اقتصاد لبنان في محنة الحرب: من دعم دولي في 2006 إلى فراغ مالي في 2024

خسائر تقدَّر بـ10 مليارات دولار... وتراجُع عائدات السياحة بنحو 50 %

تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

اقتصاد لبنان في محنة الحرب: من دعم دولي في 2006 إلى فراغ مالي في 2024

تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)

شهد لبنان عبر تاريخه الحديث عديداً من الحروب المدمِّرة التي تركت آثاراً كارثية على اقتصاده واستقراره الاجتماعي، أبرزها حرب يوليو (تموز) 2006، حين اندلعت حرب شاملة بين إسرائيل و«حزب الله»، ويتجدَّد المشهد اليوم بين إسرائيل و«حزب الله»، لكن بقواعد مختلفة جداً على صعيد المؤسسات والاقتصاد.

ففي أيام الحرب الـ33، عام 2006، كان لدى لبنان رئيس للجمهورية وحكومة فاعلة، وكان اقتصاده واعداً بنمو متوقع يتراوح بين 4 في المائة و5 في المائة، معزّزاً بتدفق استثمارات مرتفع ساعَد على تحقيق ميزان المدفوعات فائضاً مالياً، وبسيولة عالية لدى القطاع المصرفي الذي كان في ذلك الوقت يلعب دوراً أساسياً في الثقة باقتصاد لبنان، وفي الوقت نفسه، كانت السوق المالية في لبنان تتمتع بزخم إيجابي بسبب ارتفاع الاستثمارات الخليجية التي استفادت من ارتفاع أسعار النفط.

وأثناء حرب يوليو، هبّت الدول العربية، والخليجية خصوصاً، لمساعدة لبنان؛ إذ بلغ مجموع الأموال التي تسلّمَتها الحكومة في ذلك العام من الدول الشقيقة والصديقة والمؤسسات الدولية ما قيمته 1.174 مليار دولار.

كما حظي لبنان في تلك الفترة بدعم دولي، ومساعدات مالية عربية، ما ساعده على الصمود إلى حد كبير في وجه التحديات التي أفرزتها الحرب، حيث تمكّن مصرف لبنان المركزي من التدخل لحماية الليرة، والحفاظ على سعر صرفها، فقد تلقّى مصرف لبنان بعد وقت قصير من اندلاع الحرب وديعة بقيمة 1.5 مليار دولار من الكويت والسعودية، كما تم عقد مؤتمرات دعم دولية لمساعدة لبنان، حيث نجح مؤتمر المانحين في ستوكهولم أغسطس (آب) 2006، وباريس 3 يناير (كانون الثاني) 2007، في توليد دعم كبير من المجتمع الدولي، الأمر الذي خفّف العبء على المالية العامة في لبنان. وخصّص مؤتمر باريس 3 للبنان مِنَحاً وقروضاً ميسّرة بلغت قيمتها 7.6 مليار دولار، بهدف تحفيز القطاع الخاص على النهوض بعد الحرب، وتنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي التي وضعتها الحكومة اللبنانية.

أما اليوم، فيواجه لبنان تحديات اقتصادية غير مسبوقة مع دخوله حرب 2024، حيث تعاني البلاد من أزمة مالية خانقة. فالليرة اللبنانية انهارت، مما أدّى إلى فقدان أكثر من 90 في المائة من قدرتها الشرائية، بينما ارتفعت معدلات التضخم بشكل حادّ، والأهم أن لبنان بات يفتقر إلى الدعم المالي الدولي والعربي، وتراجعت احتياطيات مصرف لبنان بشكل ملحوظ، وتجاوزت خسائر القطاع المصرفي 70 مليار دولار، وانخفض الناتج المحلي بنسبة 50 في المائة، ليجد 80 في المائة من سكان لبنان أنفسهم تحت خط الفقر.

هذا التباين الكبير بين حربَي 2006 و2024 يعكس الفارق الهائل في قدرة لبنان على الصمود، حيث يبدو في موقف أضعف بكثير أمام هذه التحديات المالية والاقتصادية.

هشاشة الوضع الحالي وتغيُّر الظروف

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الحرب في لبنان عام 2006 كلّفت البلاد خسارة تقدَّر بـ10.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع أضرار مباشرة وغير مباشرة بلغت 3.1 مليار دولار. واليوم، يبدو لبنان في وضع أكثر هشاشةً، وعلى عكس حرب 2006، يُحتمل أن تفتقر البلاد إلى التمويل من الموارد المحلية، أو من دول الخليج، كما أن استعادة البنية التحتية المتضررة ستتطلّب وقتاً طويلاً، خصوصاً مع التحديات الجسيمة في إدارة آثار أي تصعيد في الصراع، فضلاً عن تلاشي مقوّمات الصمود المعيشية للبنانيين، مما يزيد من حدة التداعيات.

وخلال حرب يوليو 2006 تدخّل مصرف لبنان لضخّ نحو مليار دولار في الأيام الأولى؛ لتهدئة الطلب على الدولار، والحفاظ على استقرار سعر الصرف عند 1500 ليرة، وكان احتياطه من العملات الأجنبية 11.7 مليار دولار. واليوم، تراجَع هذا الاحتياطي إلى 7.5 مليار دولار، معظمها توظيفات إلزامية لأموال المُودِعين، وفي عام 2006 تلقّت الحكومة اللبنانية مساعدات مالية بلغت 1.174 مليار دولار من الدول الشقيقة والصديقة، حيث قدّمت السعودية 734 مليون دولار على شكل هبات نقدية، وساهمت الكويت بـ315 مليون دولار، وسلطنة عمان بـ50 مليون دولار، والعراق بـ35 مليون دولار.

كما أن المقارنة بين حربي 2006 و2024 تُظهر تبايناً كبيراً في الظروف السياسية المحيطة بهما، ففي حرب 2006 كان لبنان تحت قيادة رئيس جمهورية وحكومة فاعلة تعمل على إنهاء النزاع، وتوفير الدعم المالي لإعادة الإعمار، مما أسهم في تحقيق استقرار نسبي بعد انتهاء العمليات العسكرية، أما في حرب 2024 فيعاني لبنان فراغاً رئاسياً ومؤسساتياً، وحكومة تصريف أعمال ذات صلاحيات محدودة، مما يُضعف قدرته على التعامل بفاعلية مع تداعيات الحرب، أو الحصول على الدعم الدولي الضروري.

لبنان تحت وطأة الحرب... وأرقام مقلقة

منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر، سادت حالة من الخوف في القطاعات السياحية والخدماتية التي كانت تستعد لاستقبال المغتربين، وتراجعت حركة الوصول في المطار 33 في المائة، وارتفعت مغادرة المسافرين 28 في المائة، ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، نزح حوالي 29 ألف شخص من الجنوب اللبناني.

أشخاص يسيرون بحقائبهم في مطار رفيق الحريري الدولي بعد يوم من انفجار أجهزة «البيجر» في بيروت (رويترز)

ومع دخول الحرب شهرها الثاني، توقعت وكالة «ستاندر آند بورز غلوبال»، أن يؤدي انخفاض السياحة إلى خسارة تصل إلى 23 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، كما توقع البنك الدولي عودة الاقتصاد اللبناني إلى الركود، بعدما كان متوقعاً له نمو طفيف 0.2 في المائة هذا العام.

وفي ديسمبر (كانون الأول)، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن لبنان قد يخسر ما بين 2 و4 في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي نتيجة للحرب، وتأثر اقتصاد القطاع الخاص سلباً، حيث انخفض مؤشر مديري المشتريات إلى 49.1، وشهد أكتوبر (تشرين الأول) 2023 انخفاضاً بنسبة 60 في المائة بمعاملات العقارات مقارنةً بالعام الماضي.

وفي يونيو (حزيران)، رفعت شركة الأبحاث «بي إم آي» التابعة لوكالة «فيتش»، توقعات انكماش اقتصاد لبنان إلى حوالي 1.5 في المائة، مع تراجُع ملحوظ في عائدات السياحة مقارنةً بحرب 2006، حيث تكبّد خسائر فادحة تقدَّر بحوالي 3 مليارات دولار، في حين تشير تقديرات نقابات السياحة وأصحاب الفنادق والمطاعم إلى تراجع عائدات القطاع بنسبة 50 في المائة مقارنةً بالعام الماضي الذي حقّق فيه 6 مليارات دولار.

وحسب صندوق النقد العربي، فإن كل زيادة بنسبة 1 في المائة بالإيرادات السياحية تُسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.36 في المائة، وهذا يعني أن لبنان الذي لا يتجاوز ناتجه المحلي الإجمالي حالياً 20 مليار دولار، يفقد فرصة هامة لتعزيز اقتصاده.

وتشير أحدث بيانات أغسطس (آب) إلى أن الحرب منعت المزارعين من زراعة 17 مليون متر مربع من الأراضي الزراعية. ومن المتوقع كذلك أن يشهد القطاع الصناعي تراجعاً يتجاوز 50 في المائة، مما يعادل خسائر تُقدَّر بحوالي مليارَي دولار. كما أن تعطُّل الموانئ سيفاقم الأزمة المعيشية، مما سيؤدي إلى خسائر إضافية تُقدَّر بـ 1.5 مليار دولار.

رجل يَعدّ أوراق الدولار الأميركي بجانب الليرة اللبنانية في محل صرافة ببيروت (رويترز)

18 عاماً على حرب يوليو 2006

أدّت الحرب إلى خسائر اقتصادية تقدّر بحوالي 7 مليارات دولار، منها 3.6 مليار دولار نتيجة تدمير البنية التحتية، و1.6 مليار دولار خسائر في المالية العامة، و2.4 مليار دولار طالت الناتج المحلي.

وقبل الحرب، حقّقت الحكومة اللبنانية فائضاً أولياً بلغ 660 مليون دولار في النصف الأول من عام 2006، لكن الحرب أضعفت الاستقرار المالي، كما تأثرت الاستثمارات الأجنبية التي حققت أرباحاً بقيمة 4.8 مليار دولار، سلباً، مما غيّرت من شهية المستثمرين.

وعلى الرغم من القروض ذات الفوائد المنخفضة لإعادة الإعمار، فقد ارتفعت قيمة الدَّين العام إلى 41 مليار دولار، ما يمثل 183 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع تراجع النمو إلى 1.6 في المائة، وتكاليف خدمة الدين بنسبة 3.02 في المائة بنهاية 2006.

شلل اقتصادي شامل

وبرغم غياب إحصائيات دقيقة عن الخسائر الفادحة الناجمة عن الصراع المستعِر، فإن المؤكد أن التكلفة الحقيقية تتجاوز التقديرات بكثير، فالشلل التام الذي أصاب القطاعات الاقتصادية الأساسية يهدّد بانهيار البنية التحتية، ويدفع بالاقتصاد إلى الهاوية، وتشير التقديرات الأولية إلى أن الخسائر تجاوزت بالفعل 10 مليارات دولار، وهو رقم يفوق نصف إجمالي الناتج المحلي، مما يعكس عمق هذه الحرب وخطورتها.


مقالات ذات صلة

رفات بشري في مدرسة بمدينة دوما قرب دمشق

المشرق العربي بلدة دوما في ريف دمشق استُهدفت بهجوم كيماوي من قبل نظام الأسد عام 2018 (رويترز)

رفات بشري في مدرسة بمدينة دوما قرب دمشق

اكتُشف رفات بشري في مدينة دوما بريف دمشق ‏خلال أعمال حفر أساس ضمن موقع داخل مدرسة تعرَّضت لقصف سابق من قوات نظام الأسد.‏

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد رجل يعمل في هيئة النقل السعودية يراقب إحدى الشاحنات (هيئة النقل)

قوافل الصحراء تُنقذ الاقتصاد العالمي وتكسر حصار «هرمز»

في مشهد يذكّر برحلات القوافل التي شكلت عصب التجارة العربية القديمة، تحوّلت رمال الصحراء اليوم إلى «صمام أمان» للاقتصاد العالمي، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين في «البنتاغون» (رويترز)

واشنطن تحذّر طهران من ردّ «مدمّر» في حال مهاجمة سفن

قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة «لا تسعى إلى مواجهة» مع إيران في مضيق هرمز، مؤكداً أن وقف إطلاق النار «لم ينتهِ».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
أوروبا رجال الإطفاء يعملون في موقع منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي في إقليم بولتافا تعرضت لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ روسية (رويترز)

زيلينسكي: عرض روسيا وقف النار ثم شنها هجمات يظهر «استخفافاً تاماً»

قتل 5 أشخاص، بينهم أفراد من فرق الإنقاذ، فضلاً عن إصابة العشرات، في ضربات روسية استهدفت منطقتين بأوكرانيا، بحسب ما أعلن مسؤولون محليون اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (كييف)
تحليل إخباري سفن في مضيق هرمز كما تبدو من سواحل بندر عباس في إيران يوم 27 أبريل 2026 (أ.ب)

تحليل إخباري حربا إيران وأوكرانيا في فلسفة الحرب اللاتماثليّة

الحرب ليست مستمرّة في الزمان والمكان. عليها أن تتوقّف لقياس النجاح أو الفشل، وبناء عليهما سيتحتّم اتخاذ قرار بوقفها، أو الاستمرار فيها، أو تغيير استراتيجيتها.

المحلل العسكري

مصريون يشكون شدة الغلاء مع اقتراب عيد الأضحى

إقبال على سرادقات بيع اللحوم ضمن مبادرة «كلنا واحد» الحكومية (الشرق الأوسط)
إقبال على سرادقات بيع اللحوم ضمن مبادرة «كلنا واحد» الحكومية (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يشكون شدة الغلاء مع اقتراب عيد الأضحى

إقبال على سرادقات بيع اللحوم ضمن مبادرة «كلنا واحد» الحكومية (الشرق الأوسط)
إقبال على سرادقات بيع اللحوم ضمن مبادرة «كلنا واحد» الحكومية (الشرق الأوسط)

تشكو أسر مصرية عديدة من ارتفاع أسعار السلع قبل عيد الأضحى، في وقت لم تتعافَ فيه بعد من موجات غلاء مرتبطة بالحرب الإيرانية، رغم أن الحكومة تحاول من جانبها تخفيف حدة الارتفاعات من خلال مبادرات بيع سلع بأسعار مخفضة، فضلاً عن تعهدات برقابة الأسواق.

ومن السلع الغذائية التي شهدت «قفزة» في سعرها الطماطم (البندورة)؛ ذلك المكون الرئيسي في المطبخ المصري. فقد فوجئت ولاء محمد، وهي ربة منزل وأم لثلاثة أطفال في المرحلة الابتدائية، خلال جولتها بالأسواق صباح الأحد بارتفاع سعرها إلى نحو 50 جنيهاً (ما يقل قليلاً عن دولار) بعدما كانت بنحو 30 جنيهاً قبل أيام معدودات.

أخذت ولاء تتنقل بين الباعة علها تجد سعراً أقل؛ ومثلها مثل مصريين كثيرين، شكت شدة الغلاء بشكل عام قبل العيد. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «الغلاء في الأسواق أصبح سمة غالبة».

وأخذت تروي كيف باتت تدبر أمرها بتقليل الكميات المشتراة أو البحث عن العروض وعن أقل الأسعار حتى لا تتأثر ميزانيتها كثيراً، وأضافت: «خلال شهر واحد زادت كرتونة البيض 35 جنيهاً، واللبن (الحليب) 5 جنيهات، واللحوم الحمراء 20 جنيهاً. الأسعار ترتفع بشكل شبه يومي مع اقتراب عيد الأضحى».

ولا تزال آثار ارتفاعات الأسعار بعد اندلاع الحرب الإيرانية واضحة بعدما أعلنت الحكومة في مارس (آذار) الماضي اضطرارها لزيادة أسعار المحروقات بنسب تراوحت من 14 إلى 30 في المائة.

جهود حكومية

وقال وزير التموين شريف فاروق، الأحد، خلال اجتماع مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لعرض جهود الوزارة في الاستعداد للعيد، إن «الشركة القابضة للصناعات الغذائية» ضخت نحو 2300 رأس ماشية، بالإضافة إلى 1500 رأس أخرى جار استلامها في إطار تعزيز المخزون الاستراتيجي من اللحوم الطازجة.

وأشار أيضاً إلى توفير نحو 669 طناً من اللحوم المجمدة، وطرحها بأسعار تنافسية «تسهم في استقرار حركة الأسواق وتخفيف الأعباء عن المواطنين».

وتتراوح أسعار اللحوم في مصر بين 260 و550 جنيهاً للكيلوغرام بين لحوم مجمدة ومستوردة في المنافذ الحكومية ولحوم بلدية لدى الجزارين.

رئيس الوزراء المصري يستمع لعرض وزير التموين حول استعدادات عيد الأضحى (مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

ويصف الخبير الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، الجهود الحكومية للتعامل مع الموجة التضخمية الموسمية قبل عيد الأضحى بـ«المسكنات»، وقال: «شعور المواطنين بالغلاء هذا الموسم يتجاوز المواسم السابقة، بالنظر إلى حجم التضخم الهيكلي الموجود بالفعل بسبب سعر الصرف وأسعار الطاقة».

وسجلت مصر معدل تضخم سنوياً في أبريل (نيسان) الماضي بلغ 14.9 في المائة مقارنة بـ15.2 في مارس (آذار).

ولا يتوقع مهدي أن تشهد الأسعار هدوءاً قريباً أو أن تنجح «المسكنات» في امتصاص ارتفاعات الأسعار، في ظل تأثيرات الحرب الإيرانية، فضلاً عن مواسم مقبلة منها موسم الصيف والمدارس.

وواصل حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «مع تآكل القوة الشرائية للمواطنين، سنصبح أمام مزيد من تباطؤ النشاط الاقتصادي، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالطبقة الوسطى».

تكثيف الحملات الرقابية

وتأثرت بالغلاء أسر تركت مناطقها الشعبية إلى أماكن أخرى، منها أسرة لمياء مصطفى التي انتقلت من حي بولاق بجنوب القاهرة إلى أحد المجمعات السكنية في منطقة السادس من أكتوبر بالجيزة.

قالت لمياء، وهي أيضاً أم لثلاثة أطفال، إنها لم تعد تجد الخيارات الشرائية المتعددة التي كانت تجدها في أسواق بولاق، وإنها تضطر لشراء السلع بأسعار أغلى في محل سكنها الجديد.

مصريون يشكون غلاء الأسعار قبل عيد الأضحى (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «زيادة الأسعار المستمرة تجعل الجميع يتأثر بالغلاء، سواء كان من طبقة وسطى أو محدودة الدخل»، مشيرة إلى أنها «تقتنص الفرصة عند أي هبوط لأسعار الخضروات، وتشتري منها كمية تكفيها لعدة أيام».

أما الطماطم تحديداً، فكانت محل شكوى كثيرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كونها سلعة لا يمكن الاستغناء عنها في المطبخ المصري، كما أنها ترتبط بوجبة عيد الأضحى الرئيسية... الفتة.

وكان رئيس الوزراء قد وجه خلال لقائه وزير التموين، الأحد، بـ«توفير مختلف السلع ومتطلبات المواطنين، تلبية لمختلف احتياجاتهم، وذلك بالكميات والأسعار المناسبة»، مشدداً على أهمية «استمرار وتكثيف الحملات الرقابية على مختلف الأسواق من خلال الأجهزة والجهات الرقابية، منعاً لوجود أي ممارسات احتكارية، أو أي تلاعب في أسعار السلع».

سيارة تابعة لوزارة التموين تييع الطماطم بسعر مخفض (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وعادة ما تُرجع الحكومة أسباب زيادة الأسعار إلى «احتكار التجار».

غير أن موسى أحمد، وهو صاحب متجر لبيع الخضروات في منطقة حدائق أكتوبر بالجيزة، قال إن ارتفاع سعر الطماطم مرتبط بالعرض والطلب، مضيفاً: «لم نكن نجد الطماطم طيلة يومين في أسواق الجملة قبل ظهورها بهذا السعر».

وقال: «لا أعرف إن كان ذلك بسبب عيد الأضحى أم بسبب الحرارة وفساد بعض المحاصيل»، موضحاً أنهم يشترون الطماطم بسعر مرتفع ويضطرون لبيعها بسعر مرتفع أيضاً.


ملفات ساخنة تختبر حاكم «المركزي» الجديد في سوريا

مبنى مصرف سوريا المركزي في دمشق (سانا)
مبنى مصرف سوريا المركزي في دمشق (سانا)
TT

ملفات ساخنة تختبر حاكم «المركزي» الجديد في سوريا

مبنى مصرف سوريا المركزي في دمشق (سانا)
مبنى مصرف سوريا المركزي في دمشق (سانا)

دخلت السلطة النقدية في سوريا مرحلة مفصلية جديدة عقب إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع، تعيين محمد صفوت رسلان حاكماً جديداً لمصرف سوريا المركزي، خلفاً لعبد القادر الحصرية الذي عُيّن سفيراً للبلاد لدى كندا.

ويأتي هذا التغيير في قيادة الهرم النقدي، وهو الأحدث ضمن حركة التعديلات الوزارية والإدارية الواسعة، ليتزامن مع العام الثاني للحكومة التي تكافح لإدارة ملفات إعادة الإعمار الشائكة، وتثبيت ركائز الاقتصاد في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.

ويواجه رسلان، الذي قاد سابقاً الصندوق السوري للتنمية، تركة مالية ثقيلة تطول النظام المصرفي والضغوط التضخمية الحادة، وبقاء سوريا في منطقة رمادية رغم خروجها من العزلة الخارجية. وبالتالي، فإن من أبرز التحديات المالية والنقدية أمام الحاكم الجديد، استعادة الثقة النقدية، وفكّ اختناق السيولة، ووقف التضخم وانخفاض قيمة الليرة السورية، والعودة إلى النظام المالي العالمي لجذب الاستثمارات الأجنبية والعربية ورأس المال السوري المهاجر.

الحاكم الجديد لمصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان (سانا)

يقول المستشار الاقتصادي السوري زياد عربش، لـ«الشرق الأوسط»: «فعلياً يقف الحاكم الجديد لمصرف سوريا المركزي أمام حزمة متداخلة من التحديات؛ هي: استكمال عملية تبديل العملة، وفك حبس السيولة، وإعادة ربط النظام المصرفي السوري بالمنظومة المالية العالمية، وبناء أدوات حديثة للتحويل والاستثمار والرقمنة».

وتكتسب هذه الملفات أهمية مضاعفة، لأن مصرف سوريا المركزي أعلن خلال العام الحالي، استراتيجية 2026 - 2030 التي تركّز على الاستقرار النقدي، وتطوير سوق الصرف، وتوسيع الدفع الرقمي، والاندماج التدريجي مع النظام المالي العالمي.

تبديل العملة وفك حبس السيولة

يرث رسلان مشروع إصلاح العملة الذي أشرف عليه سلفه عبد القادر الحصرية مطلع العام الحالي، والذي قضى بحذف صفرين من الأوراق النقدية السورية، واستبدال العملات التي كانت تحمل صور بشار الأسد وعائلته. ورغم أن هذا الإجراء الفني استهدف تسهيل المعاملات التجارية اليومية واستعادة جزء من الثقة المفقودة في الليرة السورية، فإن التحدي الحقيقي والراهن أمام الإدارة الجديدة يكمن في حماية القوة الشرائية للعملة الجديدة، ومنع أي تدهور إضافي في سعر الصرف؛ إذ تجاوز سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار يوم الأحد في السوق الموازية، 13 ألفاً و800 ليرة، بعد استقرار في بداية العام الحالي ما بين 10500 ليرة و11 ألف ليرة.

وتمثل عملية استكمال تبديل العملة وفك حبس السيولة، اختباراً عملياً للثقة بالمؤسسة النقدية، لأنها - وفق عربش - لا تقتصر على استبدال أوراق نقدية؛ بل تتطلب إصلاحاً نقدياً ومصرفياً شاملاً، بما فيها إدارة للتدفقات والكتلة النقدية المتداولة، وسلوك الأسواق. كما أن نجاحها يرتبط بقدرة المصرف على منع الارتباك النقدي، والحد من الاكتناز ومكافحة التضخم وتدهور قيمة الليرة، وتسهيل انتقال الأسعار والعقود إلى الصيغة الجديدة من دون صدمات إضافية. لذلك فإن «فك حبس السيولة» يحتاج إلى توسيع القنوات المصرفية، لا إلى إجراءات نقدية شكلية فقط.

إعادة الاندماج المالي الخارجي

على الرغم من رفع الجزء الأكبر من العقوبات الغربية المفروضة على البلاد عقب التغيير السياسي، لا تزال المصارف السورية تعيش انقطاعاً شبه كامل عن المنظومة المالية الدولية. وبهذا الخصوص، يرى عربش أن العقبة الكبرى أمام إعادة الاندماج الخارجي، تكمن في انكفاء الشبكات المالية العالمية عن السوق المحلية، وتراجع علاقات المراسلة المصرفية التي تُعدّ الركيزة الأساسية للتجارة، والتحويلات، وتمويل الاستيراد.

لكنه يوضح، في المقابل، وجود مؤشرات أولية لانفتاح تدريجي؛ أبرزها المشاورات الجارية لإبرام اتفاقيات حسابات مراسلة مع تركيا، والعودة التجريبية لبوابات الدفع الدولية مثل «فيزا» و«ماستركارد»، ما من شأنه تقليص الاعتماد على السيولة النقدية واستعادة الثقة تدريجياً، لافتاً إلى ضرورة إدارة هذا المسار بحذر شديد عبر تعزيز الامتثال، والحوكمة، والشفافية؛ تفادياً لتحول هذا الانفتاح إلى مصدر مخاطر جديدة.

التحالفات والاستثمارات

يوضح عربش أن المرحلة المقبلة تتطلب شراكات مالية استراتيجية مع مصارف من دول الخليج العربي وأوروبا؛ ليس فقط على شكل مراسلين مصرفيين، بل عبر محافظ استثمارية مشتركة وصناديق تمويل وتموضع في قطاعات الإنتاج والبنية التحتية والتحول الرقمي.

وتظهر أهمية هذه المقاربة في أن بعض التحليلات يرى السوريين في الخارج، خصوصاً بألمانيا، «أصلاً استراتيجياً» يمكن أن يغذي التحويلات والروابط الاستثمارية، بدل النظر إليهم فقط بوصفهم ملف لجوء أو عودة، بحسب عربش، الذي رأى أن توسيع التحويلات منخفضة التكلفة والمنتجات المالية العابرة للحدود، قد يفتح قناة مهمة للمدخرات والتمويل الخاص.

الإصلاح المؤسسي والرقمنة

لا يمكن لأي إصلاح نقدي أن ينجح من دون إصلاح مصرفي وهيكلي موازٍ، لأن جزءاً كبيراً من الموارد البشرية في القطاعين العام والخاص، بات من وجهة نظر عربش، غير مهيأ لأدوات العمل الحديثة، ما يجعل مسألة التأهيل والتجديد المؤسسي أولوية لا تقل عن السياسة النقدية نفسها.

وتوضح الاستراتيجية المعلنة للمصرف أن الرقمنة، وسلامة القطاع المالي، والبنية التحتية للدفع الإلكتروني، والاندماج العالمي التدريجي؛ كلها ركائز أساسية للفترة من 2026 إلى 2030. ولذلك تبدو، بحسب عربش، أدوات الذكاء الاصطناعي، والتحليل الائتماني، والتدقيق الرقمي، وأنظمة الامتثال الآلي، ليست ترفاً تقنيا؛ بل هي شرط عملي لتجاوز التخلف المؤسساتي.

أولوية المرحلة

بالتالي، يرى عربش أن حاكمية المصرف الجديدة تحتاج إلى مقاربة مزدوجة: تثبيت نقدي سريع يمنع الفوضى، وإصلاح مؤسسي عميق يعيد بناء الثقة بالقطاع المصرفي.

ويضيف المستشار الاقتصادي أن «أي تأخير في الإصلاحات المصرفية والنقدية سيجعل فرص جذب التحويلات والمدخرات والاستثمارات أقل، بينما الإسراع في الرقمنة والشفافية وإعادة الاتصال المالي الخارجي قد يحولان الأزمة إلى نافذة تعافٍ تدريجي».

وتواجه القيادة المالية الجديدة تحديات أخرى؛ منها مسألة ابتكار أدوات تمويلية لتوفير السيولة اللازمة لمشاريع إعادة إعمار البنية التحتية.

ويأتي تعيين رسلان، في وقت تلقي فيه الأزمة الإنسانية بظلالها الثقيلة على قرارات المصرف المركزي؛ إذ تواجه البلاد حالة طوارئ تتعلق بالأمن الغذائي، مع وقوع أكثر من 25 في المائة من السكان في شبكة خطر الجوع، الأمر الذي يضع الحاكم الجديد أمام ضغط توفير النقد الأجنبي اللازم لتمويل استيراد السلع الغذائية الأساسية بشكل مستدام، وبأقل التكاليف الممكنة.

ويرى مراقبون أن مفتاح الحل لمعظم الأزمات الهيكلية الراهنة، يتمثل في مدى نجاح الحاكم الجديد في بناء نموذج تكاملي وشراكة حقيقية بين الدولة والمصارف الخاصة. وتتجه الأنظار نحو قدرة رسلان - مستفيداً من خلفيته السابقة في إدارة الصناديق التنموية - على استقطاب وتوطين الخبرات المصرفية والمالية السورية المهاجرة في الخارج، وتحفيز رؤوس الأموال الوطنية للمساهمة في مرحلة الانتعاش الاقتصادي الصعبة.


الهند: وصول ناقلة غاز مسال إلى غوجارات بعد عبورها مضيق هرمز

ناقلة غاز مسال قبالة سواحل شناص بسلطنة عمان يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
ناقلة غاز مسال قبالة سواحل شناص بسلطنة عمان يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
TT

الهند: وصول ناقلة غاز مسال إلى غوجارات بعد عبورها مضيق هرمز

ناقلة غاز مسال قبالة سواحل شناص بسلطنة عمان يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
ناقلة غاز مسال قبالة سواحل شناص بسلطنة عمان يوم 11 مارس 2026 (رويترز)

قال مسؤولون هنود، الأحد، إن ناقلة تحمل 20 ألف طن متري من غاز البترول المسال وصلت إلى هيئة ميناء ديندايال في مدينة كاندلا بولاية غوجارات الهندية، بعد عبورها مضيق هرمز في خضم الأزمة في غرب آسيا.

وأضاف المسؤولون أن الناقلة «إم في سيمي»، التي ترفع علم جزر مارشال، بدأت رحلتها من قطر، ورست في ميناء كاندلا قرابة الساعة 11:30 مساء السبت، بعد عبورها مضيق هرمز في 13 مايو (أيار)، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الهندية (برس تراست أوف إنديا).

ومنذ أوائل مارس (آذار)، عبرت 13 ناقلة ترفع العلم الهندي، تتألف من 12 ناقلة لغاز البترول المسال وناقلة واحدة للنفط الخام، مضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق بالقرب من ساحل عمان يمر عبره ما يقرب من خُمس إمدادات الطاقة العالمية.