ليبيا... العملية السياسية «ميتة»

في ذكرى سقوط باب العزيزية... «الشرق الأوسط» تسلّط الضوء على اللاعبين الأساسيين المتنافسين على «تركة القذافي»

من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟
من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟
TT

ليبيا... العملية السياسية «ميتة»

من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟
من هم اللاعبون الأساسيون في الملف الليبي اليوم؟

تغيَّرت ليبيا كثيراً منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. فشل الليبيون في إقامة نظام جديد أفضل منه، وأدى تنافسهم على تركة القذافي إلى انقسام البلاد فعلياً إلى شطرين أساسيين؛ حكومة في الغرب تحظى بدعم تركيا، وأخرى في الشرق تحظى بدعم روسيا، لكن الصورة، في الحقيقة، أكثر تعقيداً من مجرد وجود حكومتين متنافستين.

يسلّط هذا التقرير الضوء على الأطراف الأساسية المتنافسة على السلطة في ليبيا اليوم، وتحديداً حكومة الوحدة الوطنية، بقيادة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، مقابل الحكومة المدعومة من البرلمان وقوات المشير خليفة حفتر في الشرق. يقدم التقرير صورة عن أسباب الجمود في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، والتي توصف بأنها باتت ميتة فعلياً. يتناول العلاقة بين الخمسة الكبار في الساحة السياسية الليبية، ويشرح خريطة الجماعات المسلحة في طرابلس، ونشوء ظاهرة نظام العائلات القوية في الشرق كما في الغرب.

في مثل هذه الأيام من عام 2011 كان المعارضون الليبيون يطرقون أبواب العاصمة طرابلس... معقل العقيد معمر القذافي في باب العزيزية، وهو مجمع ضخم بالغ التحصين، لم يصمد طويلاً. دخلته جماعات مسلحة، بعضها ينتمي إلى تيارات كانت توصف بأنها إرهابية وخرج أفرادها لتوهم من السجون. مع سقوط طرابلس، سقطت فعلياً «جماهيرية» القذافي رغم أنه بقي يقاوم حتى أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام، حين تمكن «الثوار» من قتله في ضواحي سرت، مسقط رأسه على الساحل بين طرابلس وبنغازي.

سلكتُ الطريق البرية من الحدود التونسية إلى طرابلس. كانت رحلة محفوفة بالمخاطر. الصراع على معبر راس جدير لم يكن قد حُسم بعد. كان الرصاص يلعلع فوق رؤوس العابرين. مؤيدو القذافي كانوا ما زالوا يتمركزون في البلدات العربية القريبة من المعبر، بينما معارضوه الأمازيغ في زوارة يقودون محاولات الهيمنة على المعبر. لم يختلف الأمر على طول الطريق من هناك إلى طرابلس... حواجز وسواتر ودمار؛ مدن مع القذافي ومدن ضده، حتى في طرابلس نفسها، كان الوجوم بادياً على مناصري النظام السابق. لم يتردد هؤلاء المهزومون في الشكوى، بهمس، من حكّامهم الجدد الذين كانوا يطلقون النار احتفالاً بفرار القذافي بعدما حكمهم طيلة 42 عاماً. في منزل القذافي بباب العزيزية، كانت الأوراق ما زالت مبعثرة على الأرض... بعضها مكتوب بخط اليد. جمعت بعضها على سبيل الذكرى، لكنها لم تكن أوراقاً مهمة، كما يبدو، فالوثائق الأساسية أخذها المعارضون المنتصرون من هناك، كما فعلوا بالوثائق التي حصلوا عليها من قيادة الاستخبارات الليبية.

بعد 13 عاماً من إطاحة القذافي، فشلت ليبيا في إقامة نظام بديل أفضل منه، وسط تنافس بين لاعبين أساسيين على تقاسم تركته. انقسمت البلاد إلى حكومتين متصارعتين على السلطة؛ إحداهما تمسك بالشرق والأخرى بالغرب. الجيش الليبي الذي سقط مع سقوط النظام، أعيدَ تشكيله اليوم إلى حد كبير في شرق البلاد بقيادة المشير خليفة حفتر. لكن الأمور في غرب البلاد تبدو أكثر تعقيداً. جماعات مسلحة عدة تعمل تحت مظلة حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، لكنها تتنافس في ما بينها، وكل منها يمسك بمنطقة نفوذ. وما يزيد الأمور تعقيداً، عسكرياً، أن التنافس والصراع بين الشرق والغرب لم يعد ليبياً صرفاً، فقوى الغرب مدعومة من تركيا التي تنشر قوات ومرتزقة سوريين متحالفين معها في قواعد عسكرية عدة، بما في ذلك طرابلس. أما في الشرق والجنوب، فهناك وجود روسي داعم لحفتر، تمثّل في البداية بمرتزقة مجموعة «فاغنر»، لكنه بات اليوم حضوراً مباشراً للجيش الروسي، وسط حديث عن موطئ قدم جديد للكرملين على البحر المتوسط.

أما العملية السياسية للوصول إلى تسوية، فهي تراوح في مكانها منذ سنوات؛ يأتي مبعوث دولي، لكنه سرعان ما يفشل، فيأتي بديل له... يفشل بدوره. ولا تظهر في الأفق، في الواقع، بوادر حل قريب.

المشهد الليبي تغيّر كثيراً منذ سقوط القذافي. لكن صورة النظام الذي قام مكانه لم تتضح حتى اليوم. هذه محاولة لشرح الصورة الحالية المعقدة من خلال حوار مع المحلل البارز المختص بشؤون ليبيا في معهد «تشاتام هاوس» بلندن، تيم إيتون:

المبعوثون الأمميون إلى ليبيا فشلوا واحداً تلو الآخر... (من اليمين) عبدالله باتيلي، ستيفاني ويليامز، ستيفاني خوري ويان كوبيتش (أ.ب / أ.ف.ب)

العملية السياسية.. ميتة

* أين وصلت العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة للوصول إلى تسوية في ليبيا؟

- تتولى مهمة العملية السياسية حالياً القائمة بأعمال بعثة الأمم المتحدة لدى ليبيا، ستيفاني خوري، التي عُيّنت لتكون نائبة للمبعوث الأممي عبد الله باتيلي. لكن باتيلي استقال. كانت خوري تتوقع أن تقود الفريق السياسي، لكنها بسبب استقالته وجدت نفسها عملياً في قيادة «بعثة الأمم المتحدة (انسميل)» بوصف ذلك أمراً واقعاً. لكن لا بد من الإشارة إلى أن المبعوثين الأمميين الخاصين يعيَّنون من قبل مجلس الأمن، وستيفاني خوري ليست معيّنة من هذا المجلس، وبالتالي فهي ليست مبعوثة خاصة. المهمة الموكلة إليها أقل وضوحاً. مهمتها تأتي من الأمين العام للأمم المتحدة.

هناك نقاش جارٍ حول من يكون المبعوث الخاص الجديد إلى ليبيا. ولكن نظراً إلى المشكلات التي يعاني منها المجلس، فقد كان هذا الأمر (تعيين مبعوث إلى ليبيا) صعباً في الماضي، وهو صعب اليوم أيضاً. خلاصة القول إنه صار من الصعب جداً تعيين مبعوث جديد من خلال تصويت في مجلس الأمن.

* وماذا عن الجمود في العملية السياسية...

- الجواب هو أن العملية ميتة. لا تتحرك من مكانها. الذي حدث هو أنه خلال تولي ستيفاني ويليامز مهمتها عام 2021 عُيّنت حكومة الوحدة الوطنية. كانت الحكومة الأولى منذ عام 2014 التي يُعترف بها في شرق ليبيا وغربها، وهي الحكومة التي كان يفترض بها أن تعمل من أجل تنظيم الانتخابات بنهاية عام 2021. وهو ما لم يحدث. منتقدو حكومة الوحدة الوطنية قالوا إنها كانت تحاول منع إجراء تلك الانتخابات، وبالطبع كانت هناك خلافات حول من يحق له خوض المنافسة. عودة سيف الإسلام القذافي كانت، على وجه الخصوص، عنصراً مثيراً للجدل.

ومنذ فشل إجراء الانتخابات عام 2022، تشكلت حكومة جديدة من قبل مجلس النواب في الشرق. لكن لم يُقبل بها من قبل «الخريطة السياسية الواسعة». وهكذا عدنا إلى وضع فيه انقسام بين حكومتين فعلياً، وهذا هو الوضع حالياً.

يان كوبيش الذي خلف ويليامز لم ينجح في الحقيقة في فعل ما يجب فعله للوصول إلى إجراء الانتخابات. وعندما ترك منصبه، ترك وضعاً كان في حكم المؤكد أن الانتخابات لن تُجرى فيه. عادت ستيفاني ويليامز مرة جديدة لفترة قصيرة، ثم استُبدلت. جيء بعبد الله باتيلي، المبعوث الخاص للأمين العام، الذي قرر أنه بدل أن يقول إن ما أنا بحاجة إلى أن أفعله هو أن أدفع بالعملية الحالية إلى أمام، قرر أنه بحاجة إلى وقت. أراد أن يقيّم الوضع وينفذ دبلوماسية مكوكية مع مختلف الأفرقاء. ركّز على الوصول إلى اتفاق بين الخمسة الكبار، لكنه لم يصل إلى مكان في الحقيقة.

الخمسة الكبار

* من هم الخمسة الكبار؟

- هم: رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (حل محله أخيراً خالد المشري الذي شغل هذا المنصب سابقاً)، وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب، ومحمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، وخليفة حفتر.

هؤلاء هم الخمسة الكبار. في نهاية المطاف، خطة باتيلي وصلت إلى هذه النقطة: نحن بحاجة إلى أن نجمع الخمسة حول الطاولة، وأن يُتوصل إلى اتفاق بينهم على ما سيحدث بعد ذلك. لكنه لم يتمكن من جمعهم، ولم تنجح خطته. لم يحصل على اتفاق بين الخمسة الكبار؛ لأن كل واحد منهم رسم الحدود التي يحدّ نفسه بها. الدبيبة، مثلاً، قال إنه لن يشترك في عملية (سياسية) إذا كان الهدف من النقاش هو تشكيل حكومة جديدة، فذلك سيعني أن هذه الحكومة ستحل محله. حفتر، من جهته، صار يقول إنه إذا جاءت حكومة الوحدة الوطنية فحكومة الشرق يجب أن تأتي أيضاً. صار كل طرف يضع الحواجز أمام النقاشات. هذا دفع باتيلي إلى تقديم استقالته؛ حيث لم يكن هناك شيء يمكن البناء عليه.

هذا هو الوضع الذي نجد أنفسنا فيه.

ولكن في الحقيقة في حين أن اللاعبين الخمسة الكبار يبدون كأنهم أعداء، إلا إنهم في الواقع يعملون بعضهم مع بعض بطريقة ما... فمثلاً حفتر والدبيبة لديهما تفاهم على طريقة تقسيم الأموال التي تُجنى من قطاع النفط.

إشكالية الدجاجة والبيضة

* إذا كانت العملية السياسية ميتة، كما تقول، فكيف تبدو المرحلة المقبلة؟

- نحن الآن في وضع «الدجاجة أولاً أم البيضة». كثير من الأطراف الليبية يقول إننا بحاجة إلى حكومة جديدة، وإن الطريق الوحيدة للخروج من النفق تكون بحكومة جديدة. دعونا ننسَ الانتخابات. نريد حكومة مؤقتة تعالج المشكلة. الذي حصل هو أنه عندما عُيّنت حكومة فتحي باشاغا، فإن اللاعبين الدوليين لم يقبلوا بها، وهكذا عدنا إلى وضع حكومتين متنافستين. قيام حكومة جديدة بحاجة إلى الحصول على دعم دولي مسبق من أجل دفع العملية قدماً. إما أن تكون هناك عملية للأمم المتحدة تنتج عنها حكومة جديدة، وإما يضع الليبيون عملية تقول الأطراف الدولية إنها ستدعمها مسبقاً، من أجل تحقيق تقدم وتشكيل حكومة جديدة.

عقيلة صالح وآخرون يعتقدون أنهم بحاجة إلى موافقة دولية على ما ينوون فعله. لكن الأطراف الدولية مترددة. تعتقد أن هناك ضرورة لحدوث إجماع ليبي أولاً، بعد ذلك يدعم الدوليون أي شيء يتفق عليه الليبيون.

ولذلك؛ فإن «إشكالية الدجاجة والبيضة» هي أن الدوليين ينتظرون الليبيين كي يتحركوا أولاً، فيما ينتظر الليبيون الدوليين أن يتحركوا. وفي الوقت ذاته هناك كل هذه التحركات ضمن المعسكرات المتنافسة التي تحاول ضمان أن تبقى في السلطة وأن يكون هناك غطاء أمني لها أو تقوم بعقد اتفاقات من أجل ذلك. كل هذه الأمور تحدث، ولكن العملية السياسية لا تتقدم.

المشير خليفة حفتر (أ.ف.ب)

حكم عائلات

* هل يمكن أن يؤدي استمرار الانقسام بين شرق ليبيا وغربها إلى تقسيم فعلي للبلد... فنحن نتحدث عن حكومتين تتقاسمان ليبيا منذ سنوات؟

- لا أعتقد ذلك. الترابط بين شرق ليبيا وغربها أعمق مما يعتقده كثير من الناس، والصورة يجري تبسيطها، ولكنني أشعر أن ما نتحدث عنه اليوم هو وجود حكّام محددين... حكم عائلات مستفيدة. ما يحدث في شرق ليبيا هو أن الناس الذين في السلطة لديهم ارتباطات عائلية (بالمشير حفتر). في المقابل في حكومة الوحدة الوطنية، عائلة الدبيبة عززت حجم مكتب رئيس الحكومة، وعينت أشخاصاً في مناصب مختلفة لديهم ارتباطات بعائلته.

وهكذا يمكن الحديث عن ارتباطات عائلية وتنافس بين عائلات وشبكات تحاول أن تسيطر على مراكز أساسية في الدولة، أكثر مما يمكن أن نتحدث عن تنافس بين الشرق والغرب.

قضية المقاتلين الأجانب

* وكيف ترى الآن دور الروس و«الفيلق الأفريقي (فاغنر سابقاً)» في الشرق، ودور تركيا والمرتزقة السوريين المرتبطين بها في الغرب؟

- نظام القذافي سعى في عام 2011 إلى توظيف مقاتلين أجانب ومرتزقة في القتال من أجل تأييد قضيته. هناك مقاتلون أجانب ومرتزقة يقاتلون في ليبيا منذ عام 2011. جاءوا من دارفور بالسودان ومن تشاد (ومناطق أخرى). يلعبون أحياناً أدواراً أساسية، وبعضهم يلعب أدوار عصابات. ولكن في السنوات الأخيرة حدث تغيير كبير، خصوصاً بعد محاولة حفتر السيطرة على طرابلس في عامي 2019 و2020. وقتها اعتمد حفتر على دفق من مرتزقة «فاغنر» لدعمه في التقدم نحو طرابلس. ازدياد الدعم لحفتر من مرتزقة «فاغنر» دفع بسلطات طرابلس اليائسة إلى السعي للحصول على مساعدة من تركيا التي وقّعت مذكرة تفاهم مع حكومة عبد الحميد السراج (حكومة الوفاق). نتيجة ذلك بات لتركيا الآن وجود ثابت في الغرب. جلبت معها مرتزقة سوريين. في المقابل ثبّت مرتزقة «فاغنر» وجودهم في المناطق الخاضعة لسيطرة حفتر. هؤلاء اللاعبون باتوا حقاً متجذرين في ليبيا. في شرق ليبيا رأينا، بعدما تحوّلت «فاغنر» إلى «الفيلق الأفريقي»، أن العلاقة تحولت إلى نوع من العلاقة بدولة وليست مجموعة مرتزقة. رأينا نائب وزير الدفاع الروسي (يونس بك يفكيروف) يزور شرق ليبيا بانتظام. نعرف أن هناك معدات عسكرية كثيرة تُجلب عبر الشرق. وإقامة روسيا موطئ قدم لها على البحر المتوسط في ليبيا هو مصدر خوف كبير لدى الأميركيين. وأعتقد أن هناك عمليات بناء تطوير تحدث في مرافئ شرق ليبيا. في الخلاصة، عزز حفتر علاقته بالروس، وهذا الأمر يعبّر عن نفسه من خلال تعاون عسكري.

في غرب ليبيا، الوضع أكثر فوضى بالطبع. ليست هناك عائلة واحدة تسيطر على الأجهزة الأمنية. وزارة الدفاع لا تسيطر على كل الأجهزة الأمنية. تركيا دعمت جماعات معيّنة، لا سيما «اللواء 444» بقيادة محمود حمزة في طرابلس. نفذت تركيا كثيراً من التدريبات (لهذه الفرقة) ووفرت معدات. كما أنها تسلمت السيطرة على قاعدة الوطية الجوية (في غرب ليبيا قرب الحدود التونسية).

والحقيقة أن تركيا لن تذهب إلى أي مكان. وروسيا لا يبدو أنها ذاهبة إلى أي مكان أيضاً. بطريقة ما؛ وجود هذه القوات الأجنبية جعل إمكانية وقوع حرب واسعة في ليبيا مستبعدة... الثمن سيكون مرتفعاً. حفتر لا يستطيع أن يتقدم نحو طرابلس؛ لأنه سيواجَه بالقوات المسلحة التركية. في المقابل، عندما ظن المصراتيون أن بإمكانهم أن يتقدموا شرقاً وينهوا حفتر (بعد هزيمته عسكرياً بمساعدة تركيا في معركة طرابلس) منعهم وجود الطائرات الروسية و«الخط الأحمر» المصري (مصر وقتها أعلنت «خطاً أحمر» يمتد من سرت حتى الجفرة وحذرت قوات الغرب من قطعه للهجوم على الشرق).

وعلى هذا الأساس، وجود المقاتلين الأجانب بات جزءاً من المشهد، وسيبقى كذلك في المدة المقبلة.

قوات من الجيش الليبي في راس لانوف عام 2018 (رويترز)

خريطة الجماعات المسلحة في طرابلس

* بعكس الشرق حيث هناك الجيش الوطني بقيادة حفتر، خريطة توزيع الجماعات المسلحة غرب ليبيا تبدو معقدة. فلمن الغلبة هناك اليوم؟

- الصورة غير واضحة (لمن الغلبة). في طرابلس كان هناك في عام 2016 عدد كبير من الجماعات المسلحة كل منها يسيطر على منطقة. لكن الوضع تغير الآن. هناك جماعة عبد الغني الككلي المعروف بـ«غنيوة». قواته («قوة دعم الاستقرار» التابعة للمجلس الرئاسي) هي القوة المهيمنة على منطقة أبو سليم بالعاصمة. وهناك «قوات الردع الخاصة» التي تعرف بـ«الردع». هذه القوة هي المهيمنة في سوق الجمعة بطرابلس. قوات «اللواء 444» كانت لديها علاقة صعبة بـ«قوة الردع»، وهي تتمركز أيضاً انطلاقاً من سوق الجمعة. رئيس «قوة الردع» عبد الرؤوف كارة، وهو سلفي. يُمكن القول إن كارة وغنيوة هما أقوى شخصيتين أمنيتين في طرابلس، بالإضافة إلى محمود حمزة من «اللواء 444». يُضاف إلى هؤلاء الثلاثة وزير الداخلية عماد طرابلسي وهو زنتاني (في غرب ليبيا) ويسيطر على بعض مناطق طرابلس.

هؤلاء هم القوى الأساسية في طرابلس. الأتراك يدعمون على وجه الخصوص «اللواء 444». فكرة الأتراك أنهم يريدون بناء قوات رسمية مدربة ومجهزة عبر سلسلة هرمية من القيادة. في المقابل، هناك كارة؛ الذي، كما أعتقد، كان ميكانيكياً قبل الحرب، و«غنيوة» الذي كان جزاراً. هؤلاء أقوياء كلٌ في المنطقة التي جاء منها حيث ارتبطوا بالثورة. يوصف كل منهم أحياناً بأنه بمثابة «رئيس بلدية» منطقته، مثل أبو سليم، أو سوق الجمعة. هؤلاء ليست لديهم هرمية قيادة نظامية (للمقاتلين التابعين لهم). هم شخصيات سياسية، بالإضافة إلى دورهم الأمني. محمود حمزة، في المقابل، يُنظر إليه على أنه شخصية أمنية (يتبع رئاسة الأركان في حكومة الوحدة الوطنية).

إذا نظرت إلى كل هذه القوى والجماعات المسلحة ترى أنها تتحدث عن ارتباطها بالدولة. «غنيوة» يقول إنه رئيس «قوة دعم الاستقرار». كارة يقول إنه رئيس «الردع» التابعة لوزارة الداخلية. كلهم يقولون إنهم يخضعون للدولة. ولكن في الواقع لديهم استقلالية ذاتية ولديهم برامجهم.

* رغم وجود جماعات مسلحة مختلفة اليوم، فإن الوضع يظل أفضل مما كان عليه قبل سنوات عندما كانت هناك جماعات عدة تسيطر على طرابلس... ألا تعتقد ذلك؟

- سيطرت قوات الزنتان على طرابلس بعد عام 2011، لكنها هُزمت وأُرغمت على الخروج من طرابلس، بعد مواجهة مع قوات كانت بقيادة مصراتة إلى حد كبير. منذ عام 2016 صارت القوات المنتشرة في طرابلس من طرابلس نفسها. هناك قوات من مصراتة حول طرابلس، ولكن القوات المهيمنة حالياً في طرابلس هي قوات طرابلسية. لكن الانقسام والتنافس موجودان في أكثر من منطقة. يمكننا أن نتحدث عن الصراعات بين الجماعات المنتشرة في الزاوية (غرب طرابلس). في الزنتان هناك طرفان؛ أسامة الجويلي الذي هو على اختلاف مع حكومة الوحدة الوطنية، في مقابل عماد الطرابلسي الذي هو وزير داخلية حكومة الوحدة. هناك احتمال أن تصير الزنتان كلها ضد حكومة الوحدة. نصف الزاوية يريد أن تتغير حكومة الوحدة ونصفها يريد بقاءها. مصراتة موحدة إلى حد كبير ضد رئيس حكومة الوحدة (الدبيبة) الذي هو من مصراتة. الصورة صورة فوضى. في راس جدير (الحدود مع تونس) هناك خلاف على من يدير المعبر. الطرابلسي يريد أن تدير قواته المعبر، بينما يقول أمازيغ زوارة: نحن من يسيطر على المعبر.

مسلّحون ضمن قوات موالية لحكومة عبد الحميد الدبيبة في مصراتة (أرشيفية - أ.ب)

التحالفات السياسية... وخلافة حفتر

* رغم هذه الانقسامات، فإنه يبدو أن هناك تغيّرات في التحالفات السياسية. هل يمكنك أن تشرح ما يدور؟

- نرى أموراً عدة تتغير. التغيّر الأكبر هو أنه منذ أن صار للروس والأتراك وجود على الأرض، فقد ازداد نفوذهم. التأثير الإقليمي نما في السنوات الأخيرة. القوى الغربية التي لعبت دوراً أساسياً في ما حدث عام 2011 (إسقاط القذافي) ليس لديها التأثير نفسه على ما يحدث اليوم. هذا تغيّر أساسي.

يمكن أن نشير هنا إلى زيارة الدبيبة إلى الإمارات (التي كانت حكومة الغرب تتهمها بدعم حفتر). الإمارات، كما يبدو، هي التي وصلت إلى اتفاق مع الأتراك حول ما يحدث في قطاع النفط الليبي، الأمر الذي سمح بعقد صفقة بين الدبيبة وحفتر (حول عائدات النفط). اللاعبون الإقليميون هم من يساعد في عقد الاتفاقات بين الأطراف الليبية. هذا هو التغيير الذي حدث. العملية السياسية التي يقودها مبعوثون دوليون باتت اليوم مرتبطة بتجمعات عائلية تبرم «صفقات بيزنس».

* التفاهمات التي تتحدث عنها ربما هي نتيجة للوصول إلى اقتناع بأن أي طرف لا يمكنه هزيمة الطرف الآخر: الدبيبة لا يمكنه هزيمة حفتر، وحفتر لا يمكنه هزيمة الدبيبة؟

- أعتقد أن الدبيبة بالتأكيد وصل إلى اقتناع بأنه لا يمكنه السيطرة على كامل البلاد. وصل إلى اقتناع بأنه لا بد من عقد صفقات وبناء تحالفات. هكذا يكون البقاء في السلطة. كل الجماعات في طرابلس وصلت إلى هذا الاقتناع. لا أعتقد مثلاً أن غنيوة يفكّر في أنه سيذهب إلى بنغازي ويسيطر عليها عسكرياً. الجميع وصل إلى اقتناع بأن هناك منطقة يسيطر كل طرف عليها وأن عليهم بناء تحالفات. الإشكالية هي أن حفتر ربما ما زال يعتقد أنه يستطيع ذلك (السيطرة على كامل ليبيا).

* إذا وصل إلى اقتناع بأنه غير قادر على ذلك، فهل تعتقد أنه يحضّر أحد أبنائه كي يخلفه؟

- صورة الخلافة غير واضحة. صدام حفتر هو الشخص الذي يُذكر كثيراً بوصفه المرتبط بكل ما هو اقتصادي، علماً بأنه شخصية عسكرية قوية (يحمل صدام رتبة «لواء ركن» وهو يرأس أركان القوات البرية التابعة للقيادة العامة للجيش الليبي). لكن شقيقه خالد هو الذي يتعامل مع الروس (يحمل خالد أيضاً رتبة «لواء ركن» وهو رئيس أركان الوحدات الأمنية للجيش). أما بلقسام حفتر فهو الذي يتولى مسؤولية ملف إعادة البناء (يتولى بلقاسم منصب مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا). صدّيق (وهو الابن الأكبر لحفتر) يقدّم نفسه بوصفه دبلوماسياً. إذن هناك اتجاهات مختلفة بين الأبناء في داخل العائلة الواحدة. الصورة معقدة.

تيم إيتون

المحلل المختص بشؤون ليبيا في معهد «تشاتام هاوس» بلندن، تيم إيتون (الشرق الأوسط)

تيم إيتون، محلل بارز مختص بشؤون ليبيا في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن (تشاتام هاوس)


مقالات ذات صلة

الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

شمال افريقيا وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن صحافيين في طرابلس 2019 (أرشيفية - المركز الليبي لحرية الصحافة)

الانقسام السياسي في ليبيا يعزز «صراعات الجبهات» بالإعلام

بين شرق البلاد وغربها باتت مؤسسات إعلامية كثيرة تعكس خطوط التماس نفسها، وسط اتهامات بـ«تضييق متزايد على الصحافيين وتراجع هامش العمل المهني المستقل».

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا ساركوزي مستقبلاً القذافي في قصر الإليزيه في ديسمبر 2007 (أ.ب)

ساركوزي يؤكد لمحكمة الاستئناف «براءته» في قضية التمويل الليبي

قال ساركوزي: «الحقيقة هي أنه لا سنتيم واحداً من المال الليبي في حملتي، والحقيقة هي أنني لم أتصرف مطلقاً لمصلحة السنوسي».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي وزوجته كارلا بروني خارج قاعة المحكمة عقب استراحة (أ.ف.ب)

ساركوزي: أدين لفرنسا بالحقيقة... وأنا بريء من قضية التمويل الليبي

أكد الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي مجدداً اليوم (الثلاثاء) براءته أمام جلسة استئناف في باريس

«الشرق الأوسط» (باريس )
المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)

سفير يرفض إبعاده! هل من سوابق في العلاقات بين الدول؟

تبدو قضية إبعاد سفير إيران المعتمد لدى لبنان، ورفضه الالتزام بالقرار اللبناني، واحدة من حالات قليلة مشابهة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا أسر ليبية تصطحب أطفالها لحديقة الحيوانات في طرابلس بمناسبة العيد «أ.ف.ب»

احتفالات الليبيين بالعيد تتجاهل «صراعات السياسة» و«التوترات الاجتماعية»

على خلفية انقسام سياسي وحكومي، يحتفل الليبيون بعيد الفطر في أجواء يعدّها البعض فرصة للتقارب وسعياً لتجاهل هموم السياسة وخلافاتها.

علاء حموده (القاهرة)

ضابط عراقي مزيّف يحرج الأجهزة الأمنية اللبنانية

عناصر من الجيش اللبناني يؤدون مهام أمنية في بيروت (قيادة الجيش)
عناصر من الجيش اللبناني يؤدون مهام أمنية في بيروت (قيادة الجيش)
TT

ضابط عراقي مزيّف يحرج الأجهزة الأمنية اللبنانية

عناصر من الجيش اللبناني يؤدون مهام أمنية في بيروت (قيادة الجيش)
عناصر من الجيش اللبناني يؤدون مهام أمنية في بيروت (قيادة الجيش)

أثار توقيف العراقي طارق الحسيني الكربلائي في لبنان حالة إرباك واسعة لدى الأجهزة الأمنية، بعد أن انتحل صفة ضابط أمن عراقي برتبة عقيد، ونجح في نسج علاقات وثيقة بضباط ومسؤولين أمنيين لبنانيين، مستفيداً من ادعائه العمل في جهاز المخابرات العراقية وتوليه مسؤولية أمن السفارة العراقية في بيروت.

وأعلنت قيادة الجيش اللبناني، في بيان، أن مديرية المخابرات أوقفت المدعو «ط.ن» بعد عملية رصد ومتابعة أمنية، على خلفية انتحاله صفة مسؤول أمني عراقي على الأراضي اللبنانية. وأوضح البيان أن التحقيقات «أظهرت استعانة الموقوف بمستندات مزوّرة، كما ضُبطت بحوزته بزّة عسكرية كان يستخدمها في تحركاته»، مؤكداً أن التحقيق «لا يزال مستمراً بإشراف القضاء المختص».

وفي حين أحدثت القضية ضجة واسعة في الأوساط اللبنانية، قلّل مصدر قضائي من حجم الروايات المتداولة بشأن نفوذ الرجل، عادّاً أن الملف «أُعطيَ أكبر من حجمه».

وأوضح المصدر القضائي لـ«الشرق الأوسط» أن الموقوف «تمكّن من بناء شبكة علاقات بضباط كبار، بعدما أقنعهم بأنه ضابط في المخابرات العراقية»، نافياً ما يُتداول عن «تقديمه وعوداً رسمية بدعم الأجهزة الأمنية اللبنانية من الجانب العراقي».

طلبات الدليفري

وقال: «كل ما فعله الضابط المزعوم أنه قدّم وعوداً لبعض الضباط في الأجهزة الأمنية بتنظيم زيارات دينية لهم إلى كربلاء على نفقة الدولة العراقية ومرافقته إياهم في هذه الزيارات، من دون أن يُترجم أيٌ من هذه الوعود عملياً»، مشيراً إلى أن «المعلومات المستقاة من التحقيق الأولي تفيد بأن هذا الشخص موظف سابق بالسفارة العراقية في بيروت، وبأنه قد أبعد من وظيفته، ومن ثمّ بات يعمل في مؤسسات خاصة، آخرها موظف في مطعم لبناني، ويتلقى اتصالات من الزبائن، ويدوّن طلباتهم التي ترسل عبر الدليفري».

في المقابل، كشف مصدر أمني أن الرجل «كان حاضراً بشكل لافت في أوساط عدد من الأجهزة الأمنية، وتمكن من نسج صداقات مع ضباط ومسؤولين كبار، وشارك في لقاءات اجتماعية ومناسبات متعددة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «التحقيقات لا تزال مفتوحة على مختلف الاحتمالات بإشراف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، وسيتولى تحديد المسؤوليات والإجراءات القانونية المناسبة بحقه».

مدير أمن الدولة

وعزز تداول صورة تجمع الموقوف بالمدير العام لجهاز أمن الدولة؛ اللواء إدغار لاوندوس، القناعة بأن هذا الشخص وصل بعلاقاته إلى قادة الأجهزة، إلا إن مصدراً في جهاز أمن الدولة نفى بشكل قاطع هذه الفرضيات، عادّاً أن «التركيز على صورة واحدة يثير علامات استفهام أكثر مما يقدّم معطيات فعلية».

وأكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن الشخص الموقوف «لا تربطه أي علاقة بالجهاز أو بقيادته»، مشيراً إلى أنه «بعد أيام من تعيين اللواء لاوندوس مديراً عاماً لأمن الدولة، تواصل الموقوف عبر أحد الوسطاء طالباً موعداً لتقديم التهنئة، فاستُقبل ضمن وفد من المهنئين من دون وجود أي معرفة به؛ لا قبل الزيارة ولا بعدها، ولم يتجاوز اللقاء به دقيقتين (على الواقف)، واستأذن حينها في أخذ صور تذكارية عبر هاتفه الشخصي مع اللواء لاوندوس».

وعمّا إذا كانت صفته المزعومة سبباً لإغراء الأجهزة في بناء علاقات مع هذا الشخص مقابل الوعود بتأمين دعم لهذا الجهاز أو غيره، نفى المصدر في أمن الدولة نفياً قاطعاً وجود أي تنسيق أو علاقة بين جهاز أمن الدولة والمخابرات العراقية أو أمن السفارة العراقية، مستغرباً التركيز على صورة اللواء لاوندوس وحدها «في وقت يُفترض فيه وجود عشرات أو مئات الصور له مع مسؤولين وضباط من أجهزة أمنية مختلفة»، متسائلاً عمّا إذا كان هناك من يحاول توظيف القضية لإثارة الشبهات بشأن جهات محددة.


زغاريد أفراح غزة تقطع دوي الغارات الإسرائيلية

الفلسطيني أيمن محيسن يحتفل بزفافه في أبريل الماضي في حي الرمال بمدينة غزة (صورة قدمها محيسن)
الفلسطيني أيمن محيسن يحتفل بزفافه في أبريل الماضي في حي الرمال بمدينة غزة (صورة قدمها محيسن)
TT

زغاريد أفراح غزة تقطع دوي الغارات الإسرائيلية

الفلسطيني أيمن محيسن يحتفل بزفافه في أبريل الماضي في حي الرمال بمدينة غزة (صورة قدمها محيسن)
الفلسطيني أيمن محيسن يحتفل بزفافه في أبريل الماضي في حي الرمال بمدينة غزة (صورة قدمها محيسن)

منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لم تتوقف الخروقات الإسرائيلية وارتفع عدد الضحايا من القتلى والجرحى، غير أن ذلك لم يمنع سكان في القطاع الفلسطيني الذي دُمر بشكل شبه كامل من أن يُطلقوا زغاريد أفراحهم لتقطع، ولو مؤقتاً، أزيز المُسيرات ودوي الغارات.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، أقام غزيون في مناطق خان يونس ومخيم الشاطئ والشجاعية وغيرها أفراحاً علنية بحضور الأقارب والجيران في مشهد افتقده القطاع طوال أكثر من عامين من الحرب.

تقول آلاء موسى (33 عاماً) من سكان منطقة الشيخ ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة، التي فقدت زوجها في غارة إسرائيلية منتصف عام 2024، إنها عقدت قرانها في أواخر أبريل (نيسان) الماضي، على شاب يكبرها بأربعة أعوام، كان هو الآخر فقد زوجته واثنين من أطفاله في غارة استهدفتهم بخيام النازحين في مواصي المدينة ذاتها.

فلسطينيون في حفل زفاف بحي النصر غرب مدينة غزة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

وتضيف آلاء: «اكتفيت بقبول مهر رمزي لم يتعد الـ1500 دينار أردني (الدينار الأردني يساوي 1.4 دولار أميركي) لأنها باتت مسألة غير مهمة في ظل هذه الظروف الصعبة».

أقامت آلاء ما تقول إنه «زفاف محدود» في وسط خيام النازحين في مواصي خان يونس، التي باتت إحدى خيامها منزل الزوجية الجديد لها، وشرحت: «الحرب لم تتوقف، ومع ذلك فحالي مثل الكثيرين نبحث عن الفرح رغم كل الآلام التي عشناها ونعيشها في غزة وسط عدوان لا يتوقف».

لم تُنجب آلاء موسى من زوجها الراحل، وتقول إنها لم تجد في الزواج من رجل لديه 3 أطفال أي مشكلة «رغم بعض الانتقادات» من أقاربها ومحيطها، وتضيف: «سأعمل على تربيتهم كأنهم أبنائي».

«انتقادات اجتماعية»

وفرضت إسرائيل قيوداً وحصاراً خانقين على غزة منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، وشدّدتها بعد استيلاء «حماس» على حكم القطاع قبل 19 عاماً تقريباً، وارتفعت معدلات البطالة من 29.7 في المائة عام 2007 إلى 45 في المائة عام 2023 الذي نشبت الحرب في نهايته.

الشاب عبدالله فرحات (29 عاماً) من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، كان أحد ضحايا الظروف الاقتصادية الصعبة في غزة مما أجَّل لسنوات رغبته في الزواج وبناء أسرة. ويقول فرحات لـ«الشرق الأوسط»: «عقدت قراني مؤخراً على شابة تكبرني بعامين كانت قد فقدت زوجها بداية الحرب الحالية».

وأكد فرحات أنه لم يكترث بانتقادات اجتماعية حددها في «الزواج من أرملة، أو الفوارق العمرية» مضيفاً: «لم تتغير قناعاتي؛ خصوصاً بعدما وجدت قبولاً متبادلاً، وأقمت زفافي في مركز إيواء بمخيم الشاطئ، لأن الحرب فرضت واقعاً جديداً علينا».

«عودة قاعات الأفراح»

وبعد أشهر من وقف إطلاق النار اتخذت الأفراح منحى آخر؛ إذ عادت تجمعات الزفاف تدريجياً في بعض المناطق، وكذلك برزت الحفلات الشبابية، واستقبلت بعض قاعات الأفراح الزبائن.

أيمن محيسن (26 عاماً)، من سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة، النازح في مدرسة تحولت إلى مركز إيواء بحي الرمال، أقام زفافه في قاعة أفراح بمنطقة سكنه، الشهر الماضي، ويقول إنه دفع مقابل ذلك «4 آلاف شيقل (1300 دولار تقريباً)، ومبلغاً مشابهاً لإقامة حفل للأصدقاء والأقارب من الذكور»، وفق عادات كثير من أهل غزة التي تتضمن زفافاً للعريس بحضور الأقارب والأصدقاء من الذكور في يوم، وفي اليوم التالي يقام حفل للعروسين في صالة للأفراح بحضور النساء في الصالة، بينما يحضر أقرب المقربين من الرجال من عائلة العروسين خارجها.

الفلسطيني أيمن محيسن يحتفل بزفافه في أبريل الماضي في حي الرمال بمدينة غزة (صورة قدمها محيسن)

يعمل محيسن في أحد المحال التجارية مقابل 1500 شيقل شهرياً، وأقام بعد زفافه في فصل دراسي، كان يعيش فيه مع 4 من أشقائه الذكور الذين انتقلوا بعد زفافه إلى فصل مجاور ليعيشوا مع والديه وشقيقاته الثلاث.

يقول محيسن إنه دفع مهراً لزوجته وصل إلى 4 آلاف دينار أردني (5500 دولار تقريباً) لكن هذا المبلغ «لم يكن كافياً بالنسبة لها لشراء ذهب وملابس خصوصاً مع ارتفاع الأسعار، ومع ذلك اكتفت بما استطاعت من ذلك».

وأشار محيسن إلى أنه اضطر للتداين بمبالغ كبيرة لإقامة زفافه، لكنه ليس نادماً، ويقول: «فقدت شقيقي خلال الحرب، والعديد من أقاربي، لكن هذه سُنَّة الحياة، ونحن نبحث عما يدخل الفرح إلى قلوبنا رغم الصعوبات التي نواجهها».

صعوبات بعد الدمار

وتعرضت عشرات من صالات الأفراح المقامة على شاطئ غزة (أو ما يُعرف ببحر غزة) المطل على البحر المتوسط، للتدمير من القوات الإسرائيلية خلال الحرب، فيما بدأت بعض المطاعم والمستثمرين في فتح صالات جديدة غرب غزة، لكنها تطلب أسعاراً باهظة بالنسبة للسكان.

فلسطينيون في حفل زفاف بحي النصر غرب مدينة غزة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

ويبرر محمد غانم، أحد المساهمين في ملكية صالة أفراح بمدينة غزة، أن «الأسعار باهظة بسبب تكاليف إنشاء هذه الصالات، كما أن عدم توفر الكهرباء وتشغيل مولدات خاصة وتوفير الوقود لتشغيلها، جميعها ضمن المصاريف إلى جانب رواتب الموظفين والموظفات الذين يقدمون الخدمات للأفراح».

وأشار غانم إلى أن «الأسعار قريبة بما كانت عليه صالات الأفراح قبل الحرب، لكن مع فارق أن هذه الصالات ليس بالتجهيزات المميزة نفسها التي كانت عليها الصالات سابقاً».

ومؤخراً لجأت مؤسسات خيرية عربية وإسلامية لرعاية احتفالات جماعية للزواج في قطاع غزة، وتقديم دعم مالي لكل عريسين في إطار «التخفيف عن الشبان الذين تسابقوا للتسجيل بعشرات الآلاف للحصول على مثل هذه الفرصة».


انفجار في شاحنة قرب العاصمة السورية دمشق

رجل يقف بجوار مركبة مدمرة في السويداء بجنوب سوريا (أ.ف.ب)
رجل يقف بجوار مركبة مدمرة في السويداء بجنوب سوريا (أ.ف.ب)
TT

انفجار في شاحنة قرب العاصمة السورية دمشق

رجل يقف بجوار مركبة مدمرة في السويداء بجنوب سوريا (أ.ف.ب)
رجل يقف بجوار مركبة مدمرة في السويداء بجنوب سوريا (أ.ف.ب)

انفجرت عبوة ناسفة في حافلة ركاب قرب العاصمة السورية دمشق، اليوم الاثنين.

وقال مصدر في وزارة الداخلية السورية، في بيان: «انفجرت حافلة فارغة في حي الورود بدمشق دون تسجيل أضرار بشرية، فيما تعمل الفرق المختصة على تحديد مسببات الانفجار».

وقال مصدر محلي في حي الورود لوكالة الأنباء الألمانية، إن «عبوة ناسفة كانت مزروعة في حافلة لنقل الركاب في حي الورود بريف دمشق»، وإن «أربعة أشخاص أصيبوا بجروح طفيفة».

وأضاف المصدر أن «قوى الأمن الداخلي والدفاع المدني وصلت إلى مكان الانفجار وقامت بتأمينه، وتعمل على إزالة المخلفات».

ويقع حي الورود شمال العاصمة دمشق، ويتبع لحي دمر البلد، وهو قريب من مساكن الحرس الجمهوري التابع للنظام السابق، وقد أخليت المساكن من عناصر النظام السابق، وهي الآن مساكن لعائلات قوات وزارة الدفاع السورية.

وشهدت العاصمة دمشق وريفها هدوءاً وغياباً للسيارات المفخخة منذ مطلع العام الحالي.