لبنان ينضم «رسمياً» إلى القائمة الرمادية العالمية لغسل الأموال

حاكم «المركزي» نجح بتحييد قنوات المعاملات المالية الخارجية

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في 26 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في 26 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

لبنان ينضم «رسمياً» إلى القائمة الرمادية العالمية لغسل الأموال

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في 26 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في 26 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

​لم يكن مفاجئاً إقدام مجموعة العمل الدولي في ختام اجتماعاتها الدورية في باريس، الجمعة، على إدراج لبنان ضمن لائحة الدول غير المتعاونة كفاية في مكافحة غسل (تبييض الأموال) وتمويل الإرهاب (القائمة الرمادية)، بعدما استنفد المهل الزمنية المتتالية على مدى نحو 18 شهراً من دون تحقيق أي تقدم جوهري أو اتخاذ ما يلزم من تعديلات قانونية وتدابير تنفيذية وإجرائية لتحقيق الاستجابة المكتملة لمتطلبات محددة تفضي إلى معالجة أوجه القصور المحددة من قبل مجموعتي «فاتف» الإقليمية والدولية.

الاجتماع الأول لمجموعة العمل المالي خلال رئاسة المكسيك للمجموعة (موقع فاتف)

فقد أُبلغت السلطة النقدية الممثلة بحاكمية البنك المركزي وهيئة التحقيق الخاصة، قبل أشهر، بتعذر منح لبنان فترة سماح جديدة، ما دامت المجموعة لم تلمس، عبر فرق التقييم المتبادل، اتخاذ خطوات جدية ولا مخططات واضحة من جانب السلطات السيادية غير المالية للموجبات المحددة وفي مقدمها التصدي للفساد المستشري في مؤسسات القطاع العام وسد الثغرات المتعددة التي تتيح مرور عمليات مشبوهة تقع تحت تصنيف الجرائم المالية وفق المعايير الدولية.

ويستعيد لبنان، على الرغم من تبدل الظروف والوقائع، هذه التجربة المريرة بعد نحو 22 عاماً من خروجه الناجح من القائمة عينها في عام 2002، عبر استحداث منظومة قانونية وإجرائية متكاملة لقيت تأييد وثقة مجموعة العمل الدولية حينها لتتخذ القرار بشطب تصنيفه ضمن لائحة الدول غير المتعاونة. ثم حفزه للمساهمة في تأسيس مجموعة «فاتف» الإقليمية واختيار ممثله (الدكتور محمد بعاصيري) لمنصب أول رئيس دوري لمجموعة العمل المالي الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي انطلقت أواخر عام 2004، وتتخذ من البحرين مقراً رئيسياً لها.

وبالفعل، استدعت التحذيرات الدولية المبكرة مبادرة حاكم البنك المركزي بالإنابة، الدكتور وسيم منصوري، للقيام بجولات اتصالات مباشرة في مراكز القرار المالي العالمي، ولا سيما في واشنطن ولندن ولاحقاً في باريس، بهدف احتواء التداعيات التلقائية للقرار المرير، وحقق نجاحاً مشهوداً في تحييد القطاع المالي عن التبعات الفورية عبر إثبات التزاماته بالمعايير المتشددة لمكافحة غسل الأموال، وبالتالي عزل أي تأثيرات على تعاملاته وتحويلاته مع شبكة البنوك المراسلة.

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (أ.ب)

ويؤكد مرجع كبير في السلطة النقدية لـ«الشرق الأوسط»، أن الحراك الاستباقي من قبل الحاكم واستثمار رصيد الثقة التاريخي لدى البنوك العالمية بكفاءة القطاع المالي المحلي وصرامته في تطبيق المعايير الدولية في منع مرور أي عمليات مشبوهة، ساهما بفاعلية في تأمين أرضية لهبوط القرار بشكل «سلس» نسبياً على الجهاز المصرفي وشركات تحويل الأموال، ولا سيما بعد تلقي إشعارات خارجية مطمئنة باستمرار عمليات التحويل وفتح الاعتمادات وفق نسقها وكلفتها السارية ما قبل التصنيف المستجد.

مع ذلك، يؤكد مسؤول مصرفي معني أن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية يعني عملياً وضع النظام المالي تحت مراقبة شديدة، مما سيزيد من تعقيدات التعاملات المالية، وسيكون لذلك تأثيرات سلبية لاحقة على التعاملات المصرفية مع الخارج إذا استمر تلكؤ السلطات المسؤولة في استكمال الاستجابة للمتطلبات الدولية. علماً بأن الإدراج سيفاقم حكماً من أزمة الثقة التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني، وبما سيؤثر حكماً على إمكانية استقطاب الأموال من الخارج في المستقبل.

وبالتوازي، لم تغفل هيئة التحقيق الخاصة التي يرأسها منصوري، وبصفتها المنسق الوطني لعملية التقييم، عن المبادرة سريعاً إلى إطلاع رئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء على خلاصات التقارير التي تلقتها من مجموعتي «فاتف». بل هي حثت السلطات المعنية، ومن دون تحقيق نتائج تذكر، على التواصل مع الجهات الداخلية ذات الاختصاص في شأن الإجراءات التصحيحية المطلوبة بغية تعزيز فعالية منظومة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب المحلية، وباعتبار أنه يتوجب على لبنان إرسال تقارير متابعة بالتقدم الحاصل خلال العام الحالي.

ووفق تحليلات مصرفية للمآخذ الدولية وأوجه القصور التي يعانيها لبنان في مكافحة غسل الأموال، تفاقمت سلبياً بفعل توسع الاقتصاد النقدي جراء انفجار الأزمات المالية والنقدية بعد خريف العام، وبما يصل إلى نحو 10 مليارات دولار، وفق تحديد البنك الدولي 2019، أصبح يمثل مصدر قلق رئيسي لمنظمتي «فاتف» الإقليمية والدولية؛ حيث يسهم في صعوبة تتبع الأموال ومكافحة النشاطات غير المشروعة. وهذا الوضع يفاقم التحديات ويضع جزءاً كبيراً من التعاملات المالية خارج نطاق رقابة مصرف لبنان والمصارف.

ويعمل مصرف لبنان منذ فترة على تطبيق إجراءات لتعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكترونية؛ بهدف تقليل الاعتماد على النقد في السوق اللبنانية. تتماشى هذه المبادرات مع المعايير الدولية، لا سيما تلك التي تهدف إلى مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ولهذه الغاية، أصدر التعميم 165 الذي أتاح فتح حسابات جديدة بالأموال النقدية بالدولار والليرة اللبنانية لاستعمالها لتسوية التحاويل المصرفية الإلكترونية الخاصة بالأموال النقدية وتسوية مقاصة الشيكات التي يتم تداولها أيضاً بالأموال النقدية، مما يحد من محاولات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ويحجم الاقتصاد النقدي.

تعديلات على نظام مراقبة العمليات المالية والمصرفية

وفي سبيل تمتين حصانة القطاع المالي، أدخل البنك المركزي تعديلات مهمة على نظام مراقبة العمليات المالية والمصرفية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وهي تركز بشكل رئيسي على تعزيز إجراءات البنوك لمكافحة الفساد والرشوة من خلال إلزامها بإنشاء مصلحتين ضمن «وحدة التحقق»، الأولى تشرف على المركز الرئيسي وفروع المصرف للتأكد من التزامها بإجراءات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

أما الإدارة الثانية فتُعنى بمكافحة جرائم الفساد والرشوة من خلال تنفيذ إجراءات العناية الواجبة المعززة للعملاء المعرضين لمخاطر مرتفعة في الفساد والرشوة، وتدريب الموظفين على تحسين مهارات تحديد الأنشطة المشبوهة والإبلاغ عنها، وتطوير سياسات وإجراءات شاملة لمنع واكتشاف الفساد والرشوة، وإجراء تقييمات دورية للمخاطر لتحديد وتخفيف مخاطر الفساد، وإبلاغ هيئة التحقيق الخاصة عن أي حالات مشبوهة.

مبنى مصرف لبنان بمنطقة الحمراء في بيروت (أ.ف.ب)

وفي سياق متصل، تم التأكيد في تقارير دولية متتالية، على أن الفساد في المؤسسات الحكومية يشكل تحدياً كبيراً أمام تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. كذلك بشأن الملفات العالقة في النظام القضائي اللبناني؛ حيث تمت الإشارة إلى أن التأخير في معالجة هذه القضايا يُضعف الجهود المبذولة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. مع التنويه المستمر بأهمية استقلالية القضاء وتسريع البت في القضايا الحساسة لضمان تنفيذ الإصلاحات المطلوبة بشكل فعال.

نتائج مقبولة في الالتزام الفني

ووفق خلاصات الوثائق التي تلقتها هيئة التحقيق، واطلعت عليها «الشرق الأوسط»، يتبيّن أن لبنان لا يزال يحرز نتائج مقبولة في الالتزام الفني؛ حيث حصل على درجة «ملتزم» أو «ملتزم إلى حدّ كبير» في 34 توصية من أصل 40 مطلوبة، بينما تلحظ وجوب إجراء تحسينات في 6 توصيات حصل فيها على درجة «ملتزم جزئياً»، مما يتطلب بعض التعديلات في القوانين والتشريعات.

وبالتحديد، تشير الملاحظات إلى أن القانون رقم 44 لعام 2015، لم يستوفِ متطلبات تجريم غسل (تبييض) الأموال على أساس اتفاقيتي فيينا وباليرمو. كما لم تغطِّ المادة 2 منه بعض الفئات المحددة للجرائم الأصلية كالاتجار غير المشروع في السلع المسروقة وغيرها من السلع وإحداث جروح بدنية جسيمة، ولم يتمّ على مستوى التجريم اشتراط إذا ما كانت الأموال تمثل بصورة مباشرة أو غير مباشرة متحصلات ناتجة عن جريمة ما.

أما العقوبات المنصوص عليها لجرم تبييض الأموال فهي لا ترقى وفقاً لأحكام المادة (3) من القانون إلى أن تكون عقوبة جنائية، وإنما عقوبة جنحوية، ما يجعلها غير متناسبة ورادعة للأشخاص الطبيعيين في حالة الإدانة بجريمة غسل أموال. بينما تم استثناء «الارتباط والتآمر» في تحديد الجرائم التبعية المناسبة لجريمة غسل الأموال.

كذلك الأمر بالنسبة للعقود الائتمانية في لبنان؛ حيث ينحصر دور الوصي فيها على المصرف، ومن ثم فهي تخضع للموجبات المفروضة على العملاء من قبل المصارف وتشمل الحصول على والاحتفاظ بمعلومات وافية ودقيقة وحديثة عن هوية الموصي والمستفيد والمستفيدين الحقيقيين، ولكن لا توجد لديهم نصوص للمصارف بالاحتفاظ بالمعلومات الأساسية بشأن الوكلاء الآخرين الخاضعين للتنظيم، بما في ذلك مستشارو الاستثمار أو المديرون والمحاسبون ومستشارو الضرائب.

غياب تدابير التحقق

وبالمثل، تم التنبيه على غياب تدابير التحقق من حالة إدراج كتاب العدل والمحامين والمحاسبين المجازين على قوائم الإرهاب الأممية وللتأكد من ذلك بشكل دوري، ولمنع اعتماد شركاء المجرمين مهنياً. وأيضاً لا توجد تدابير للأهلية والكفاءة ولمنع المجرمين وشركائهم من ممارسة مهن تجار المعادن النفيسة والأحجار الكريمة ووكلاء العقار، وللتأكد من حالة إدراجهم على قوائم الإرهاب الأممية. وحتى عند تسجيل هؤلاء كشركات لا توجد ضوابط للتأكد من خلفية المستفيدين الحقيقيين والمسيطرين بطرق غير مباشرة، ولمنع المجرمين وشركائهم من شغل مناصب الإدارة في هذه الشركات أو من يوكل إليهم حق التفويض بالتوقيع.

أيضاً، لا توجد تدابير للأهلية والكفاءة ولمنع المجرمين وشركائهم من حيازة حصص مسيطرة أو أن يصبحوا مستفيدين حقيقيين أو يتولوا وظائف الإدارة. كما لا توجد إجراءات محددة للإشراف على كتاب العدل والمحامين والمحاسبين المهنيين لمراعاة العناصر التي تتطلبها هذه التوصية عند تقييم المخاطر وتحديد دورية وكثافة الرقابة.

ويفتقر لبنان، وفق التوصيات الدولية، إلى إجراءات للاستجابة لطلبات الدول الأجنبية بشأن تحديد، أو تجميد، أو حجز، أو مصادرة الوسائط التي اتجهت النية إلى استخدامها في جميع الجرائم الأصلية والممتلكات ذات القيمة المكافئة لعائدات الجرائم الأصلية. كذلك يفتقر إلى آليات نافذة بشأن إدارة الممتلكات المجمدة أو المضبوطة أو المصادرة، والتصرف فيها عند اللزوم. ولا يوجد أساس قانوني يغطي مطالب تسليم المجرمين فيما يتعلق بتمويل الإرهاب، ولا نظام لدى النيابة العامة التمييزية لإدارة الحالات المتعلقة بطلبات تسليم المجرمين.


مقالات ذات صلة

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

الاقتصاد أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

بنك اليابان: طفرة الذكاء الاصطناعي قد تمهد لمزيد من التشديد

قال نائب محافظ بنك اليابان شينيتشي أوتشيدا إن طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية ربما أسهمت في تيسير الأوضاع المالية عبر تعزيز الطلب ورفع أسعار الأصول.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مصفاة نفطية في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)

اليابان تستبعد سحباً جديداً من احتياطيات النفط

استبعدت اليابان، الاثنين، تنفيذ عملية جديدة للسحب من احتياطياتها الوطنية من النفط الخام في الوقت الراهن.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

تاكايتشي تتعهد بضبط الدين الياباني مع ارتفاع تكلفة الاقتراض

تعهدت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بضبط إصدارات السندات والحفاظ على استدامة المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)

التضخم التركي دون 30 % للمرة الأولى منذ 5 سنوات

سجل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين في تركيا في سبتمبر (أيلول) الماضي أكبر تراجع له في نحو 5 سنوات مسجلاً 29.73 في المائة

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
TT

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)

وقّعت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» وشركة «شيفرون» العالمية اتفاقية جديدة للبحث عن الغاز الطبيعي والزيت الخام واستغلالهما في منطقة لوتس البحرية بالبحر المتوسط، باستثمارات حدها الأدنى 88 مليون دولار، تشمل حفر بئرين استكشافيتين وإعادة معالجة بيانات سيزمية ثلاثية الأبعاد.

وشهد وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي مراسم توقيع الاتفاقية، التي تأتي في إطار جهود الوزارة لتوسيع نطاق أعمال البحث والاستكشاف وطرح مناطق جديدة أمام شركات النفط والغاز العالمية.

ووقع الاتفاقية العضو المنتدب التنفيذي لـ«إيجاس» سيد سليم، ومدير الاستكشاف في «شيفرون» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر المتوسط أندرو ديجان، بحضور مدير «شيفرون» في مصر تشانا كوروكولا وعدد من قيادات الوزارة و«إيجاس».

وتقع منطقة لوتس البحرية على بُعد نحو 200 كيلومتر من ساحل البحر المتوسط، وتتراوح أعماق المياه فيها بين 2000 و2800 متر، ولم تشهد المنطقة من قبل حفر آبار استكشافية عميقة، ما يفتح مجالاً أمام استكشاف موارد جديدة من الغاز الطبيعي والزيت الخام.

وقال بدوي إن توسيع خريطة البحث والاستكشاف يمثل محوراً رئيسياً في استراتيجية الوزارة لزيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز، مشيراً إلى استمرار العمل على طرح مناطق جديدة أمام الشركات العالمية والاستفادة من البيانات الجيولوجية والسيزمية المتاحة، إلى جانب تنفيذ برامج جديدة للمسح السيزمي في مناطق واعدة.

وأضاف أن إجراءات الدولة لسداد مستحقات شركاء الاستثمار أسهمت في تعزيز الثقة بقطاع البترول المصري، ودفع الشركات إلى زيادة استثماراتها واستئناف برامج البحث والاستكشاف، بما يسمح بتكثيف أعمال حفر الآبار وتنمية الحقول وتسريع تنفيذ مشروعات الإنتاج.

وأشار الوزير إلى أن الوزارة تعمل على طرح مزيد من الفرص الاستثمارية في البحر المتوسط والصحراء الغربية والدلتا وخليج السويس وسيناء وجنوب مصر، بالتوازي مع برامج المسح السيزمي الجارية والمخطط لها، بهدف توفير بيانات أحدث وأكثر دقة عن التراكيب الجيولوجية وتحديد الفرص الواعدة.

وتعكس الاتفاقية استمرار «شيفرون» في الاستثمار في أنشطة البحث والاستكشاف في مصر، إذ تعمل الشركة حالياً في ست مناطق بحرية للبحث عن الغاز والبترول، تشمل نرجس وشمال الضبعة ولوتس وشمال غربي أتول وشمال سيميان، إلى جانب منطقة شمال كليوباترا البحرية في غرب المتوسط التي تشارك فيها مع «شل».

وشهدت أعمال «شيفرون» في مناطق امتيازها بالبحر المتوسط مؤشرات استكشافية واعدة، من بينها كشف نرجس للغاز، بينما أظهرت أعمال حفر بئر «فيلوكس» في منطقة شمال كليوباترا البحرية مؤخراً مؤشرات واعدة على وجود النفط الخام.


فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده، في مسعى لتعزيز قدرة التكتل على مواجهة عالم تتحول فيه التجارة بصورة متزايدة إلى أداة للضغط الاقتصادي.

ودعت باريس وبرلين، في وثيقة مشتركة نُشرت الاثنين، إلى تعزيز أدوات الدفاع التجاري الأوروبية وتسريع استخدامها في مواجهة ما وصفته بـ«التشوهات السوقية المنهجية والمستمرة»، التي تهدد الاقتصاد الأوروبي وقاعدته الصناعية وتؤدي إلى خسائر واسعة في الوظائف.

ولا تستهدف المبادرة دولة بعينها، إلا أن الممارسات التي حددتها الوثيقة، ومنها الإغراق والدعم واسع النطاق والقيود على قابلية تحويل العملات، تتطابق مع انتقادات أوروبية متكررة للصين.

وتأتي الوثيقة قبل عشرة أيام من قمة يعقدها قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل لمناقشة الاختلالات التجارية مع الصين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على التكتل لتقليل اعتماده على شركاء تجاريين محددين وحماية قاعدته الصناعية.

تحرك خلال أيام

وقال مسؤولون ألمان إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى أداة تتمتع بقوة مماثلة للرسوم الجمركية الأميركية بموجب المادة 301، أو القيود الصينية على صادرات المعادن الحيوية، بما يسمح له بالرد على الإجراءات التي تضر بمصالحه الاقتصادية.

ودعت فرنسا وألمانيا المفوضية الأوروبية إلى طرح أداتين جديدتين في أقرب وقت، تركز الأولى على تنويع مصادر الإمدادات وتأمين الأمن الاقتصادي، من خلال الحد من اعتماد الشركات الأوروبية على مصدر واحد لبعض السلع الحيوية.

أما الأداة الثانية، فتستهدف الحد من وصول دول إلى السوق الأوروبية الموحدة إذا أخلّت بظروف المنافسة العادلة عبر وسائل سياسية أو اقتصادية، من دون تحديد مسبق للحالات التي يمكن أن تؤدي إلى تفعيلها أو نوع الإجراءات التي ستُتخذ.

واقترحت الوثيقة أن يتم اعتماد أي مقترح من المفوضية لتفعيل إجراءات مضادة ضد دولة أخرى ما لم تعارضه أغلبية مؤهلة من دول الاتحاد، وهو شرط أقل صرامة من بعض الإجراءات التجارية الأخرى.

وقال مسؤولون في الحكومة الألمانية إن المفوضية ينبغي أن تكون قادرة على تفعيل الإجراءات الجديدة بسرعة، بما قد يعني التحرك خلال أيام.

لكن إنشاء الأداة الجديدة سيظل بحاجة إلى موافقة حكومات دول الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

«نهاية السذاجة التجارية»

وقال مستشار للرئاسة الفرنسية إن تحرك الاتحاد أصبح ملحاً، معتبراً أن الاختلالات التجارية مع بعض الشركاء أصبحت غير مستدامة، ومؤكداً رغبة باريس وبرلين في استخدام أدوات مكافحة الإغراق القائمة في أسرع وقت ممكن.

وقال المستشار للصحافيين إن فرنسا وألمانيا «حريصتان جداً على وضع حد للسذاجة في التجارة».


الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
TT

الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)

طالب يتابع حصته الدراسية عبر فصل افتراضي، ومريض يحصل على استشارة طبية من منزله، ومستفيد يصل إلى وثيقته الرسمية عبر هاتفه... تفاصيل تختصر كيف أصبحت الخدمات الحكومية الرقمية جزءاً من الحياة اليومية في السعودية. ومع سهولة الوصول إليها، تبرز أهمية استمرارها، فالتعلّم والرعاية وإنجاز المعاملات احتياجات يومية تتطلّب جاهزية تحافظ على توافر الخدمة وتمكّن المستفيد من الاعتماد عليها عند الحاجة.

وفي ظل الأوضاع السياسية الراهنة في المنطقة وما يرتبط بها من مستجدات أمنية، تبرز أهمية هذا الاستعداد في دعم انتظام الحياة اليومية. ومن هنا، يتجاوز الصمود الرقمي مجرد إتاحة الخدمات إلكترونياً، إلى قدرة الجهات الحكومية على مواصلة تقديمها والتعامل مع الاحتياجات المتغيرة، بالاستناد إلى إدارة المخاطر والتخطيط لاستمرارية الأعمال.

طالب يتابع دروسه في منصة رقمية (الشرق الأوسط)

فما الذي تحقق حتى اليوم؟

تدعم هيئة الحكومة الرقمية هذا المسار عبر 3 خدمات مترابطة؛ تشمل تصنيف المنصات حسب أهميتها وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة لخدماتها، وتسجيل نسب توافر الخدمات الرقمية، وتنظيم الإبلاغ عن الانقطاعات عند الحاجة. وتساعد هذه الأدوات الجهات على المحافظة على استمرارية خدماتها، من خلال تحديد الأولويات، ومتابعة التوافر، وتوضيح مسؤوليات الإبلاغ، وفق «التقرير السنوي لهيئة الحكومة الرقمية».

وبالتوازي مع أدوات الجاهزية، بلغت نتيجة مؤشر نضج التجربة الرقمية لعام 2026 نسبة 87.06 في المائة، بعد تقييم 59 منصة. وبين جودة التجربة التي يقيسها المؤشر واستمرارية الأعمال التي تنظمها الضوابط والخدمات، يمتد العمل من تسهيل استخدام المنصة إلى دعم قدرتها على تقديم خدماتها.

المخاطر في صلب التخطيط

تبدأ المعالجة التنظيمية من «ضوابط إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، التي تستهدف التعامل مع المخاطر بصورة استباقية، من خلال بناء نظام لإدارتها وتحسينه باستمرار. وفي جانب استمرارية الأعمال، تتناول الضوابط بناء النظام وتفعيله، والتحقق من فاعليته، ومواصلة تطويره.

وتضع هذه المتطلبات إدارة المخاطر ضمن دورة العمل المؤسسي، فلا تنتهي المهمة بإعداد الخطة، بل تشمل التحقق من فاعليتها وتحسينها. ويرتبط ذلك مباشرة بمواكبة المتغيرات، إذ يصبح الاستعداد عملية مستمرة ترتبط بطريقة إدارة الخدمات، لا إجراء يُستدعى في ظرف بعينه.

ومن هنا، يكتسب الربط بين المخاطر واستمرارية الأعمال أهميته؛ من خلال فهم ما قد يؤثر في الخدمة، وتنظيم الاستعداد للتعامل معه، وتوجيه الموارد والإجراءات نحو الأعمال ذات الأولوية.

للخدمة أولوية ووقت

وعلى مستوى التطبيق، تتيح «خدمة تصنيف المنصات والتطبيقات الحكومية» للجهات تصنيف منصاتها وتطبيقاتها، وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة للخدمات الرقمية، حسب مستوى أهميتها وأثر انقطاعها.

ويضع ذلك طبيعة الخدمة وأثرها أساساً لترتيب الأولويات، فالمنصات لا تُعامل باعتبارها متطابقة في متطلبات الاستمرارية. ويُضاف إلى التصنيف هدف زمني للاسترداد، يحدد ما تستهدف ترتيبات الاستمرارية تحقيقه.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في نقل التخطيط من الحديث العام عن الجاهزية إلى متطلبات مرتبطة بخدمة محددة وأهميتها. فالاهتمام لا ينحصر في وجود المنصة، وإنما يشمل موقع خدماتها ضمن أولويات الجهة وما يتطلبه دعم استمراريتها.

التوافر تحت المتابعة

وإذا كان التصنيف يحدد الأولوية فإن خدمة «نسبة توافرية الخدمات» تتيح للجهات الحكومية تسجيل نسب توافر خدماتها الرقمية المقدمة إلى المستفيدين، بهدف متابعة مدى الالتزام. وبذلك يصبح توافر الخدمة جانباً موثقاً في المتابعة، إلى جانب تصنيف المنصة التي تقدمها.

وعند الحاجة إلى الإبلاغ، تتيح «خدمة الإبلاغ عن انقطاع الخدمات الحكومية الرقمية» مساراً محدداً للجهات الحكومية؛ يبدأ بتعيين فريق الأزمة من قِبل قائد تقنية المعلومات في الجهة، ليتولى الفريق مسؤولية تقديم البلاغات.

صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي تظهر سيدة تحصل على علاج عبر الإنترنت (تطمين)

وهنا تتضح الصلة بين الخدمات الثلاث؛ فالتصنيف يحدد الأهمية وأوقات الاسترداد المستهدفة، والتسجيل يوفّر بيانات التوافر، والإبلاغ يحدد قناة التواصل والمسؤول عنها. وتتكامل هذه الوظائف في تنظيم استمرارية الخدمات، من التخطيط والمتابعة إلى التعامل مع الحالات التي تستدعي الإبلاغ.

دليلان يساندان التطبيق

وتساند هذه الأدوات إصدارات إرشادية، من بينها دليلان يتصلان مباشرة بإدارة المخاطر وموثوقية التعاملات: «الدليل الاسترشادي لإدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، و«الدليل الاسترشادي لمكافحة الاحتيال الرقمي».

ويدعم دليل إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال الجهات الحكومية في تطبيق المتطلبات التنظيمية ذات الصلة، وتحسين الممارسات الداعمة للخدمات المقدمة إلى المستفيدين. وبذلك تقترن الضوابط بمرجعية استرشادية تساعد الجهات على الانتقال من فهم المتطلبات إلى تطبيقها.

أما دليل مكافحة الاحتيال الرقمي فيضيف جانباً يتصل بأمان التعاملات، من خلال دعم منهجية لإدارة المخاطر وتعزيز الجهود الوطنية للحد من الاحتيال الرقمي. فاستمرارية الوصول إلى الخدمة وموثوقية استخدامها احتياجان متكاملان؛ الأول يتصل بإتاحتها، والآخر بالعناية بالتعامل الذي يجري من خلالها.

حضور في ملتقى الحكومة الرقمية (واس)

جاهزية تواكب احتياجات الناس

وتكشف هذه الأدوات عن مضمون عملي للصمود الرقمي؛ تصنيف يربط الاستعداد بأهمية الخدمة، وبيانات تتيح متابعة توافرها، ومسؤوليات محددة للإبلاغ، وضوابط وأدلة تساند التطبيق. وهي تفاصيل تنظيمية وتشغيلية، لكن أثرها يرتبط مباشرة بقدرة الناس على متابعة شؤونهم.

وعند العودة إلى الطالب في فصله الافتراضي، والمريض الذي يتلقى استشارته، والمستفيد الذي يصل إلى وثيقته، تتضح الغاية من هذا العمل: أن تقترن سهولة الخدمة بجاهزية تدعم استمرارها. فالثقة بالخدمات الرقمية تبدأ من تجربة استخدامها، وتستند إلى ما وراءها من تخطيط ومتابعة؛ لتبقى احتياجات الناس في صلب الاستعداد، وتمضي الحياة رقمياً.