لبنان ينضم «رسمياً» إلى القائمة الرمادية العالمية لغسل الأموال

حاكم «المركزي» نجح بتحييد قنوات المعاملات المالية الخارجية

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في 26 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في 26 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

لبنان ينضم «رسمياً» إلى القائمة الرمادية العالمية لغسل الأموال

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في 26 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في 26 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

​لم يكن مفاجئاً إقدام مجموعة العمل الدولي في ختام اجتماعاتها الدورية في باريس، الجمعة، على إدراج لبنان ضمن لائحة الدول غير المتعاونة كفاية في مكافحة غسل (تبييض الأموال) وتمويل الإرهاب (القائمة الرمادية)، بعدما استنفد المهل الزمنية المتتالية على مدى نحو 18 شهراً من دون تحقيق أي تقدم جوهري أو اتخاذ ما يلزم من تعديلات قانونية وتدابير تنفيذية وإجرائية لتحقيق الاستجابة المكتملة لمتطلبات محددة تفضي إلى معالجة أوجه القصور المحددة من قبل مجموعتي «فاتف» الإقليمية والدولية.

الاجتماع الأول لمجموعة العمل المالي خلال رئاسة المكسيك للمجموعة (موقع فاتف)

فقد أُبلغت السلطة النقدية الممثلة بحاكمية البنك المركزي وهيئة التحقيق الخاصة، قبل أشهر، بتعذر منح لبنان فترة سماح جديدة، ما دامت المجموعة لم تلمس، عبر فرق التقييم المتبادل، اتخاذ خطوات جدية ولا مخططات واضحة من جانب السلطات السيادية غير المالية للموجبات المحددة وفي مقدمها التصدي للفساد المستشري في مؤسسات القطاع العام وسد الثغرات المتعددة التي تتيح مرور عمليات مشبوهة تقع تحت تصنيف الجرائم المالية وفق المعايير الدولية.

ويستعيد لبنان، على الرغم من تبدل الظروف والوقائع، هذه التجربة المريرة بعد نحو 22 عاماً من خروجه الناجح من القائمة عينها في عام 2002، عبر استحداث منظومة قانونية وإجرائية متكاملة لقيت تأييد وثقة مجموعة العمل الدولية حينها لتتخذ القرار بشطب تصنيفه ضمن لائحة الدول غير المتعاونة. ثم حفزه للمساهمة في تأسيس مجموعة «فاتف» الإقليمية واختيار ممثله (الدكتور محمد بعاصيري) لمنصب أول رئيس دوري لمجموعة العمل المالي الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي انطلقت أواخر عام 2004، وتتخذ من البحرين مقراً رئيسياً لها.

وبالفعل، استدعت التحذيرات الدولية المبكرة مبادرة حاكم البنك المركزي بالإنابة، الدكتور وسيم منصوري، للقيام بجولات اتصالات مباشرة في مراكز القرار المالي العالمي، ولا سيما في واشنطن ولندن ولاحقاً في باريس، بهدف احتواء التداعيات التلقائية للقرار المرير، وحقق نجاحاً مشهوداً في تحييد القطاع المالي عن التبعات الفورية عبر إثبات التزاماته بالمعايير المتشددة لمكافحة غسل الأموال، وبالتالي عزل أي تأثيرات على تعاملاته وتحويلاته مع شبكة البنوك المراسلة.

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (أ.ب)

ويؤكد مرجع كبير في السلطة النقدية لـ«الشرق الأوسط»، أن الحراك الاستباقي من قبل الحاكم واستثمار رصيد الثقة التاريخي لدى البنوك العالمية بكفاءة القطاع المالي المحلي وصرامته في تطبيق المعايير الدولية في منع مرور أي عمليات مشبوهة، ساهما بفاعلية في تأمين أرضية لهبوط القرار بشكل «سلس» نسبياً على الجهاز المصرفي وشركات تحويل الأموال، ولا سيما بعد تلقي إشعارات خارجية مطمئنة باستمرار عمليات التحويل وفتح الاعتمادات وفق نسقها وكلفتها السارية ما قبل التصنيف المستجد.

مع ذلك، يؤكد مسؤول مصرفي معني أن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية يعني عملياً وضع النظام المالي تحت مراقبة شديدة، مما سيزيد من تعقيدات التعاملات المالية، وسيكون لذلك تأثيرات سلبية لاحقة على التعاملات المصرفية مع الخارج إذا استمر تلكؤ السلطات المسؤولة في استكمال الاستجابة للمتطلبات الدولية. علماً بأن الإدراج سيفاقم حكماً من أزمة الثقة التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني، وبما سيؤثر حكماً على إمكانية استقطاب الأموال من الخارج في المستقبل.

وبالتوازي، لم تغفل هيئة التحقيق الخاصة التي يرأسها منصوري، وبصفتها المنسق الوطني لعملية التقييم، عن المبادرة سريعاً إلى إطلاع رئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء على خلاصات التقارير التي تلقتها من مجموعتي «فاتف». بل هي حثت السلطات المعنية، ومن دون تحقيق نتائج تذكر، على التواصل مع الجهات الداخلية ذات الاختصاص في شأن الإجراءات التصحيحية المطلوبة بغية تعزيز فعالية منظومة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب المحلية، وباعتبار أنه يتوجب على لبنان إرسال تقارير متابعة بالتقدم الحاصل خلال العام الحالي.

ووفق تحليلات مصرفية للمآخذ الدولية وأوجه القصور التي يعانيها لبنان في مكافحة غسل الأموال، تفاقمت سلبياً بفعل توسع الاقتصاد النقدي جراء انفجار الأزمات المالية والنقدية بعد خريف العام، وبما يصل إلى نحو 10 مليارات دولار، وفق تحديد البنك الدولي 2019، أصبح يمثل مصدر قلق رئيسي لمنظمتي «فاتف» الإقليمية والدولية؛ حيث يسهم في صعوبة تتبع الأموال ومكافحة النشاطات غير المشروعة. وهذا الوضع يفاقم التحديات ويضع جزءاً كبيراً من التعاملات المالية خارج نطاق رقابة مصرف لبنان والمصارف.

ويعمل مصرف لبنان منذ فترة على تطبيق إجراءات لتعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكترونية؛ بهدف تقليل الاعتماد على النقد في السوق اللبنانية. تتماشى هذه المبادرات مع المعايير الدولية، لا سيما تلك التي تهدف إلى مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ولهذه الغاية، أصدر التعميم 165 الذي أتاح فتح حسابات جديدة بالأموال النقدية بالدولار والليرة اللبنانية لاستعمالها لتسوية التحاويل المصرفية الإلكترونية الخاصة بالأموال النقدية وتسوية مقاصة الشيكات التي يتم تداولها أيضاً بالأموال النقدية، مما يحد من محاولات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ويحجم الاقتصاد النقدي.

تعديلات على نظام مراقبة العمليات المالية والمصرفية

وفي سبيل تمتين حصانة القطاع المالي، أدخل البنك المركزي تعديلات مهمة على نظام مراقبة العمليات المالية والمصرفية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وهي تركز بشكل رئيسي على تعزيز إجراءات البنوك لمكافحة الفساد والرشوة من خلال إلزامها بإنشاء مصلحتين ضمن «وحدة التحقق»، الأولى تشرف على المركز الرئيسي وفروع المصرف للتأكد من التزامها بإجراءات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

أما الإدارة الثانية فتُعنى بمكافحة جرائم الفساد والرشوة من خلال تنفيذ إجراءات العناية الواجبة المعززة للعملاء المعرضين لمخاطر مرتفعة في الفساد والرشوة، وتدريب الموظفين على تحسين مهارات تحديد الأنشطة المشبوهة والإبلاغ عنها، وتطوير سياسات وإجراءات شاملة لمنع واكتشاف الفساد والرشوة، وإجراء تقييمات دورية للمخاطر لتحديد وتخفيف مخاطر الفساد، وإبلاغ هيئة التحقيق الخاصة عن أي حالات مشبوهة.

مبنى مصرف لبنان بمنطقة الحمراء في بيروت (أ.ف.ب)

وفي سياق متصل، تم التأكيد في تقارير دولية متتالية، على أن الفساد في المؤسسات الحكومية يشكل تحدياً كبيراً أمام تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. كذلك بشأن الملفات العالقة في النظام القضائي اللبناني؛ حيث تمت الإشارة إلى أن التأخير في معالجة هذه القضايا يُضعف الجهود المبذولة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. مع التنويه المستمر بأهمية استقلالية القضاء وتسريع البت في القضايا الحساسة لضمان تنفيذ الإصلاحات المطلوبة بشكل فعال.

نتائج مقبولة في الالتزام الفني

ووفق خلاصات الوثائق التي تلقتها هيئة التحقيق، واطلعت عليها «الشرق الأوسط»، يتبيّن أن لبنان لا يزال يحرز نتائج مقبولة في الالتزام الفني؛ حيث حصل على درجة «ملتزم» أو «ملتزم إلى حدّ كبير» في 34 توصية من أصل 40 مطلوبة، بينما تلحظ وجوب إجراء تحسينات في 6 توصيات حصل فيها على درجة «ملتزم جزئياً»، مما يتطلب بعض التعديلات في القوانين والتشريعات.

وبالتحديد، تشير الملاحظات إلى أن القانون رقم 44 لعام 2015، لم يستوفِ متطلبات تجريم غسل (تبييض) الأموال على أساس اتفاقيتي فيينا وباليرمو. كما لم تغطِّ المادة 2 منه بعض الفئات المحددة للجرائم الأصلية كالاتجار غير المشروع في السلع المسروقة وغيرها من السلع وإحداث جروح بدنية جسيمة، ولم يتمّ على مستوى التجريم اشتراط إذا ما كانت الأموال تمثل بصورة مباشرة أو غير مباشرة متحصلات ناتجة عن جريمة ما.

أما العقوبات المنصوص عليها لجرم تبييض الأموال فهي لا ترقى وفقاً لأحكام المادة (3) من القانون إلى أن تكون عقوبة جنائية، وإنما عقوبة جنحوية، ما يجعلها غير متناسبة ورادعة للأشخاص الطبيعيين في حالة الإدانة بجريمة غسل أموال. بينما تم استثناء «الارتباط والتآمر» في تحديد الجرائم التبعية المناسبة لجريمة غسل الأموال.

كذلك الأمر بالنسبة للعقود الائتمانية في لبنان؛ حيث ينحصر دور الوصي فيها على المصرف، ومن ثم فهي تخضع للموجبات المفروضة على العملاء من قبل المصارف وتشمل الحصول على والاحتفاظ بمعلومات وافية ودقيقة وحديثة عن هوية الموصي والمستفيد والمستفيدين الحقيقيين، ولكن لا توجد لديهم نصوص للمصارف بالاحتفاظ بالمعلومات الأساسية بشأن الوكلاء الآخرين الخاضعين للتنظيم، بما في ذلك مستشارو الاستثمار أو المديرون والمحاسبون ومستشارو الضرائب.

غياب تدابير التحقق

وبالمثل، تم التنبيه على غياب تدابير التحقق من حالة إدراج كتاب العدل والمحامين والمحاسبين المجازين على قوائم الإرهاب الأممية وللتأكد من ذلك بشكل دوري، ولمنع اعتماد شركاء المجرمين مهنياً. وأيضاً لا توجد تدابير للأهلية والكفاءة ولمنع المجرمين وشركائهم من ممارسة مهن تجار المعادن النفيسة والأحجار الكريمة ووكلاء العقار، وللتأكد من حالة إدراجهم على قوائم الإرهاب الأممية. وحتى عند تسجيل هؤلاء كشركات لا توجد ضوابط للتأكد من خلفية المستفيدين الحقيقيين والمسيطرين بطرق غير مباشرة، ولمنع المجرمين وشركائهم من شغل مناصب الإدارة في هذه الشركات أو من يوكل إليهم حق التفويض بالتوقيع.

أيضاً، لا توجد تدابير للأهلية والكفاءة ولمنع المجرمين وشركائهم من حيازة حصص مسيطرة أو أن يصبحوا مستفيدين حقيقيين أو يتولوا وظائف الإدارة. كما لا توجد إجراءات محددة للإشراف على كتاب العدل والمحامين والمحاسبين المهنيين لمراعاة العناصر التي تتطلبها هذه التوصية عند تقييم المخاطر وتحديد دورية وكثافة الرقابة.

ويفتقر لبنان، وفق التوصيات الدولية، إلى إجراءات للاستجابة لطلبات الدول الأجنبية بشأن تحديد، أو تجميد، أو حجز، أو مصادرة الوسائط التي اتجهت النية إلى استخدامها في جميع الجرائم الأصلية والممتلكات ذات القيمة المكافئة لعائدات الجرائم الأصلية. كذلك يفتقر إلى آليات نافذة بشأن إدارة الممتلكات المجمدة أو المضبوطة أو المصادرة، والتصرف فيها عند اللزوم. ولا يوجد أساس قانوني يغطي مطالب تسليم المجرمين فيما يتعلق بتمويل الإرهاب، ولا نظام لدى النيابة العامة التمييزية لإدارة الحالات المتعلقة بطلبات تسليم المجرمين.


مقالات ذات صلة

«سوفت بنك» تقترض 6.3 مليار دولار لتمويل رهان الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيس في طوكيو (أ.ف.ب)

«سوفت بنك» تقترض 6.3 مليار دولار لتمويل رهان الذكاء الاصطناعي

تتجه مجموعة «سوفت بنك» اليابانية إلى تنفيذ أكبر إصدار سندات في تاريخها

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد زوار في جناح شركة «علي بابا» في معرض شنغهاي للذكاء الاصطناعي (رويترز)

«علي بابا» تجمع 10.2 مليار دولار لرهان الذكاء الاصطناعي

أشعلت «علي بابا» موجة جديدة من القلق بشأن التكلفة المتصاعدة لسباق الذكاء الاصطناعي، بعدما أطلقت طرح أسهم بقيمة 10.2 مليار دولار أميركي

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد متداول في البورصة الباكستانية بمدينة كراتشي (إ.ب.أ)

«موديز» ترفع تصنيف باكستان مع تحسن الاستقرار الاقتصادي

رفعت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، الاثنين، التصنيف السيادي لباكستان درجة واحدة إلى «بي3» من «سي إيه إيه1»

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد إيرانيون يمرّون بسياراتهم أمام لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في جنوب طهران (إ.ب.أ)

ما الدول التي قد تدفع ثمن تشديد ترمب العقوبات على إيران؟

تستعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتوسيع ضغوطها الاقتصادية على إيران، في خطوة قد لا تقتصر تداعياتها على طهران، بل تمتد إلى عدد من أبرز شركائها التجاريين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

«أسهم اليابان» تحت ضغط الذكاء الاصطناعي والعوائد

تعرضت الأسهم اليابانية لضغوط في بداية الأسبوع، مع تراجع أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات قبيل نتائج «إنفيديا»...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«سوفت بنك» تقترض 6.3 مليار دولار لتمويل رهان الذكاء الاصطناعي

شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيس في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيس في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

«سوفت بنك» تقترض 6.3 مليار دولار لتمويل رهان الذكاء الاصطناعي

شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيس في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيس في طوكيو (أ.ف.ب)

تتجه مجموعة «سوفت بنك» اليابانية إلى تنفيذ أكبر إصدار سندات في تاريخها، في أحدث مؤشر على حجم الأموال التي تضخها شركات التكنولوجيا الآسيوية لتمويل سباق الذكاء الاصطناعي، وما يرافق ذلك من اعتماد متزايد على أسواق رأس المال.

وأعلنت المجموعة، الاثنين، اعتزامها إصدار سندات شركات لأجل سبع سنوات بقيمة تريليون ين (6.29 مليار دولار)، موجهة إلى المستثمرين الأفراد، مع تحديد نطاق مبدئي للعائد بين 4.3 و4.9 في المائة. ومن المنتظر إعلان الشروط النهائية للإصدار في 4 سبتمبر (أيلول).

ويمثل الإصدار الجديد قفزة كبيرة مقارنة بأكبر عملية سابقة لـ«سوفت بنك»، والبالغة 600 مليار ين في أبريل (نيسان) 2025؛ إذ يقترب حجمه من ضِعف ذلك المستوى.

وتعكس الخطوة استراتيجية المجموعة لتوفير السيولة اللازمة لتوسيع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. واعتمدت «سوفت بنك» مزيجاً من الاقتراض وإصدارات السندات وبيع الأصول لتمويل خططها، بما في ذلك تصفية حصص في «إنفيديا» و«تي موبايل».

وتأتي العملية وسط موجة تمويل واسعة للذكاء الاصطناعي في آسيا. فقد أعلنت «علي بابا» الصينية، الأحد، طرح أسهم بقيمة 10.2 مليار دولار لتمويل قدراتها المتكاملة في الذكاء الاصطناعي؛ ما يكشف عن الاحتياجات الرأسمالية الضخمة التي يفرضها بناء مراكز البيانات والبنية التحتية الحاسوبية.

اقتصادياً، يبرز إصدار «سوفت بنك» تحولاً مهماً في سباق الذكاء الاصطناعي؛ فالمنافسة لم تعد تقتصر على امتلاك التكنولوجيا، بل أصبحت أيضاً سباقاً على القدرة على توفير التمويل طويل الأجل.

لكن العائد المرتفع نسبياً للسندات يرفع في المقابل تكلفة هذا الرهان. ولذلك؛ سيتركز اهتمام المستثمرين على قدرة «سوفت بنك» على تحويل استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي عوائد تتجاوز تكلفة التمويل، خصوصاً مع توسع الشركات العالمية في الاقتراض والإنفاق على القطاع بوتيرة غير مسبوقة.


«علي بابا» تجمع 10.2 مليار دولار لرهان الذكاء الاصطناعي

زوار في جناح شركة «علي بابا» في معرض شنغهاي للذكاء الاصطناعي (رويترز)
زوار في جناح شركة «علي بابا» في معرض شنغهاي للذكاء الاصطناعي (رويترز)
TT

«علي بابا» تجمع 10.2 مليار دولار لرهان الذكاء الاصطناعي

زوار في جناح شركة «علي بابا» في معرض شنغهاي للذكاء الاصطناعي (رويترز)
زوار في جناح شركة «علي بابا» في معرض شنغهاي للذكاء الاصطناعي (رويترز)

أشعلت «علي بابا» موجة جديدة من القلق بشأن التكلفة المتصاعدة لسباق الذكاء الاصطناعي، بعدما أطلقت عملاق التجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية الصينية طرح أسهم بقيمة 80 مليار دولار هونغ كونغي (10.21 مليار دولار أميركي)، لتمويل توسعاتها في الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية المرتبطة به، في خطوة دفعت سهم الشركة إلى هبوط حاد، وألقت بظلالها على قطاع التكنولوجيا الصيني بأكمله. وتراجعت أسهم «علي بابا» في هونغ كونغ بما يصل إلى 10.5 في المائة إلى أدنى مستوى في شهر، بعدما جرى تسعير الأسهم الجديدة عند 112.70 دولار هونغ كونغي للسهم، بخصم 8.4 في المائة عن إغلاق الجمعة. وتعد الصفقة أكبر طرح أولي لاحق للأسهم تنفذه شركة مدرجة في هونغ كونغ على الإطلاق، وثالث أكبر صفقة من نوعها عالمياً هذا العام بعد طرحي «ألفابت» و«إنتل». المشكلة بالنسبة إلى المستثمرين ليست في قدرة «علي بابا» على جمع الأموال، وإنما في السؤال الذي بات يطارد شركات التكنولوجيا من الصين إلى الولايات المتحدة: متى تتحول عشرات المليارات التي تنفق على الذكاء الاصطناعي إلى أرباح وتدفقات نقدية تبرر هذه الاستثمارات؟ وقال تشارلز وانغ، رئيس مجلس إدارة «شنتشن دراغون باسيفيك كابيتال مانجمنت»، إن العملية تمثل خبراً سلبياً على المدى القصير بسبب تخفيف حصص المساهمين، مشيراً إلى أن المستثمرين لا يفضلون عادة الإنفاق الرأسمالي الكبير، حتى إذا كان الاستثمار مفيداً على المدى الطويل. ويتفق جيسون تشان، الاستراتيجي لدى «بنك أوف إيست آسيا»، مع هذا التقييم، إذ وصف حجم الطرح والخصم بأنه مفاجئ للسوق، محذراً من ضغوط تخفيف الملكية، ومن عودة التساؤلات حول العائد الذي يمكن أن تحققه المنافسة الشرسة في الذكاء الاصطناعي.

رهان بـ56 مليار دولار: الطرح الجديد ليس خطوة منفصلة، وإنما جزء من استراتيجية استثمارية ضخمة أعلنتها «علي بابا» في أكتوبر (تشرين الأول)، تتضمن إنفاق 380 مليار يوان، أو نحو 56.54 مليار دولار خلال ثلاث سنوات على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وبالفعل، كشفت الشركة عند إعلان نتائجها الفصلية قبل نحو أسبوع أنها أنفقت ما يقارب نصف خطة الإنفاق الرأسمالي المخصصة للسنوات الثلاث، ما يعكس السرعة التي تتحرك بها لتوسيع قدراتها الحاسوبية، ومراكز البيانات، وخدمات الذكاء الاصطناعي. وفي مؤشر إلى حجم الضغط الذي يفرضه هذا الاستثمار على النتائج الحالية، هبط صافي أرباح «علي بابا» الفصلية بنسبة 75 في المائة على أساس سنوي، ويعود ذلك بصورة أساسية إلى النفقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لكن الشركة تراهن على أن الطلب المتسارع سيختصر فترة انتظار العائد. فقد خفضت تقديراتها لفترة استرداد استثمارات الذكاء الاصطناعي من ثلاث سنوات إلى عامين ونصف العام، مدفوعة بارتفاع الطلب على الخدمات ذات الصلة. كما افتتحت «علي بابا كلاود» الأسبوع الماضي ثالث مركز بيانات لها في كوريا الجنوبية، لترتفع شبكتها إلى 104 مناطق توافر موزعة على 30 منطقة حول العالم، في مؤشر إلى أن الاستثمار لا يستهدف السوق الصينية وحدها، بل بناء منصة حوسبة سحابية قادرة على المنافسة دولياً. وتكتسب هذه الاستثمارات بعداً استراتيجياً إضافياً في ظل احتدام المنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة. فالوصول إلى الرقائق المتقدمة والقدرات الحاسوبية ومراكز البيانات أصبح جزءاً من معادلة القوة الاقتصادية، ما يدفع شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى إلى ضخ رؤوس أموال ضخمة لبناء منظومات محلية، وتقليل الاعتماد على التقنيات الأميركية.

السوق الصينية تدفع الثمن: ولم تبقَ تداعيات العملية محصورة في سهم «علي بابا»، فقد تراجع مؤشر هانغ سينغ 2.1 في المائة، وخسر مؤشر هانغ سينغ للتكنولوجيا 3.8 في المائة، بينما هبط مؤشر الذكاء الاصطناعي في هونغ كونغ بأكثر من 5 في المائة. وفي البر الرئيس، انخفض مؤشر شنغهاي المركب 0.7 في المائة إلى 3877.3 نقطة، وفقد «سي إس آي 300» نحو 1.3 في المائة. وكانت الخسائر أكثر حدة في أسهم النمو، إذ تراجع «تشاينكست» بنسبة 3.5 في المائة، وهبط مؤشر «سي إس آي للذكاء الاصطناعي» 4.7 في المائة، بينما خسر قطاع أشباه الموصلات أكثر من 2 في المائة. وهذه التحركات توضح أن المستثمرين بدأوا يعيدون تسعير مخاطر الإنفاق الرأسمالي للذكاء الاصطناعي على مستوى القطاع بأكمله، وليس شركة واحدة فقط. فجمع رأس المال من خلال إصدار أسهم جديدة يوفر للشركات تمويلاً لا يضيف ديوناً إلى ميزانياتها، لكنه يؤدي إلى تخفيف حصص المساهمين الحاليين، ويضغط على ربحية السهم، ما لم يحقق الاستثمار نمواً كافياً لتعويض هذا الأثر.

• اليوان يضيف متغيراً جديداً: تزامنت الضغوط على الأسهم مع تراجع طفيف لليوان من أعلى مستوياته في ثلاث سنوات ونصف. وتم تداول العملة المحلية قرب 6.7238 يوان للدولار، بعدما سجلت الجمعة أقوى مستوياتها منذ فبراير (شباط) 2023. ولا يزال اليوان مرتفعاً بنحو 4 في المائة أمام الدولار منذ بداية العام، بعد ثمانية أسابيع متتالية من المكاسب، مستفيداً من الضعف الواسع للعملة الأميركية. لكن بنك الشعب الصيني أظهر مجدداً أنه لا يريد ارتفاعاً سريعاً للعملة، إذ حدد السعر المرجعي عند 6.7841 يوان للدولار، أضعف بنحو 593 نقطة من تقديرات السوق. ويرى محللو «أو سي بي سي» أن البنك المركزي مرتاح لارتفاع تدريجي لليوان، لكنه يقاوم أي صعود سريع، أو أحادي الاتجاه. بالنسبة إلى «علي بابا»، سيكون الاختبار الحقيقي خلال العامين المقبلين في قدرة استثماراتها الهائلة على توليد إيرادات وأرباح تتناسب مع الأموال التي تضخها. فالذكاء الاصطناعي انتقل بالنسبة إلى المستثمرين من مرحلة الاحتفاء بحجم الإنفاق إلى مرحلة أكثر صرامة عنوانها «العائد على الاستثمار». وإذا نجحت الشركة في تحويل بنيتها التحتية الجديدة إلى نمو قوي في الحوسبة السحابية، وخدمات الذكاء الاصطناعي، فقد يبدو طرح الـ10.2 مليار دولار استثماراً استراتيجياً في توقيت حاسم. أما إذا تأخر العائد، فقد يصبح الهبوط الحالي للسهم بداية مرحلة أوسع يعيد خلالها المستثمرون تقييم السعر الحقيقي لسباق الذكاء الاصطناعي الصيني.


«موديز» ترفع تصنيف باكستان مع تحسن الاستقرار الاقتصادي

متداول في البورصة الباكستانية بمدينة كراتشي (إ.ب.أ)
متداول في البورصة الباكستانية بمدينة كراتشي (إ.ب.أ)
TT

«موديز» ترفع تصنيف باكستان مع تحسن الاستقرار الاقتصادي

متداول في البورصة الباكستانية بمدينة كراتشي (إ.ب.أ)
متداول في البورصة الباكستانية بمدينة كراتشي (إ.ب.أ)

رفعت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، الاثنين، التصنيف السيادي لباكستان درجة واحدة إلى «بي3»، من «سي إيه إيه1»، في خطوة تعكس تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية وتراجع المخاطر المرتبطة بالتمويل الخارجي، بعد فترةٍ واجه خلالها الاقتصاد ضغوطاً مالية ونقدية حادة.

وأبقت الوكالة النظرة المستقبلية لباكستان عند «مستقرة»، ما يشير إلى توقعها استمرار التوازن النسبي بين التحسن في الأوضاع الاقتصادية من جهة، والتحديات المالية والائتمانية التي لا تزال تواجه البلاد من جهة أخرى.

وقالت «موديز» إنها تتوقع أن يكون التحسن الأخير في قدرة باكستان على تحمل أعباء الدين مستداماً، ومدعوماً باستمرار الاستقرار الاقتصادي الكلي. كما أشارت إلى تحسن الحوكمة وانحسار «مخاطر التعرض للصدمات الخارجية» بوصفهما من العوامل الرئيسية وراء رفع التصنيف.

ويمثل القرار إشارة إيجابية للحكومة الباكستانية، إذ يمكن أن يسهم تحسن التصنيف بمرور الوقت في خفض علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون على الديون الباكستانية، وتحسين قدرة البلاد على الوصول إلى أسواق التمويل الدولية، رغم أن التصنيف لا يزال ضِمن الدرجات عالية المخاطر.

يأتي تحرك «موديز» بعد شهر واحد فقط من رفع وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني لباكستان، مستندة إلى تحسن الاستقرار المؤسسي والتنفيذ الفعال للإصلاحات المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي.

ويكتسب دعم صندوق النقد أهمية خاصة لاقتصاد باكستان؛ نظراً إلى دوره في تعزيز الاحتياطات والثقة بالسياسات الاقتصادية، إلى جانب دفع إسلام آباد نحو إصلاح المالية العامة.

ويعطي رفع التصنيف دفعة جديدة لمسار التعافي، لكنه يضع، في الوقت نفسه، مسؤولية أكبر على الحكومة للحفاظ على الانضباط المالي وتنفيذ الإصلاحات. وسيكون استمرار تحسن القدرة على خدمة الدين وتعزيز مصادر النقد الأجنبي عاملاً حاسماً لأي ترقيات ائتمانية إضافية مستقبلاً.