاهد ليالي الحرب الصعبة

فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

تدمير إسرائيل منزلاً بغزة يعيد مشاهد ليالي الحرب الصعبة

فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينية تبكي وسط دمار مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

عاش سكان قطاع غزة لحظات عصيبة بعد إصدار إسرائيل أوامر إخلاء لمنزلين في منطقتين مختلفتين، قبل أن تدمر أحدهما، بينما عزفت عن استهداف الآخر لأسباب لم تتضح، في أول إجراء من نوعه يُتخذ منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وأعاد مشهد خروج السكان من منازلهم وإخلائها وهم في حالة من الهلع والخوف الشديدين، وذلك في ساعات المساء المتأخر من ليل الجمعة – السبت، مشاهد مماثلة شكلت حالة من التوتر غير المسبوق الذي عاشه سكان قطاع غزة خلال الحرب التي استمرت عامين.

وعند نحو الساعة العاشرة من مساء الجمعة، تلقى 3 مواطنين اتصالات من ضباط جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، يطالبون بإخلاء منازلهم في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تمهيداً لقصف منزل أحد جيرانهم، الأمر الذي أدى لحالة من الهلع الشديد وسط تضارب الأنباء فيما إذا كان ذلك مجرد اتصال من مجهولين أم أنه حقيقي، الأمر الذي دفع في النهاية السكان للإخلاء بمن فيهم صاحب البيت الذي فوجئ بذلك.

يقول محمد أبو فول، أحد جيران صاحب المنزل الذي يعود للغزي أحمد الأضم، إنه وعائلته خرجوا من المنزل مسرعين، ولم يحملوا سوى بعض الوثائق، وانتظروا في الشارع أكثر من ساعة حتى تعرض المنزل المستهدف لصاروخ من طائرة مسيرة، قبل أن تقوم طائرة حربية بتدميره بالكامل.

فلسطينيون يعاينون الدمار في المنزل الذي دمرته إسرائيل في مخيم الشاطئ للاجئين السبت (أ.ب)

ويوضح أبو فول لـ«الشرق الأوسط» أن المنطقة عبارة عن مربع سكني مكتظ بالسكان والمنازل التي يقطن فيها الآلاف من المواطنين من أصحابها وأقاربهم النازحين من مناطق أخرى، مشيراً إلى أن الدمار كان هائلاً.

ووصف أبو فول تلك اللحظات بأنها كانت صعبة جداً على عائلته المكونة من 9 أفراد، بينهم 3 أطفال، مشيراً إلى أن حالة من الخوف سيطرت على جميع السكان الذين تضررت منازلهم كلها والتي يقارب عددها أكثر من 15، جميعها ملاصقة لبعضها البعض.

واضطرت عائلات تضررت منازلها للمبيت في منازل عائلات أخرى ومراكز إيواء مؤقتاً لحين إحصاء الأضرار التي لحقت بمنازلهم، بعدما قضت تلك العائلات أوقاتها في الشارع وسط ظروف قاسية بعد تشريدهم قسراً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر ميدانية أن المنزل يعود لناشط في حركة «الجهاد الإسلامي»، ويعمل تاجراً بسيطاً في الأسلحة والعتاد العسكري إلى جانب معدات أخرى بهدف التجارة والتربح وليس لأغراض تتعلق بالعمل المسلح ضد إسرائيل.

وبعد نحو ساعة، ورد اتصال جديد يطالب بإخلاء منزل في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، يعود للغزي محمود أبو العطا، شقيق القيادي في «سرايا القدس» الجناح المسلح لحركة «الجهاد الإسلامي»، بهاء أبو العطا، الذي كانت إسرائيل قد اغتالته عام 2019.

واضطرت عشرات العوائل لإخلاء منازلها لساعات طويلة وهي في العراء، وبعضها لجأ لمراكز إيواء في مدارس قريبة لحين قصف المنزل، الذي لم يتعرض لأي هجوم إسرائيلي بشكل مفاجئ، قبل أن تبلغ منظمات دولية بتوقيف النشاط بدون معرفة الأسباب.

وتقدر مصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف من هذه الخطوة الإسرائيلية، كشف فيما إذا كان في المنزل أحد المطلوبين لها وتحديداً شقيق أبو العطا الذي تلاحقه إسرائيل منذ بداية الحرب ولم تنجح في اغتياله، حتى خلال مدة وقف إطلاق النار وآخرها منذ أسابيع.

ويقول الشاب إبراهيم المنسي، من سكان محيط المنزل الذي كان مهدداً بالقصف، إنه وأفراد عائلته عاشوا 3 ساعات من الرعب خوفاً من أن يتضرر منزلهم المتضرر بالأساس جزئياً؛ ما يؤدي لفقدانهم إياه بعد أن تركوا كل شيء بداخله، ولم يأخذوا معهم سوى هواتفهم النقالة وأوراقهم الرسمية الثبوتية، وبعض المال لديهم.

فلسطيني يجلس داخل مبنى متضرر غداة غارة إسرائيلية على مخيم الشاطئ بمدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وأدت هذه الأحداث، التي لم يشهد قطاع غزة لها مثيلاً منذ توقف الحرب بشكل جزئي، في ظل استمرار الخروقات، إلى حالة من الشعور بالخوف من إمكانية عودة إسرائيل لهذه السياسة الخطيرة التي قد تشكل خطراً بهدف تدمير ما تبقى من منازل في القطاع الذي يشهد أكبر حالة دمار له منذ عقود طويلة.

وقال المنسي لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد هناك مراكز إيواء أو منازل تؤوي من سيتم تشريدهم بفعل هذه السياسة التي في حال اتبعتها إسرائيل فستكون وبالاً على حياة الغزيين».

ولم يستبعد مراقبون أن تلجأ إسرائيل لتنفيذ عمليات مماثلة خلال الأيام المقبلة، بهدف الضغط على حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية لتسليم سلاحها، ضمن خطة ممنهجة اتبعتها سابقاً خلال الحرب وفي حروب سابقة لانتزاع مواقف جديدة من الفصائل التي تتشبث بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار قبل الانتقال للتفاوض على المرحلة الثانية، بينما تصر حكومة بنيامين نتنياهو للحصول على وثيقة موقعة من الفصائل تلتزم فيها بنزع سلاحها قبل التقدم بأي خطوات، وتربط إعمار القطاع بذلك.

وقال المحلل السياسي مصطفى إبراهيم، يبدو أن إسرائيل ستدخلنا في مرحلة جديدة، وهي مزيد من الضغط، بداية من توسيع الخط الأصفر، وتكثيف الاغتيالات، واليوم قصف البيوت بذريعة ضرب البنية التحتية، والأهم ضرب السلم المجتمعي من خلال العصابات داخل الأماكن السكنية.


سلام يلتقي الشرع في دمشق لمعالجة القضايا العالقة مع لبنان

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
TT

سلام يلتقي الشرع في دمشق لمعالجة القضايا العالقة مع لبنان

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)
الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، بعد لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، السبت، أن البلدين أحرزا تقدماً كبيراً في معالجة القضايا العالقة بينهما، وانه بحث مع الشرع متابعة تنفيذ الاتفاقية حول السجناء، والتشدد في ضبط الحدود ومنع التهريب، إلى جانب ملف اللاجئين السوريين إلى لبنان.

واستقبل الرئيس أحمد الشرع، السبت، سلام في قصر الشعب بدمشق، بحضور وفدَين وزاريَّين من البلدين.

وأفادت وكالة «سانا» الرسمية السورية، بأنه خلال اللقاء «جرى بحث سُبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، بما يخدم المصالح المشتركة، وتعزيز التنسيق الأمني لدعم الاستقرار ومواجهة التحديات، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول المستجدات الإقليمية والدولية، والقضايا ذات الاهتمام المشترك».

سلام

وقال سلام في مطار دمشق الدولي بعد اختتام زيارته دمشق: «سعدت، والوفد الحكومي المُرافق، بزيارة سوريا العزيزة واللقاء بفخامة الرئيس أحمد الشرع الذي استقبلنا أيضاً في اجتماع موسّع ضمّ أعضاء الوفد اللبناني ونظراءهم السوريين، بعد محادثاتهم الثنائية»، موضحاً: «زرنا دمشق لمواصلة التشاور والعمل على تعزيز العلاقات اللبنانية - السورية على الصُعد كافة، وهي علاقات مبنية على الثقة والاحترام المتبادل لسيادة البلدين وعلى المصالح المشتركة».

الشرع يستقبل سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

وأكد سلام: «أحرزنا تقدماً كبيراً في معالجة قضايانا المشتركة، لا سيما ما كان عالقاً منها، وذلك بروح طيّبة وحرص على التعاون بلا تحفّظ ولا تردّد. وإنني على ثقة بأن نتائجها الملموسة ستظهر قريباً».

وأضاف: «جاءت زيارتنا اليوم ليس فقط لمتابعة ما بدأناه منذ عام وأكثر، بل لإطلاق مبادرات جديدة في العمل المشترك وللتأكيد، مرّة أخرى، على أهميّة العلاقة بين الدولتين في كل المجالات وعلى مستوى المؤسسات الرسمية المعنية جميعها»، مضيفاً: «نحن ندرك تمام الإدراك أن تمتين العلاقة من دولة إلى دولة يفتح الباب واسعاً أمام التفاعل والتشارك بين القوى الحيّة في البلدين، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية».

وأشار رئيس الحكومة اللبنانية إلى «إننا بحثنا في التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان وسوريا في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة على أكثر من صعيد واتفقنا على اهمية استمرار التشاور بشأنها لما فيه مصلحة البلدين»، مضيفاً: «بحثنا أيضاً خلال هذه الزيارة متابعة تنفيذ الاتفاقية الموقّعة بين البلدين حول نقل السجناء المحكومين من السجون اللبنانية إلى سوريا، وتداولنا في مواصلة العمل من أجل معالجة قضية الموقوفين السوريين، وكشف مصير المفقودين والمخفيّين قسراً في كلا البلدين. وأكدنا ضرورة التشدد في ضبط الحدود السورية - اللبنانية ومنع التهريب بكل أشكاله، فضلاً عن المسائل المتعلّقة بالمعابر وتيسير حركة العابرين والبضائع».

وتوقف الطرفان عند «ضرورة استمرار الحوار والتعاون في تسهيل العودة الآمنة الكريمة للنازحين السوريين إلى ديارهم وتنظيم العمالة السورية مع لبنان».

النقل البري

وقال سلام: «تباحثنا على نحو تفصيلي في قضايا النقل البرّي والشاحنات، والنقل المشترك وسيارات الأجرة، والربط السككي بين سوريا ولبنان، والمعابر الحدودية والجسور، وتدارسنا بصورة خاصة الاحتياجات الملحّة، لجهة تشغيل الجسور الحدودية وتنظيم الحركة عليها، وسُبل تلبيتها دون إبطاء. كما تابعنا مناقشة المعالجات الضرورية لمشكلات التفتيش والمعاينة على الحدود وغيرها مما تسبّبت بها بعض التدابير والإجراءات المتعلّقة بالقيود على انتقال البضائع بين البلدين. وشدّدنا على أهمية رفع العوائق أمام كل ما يُلحق الضرر بمصالح الطرفين».

جانب من لقاء الشرع وسلام الذي ضم وزراء لبنانيين وسوريين (رئاسة الحكومة اللبنانية)

وبحث المسؤولون اللبنانيون والسوريون أيضاً في قضية الرسوم المفروضة على الصادرات ورسوم الترانزيت. وقال سلام: «تمّ الاتفاق على تعزيز التعاون في مجالات المواصفات والمعايير الفنية والفحوصات المخبرية، واتفقنا أيضاً على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية، بما في ذلك التجارة التفضيلية بين البلدين وتشجيع الاستثمارات. واستقرّ الرأي على الإسراع في إطلاق مجلس أعمال لبناني - سوري مشترك على أن يُعقد اجتماع له في دمشق خلال الأسابيع المقبلة».

وتناولت المباحثات اللبنانية - السورية تفعيل وتحسين سبل الربط الكهربائي لتسهيل استجرار لبنان الكهرباء من سوريا وعبرها، وإبرام اتفاقية عبور غاز طبيعي، والسعي إلى تحقيق ذلك في أقرب فرصة ممكنة، حسبما قال سلام. وقال: «ننشئ لجاناً فنية مشتركة ونكثف التواصل على المستوى الوزاري».

وتشهد العلاقات السورية - اللبنانية مرحلة جديدة من التعاون وإعادة التأسيس، تميزت بزيارات رسمية متبادلة رفيعة المستوى، بهدف تعزيز مسار العلاقات الأخوية القائمة على الاحترام المتبادل لسيادة البلدين، وتفعيل التعاون المشترك في عديد من الملفات الحيوية والقضايا المشتركة التي تهم البلدين.

الشرع يستقبل سلام في القصر الرئاسي في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


إسرائيل توسّع الملاحقات إلى حدود بيروت... ومجازر متنقلة جنوباً

استهداف سيارة على طريق السعديات في جنوب بيروت (متداول)
استهداف سيارة على طريق السعديات في جنوب بيروت (متداول)
TT

إسرائيل توسّع الملاحقات إلى حدود بيروت... ومجازر متنقلة جنوباً

استهداف سيارة على طريق السعديات في جنوب بيروت (متداول)
استهداف سيارة على طريق السعديات في جنوب بيروت (متداول)

وسّع الجيش الإسرائيلي زخم الملاحقات بالمسيرات إلى جنوب بيروت، للمرة الأولى منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، حيث نفذ غارتين على أوتوستراد السعديات الذي يربط الجنوب ببيروت، وغارة أخرى على طريق الشوف في جبل لبنان، بموازاة مجازر في الجنوب، راح ضحيتها أكثر من 15 شخصاً.

وبدا هذا التصعيد، السبت، الأكبر منذ بدء الهدنة في 17 أبريل (نيسان) الماضي، بالنظر إلى أن الملاحقات والعمليات العسكرية والأمنية تركزت بشكل أساسي في محافظتي الجنوب والنبطية، بدءاً من مسافة 10 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية وحتى 40 كيلومتراً منها، ولم تخترقها إلا ثلاث ضربات، استهدفت اثنتان منها البقاع في شرق لبنان، فيما استهدفت واحدة الضاحية الجنوبية لبيروت، وقال الجيش الإسرائيلي إنه اغتال قائد وحدة «الرضوان» في «حزب الله»، الأربعاء الماضي.

الدخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة أرنون بمحيط مدينة النبطية بجنوب لبنان (د.ب.أ)

جنوب بيروت

وتبعد السعديات مسافة 15 كيلومتراً عن بيروت، وتقع على الخط السريع الذي يربط العاصمة بالجنوب. وتمثل الضربات التي استهدفت المنطقة، السبت، انتقالاً من مرحلة إلى أخرى، في إشارة إلى توسعة نطاق الملاحقات والقصف خارج المنطقة التي بقيت محصورة فيها على مدى نحو 20 يوماً. وأسفرت ضربتان بفارق 40 دقيقة، عن مقتل ثلاثة أشخاص، فيما أسفرت ضربة أخرى استهدفت خط الشوف في منطقة «ملتقى النهرين» التي تربط الساحل بجبل لبنان، عن مقتل ثلاثة أشخاص أيضاً.

ويُنظر إلى هذا التصعيد على أنه الأوسع والأضخم، كونه تزامن مع ضربات أخرى بالمسيرات في منطقة صور في جنوب لبنان، حيث قتل شخص في استهداف مسيرة لدراجة نارية، وفي مدينة النبطية، حيث لاحقت مسيرة، دراجة نارية يستقلها سوري وطفلته، واستهدفتهما بثلاثة صواريخ ما أسفر عن مقتلهما، حسبما أفادت وزارة الصحة العامة، كما استهدفت مسيرة سيارة في منطقة برج رحال في شمال مدينة صور، أسفرت عن مقتل 3 أشخاص. كذلك، سجل قصف بالمسيرات في بلدات المنصوري (جنوب صور)، وصفد البطيخ وحداثا (غرب بنت جبيل).

مجزرتان في الجنوب

وإلى جانب القصف بالمسيرات، تزايدت الغارات الجوية التي أدت إلى وقوع مجزرتين في بلدتي حبوش والسكسكية. وفيما تم توثيق 3 أشخاص قتلوا في استهداف لمنزل في حبوش (غرب النبطية)، استهدفت غارة عنيفة منزلاً في السكسكية يأوي ثلاث عائلات من النازحين من بلدة جبشيت، ما أسفر عن إصابة 13 شخصاً، بينهم عدد من القتلى المدنيين، حسبما أفادت وسائل إعلام محلية.

عمال إغاثة يحاولون انتشال مصابين من تحت أنقاض منزل دمرته غارة إسرائيلية في بلدة السكسكية بجنوب لبنان (متداول)

ويتزامن القصف مع إنذارات إخلاء جديدة أصدرها الجيش الإسرائيلي، بلغت منذ وقف إطلاق النار، 74 بلدة في عمق جنوب لبنان، ويصل بعضها إلى أطراف مجرى نهر الزهراني على بعد نحو 10 كيلومترات عن مدينة صيدا. وتعرضت البلدات الخاضعة لإنذارات لقصف جوي أدى إلى تدمير واسع بالممتلكات، ومن بينها بيوت تراثية في قضاء النبطية.

«حزب الله»

وتأتي هذه الهجمات ضمن الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 17 أبريل الماضي لمدة 10 أيام، قبل تمديده حتى 17 مايو (أيار) الحالي. ورغم ذلك، تواصل إسرائيل قصفها اليومي الذي يخلف قتلى وجرحى، إلى جانب عمليات نسف واسعة لمنازل في عشرات القرى والبلدات جنوبي لبنان.

دبابات إسرائيلية تناور داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويرد «حزب الله» على تلك الخروقات بعمليات عسكرية، غالباً ما تكون بالمحلقات الإنقضاضية التي تستهدف جنوداً وآليات إسرائيلية في المناطق المحتلة بجنوب لبنان، وإطلاق القذائف المدفعية والرشقات الصاروخية باتجاه التجمعات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

وقال عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب حسن فضل الله: «إننا في موقع دفاعي عن وجودنا ومصيرنا في مواجهة عدوان إسرائيلي على بلدنا، وإن هناك مرحلة جديدة لا تقبل فيها المقاومة العودة إلى ما قبل 2 مارس (آذار) (أي قبل اندلاع جولة الحرب الجديدة مع إسرائيل)، فعندما يعتدي على قرانا وعلى ضاحيتنا، فإن على العدو أن يتوقع رداً»، في إشارة إلى حرية الحركة الإسرائيلية باستهداف الأشخاص والمناطق اللبنانية تحت ذريعة «إحباط هجمات» أو «الدفاع عن النفس».

وقال: «ما تقوم به المقاومة، ومهما كانت الأثمان والتحديات، فإن المقاومة لن تسمح بالعودة إلى المرحلة الماضية». ودعا الحكومة اللبنانية «لأن ننطلق جميعاً من قاعدة وطنية عنوانها التفاهم الوطني حول الخيارات، وتجميد الخلافات الداخلية، واعتبار العدوان الإسرائيلي على بلدنا هو تهديد وجودي للبنان، وأن نتائجه لا تقتصر على منطقة أو على طائفة أو على فئة، وأن نذهب جميعاً إلى أولوية وطنية واحدة، وهي وقف العدوان، وتحرير الأرض، وعودة النازحين، واستعادة الأسرى، والتفاهم بعد ذلك على سُبل الحماية الوطنية».