ليبيا... العملية السياسية «ميتة»

في ذكرى سقوط باب العزيزية... «الشرق الأوسط» تسلّط الضوء على اللاعبين الأساسيين المتنافسين على «تركة القذافي»

من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟
من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟
TT

ليبيا... العملية السياسية «ميتة»

من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟
من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟

تغيَّرت ليبيا كثيراً منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. فشل الليبيون في إقامة نظام جديد أفضل منه، وأدى تنافسهم على تركة القذافي إلى انقسام البلاد فعلياً إلى شطرين أساسيين؛ حكومة في الغرب تحظى بدعم تركيا، وأخرى في الشرق تحظى بدعم روسيا، لكن الصورة، في الحقيقة، أكثر تعقيداً من مجرد وجود حكومتين متنافستين.

يسلّط هذا التقرير الضوء على الأطراف الأساسية المتنافسة على السلطة في ليبيا اليوم، وتحديداً حكومة الوحدة الوطنية، بقيادة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، مقابل الحكومة المدعومة من البرلمان وقوات المشير خليفة حفتر في الشرق. يقدم التقرير صورة عن أسباب الجمود في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، والتي توصف بأنها باتت ميتة فعلياً. يتناول العلاقة بين الخمسة الكبار في الساحة السياسية الليبية، ويشرح خريطة الجماعات المسلحة في طرابلس، ونشوء ظاهرة نظام العائلات القوية في الشرق كما في الغرب.

في مثل هذه الأيام من عام 2011 كان المعارضون الليبيون يطرقون أبواب العاصمة طرابلس... معقل العقيد معمر القذافي في باب العزيزية، وهو مجمع ضخم بالغ التحصين، لم يصمد طويلاً. دخلته جماعات مسلحة، بعضها ينتمي إلى تيارات كانت توصف بأنها إرهابية وخرج أفرادها لتوهم من السجون. مع سقوط طرابلس، سقطت فعلياً «جماهيرية» القذافي رغم أنه بقي يقاوم حتى أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، حين تمكن «الثوار» من قتله في ضواحي سرت، مسقط رأسه على الساحل بين طرابلس وبنغازي.

سلكتُ الطريق البرية من الحدود التونسية إلى طرابلس. كانت رحلة محفوفة بالمخاطر. الصراع على معبر راس جدير لم يكن قد حُسم بعد. كان الرصاص يلعلع فوق رؤوس العابرين. مؤيدو القذافي كانوا ما زالوا يتمركزون في البلدات العربية القريبة من المعبر، بينما معارضوه الأمازيغ في زوارة يقودون محاولات الهيمنة على المعبر. لم يختلف الأمر على طول الطريق من هناك إلى طرابلس... حواجز وسواتر ودمار؛ مدن مع القذافي ومدن ضده، حتى في طرابلس نفسها، كان الوجوم بادياً على مناصري النظام السابق. لم يتردد هؤلاء المهزومون في الشكوى، بهمس، من حكّامهم الجدد الذين كانوا يطلقون النار احتفالاً بفرار القذافي بعدما حكمهم طيلة 42 عاماً. في منزل القذافي بباب العزيزية، كانت الأوراق ما زالت مبعثرة على الأرض... بعضها مكتوب بخط اليد. جمعت بعضها على سبيل الذكرى، لكنها لم تكن أوراقاً مهمة، كما يبدو، فالوثائق الأساسية أخذها المعارضون المنتصرون من هناك، كما فعلوا بالوثائق التي حصلوا عليها من قيادة الاستخبارات الليبية.

بعد 13 عاماً من إطاحة القذافي، فشلت ليبيا في إقامة نظام بديل أفضل منه، وسط تنافس بين لاعبين أساسيين على تقاسم تركته. انقسمت البلاد إلى حكومتين متصارعتين على السلطة؛ إحداهما تمسك بالشرق والأخرى بالغرب. الجيش الليبي الذي سقط مع سقوط النظام، أعيدَ تشكيله اليوم إلى حد كبير في شرق البلاد بقيادة المشير خليفة حفتر. لكن الأمور في غرب البلاد تبدو أكثر تعقيداً. جماعات مسلحة عدة تعمل تحت مظلة حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، لكنها تتنافس في ما بينها، وكل منها يمسك بمنطقة نفوذ. وما يزيد الأمور تعقيداً، عسكرياً، أن التنافس والصراع بين الشرق والغرب لم يعد ليبياً صرفاً، فقوى الغرب مدعومة من تركيا التي تنشر قوات ومرتزقة سوريين متحالفين معها في قواعد عسكرية عدة، بما في ذلك طرابلس. أما في الشرق والجنوب، فهناك وجود روسي داعم لحفتر، تمثّل في البداية بمرتزقة مجموعة «فاغنر»، لكنه بات اليوم حضوراً مباشراً للجيش الروسي، وسط حديث عن موطئ قدم جديد للكرملين على البحر المتوسط.

أما العملية السياسية للوصول إلى تسوية، فهي تراوح في مكانها منذ سنوات؛ يأتي مبعوث دولي، لكنه سرعان ما يفشل، فيأتي بديل له... يفشل بدوره. ولا تظهر في الأفق، في الواقع، بوادر حل قريب.

المشهد الليبي تغيّر كثيراً منذ سقوط القذافي. لكن صورة النظام الذي قام مكانه لم تتضح حتى اليوم. هذه محاولة لشرح الصورة الحالية المعقدة من خلال حوار مع المحلل البارز المختص بشؤون ليبيا في معهد «تشاتام هاوس» بلندن، تيم إيتون:

المبعوثون الأمميون إلى ليبيا فشلوا واحداً تلو الآخر... (من اليمين) عبدالله باتيلي، ستيفاني ويليامز، ستيفاني خوري ويان كوبيتش (أ.ب / أ.ف.ب)

العملية السياسية.. ميتة

* أين وصلت العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة للوصول إلى تسوية في ليبيا؟

- تتولى مهمة العملية السياسية حالياً القائمة بأعمال بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا، ستيفاني خوري، التي عُيّنت لتكون نائبة للمبعوث الأممي عبد الله باتيلي. لكن باتيلي استقال. كانت خوري تتوقع أن تقود الفريق السياسي، لكنها بسبب استقالته وجدت نفسها عملياً في قيادة «بعثة الأمم المتحدة (انسميل)» بوصف ذلك أمراً واقعاً. لكن لا بد من الإشارة إلى أن المبعوثين الأمميين الخاصين يعيَّنون من قبل مجلس الأمن، وستيفاني خوري ليست معيّنة من هذا المجلس، وبالتالي فهي ليست مبعوثة خاصة. المهمة الموكلة إليها أقل وضوحاً. مهمتها تأتي من الأمين العام للأمم المتحدة.

هناك نقاش جارٍ حول من يكون المبعوث الخاص الجديد إلى ليبيا. ولكن نظراً إلى المشكلات التي يعاني منها المجلس، فقد كان هذا الأمر (تعيين مبعوث إلى ليبيا) صعباً في الماضي، وهو صعب اليوم أيضاً. خلاصة القول إنه صار من الصعب جداً تعيين مبعوث جديد من خلال تصويت في مجلس الأمن.

* وماذا عن الجمود في العملية السياسية...

- الجواب هو أن العملية ميتة. لا تتحرك من مكانها. الذي حدث هو أنه خلال تولي ستيفاني ويليامز مهمتها عام 2021 عُيّنت حكومة الوحدة الوطنية. كانت الحكومة الأولى منذ عام 2014 التي يُعترف بها في شرق ليبيا وغربها، وهي الحكومة التي كان يفترض بها أن تعمل من أجل تنظيم الانتخابات بنهاية عام 2021. وهو ما لم يحدث. منتقدو حكومة الوحدة الوطنية قالوا إنها كانت تحاول منع إجراء تلك الانتخابات، وبالطبع كانت هناك خلافات حول من يحق له خوض المنافسة. عودة سيف الإسلام القذافي كانت، على وجه الخصوص، عنصراً مثيراً للجدل.

ومنذ فشل إجراء الانتخابات عام 2022، تشكلت حكومة جديدة من قبل مجلس النواب في الشرق. لكن لم يُقبل بها من قبل «الخريطة السياسية الواسعة». وهكذا عدنا إلى وضع فيه انقسام بين حكومتين فعلياً، وهذا هو الوضع حالياً.

يان كوبيش الذي خلف ويليامز لم ينجح في الحقيقة في فعل ما يجب فعله للوصول إلى إجراء الانتخابات. وعندما ترك منصبه، ترك وضعاً كان في حكم المؤكد أن الانتخابات لن تُجرى فيه. عادت ستيفاني ويليامز مرة جديدة لفترة قصيرة، ثم استُبدلت. جيء بعبد الله باتيلي، المبعوث الخاص للأمين العام، الذي قرر أنه بدل أن يقول إن ما أنا بحاجة إلى أن أفعله هو أن أدفع بالعملية الحالية إلى أمام، قرر أنه بحاجة إلى وقت. أراد أن يقيّم الوضع وينفذ دبلوماسية مكوكية مع مختلف الأفرقاء. ركّز على الوصول إلى اتفاق بين الخمسة الكبار، لكنه لم يصل إلى مكان في الحقيقة.

الخمسة الكبار

* من هم الخمسة الكبار؟

- هم: رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (حل محله أخيراً خالد المشري الذي شغل هذا المنصب سابقاً)، وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب، ومحمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، وخليفة حفتر.

هؤلاء هم الخمسة الكبار. في نهاية المطاف، خطة باتيلي وصلت إلى هذه النقطة: نحن بحاجة إلى أن نجمع الخمسة حول الطاولة، وأن يُتوصل إلى اتفاق بينهم على ما سيحدث بعد ذلك. لكنه لم يتمكن من جمعهم، ولم تنجح خطته. لم يحصل على اتفاق بين الخمسة الكبار؛ لأن كل واحد منهم رسم الحدود التي يحدّ نفسه بها. الدبيبة، مثلاً، قال إنه لن يشترك في عملية (سياسية) إذا كان الهدف من النقاش هو تشكيل حكومة جديدة، فذلك سيعني أن هذه الحكومة ستحل محله. حفتر، من جهته، صار يقول إنه إذا جاءت حكومة الوحدة الوطنية فحكومة الشرق يجب أن تأتي أيضاً. صار كل طرف يضع الحواجز أمام النقاشات. هذا دفع باتيلي إلى تقديم استقالته؛ حيث لم يكن هناك شيء يمكن البناء عليه.

هذا هو الوضع الذي نجد أنفسنا فيه.

ولكن في الحقيقة في حين أن اللاعبين الخمسة الكبار يبدون كأنهم أعداء، إلا إنهم في الواقع يعملون بعضهم مع بعض بطريقة ما... فمثلاً حفتر والدبيبة لديهما تفاهم على طريقة تقسيم الأموال التي تُجنى من قطاع النفط.

إشكالية الدجاجة والبيضة

* إذا كانت العملية السياسية ميتة، كما تقول، فكيف تبدو المرحلة المقبلة؟

- نحن الآن في وضع «الدجاجة أولاً أم البيضة». كثير من الأطراف الليبية يقول إننا بحاجة إلى حكومة جديدة، وإن الطريق الوحيدة للخروج من النفق تكون بحكومة جديدة. دعونا ننسَ الانتخابات. نريد حكومة مؤقتة تعالج المشكلة. الذي حصل هو أنه عندما عُيّنت حكومة فتحي باشاغا، فإن اللاعبين الدوليين لم يقبلوا بها، وهكذا عدنا إلى وضع حكومتين متنافستين. قيام حكومة جديدة بحاجة إلى الحصول على دعم دولي مسبق من أجل دفع العملية قدماً. إما أن تكون هناك عملية للأمم المتحدة تنتج عنها حكومة جديدة، وإما يضع الليبيون عملية تقول الأطراف الدولية إنها ستدعمها مسبقاً، من أجل تحقيق تقدم وتشكيل حكومة جديدة.

عقيلة صالح وآخرون يعتقدون أنهم بحاجة إلى موافقة دولية على ما ينوون فعله. لكن الأطراف الدولية مترددة. تعتقد أن هناك ضرورة لحدوث إجماع ليبي أولاً، بعد ذلك يدعم الدوليون أي شيء يتفق عليه الليبيون.

ولذلك؛ فإن «إشكالية الدجاجة والبيضة» هي أن الدوليين ينتظرون الليبيين كي يتحركوا أولاً، فيما ينتظر الليبيون الدوليين أن يتحركوا. وفي الوقت ذاته هناك كل هذه التحركات ضمن المعسكرات المتنافسة التي تحاول ضمان أن تبقى في السلطة وأن يكون هناك غطاء أمني لها أو تقوم بعقد اتفاقات من أجل ذلك. كل هذه الأمور تحدث، ولكن العملية السياسية لا تتقدم.

المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)

حكم عائلات

* هل يمكن أن يؤدي استمرار الانقسام بين شرق ليبيا وغربها إلى تقسيم فعلي للبلد... فنحن نتحدث عن حكومتين تتقاسمان ليبيا منذ سنوات؟

- لا أعتقد ذلك. الترابط بين شرق ليبيا وغربها أعمق مما يعتقده كثير من الناس، والصورة يجري تبسيطها، ولكنني أشعر أن ما نتحدث عنه اليوم هو وجود حكّام محددين... حكم عائلات مستفيدة. ما يحدث في شرق ليبيا هو أن الناس الذين في السلطة لديهم ارتباطات عائلية (بالمشير حفتر). في المقابل في حكومة الوحدة الوطنية، عائلة الدبيبة عززت حجم مكتب رئيس الحكومة، وعينت أشخاصاً في مناصب مختلفة لديهم ارتباطات بعائلته.

وهكذا يمكن الحديث عن ارتباطات عائلية وتنافس بين عائلات وشبكات تحاول أن تسيطر على مراكز أساسية في الدولة، أكثر مما يمكن أن نتحدث عن تنافس بين الشرق والغرب.

قضية المقاتلين الأجانب

* وكيف ترى الآن دور الروس و«الفيلق الأفريقي (فاغنر سابقاً)» في الشرق، ودور تركيا والمرتزقة السوريين المرتبطين بها في الغرب؟

- نظام القذافي سعى في عام 2011 إلى توظيف مقاتلين أجانب ومرتزقة في القتال من أجل تأييد قضيته. هناك مقاتلون أجانب ومرتزقة يقاتلون في ليبيا منذ عام 2011. جاءوا من دارفور بالسودان ومن تشاد (ومناطق أخرى). يلعبون أحياناً أدواراً أساسية، وبعضهم يلعب أدوار عصابات. ولكن في السنوات الأخيرة حدث تغيير كبير، خصوصاً بعد محاولة حفتر السيطرة على طرابلس في عامي 2019 و2020. وقتها اعتمد حفتر على دفق من مرتزقة «فاغنر» لدعمه في التقدم نحو طرابلس. ازدياد الدعم لحفتر من مرتزقة «فاغنر» دفع بسلطات طرابلس اليائسة إلى السعي للحصول على مساعدة من تركيا التي وقّعت مذكرة تفاهم مع حكومة عبد الحميد السراج (حكومة الوفاق). نتيجة ذلك بات لتركيا الآن وجود ثابت في الغرب. جلبت معها مرتزقة سوريين. في المقابل ثبّت مرتزقة «فاغنر» وجودهم في المناطق الخاضعة لسيطرة حفتر. هؤلاء اللاعبون باتوا حقاً متجذرين في ليبيا. في شرق ليبيا رأينا، بعدما تحوّلت «فاغنر» إلى «الفيلق الأفريقي»، أن العلاقة تحولت إلى نوع من العلاقة بدولة وليست مجموعة مرتزقة. رأينا نائب وزير الدفاع الروسي (يونس بك يفكيروف) يزور شرق ليبيا بانتظام. نعرف أن هناك معدات عسكرية كثيرة تُجلب عبر الشرق. وإقامة روسيا موطئ قدم لها على البحر المتوسط في ليبيا هو مصدر خوف كبير لدى الأميركيين. وأعتقد أن هناك عمليات بناء تطوير تحدث في مرافئ شرق ليبيا. في الخلاصة، عزز حفتر علاقته بالروس، وهذا الأمر يعبّر عن نفسه من خلال تعاون عسكري.

في غرب ليبيا، الوضع أكثر فوضى بالطبع. ليست هناك عائلة واحدة تسيطر على الأجهزة الأمنية. وزارة الدفاع لا تسيطر على كل الأجهزة الأمنية. تركيا دعمت جماعات معيّنة، لا سيما «اللواء 444» بقيادة محمود حمزة في طرابلس. نفذت تركيا كثيراً من التدريبات (لهذه الفرقة) ووفرت معدات. كما أنها تسلمت السيطرة على قاعدة الوطية الجوية (في غرب ليبيا قرب الحدود التونسية).

والحقيقة أن تركيا لن تذهب إلى أي مكان. وروسيا لا يبدو أنها ذاهبة إلى أي مكان أيضاً. بطريقة ما؛ وجود هذه القوات الأجنبية جعل إمكانية وقوع حرب واسعة في ليبيا مستبعدة... الثمن سيكون مرتفعاً. حفتر لا يستطيع أن يتقدم نحو طرابلس؛ لأنه سيواجَه بالقوات المسلحة التركية. في المقابل، عندما ظن المصراتيون أن بإمكانهم أن يتقدموا شرقاً وينهوا حفتر (بعد هزيمته عسكرياً بمساعدة تركيا في معركة طرابلس) منعهم وجود الطائرات الروسية و«الخط الأحمر» المصري (مصر وقتها أعلنت «خطاً أحمر» يمتد من سرت حتى الجفرة وحذرت قوات الغرب من قطعه للهجوم على الشرق).

وعلى هذا الأساس، وجود المقاتلين الأجانب بات جزءاً من المشهد، وسيبقى كذلك في المدة المقبلة.

قوات من الجيش الليبي في راس لانوف عام 2018 (رويترز)

خريطة الجماعات المسلحة في طرابلس

* بعكس الشرق حيث هناك الجيش الوطني بقيادة حفتر، خريطة توزيع الجماعات المسلحة غرب ليبيا تبدو معقدة. فلمن الغلبة هناك اليوم؟

- الصورة غير واضحة (لمن الغلبة). في طرابلس كان هناك في عام 2016 عدد كبير من الجماعات المسلحة كل منها يسيطر على منطقة. لكن الوضع تغير الآن. هناك جماعة عبد الغني الككلي المعروف بـ«غنيوة». قواته («قوة دعم الاستقرار» التابعة للمجلس الرئاسي) هي القوة المهيمنة على منطقة أبو سليم بالعاصمة. وهناك «قوات الردع الخاصة» التي تعرف بـ«الردع». هذه القوة هي المهيمنة في سوق الجمعة بطرابلس. قوات «اللواء 444» كانت لديها علاقة صعبة بـ«قوة الردع»، وهي تتمركز أيضاً انطلاقاً من سوق الجمعة. رئيس «قوة الردع» عبد الرؤوف كارة، وهو سلفي. يُمكن القول إن كارة وغنيوة هما أقوى شخصيتين أمنيتين في طرابلس، بالإضافة إلى محمود حمزة من «اللواء 444». يُضاف إلى هؤلاء الثلاثة وزير الداخلية عماد طرابلسي وهو زنتاني (في غرب ليبيا) ويسيطر على بعض مناطق طرابلس.

هؤلاء هم القوى الأساسية في طرابلس. الأتراك يدعمون على وجه الخصوص «اللواء 444». فكرة الأتراك أنهم يريدون بناء قوات رسمية مدربة ومجهزة عبر سلسلة هرمية من القيادة. في المقابل، هناك كارة؛ الذي، كما أعتقد، كان ميكانيكياً قبل الحرب، و«غنيوة» الذي كان جزاراً. هؤلاء أقوياء كلٌ في المنطقة التي جاء منها حيث ارتبطوا بالثورة. يوصف كل منهم أحياناً بأنه بمثابة «رئيس بلدية» منطقته، مثل أبو سليم، أو سوق الجمعة. هؤلاء ليست لديهم هرمية قيادة نظامية (للمقاتلين التابعين لهم). هم شخصيات سياسية، بالإضافة إلى دورهم الأمني. محمود حمزة، في المقابل، يُنظر إليه على أنه شخصية أمنية (يتبع رئاسة الأركان في حكومة الوحدة الوطنية).

إذا نظرت إلى كل هذه القوى والجماعات المسلحة ترى أنها تتحدث عن ارتباطها بالدولة. «غنيوة» يقول إنه رئيس «قوة دعم الاستقرار». كارة يقول إنه رئيس «الردع» التابعة لوزارة الداخلية. كلهم يقولون إنهم يخضعون للدولة. ولكن في الواقع لديهم استقلالية ذاتية ولديهم برامجهم.

* رغم وجود جماعات مسلحة مختلفة اليوم، فإن الوضع يظل أفضل مما كان عليه قبل سنوات عندما كانت هناك جماعات عدة تسيطر على طرابلس... ألا تعتقد ذلك؟

- سيطرت قوات الزنتان على طرابلس بعد عام 2011، لكنها هُزمت وأُرغمت على الخروج من طرابلس، بعد مواجهة مع قوات كانت بقيادة مصراتة إلى حد كبير. منذ عام 2016 صارت القوات المنتشرة في طرابلس من طرابلس نفسها. هناك قوات من مصراتة حول طرابلس، ولكن القوات المهيمنة حالياً في طرابلس هي قوات طرابلسية. لكن الانقسام والتنافس موجودان في أكثر من منطقة. يمكننا أن نتحدث عن الصراعات بين الجماعات المنتشرة في الزاوية (غرب طرابلس). في الزنتان هناك طرفان؛ أسامة الجويلي الذي هو على اختلاف مع حكومة الوحدة الوطنية، في مقابل عماد الطرابلسي الذي هو وزير داخلية حكومة الوحدة. هناك احتمال أن تصير الزنتان كلها ضد حكومة الوحدة. نصف الزاوية يريد أن تتغير حكومة الوحدة ونصفها يريد بقاءها. مصراتة موحدة إلى حد كبير ضد رئيس حكومة الوحدة (الدبيبة) الذي هو من مصراتة. الصورة صورة فوضى. في راس جدير (الحدود مع تونس) هناك خلاف على من يدير المعبر. الطرابلسي يريد أن تدير قواته المعبر، بينما يقول أمازيغ زوارة: نحن من يسيطر على المعبر.

مسلّحون ضمن قوات موالية لحكومة عبد الحميد الدبيبة في مصراتة (أرشيفية - أ.ب)

التحالفات السياسية... وخلافة حفتر

* رغم هذه الانقسامات، فإنه يبدو أن هناك تغيّرات في التحالفات السياسية. هل يمكنك أن تشرح ما يدور؟

- نرى أموراً عدة تتغير. التغيّر الأكبر هو أنه منذ أن صار للروس والأتراك وجود على الأرض، فقد ازداد نفوذهم. التأثير الإقليمي نما في السنوات الأخيرة. القوى الغربية التي لعبت دوراً أساسياً في ما حدث عام 2011 (إسقاط القذافي) ليس لديها التأثير نفسه على ما يحدث اليوم. هذا تغيّر أساسي.

يمكن أن نشير هنا إلى زيارة الدبيبة إلى الإمارات (التي كانت حكومة الغرب تتهمها بدعم حفتر). الإمارات، كما يبدو، هي التي وصلت إلى اتفاق مع الأتراك حول ما يحدث في قطاع النفط الليبي، الأمر الذي سمح بعقد صفقة بين الدبيبة وحفتر (حول عائدات النفط). اللاعبون الإقليميون هم من يساعد في عقد الاتفاقات بين الأطراف الليبية. هذا هو التغيير الذي حدث. العملية السياسية التي يقودها مبعوثون دوليون باتت اليوم مرتبطة بتجمعات عائلية تبرم «صفقات بيزنس».

* التفاهمات التي تتحدث عنها ربما هي نتيجة للوصول إلى اقتناع بأن أي طرف لا يمكنه هزيمة الطرف الآخر: الدبيبة لا يمكنه هزيمة حفتر، وحفتر لا يمكنه هزيمة الدبيبة؟

- أعتقد أن الدبيبة بالتأكيد وصل إلى اقتناع بأنه لا يمكنه السيطرة على كامل البلاد. وصل إلى اقتناع بأنه لا بد من عقد صفقات وبناء تحالفات. هكذا يكون البقاء في السلطة. كل الجماعات في طرابلس وصلت إلى هذا الاقتناع. لا أعتقد مثلاً أن غنيوة يفكّر في أنه سيذهب إلى بنغازي ويسيطر عليها عسكرياً. الجميع وصل إلى اقتناع بأن هناك منطقة يسيطر كل طرف عليها وأن عليهم بناء تحالفات. الإشكالية هي أن حفتر ربما ما زال يعتقد أنه يستطيع ذلك (السيطرة على كامل ليبيا).

* إذا وصل إلى اقتناع بأنه غير قادر على ذلك، فهل تعتقد أنه يحضّر أحد أبنائه كي يخلفه؟

- صورة الخلافة غير واضحة. صدام حفتر هو الشخص الذي يُذكر كثيراً بوصفه المرتبط بكل ما هو اقتصادي، علماً بأنه شخصية عسكرية قوية (يحمل صدام رتبة «لواء ركن» وهو يرأس أركان القوات البرية التابعة للقيادة العامة للجيش الليبي). لكن شقيقه خالد هو الذي يتعامل مع الروس (يحمل خالد أيضاً رتبة «لواء ركن» وهو رئيس أركان الوحدات الأمنية للجيش). أما بلقسام حفتر فهو الذي يتولى مسؤولية ملف إعادة البناء (يتولى بلقاسم منصب مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا). صدّيق (وهو الابن الأكبر لحفتر) يقدّم نفسه بوصفه دبلوماسياً. إذن هناك اتجاهات مختلفة بين الأبناء في داخل العائلة الواحدة. الصورة معقدة.

تيم إيتون

المحلل المختص بشؤون ليبيا في معهد «تشاتام هاوس» بلندن، تيم إيتون (الشرق الأوسط)

تيم إيتون، محلل بارز مختص بشؤون ليبيا في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن (تشاتام هاوس)


مقالات ذات صلة

ليبيا تطوي صفحة سيف القذافي... وأنصاره يجددون «العهد»

شمال افريقيا جموع من المشيّعين يطوّقون سيارة الإسعاف التي تحمل جثمان سيف القذافي في مطار بني وليد (صفحات مؤيدة لسيف) p-circle 00:57

ليبيا تطوي صفحة سيف القذافي... وأنصاره يجددون «العهد»

وسط هتاف «نحن جيل بناه معمر... ولاّ يعادينا يدمّر»، جرت مراسم تشييع سيف القذافي إلى مثواه الأخير في مدينة بني وليد، وسط مشاركة وفود وأعداد كبيرة من المواطنين.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا صورة أرشيفية للرئيس الراحل مع بعض أفراد عائلته (الشرق الأوسط)

عائلة القذافي... من «القبضة الحديدية» إلى صراع البقاء

لحق سيف الإسلام القذافي بوالده وأشقائه الثلاثة خميس وسيف العرب والمعتصم بالله، الذين قتلوا في أعقاب «ثورة 17 فبراير»، فيما لا يزال الباقون مشتتين في العواصم.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي يتحدث في مؤتمر صحافي بطرابلس في 4 أغسطس 2010 (إ.ب.أ) p-circle

سيف الإسلام القذافي... «ولماذا لا أثق بهم؟!»

«ولماذا لا أثق بهم؟!». هكذا ردّ سيف الإسلام القذافي على سؤالي له عن سبب «ثقته بالإسلاميين» الذين كان يتفاوض معهم من أجل إخراجهم من سجون والده في ليبيا.

كميل الطويل (لندن)
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي خلال تقديم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية في سبها جنوب ليبيا عام 2021 (مفوضية الانتخابات) p-circle 02:52

اغتيال سيف الإسلام القذافي يجدد الجدل عن الانتخابات الرئاسية الليبية

أحيا اغتيال سيف الإسلام نجل الرئيس الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، مساء الثلاثاء في الزنتان (غرب)، النقاش حول الانتخابات الرئاسية المؤجلة والمتعثرة منذ سنوات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي (رويترز - أرشيفية)

سيف الإسلام القذافي... من «وريث مُحتمل» إلى ضحية اغتيال

مع الإعلان عن مقتل سيف الإسلام نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، الثلاثاء، يُختتَم مسار رجل كان «وريثاً محتملاً» لحكم والده، وانتهى به المطاف ضحية اغتيال.

شادي عبد الساتر (بيروت)

فصائل غزة تتحسب للاغتيالات بملاحقة «المتخابرين»

طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
TT

فصائل غزة تتحسب للاغتيالات بملاحقة «المتخابرين»

طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)
طفلان فلسطينيان يسيران قرب مكب نفايات في مدينة غزة يوم الأربعاء (رويترز)

عززت الفصائل الفلسطينية المسلحة في غزة من تأهبها الأمني تحسباً لحملة اغتيالات إسرائيلية متواصلة تستهدف قيادات ميدانية ونشطاء من حركتي «حماس» و«الجهاد».

وأكدت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أن إجراءات الفصائل التي تضمنت ملاحقة من وصفتهم بـ«المتخابرين مع الاحتلال» أحبطت في الأيام والأسابيع القليلة الماضية سلسلة من الاغتيالات.

وشرحت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» أن التعليمات «شملت (التنقل الآمن) من مكان إلى آخر؛ أي من دون حمل أي هواتف نقالة أو أي أدوات تكنولوجية، لتجنب الرصد». وقال مصدر ميداني آخر إن «بعض الإجراءات تضمنت نشر حواجز للأجهزة الأمنية التابعة لحكومة (حماس)، وكذلك عناصر ميدانية من (كتائب القسام) و(سرايا القدس)، ما أسهم في التقليل من حركة المتخابرين مع إسرائيل، والعناصر التي تعمل مع العصابات المسلحة». وأشار المصدر إلى أنه «تم ضبط عدد منهم والتحقيق معهم، وانتزاع معلومات عن الشخصيات التي يتم تتبعها، ونُقلت المعلومات للمستهدفين لتغيير مواقعهم».


لبنان يحسم خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني الأسبوع المقبل

آليات الجيش اللبناني تقوم بتأمين الشارع بينما تجمّع السكان خلال زيارة رئيس الوزراء اللبناني لقرية كفر كلة الجنوبية التي تعرضت لأضرار بالغة إثر القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
آليات الجيش اللبناني تقوم بتأمين الشارع بينما تجمّع السكان خلال زيارة رئيس الوزراء اللبناني لقرية كفر كلة الجنوبية التي تعرضت لأضرار بالغة إثر القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

لبنان يحسم خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني الأسبوع المقبل

آليات الجيش اللبناني تقوم بتأمين الشارع بينما تجمّع السكان خلال زيارة رئيس الوزراء اللبناني لقرية كفر كلة الجنوبية التي تعرضت لأضرار بالغة إثر القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
آليات الجيش اللبناني تقوم بتأمين الشارع بينما تجمّع السكان خلال زيارة رئيس الوزراء اللبناني لقرية كفر كلة الجنوبية التي تعرضت لأضرار بالغة إثر القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

كشف وزير الإعلام اللبناني بول مرقص، اليوم الأربعاء، عن أن الحكومة ستحسم، الأسبوع المقبل، كيفية المضي قدماً ​في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها، والتي تمتد إلى منطقة شمال نهر الليطاني، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف مرقص في الكويت، حيث يحضر اجتماعاً عربياً، أن القرار سيستند إلى عرض سيقدمه قائد الجيش، يعرض فيه قدرات القوات المسلحة واحتياجاتها في هذا الشأن.

وكان ‌الجيش اللبناني ‌قال في يناير (كانون الثاني) ‌إنه ⁠بسط السيطرة ​العملياتية على ⁠المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والحدود الإسرائيلية. وطلب مجلس الوزراء من الجيش أن يطلعه في أوائل فبراير (شباط) على كيف سيمضي قدماً في نزع السلاح في أجزاء أخرى من لبنان.

وقال مرقص: «قد فرغنا من المرحلة الأولى، ⁠جنوب نهر الليطاني، والحكومة، الأسبوع المقبل، ستتخذ ‌قراراً فيما يتعلق ‌بالمرحلة الثانية في ضوء ما سيورده ​قائد الجيش من ‌حاجات وقدرات... لنتخذ القرار في ذلك في ضوء ‌هذا الشرح».

ويسعى لبنان إلى وضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة، بما يتماشى مع وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) ‌2024، والذي أنهى الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، الجماعة المدعومة من ⁠إيران.

واستبعد ⁠مرقص، اليوم، إمكان حدوث مواجهة بين الجيش اللبناني و«حزب الله»، مؤكداً أن «الهدف هو بسط سلطة الدولة وتحقيق الاستقرار، وبمقدار ما يمكن تحقيق هذه الأهداف معاً سنمضي بها».

وتشن إسرائيل غارات منتظمة في لبنان منذ نهاية الحرب مع «حزب الله»، في هجمات قالت مصادر أمنية لبنانية إنها أودت بحياة نحو 400 شخص.

وتتهم إسرائيل «حزب الله» بالسعي لإعادة التسلح، ​في انتهاك لاتفاق وقف ​إطلاق النار مع لبنان. وتؤكد الجماعة التزامها بوقف إطلاق النار في جنوب لبنان.


بدء إزالة مكب نفايات ضخم في مدينة غزة مع تفاقم المخاطر الصحية

عمّال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بدأوا إزالة النفايات من مكب نفايات ضخم في مدينة غزة (رويترز)
عمّال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بدأوا إزالة النفايات من مكب نفايات ضخم في مدينة غزة (رويترز)
TT

بدء إزالة مكب نفايات ضخم في مدينة غزة مع تفاقم المخاطر الصحية

عمّال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بدأوا إزالة النفايات من مكب نفايات ضخم في مدينة غزة (رويترز)
عمّال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بدأوا إزالة النفايات من مكب نفايات ضخم في مدينة غزة (رويترز)

بدأ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، اليوم الأربعاء، إزالة مكب نفايات ضخم في مدينة غزة نجم عن فترة الحرب مع إسرائيل، اقتطع مساحة كبيرة من أحد أقدم الأحياء التجارية في المدينة، وشكّل خطراً على البيئة والصحة.

وقال أليساندرو مراكيتش رئيس مكتب البرنامج في غزة إن العمل بدأ لإزالة النفايات الصلبة المتراكمة التي «ابتلعت» سوق فراس التي كانت مزدحمة ذات يوم.

وقدّر مراكيتش أن حجم المكب بلغ 300 ألف متر مكعب ووصل ارتفاعه إلى 13 متراً، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

عمّال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بدأوا إزالة النفايات من مكب نفايات ضخم في مدينة غزة (رويترز)

وتكونت النفايات بعدما مُنعت فرق البلدية من الوصول إلى المكب الرئيسي في غزة بمنطقة جحر الديك المجاورة للحدود مع إسرائيل عندما بدأت الحرب في أكتوبر (تشرين الثاني) 2023.

وتخضع جحر الديك حالياً للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.

ويعتزم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي نقل النفايات خلال الستة أشهر المقبلة إلى موقع جديد مؤقت تسنى تجهيزه وفقاً للمعايير البيئية في أرض أبو جراد جنوب مدينة غزة.

وذكر مراكيتش، في بيان أرسله إلى «رويترز»، أن الموقع على مساحة 75 ألف متر مربع، وسيستوعب أيضاً عمليات الجمع اليومية. ومَوَّل المشروع صندوق التمويل الإنساني التابع للأمم المتحدة، وإدارة الحماية المدنية وعمليات المساعدة الإنسانية في الاتحاد الأوروبي.

وينقب بعض الفلسطينيين في النفايات بحثاً عن أي شيء يمكن أخذه، لكن يوجد ارتياح لأن مكان السوق سيتم تطهيره.

فلسطينيون ينقبون في مكب نفايات بمدينة غزة بحثاً عن مواد قابلة للاستخدام (رويترز)

وقال أبو عيسى، وهو رجل مسن من سكان غزة: «بدي النقل خارج المكان اللي إحنا بنعيش فيه، بدي النقل في مكب النفايات القديم بعيد عن الناس، مفيش إله حل هذا، بيسبب لنا غازات وأمراض وجراثيم».

وأكدت بلدية غزة بدء جهود النقل بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ووصفتها بأنها خطوة عاجلة لاحتواء أزمة النفايات الصلبة المتفاقمة بعد تراكم نحو 350 ألف متر مكعب من القمامة في قلب المدينة.

«رمز للحرب»

سوق فراس التي دُفنت تحت القمامة لأكثر من عام هي منطقة تاريخية كانت تخدم قبل الحرب ما يقرب من 600 ألف نسمة بمواد تتنوع بين المواد الغذائية والملابس والأدوات المنزلية.

وقال أمجد الشوا مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، الذي يعمل منسقاً مع وكالات الأمم المتحدة وغيرها من الوكالات الدولية، إن المنطقة مثلت «مكرهة صحية وبيئية خطيرة للسكان».

وأضاف لـ«رويترز»: «إنه (المكب) أحد رموز الحرب التي استمرت لعامين. إزالته الآن سوف تعطي الناس شعوراً بأن اتفاق وقف إطلاق النار يمضي إلى الإمام».

عمّال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بدأوا إزالة النفايات من مكب نفايات ضخم في مدينة غزة (رويترز)

وقال الشوا إن النفايات ستُنقل إلى مكب مؤقت في وسط غزة إلى أن تنسحب القوات الإسرائيلية من المناطق الشرقية، وتتمكن البلديات من الوصول إلى مكبات القمامة الدائمة.

وقال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إنه جمع أكثر من 570 ألف طن من النفايات الصلبة في أنحاء غزة منذ اندلاع الحرب في إطار استجابته الطارئة لتجنب مزيد من التدهور في الظروف الصحية العامة.

وأشار تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى أن عدد المكبات المؤقتة انخفض من 141 إلى 56 في إطار الجهود التي بذلت خلال 2024 - 2025 للتخلص من المكبات الصغيرة.

وقال التقرير: «مع ذلك، 10 إلى 12 من هذه المكبات المؤقتة فقط قيد التشغيل ويمكن الوصول إليها، ولا يزال من الصعب الوصول إلى مكبي النفايات الصحيين الرئيسيين في غزة. ولا تزال المخاطر البيئية والمخاطر على الصحة العامة قائمة».