الجيش السوداني يشن هجوماً لاستعادة السيطرة على العاصمة

استهدف بالقصف الجوي والمدفعي 3 جسور استراتيجية

TT

الجيش السوداني يشن هجوماً لاستعادة السيطرة على العاصمة

الجيش السوداني يشن هجوماً لاستعادة السيطرة على العاصمة

عاش سكان العاصمة السوداني الخرطوم شللاً مفاجئاً، فيما قال شهود ومصادر عسكرية إن الجيش السوداني شن قصفاً مدفعياً وجوياً في العاصمة السودانية الخرطوم يوم الخميس، في أكبر عملية لاستعادة العاصمة منذ بداية الحرب المستمرة لنحو17 شهراً بينه وبين «قوات الدعم السريع». وتركز الصراع، يوم الخميس، على ثلاثة جسور استراتيجية في العاصمة المثلثة، وهي «الفتيحاب» و«النيل الأبيض» و«الحلفايا». وجاء هجوم الجيش، الذي فقد السيطرة على معظم أنحاء العاصمة في بداية الصراع، قبل كلمة من المقرر أن يلقيها قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

ومنذ اندلاع الحرب في البلاد أبريل (نيسان) 2023 تسيطر «قوات الدعم السريع» بالكامل على مدينة الخرطوم، بما في ذلك المواقع العسكرية والسيادية، وتحاصر مقر القيادة العامة للجيش الواقع شرق المدينة. وذكر شهود أن قصفاً عنيفاً واشتباكات اندلعت عندما حاولت قوات من الجيش عبور جسور فوق نهر النيل تربط المدن الثلاث المتجاورة التي تشكل منطقة العاصمة الكبرى، وهي الخرطوم وأم درمان وبحري. والجسور الثلاثة التي تركز حولها القصف هي «الفتيحاب» و«النيل الأبيض» و«الحلفايا».

تحليق الطيران

وقال سكان إن الجيش يقوم بقصف مدفعي عنيف وقصف جوي على منطقتَي الحلفايا وشمبات، في حين يحلق الطيران بكثافة، خاصة في مناطق المزارع المحيطة بجسر الحلفايا من جهة بحري. كما أظهرت مقاطع فيديو دخاناً أسود اللون يتصاعد في سماء العاصمة، وسط دوي أصوات المعارك في الخلفية. وقالت مصادر عسكرية لوكالة «رويترز» إن قوات الجيش عبرت جسوراً في الخرطوم وبحري، في حين قالت «قوات الدعم السريع» إنها أحبطت محاولة الجيش عبور جسرين إلى الخرطوم.

وتأتي الاشتباكات المتجددة في وقت يحتل ملف النزاع المتواصل في السودان مرتبة متقدمة على جدول أعمال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية وأزمة اللاجئين.

واستعاد الجيش بعض الأراضي في أم درمان في وقت سابق من هذا العام، لكنه يعتمد في الغالب على المدفعية والغارات الجوية، ولم يتمكن من طرد «قوات الدعم السريع» التي هي أكثر كفاءة على الأرض، من مناطق أخرى من العاصمة.

مستشفى الفاشر من الخارج (صفحة حاكم إقليم دارفور في «فيسبوك»)

مخاوف في دارفور

في غضون ذلك، واصلت «قوات الدعم السريع» إحراز تقدم في أجزاء أخرى من السودان في الأشهر القليلة الماضية في صراع تسبب في أزمة إنسانية واسعة النطاق، ونزوح أكثر من 10 ملايين شخص، ودفع مناطق من البلاد إلى الجوع الشديد أو المجاعة. وتعثرت جهود دبلوماسية تبذلها الولايات المتحدة وقوى أخرى، ورفض الجيش حضور محادثات كانت مقررة الشهر الماضي في سويسرا.

واشتدت المعركة هذا الشهر للسيطرة على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور في غرب السودان. وتحاول «قوات الدعم السريع» التقدم من مواقع تحيط بالمدينة لمواجهة الجيش وجماعات متمردة سابقاً متحالفة معه. والفاشر هي آخر معاقل الجيش في دارفور حيث تقول الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إن الوضع الإنساني حرج جداً، وهي واحدة من 5 عواصم ولايات في إقليم دارفور والوحيدة التي لم تسقط في أيدي «قوات الدعم السريع». وطالب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والأمين العام للمنظمة أيضاً بإنهاء حصار الفاشر، حيث يعيش أكثر من 1.8 مليون من السكان والنازحين. وفي سبتمبر (أيلول) أعلنت منظمة الصحة العالمية أن عدد القتلى لا يقل عن 20 ألف شخص منذ بداية الصراع، لكن بعض التقديرات تصل إلى 150 ألف ضحية، وفقاً للمبعوث الأميركي إلى السودان توم بيرييلو. كما نزح أكثر من 10 ملايين شخص؛ أي نحو 20 في المائة من السكان، بسبب القتال، أو أُجبروا على اللجوء إلى دول مجاورة. وتسبّب النزاع في أزمة إنسانية هي من الأسوأ في التاريخ الحديث، بحسب الأمم المتحدة.

الدخان يتصاعد قرب جسر الحلفايا في العاصمة السودانية (أرشيفية -رويترز)

جسور العاصمة المثلثة

يقسّم نهر النيل ورافداه؛ النيل الأزرق والنيل الأبيض، العاصمة السودانية الخرطوم إلى ثلاث مدن؛ الخرطوم وتقع إلى الجنوب بين نهرَي النيل الأزرق والنيل الأبيض، وملتقى النهرين عند منطقة المقرن، ليكونا بداية نهر النيل، وهي العاصمة الإدارية ومقر الحكومة والمركز التجاري والاستثماري، بينما تنحصر مدينة أم درمان بين نهر النيل والنيل الأبيض من جهتَي الشرق والغرب، وتمثل العاصمة الوطنية القديمة، أما مدينة الخرطوم بحري فتنحصر بين نهر النيل ونهر النيل الأزرق من جهتي الجنوب والخرطوم، وهي المدينة الصناعية. وترتبط مدن الخرطوم الثلاث بعشرة جسور، تَعبر الأنهر الثلاثة وتشكل وسائط التواصل؛ ليس بين مدن العاصمة فحسب، بل ببقية أنحاء السودان.

ومنذ بدأت الحرب تَقاسم كل من الجيش وقوات «الدعم السريع» السيطرة على الجسور والتحكم فيها، كلياً أو جزئياً. وفقَدَ الجيش السيطرة من الجهتين على كل جسور المدينة، ما عدا جسر النيل الأزرق، الذي يربط بين الخرطوم والخرطوم بحري، بينما سيطرت قوات «الدعم السريع» على جسور سوبا، والمنشية، والمك نمر، وخزان جبل أولياء، وتوتي.

ويتقاسم الطرفان السيطرة على جسور الفتيحاب والنيل الأبيض، الجيش من جهة أم درمان، وقوات «الدعم السريع» من جهة الخرطوم. وأيضاً جسر الحلفايا، الجيش من جهة أم درمان، وقوات «الدعم السريع» من جهة الخرطوم بحري. أما جسر شمبات فقد خرج من الخدمة على أثر تفجيره في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وكان وقتها تحت سيطرة قوات «الدعم السريع»، وتبادل الطرفان الاتهامات بتفجيره.

كذلك جسر خزان جبل أولياء، الذي قصفه طيران الجيش، لكن قوات «الدعم السريع» أفلحت في إعادته للخدمة مجدداً، وهو الجسر الوحيد الذي يربط بين قواتها من أم درمان حتى دارفور، وهو بطبيعته جسراً على السد، فإن تدميره كلياً قد يتطلب تدمير السد الذي يُنظم جريان المياه لصالح السد العالي في مصر.


مقالات ذات صلة

معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

شمال افريقيا تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)

معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

تصاعدت العمليات العسكرية في النيل الأزرق، متزامنة مع حراك دبلوماسي وسياسي تضمن لقاءات بين الحكومة وقوى مدنية سياسية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان لدى مخاطبته مجموعة من الإعلاميين في مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يدعو واشنطن للتحقيق بمزاعم «الكيماوي»

دعا قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الولايات المتحدة إلى إرسال فريق للتحقيق في أي مزاعم باستخدام الجيش للسلاح الكيماوي في السودان.

شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان في نيويورك (الأمم المتحدة)

مجلس الأمن يمدد عقوبات دارفور لشهر بعد خلافات على توسيعها

جدد مجلس الأمن لشهر واحد فقط العقوبات المفروضة على دارفور وتتضمن حظر الأسلحة، في عملية وصفت بأنها «فنية»، بعد خلافات على توسيعها لكل السودان.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي سابق (إعلام مجلس الوزراء) p-circle

رئيس الوزراء السوداني يصف اتهامات «الكيماوي» بالكاذبة

وصف رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، الاتهامات باستخدام أسلحة كيماوية في الحرب بأنها «ادعاءات كاذبة».

أحمد يونس (نيروبي)
شمال افريقيا أعضاء «الآلية الخماسية الدولية» الذين شاركوا في مؤتمر برلين حول السودان (إكس)

«الخماسية الدولية»: لا حل عسكرياً لحرب السودان

جدّدت «الآلية الخماسية»، المعنية بالسودان، رفضها الحل العسكري للحرب، ودعت من الخرطوم إلى مسار سياسي «موثوق وشامل»، يقود إلى حكومة ديمقراطية بقيادة مدنية.

وجدان طلحة (الخرطوم)

محتجون يغلقون بوابة مصفاة الزاوية في غرب ليبيا للمطالبة بزيادة الرواتب

مصفاة الزاوية الليبية وأمامها محتجون يوم الأحد (متداولة على صفحات ليبية موثوقة في مواقع التواصل)
مصفاة الزاوية الليبية وأمامها محتجون يوم الأحد (متداولة على صفحات ليبية موثوقة في مواقع التواصل)
TT

محتجون يغلقون بوابة مصفاة الزاوية في غرب ليبيا للمطالبة بزيادة الرواتب

مصفاة الزاوية الليبية وأمامها محتجون يوم الأحد (متداولة على صفحات ليبية موثوقة في مواقع التواصل)
مصفاة الزاوية الليبية وأمامها محتجون يوم الأحد (متداولة على صفحات ليبية موثوقة في مواقع التواصل)

أغلق منتسبون لجهاز حرس المنشآت النفطية في غرب ليبيا، الأحد، البوابة الرئيسية لمجمع مصفاة الزاوية النفطي، في تصعيد جديد احتجاجاً على أوضاعهم المالية والإدارية، وطالبوا حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة بتنفيذ مطالبهم المتعلقة بزيادة الرواتب.

ويأتي إغلاق البوابة بعد أيام من اعتصام نفذه منتسبو الجهاز أمام مصفاة الزاوية، طالبوا خلاله بتسوية أوضاعهم المالية والإدارية وتعديل رواتبهم، إلى جانب تطبيق جدول الرواتب الموحد.

وكان المحتجون قد منحوا الحكومة والجهات المعنية مهلة 48 ساعة للنظر في مطالبهم واتخاذ الإجراءات اللازمة، محذرين من خطوات تصعيدية في حال عدم الاستجابة.

ويشمل المحتجون منتسبين من جهاز حرس المنشآت النفطية في المنطقة الغربية، بينهم منتسبون لفرع المنطقة الوسطى وفرع مليتة ووحدة حماية المؤسسة الوطنية للنفط، حسب بيانات نشرت بشأن الاعتصام.

ويقول الخبير الاقتصادي في قطاع النفط، محمد الشحاتي، إن حرس المنشآت النفطية يتولى من الناحية اللوجستية تأمين ما هو خارج أسوار المصفاة، بما في ذلك خطوط الأنابيب الداخلة بالنفط الخام والخارجة بالمنتجات، وحركة السيارات والشاحنات، والتأكد من عدم وجود تهديدات طبيعية أو فنية أو تخريبية.

ولا يعرف الشحاتي على وجه التحديد الهدف الفني من إغلاق البوابة، لكنه رجح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن يكون مرتبطاً بمنع حركة الدخول والخروج، وهو ما لا يؤثر كثيراً في المدى القصير، لكنه يُبقي مستوى المخاطرة مرتفعاً، وقد يدفع الفنيين إلى التوقف عن العمل.

وحذَّر الخبير الاقتصادي من أن مصفاة الزاوية «لا تتوافر لها بدائل بالكفاءة نفسها، وأن توقفها قد يعني اللجوء إلى استيراد المنتجات من الخارج»، مشيراً إلى أن هذا الخيار نفسه قد يواجه مشكلات لوجستية، بينما تقع البدائل الأخرى على مسافات بعيدة وغير مجهزة بالقدر الكافي.

توترات أمنية

وتسبب الاعتصام، الأحد، في إغلاق البوابة الرئيسية لمجمع الزاوية النفطي، لكن شركة الزاوية لتكرير النفط قالت إن العمل داخل الشركة «مستمر بصورة طبيعية رغم إغلاق البوابة».

وأوضحت الشركة أن دخول المستخدمين إلى مقرها سيكون مؤقتاً عبر مدخل شركة البريقة لتسويق النفط، إلى حين إعادة فتح البوابة الرئيسية، داعية العاملين إلى الالتزام بمسار الدخول المحدد والتعاون مع الجهات المختصة لضمان انسيابية الحركة واستمرار العمل.

ويضم مجمع الزاوية النفطي مصفاة تبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يومياً، ويعد من أهم منشآت الطاقة في غرب ليبيا.

وشهدت منشآت النفط في الزاوية خلال الأسابيع الأخيرة توترات أمنية واعتداءات بطائرات مسيّرة، دفعت المؤسسة الوطنية للنفط إلى التحذير من احتمال إعلان «القوة القاهرة» إذا استمرت الاعتداءات على الأصول النفطية في المدينة.

ورغم أن وحدات من حرس المنشآت النفطية في شمال غربي البلاد كانت، رسمياً، جزءاً من وزارة الدفاع، فإنها أصبحت تعتمد مالياً على المؤسسة الوطنية للنفط منذ عام 2021، وهو ما أسهم في تعقيد مسألة الرواتب والمزايا والجهة المسؤولة عن تمويلها.

إضرابات المعلمين

في غضون ذلك، شهدت عدة مدن ليبية، بما في ذلك ترهونة وطرابلس والزاوية وباطن الجبل وبني وليد، اعتصامات وإضرابات واسعة النطاق للمعلمين مع انطلاق العام الدراسي الجديد، الأحد، إذ رفضت نقابات المعلمين بدء الدراسة حتى تلبية مطالبهم المالية والوظيفية المتراكمة.

بعض منتسبي نقابة المعاهد الفنية المتوسطة بمدينة بني وليد خلال إعلانهم الاعتصام للمطالبة بتحسين رواتبهم يوم الأحد (من مقطع فيديو متداول عبر صفحات موثوقة في مواقع التواصل)

واتسعت رقعة اعتصامات المعلمين لتشمل مدناً إضافية في الغرب والشرق، إذ أعلن أعضاء هيئة التدريس في الزاوية دخولهم في اعتصام للمطالبة بحقوقهم، بينما أغلقت مدارس البيضاء أبوابها، وطالبت نقابة المعلمين في صبراتة بتعليق الدراسة أسبوعين.

وردد المعتصمون شعارات مثل «اعتصام اعتصام... لا قراية لا دوام»، في إشارة إلى رفضهم العمل قبل الاستجابة لمطالبهم.

وبينما شهدت مدينة ترهونة، إضراباً واسعاً للمعلمين، استمر اعتصام نقابة معلمي طرابلس المركز، وسط غياب كامل للمعلمين والطلبة في مدارس الزاوية، واستمرار الاعتصام في باطن الجبل دون انطلاق الدراسة.

أما في صبراتة، فطالبت نقابة المعلمين جميع المعلمين والمدارس بالالتزام بقرار تعليق الدراسة لمدة أسبوعين، مشيرة إلى أنها ستصدر قرارات لاحقة بشأن موعد استئناف الدراسة.

وأعلنت نقابات المعلمين في بلديات الغرب وعدة مناطق أخرى الدخول في اعتصام مفتوح، مطالبة بتسوية الأوضاع الوظيفية، وزيادة الرواتب التي لا تتجاوز في كثير من الحالات ألفي دينار ليبي شهرياً، وصرف الفروقات والمستحقات المتأخرة، وتوفير التأمين الصحي للمعلمين وأسرهم، وإصدار قانون لحماية المعلمين. (الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.38 دينار في الموازية).

واعتبرت النقابات أن التحرك ليس بهدف عرقلة التعليم، بل نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين» رغم الوعود المتكررة من الحكومات المتعاقبة.

دعوة لمظاهرة «مليونية»

وفي سياق متصل، دعا ما يسمى بـ«حراك إرادة الشعب» إلى تنظيم مظاهرة مليونية في 25 من الشهر الحالي، احتجاجاً على ما وصفه بـ«تدخل البعثة الأممية» في القرار السياسي الليبي.

واتهم الحراك، في بيان نشره مساء السبت، البعثة الأممية بالسعي إلى فرض ترتيبات سياسية وحكومات على الليبيين، ودعا إلى خروج المتظاهرين تحت شعارات ترفض التدخل الخارجي وتطالب بخروج الأجانب من ليبيا.

كما دعا إلى الاعتصام أمام مقر البعثة الأممية في حال تطلب الأمر ذلك، ولوّح بإجراءات تصعيدية ضد مقرها.


ما حقيقة استخدام أوكرانيا قاعدة ليبية لمهاجمة سفن روسية؟

ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة السواحل الليبية في مارس الماضي (المؤسسة الوطنية للنفط)
ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة السواحل الليبية في مارس الماضي (المؤسسة الوطنية للنفط)
TT

ما حقيقة استخدام أوكرانيا قاعدة ليبية لمهاجمة سفن روسية؟

ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة السواحل الليبية في مارس الماضي (المؤسسة الوطنية للنفط)
ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة السواحل الليبية في مارس الماضي (المؤسسة الوطنية للنفط)

ازدادت في ليبيا المخاوف السياسية والأمنية عقب تقارير أوكرانية أفادت باستخدام قاعدة عسكرية في مدينة مصراتة (غرباً) موقعاً لإنزال ضربات ضد سفن مرتبطة بـ«أسطول الظل» الروسي، وسط تحذيرات مراقبين من إقحام البلاد في أتون الصراع بين موسكو وكييف.

وتصاعدت تلك المخاوف في أعقاب تقرير لشبكة «سي إن إن» نقل عمَّن قالت إنه «مشغّل مسيّرة بحرية أوكراني موجود في ليبيا» أن وحدته «تستخدم قاعدة عسكرية في مصراتة كنقطة انطلاق لمهاجمة سفن مرتبطة بـ(أسطول الظل) الروسي، مقابل تدريب قوات محلية».

كما نقل التقرير، الذي نشرته الشبكة، السبت، عن «مصادر استخباراتية وعسكريين أوكرانيين»، أن «عناصر أوكرانية مختصة بالطائرات المسيّرة البحرية موجودة في غرب ليبيا منذ نهاية 2025».

وتتجنب سلطات غرب ليبيا التعليق على هذا الأمر المثار منذ أشهر، لكن وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة تخلّت عن صمتها، ونفت ما أطلقت عليه «مزاعم» تتعلق باستخدام قاعدة مصراتة العسكرية لتنفيذ عمليات عسكرية تستهدف أطرافاً أو مصالح خارجية.

وجاء رد وزارة الدفاع في أعقاب ما أوردته منصة «UNITED24 Media» الأوكرانية، في 6 سبتمبر (أيلول) الحالي، حول تقارير تزعم تنفيذ أوكرانيا هجوماً بـ12 مسيّرة أُطلقت من ليبيا، استهدف سفينة الشحن الروسية «ليدي ماريا» الخاضعة للعقوبات، في البحر المتوسط قرب جزيرة كريت.

وقالت وزارة الدفاع بـ«الوحدة» في بيان، مساء السبت: «ننفي نفياً قاطعاً وجود أي اتفاق أو ترتيب أو تنسيق يسمح باستخدام قاعدة مصراتة العسكرية، أو أي منشأة عسكرية وطنية، منصة لإطلاق هجمات أو لتنفيذ عمليات عسكرية من أي نوع خارج إطار المهام السيادية للدولة الليبية».

وهذه هي المرة الثانية منذ مارس (آذار) الماضي التي تُتداول فيها تقارير تتحدث عن استهداف سفن شحن روسية في البحر المتوسط بطائرات مُسيرة من الأراضي الليبية، في ظل مخاوف سياسية وأمنية من إقحام البلاد في أتون الصراع الروسي - الأوكراني.

ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة سواحل ليبيا منذ مارس الماضي (المؤسسة الوطنية للنفط)

غير أن وزارة الدفاع، التي يتولى حقيبتها عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة»، أكدت في معرض ردها على كل ما يثار أنها «لم تمنح أي طرف أجنبي إذناً باستخدام الأراضي أو المنشآت أو الأجواء أو المياه الإقليمية الليبية لتنفيذ أعمال عدائية ضد أي دولة أو جهة، وأن أياً من المنشآت العسكرية الوطنية لم يُخصَّص أو يُوظَّف لهذا الغرض».

ما الجهة المسؤولة؟

يصف الباحث العسكري، شرف الدين علي العلواني، مدناً بالغرب الليبي، من بينها طرابلس ومصراتة والزاوية، بأنها «دولة داخل دولة»، مشيراً إلى أن جماعات وميليشيات «وكل المستفيدين من الوضع الراهن، لديهم مفاتيح سوق السلاح المفتوحة لمن يدفع، ليس لتجارة السلاح والمُسيرات الأوكرانية فحسب، بل لإنعاش سوق سوداء جعلت كل شيء مباحاً».

ويضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «لن ينتهي هذا الواقع إلا بنجاح المساعي لتوحيد المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا، وجعل كل مخازن السلاح تحت راية القيادة العامة».

وكانت حكومة «الوحدة» في طرابلس قد تحدثت في 6 سبتمبر الحالي عن «تفكيك خلية تخريبية منظمة تورطت في هجمات بالمسيّرات الانتحارية استهدفت خزانات النفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء الزاوية».

ووسط حالة من «الجدل والشك»، لا سيما في صفوف مناوئيها، ذكرت «الوحدة» حينها أن «نتائج العملية الأمنية والاستخباراتية النوعية التي نفذتها وزارة الدفاع أسفرت عن القبض على 5 عناصر، ليبيين وأجانب، وتفكيك خلية تخريبية منظمة تورطت في هجمات بالمسيّرات الانتحارية استهدفت خزانات النفط».

وسبق أن استبعد وزير الدفاع الليبي الأسبق، محمد البرغثي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تكون المسيّرات الـ12 التي تردد أنها استهدفت سفينة الشحن الروسية «ليدي ماريا» الخاضعة للعقوبات في المتوسط قرب جزيرة كريت قد انطلقت من الأراضي الليبية.

ورجح البرغثي «أن تكون هذه المسيَّرات قد انطلقت من فوق متن سفينة في البحر، كونها لا تحتاج إلى مدارج إقلاع أو مصاعد أرضية لتشغيلها». وبجانب ما ذهب إليه البرغثي، يرى متابعون أمنيون أنه «لا توجد براهين حقيقية تدل على انطلاق هذه المسيرات من ليبيا».

وسبق أن استهدفت «مسيَّرات مجهولة» منشآت نفطية في طرابلس والزاوية، بجانب محطة كهرباء بالزاوية، في ظل حالة من الغموض والتساؤلات عن الجهة التي تقف خلف هذه الطائرات التي تتوجه إلى منشآت حيوية في غرب ليبيا فقط دون باقي مناطق البلاد.

حادث مارس

وكانت الناقلة الروسية «أركتيك ميتاغاز» قد تعرضت لأضرار بالغة قبالة سواحل البلاد في بدايات مارس (آذار) الماضي. وأعلنت وزارة النقل الروسية، حينها، أن الناقلة التي كانت تحمل غازاً طبيعياً مسالاً من ميناء مورمانسك في القطب الشمالي «تعرضت لهجوم بطائرات مسيّرة تابعة للبحرية الأوكرانية»، وأن الأسلحة «أُطلقت من الساحل الليبي».

ونقلت وكالة «إنترفاكس» للأنباء آنذاك عن نيكولاي باتروشيف، أحد مساعدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قوله إن موسكو تعدّ الهجوم على ناقلة غاز طبيعي مسال روسية في البحر المتوسط «عملاً إرهابياً دولياً».

وأمام حالة «التشكيك»، ولقطع الطريق أمام أحاديث تتعلق بوجود أوكراني في غرب ليبيا، تشدد وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» على أن «جميع أشكال التعاون العسكري والتدريب الفني مع الدول الصديقة تخضع للأطر الرسمية والقانونية المعتمدة»، وتؤكد «التزامها الكامل بسيادة الدولة الليبية، ورفضها استخدام الأراضي الليبية منطلقاً لأعمال من شأنها تعريض الأمن القومي الليبي أو علاقات ليبيا الخارجية للخطر».

وفي أبريل (نيسان) الماضي، سلط تحقيق استقصائي أعدته «إذاعة فرنسا الدولية» الضوء على أبعاد «المواجهة الخفية» بين أوكرانيا وروسيا في أفريقيا، مؤكداً أن ليبيا تحولت إلى مسرح جديد لهذه المواجهة.


السيسي وآبي أحمد لم يجتمعا في «بريكس»... والأزمة مستمرة

صورة جماعية للقادة المشاركين في «قمة بريكس» (الرئاسة المصرية)
صورة جماعية للقادة المشاركين في «قمة بريكس» (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي وآبي أحمد لم يجتمعا في «بريكس»... والأزمة مستمرة

صورة جماعية للقادة المشاركين في «قمة بريكس» (الرئاسة المصرية)
صورة جماعية للقادة المشاركين في «قمة بريكس» (الرئاسة المصرية)

اختتمت «قمة بريكس» في نيودلهي، الأحد، دون أن تشهد لقاء بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، اللذين تجمع بلادهما أزمة بشأن ملف نهر النيل و«سد النهضة» الذي شيدته أديس أبابا دون قبول مطالب القاهرة بعقد اتفاق ملزم لضمان عدم تأثر حصتها المائية المقدرة بـ55.5 مليار متر مكعب.

عدم عقد اللقاء يكشف بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك أزمة غياب ثقة من مصر تجاه إثيوبيا، وتعبيراً عن رفض مسار أديس أبابا في معالجتها»، وأشاروا إلى أن الحراك المصري في «بريكس» شهد طرح قضية المياه وأهمية احترام القانون الدولي، وهو ما يعكس استمرار الموقف المصري ورفض تحركات إثيوبيا الأحادية.

ومنذ 2011 توترت العلاقات بين مصر وإثيوبيا على خلفية بناء أديس أبابا سداً على نهر النيل دون تنسيق مع مصر دولة المصب، وبعد عقد من المفاوضات تم تجميدها عام 2024 بين البلدين، وعاد التوتر مع إعلان إثيوبيا نيّة بناء سدود جديدة على نهر النيل، مقابل إعلان مصر تكراراً استحالة قبولها ذلك، وحقها في الدفاع الشرعي عن حقوقها المائية.

وعقد كل من السيسي وآبي أحمد عدداً من اللقاءات الثنائية مع قادة مشاركين بـ«قمة بريكس»، وفق ما تظهر بيانات الرئاسة المصرية و«وكالة الأنباء الإثيوبية» الرسمية، دون أن يعقدا لقاء ثنائياً.

وحتى الصورة الختامية الرئيسية فرقت بين السيسي وآبي أحمد، وجاء رئيس الوزراء الإثيوبي في الصف الثاني والسيسي بالأول، دون أن تلتقط العدسات أي حوار عابر ثنائي لهما.

ونبه عضو «لجنة العلاقات الخارجية» بمجلس النواب المصري أحمد علاء فايد، إلى أن «اللقاءات بين القادة خلال القمة تكون بتنسيق مسبق»، ولم يعقد اجتماع مع رئيس وزراء إثيوبيا في «قمة بريكس»، خصوصاً أن العلاقات «ليست في أفضل حالاتها، وهناك فترات كانت أفضل».

الرئيس المصري خلال لقائه مع نظيره الجنوب أفريقي مساء السبت (الرئاسة المصرية)

فيما يرى خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، أن «عدم عقد لقاء بين الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإثيوبي على هامش القمة، يعكس غياب الثقة من قبل مصر في الحكومة الإثيوبية الحالية التي لا تقدم أي مؤشر إيجابي على إمكانية تسوية ملف المياه مع مصر، وملف السد الإثيوبي سيظل العامل الأبرز والأهم في تحديد مستقبل العلاقات السياسية بين البلدين».

وبحسب البحيري، يعكس عدم اللقاء «إيصال مصر رسالة مباشرة إلى إثيوبيا بأن استمرارها في تبني سياساتها ومواقفها المتعنتة والعدائية سوف يؤدي إلى استمرار الجمود في العلاقات السياسية معها».

كما يشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد، إلى أن الجمود وعدم وجود أفق للتوافق على القضايا الخلافية بين البلدين «كانا سبب عدم عقد اللقاء»، وكذلك المخاوف من التناول الإعلامي «غير الإيجابي».

رئيس وزراء إثيوبيا خلال كلمته في «قمة بريكس» (وكالة الأنباء الإثيوبية)

ورغم غياب اللقاء الثنائي بين السيسي وآبي أحمد بسبب أزمة ملف المياه، فإن الملف كان ضمن حراك مصر في المحادثات الثنائية التي أجريت على هامش القمة.

والتقى السيسي مع رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وفق بيان للرئاسة المصرية مساء السبت. وأكدا أن مصر وجنوب أفريقيا تضطلعان بمسؤولية، خصوصاً في تعزيز العمل الأفريقي المشترك وتوحيد المواقف الأفريقية في المحافل الدولية.

وأضاف البيان المصري: «وفيما يتعلق بقضية المياه، شدد الجانبان على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي والعمل على ضمان حقوق الدول بما يحافظ على الأمن والاستقرار الإقليميين».

تأكيد الرئيس المصري على ضرورة ضمان حقوق المياه في محادثات «بريكس»، يعكس وفق البحيري «الموقف المصري الرسمي في هذا الخصوص، وأن المياه هي مسألة حياة أو موت ومسألة وجودية للشعب المصري لا يمكن التنازل عنها، وأن مصر تتمسك بحقوقها كاملة في مياه نهر النيل، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال تقديم تنازلات من شأنها الإضرار بالأمن القومي المصري، لا سيما ملف المياه».

ويرى أن «التحركات الدبلوماسية تحت مظلة (تجمع بريكس) تستهدف حشد وتعبئة مواقف الدول الأعضاء، خصوصاً جنوب أفريقيا والصين وروسيا للضغط على إثيوبيا من أجل الاستجابة للمطالب المصرية الخاصة بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن الحقوق المصرية في مياه نهر النيل».

ورغم ذلك المشهد القاتم، لم يستبعد فايد أن «تعود العلاقات المصرية - الإثيوبية إلى سابق عهدها»، مؤكداً أن «ذلك يتطلب أن يكون التعاون على المستوى المطلوب من الرغبة في التنمية وعدم إلحاق الضرر بالحقوق المصرية المائية».