تبَون يبدأ حملته الرئاسية بالهجوم على «دولة معروفة بعدائها للجزائر»

تعهد بمواصلة مكافحة الفساد إن فاز بولاية ثانية

عبد المجيد تبون (حملة الرئيس)
عبد المجيد تبون (حملة الرئيس)
TT

تبَون يبدأ حملته الرئاسية بالهجوم على «دولة معروفة بعدائها للجزائر»

عبد المجيد تبون (حملة الرئيس)
عبد المجيد تبون (حملة الرئيس)

اتهم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، المرشح الرئاسي لانتخابات 7 سبتمبر (أيلول) المقبل، دولة "معروفة بعدائها لنا" بأنها هي من "اتخذت قرار إشعال النيران في الجزائر صيف 2021، وفعلا احترقت الجزائر"، وكان يشير إلى حرائق مستعرة عاشتها محافظات القبائل، خلفت عشرات القتلى وخسائر كبيرة في المباني والماشية والحقوق والغطاء النباتي، الذي يميز هذه المنطقة الواقعة شرق العاصمة.

صورة لنيران منطقة القبائل صيف 2021 (الشرق الاوسط)

وأطلق تبون اتهامه، الخميس، في فيديو بثته إدارة حملته الانتخابية في الإذاعة والتلفزيون العموميين، بمناسبة أول يوم من فترة الدعاية لاستحقاق الرئاسة، لكن من دون تسمية الدولة التي "تعادي" بلاده. وقال بهذا الخصوص: "اشتعلت آلاف الحرائق في وقت واحد سنة 2021، وكانت بفعل فاعل". مؤكدا أن "قرار إحراق الجزائر اتخذ شهرين قبل تنفيذ هذا الفعل". وأضاف:"لم نتخل عن ضحايا هذه الحرائق. ففي أقل من شهر دفعت الدولة تعويضات لكل المتضررين، وتكفلت بعلاج المصابين ونقلت بعضهم إلى مستشفيات بالخارج".

الرئيس تبون مع متوجين بميداليات أولمبياد باريس 2024 (الرئاسة)

ويشار إلى أن الحكومة اتهمت رسميا، ناشطين في التنظيم الانفصالي "حركة الحكم الذاتي في القبائل"، بالوقوف وراء الحرائق المستعرة في ذلك العام، وسجنت عددا كبيرا من الأشخاص إثر اتهامهم بقتل ثلاثيتي، والتنكيل بجثته في ساحة عامة ببلدة بالقبائل، لاعتقادهم أنه هو من أضرم النار فيها، ثم ثبت أنه بريء.

وظهر مع تبون في استديو الحملة، ثلاثة فتيان وثلاث فتيات، على سبيل التأكيد على الأهمية التي يوليها للشباب في تطوير البلاد، حيث عاد إلى الفترة التي تسلم فيها الحكم، بعد أن أجبر الحراك الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة على التنحي، عام 2019. وقال:"كان البلد في حالة يرثى لها في كل الميادين، والحمد لله أنني وفقت في الوفاء بكل تعهداتي (الانتخابية) وإن كان البعض منها لا يزال موضع تنفيذ". مشيرا إلى أن السياسة التي اتبعها في ولايته الأولى "أنقذت الوطن من الانهيار، فقد، كان الاقتصاد موجها بشكل كامل للاستيراد من الخارج، والتجارة كانت مبنية على تضخيم الفواتير".

المرشح عبد العالي حساني في أول يوم من حملة الانتخابات (حملة المرشح)

ويخوض الانتخابات، إلى جانب تبون، عبد العالي حساني رئيس "حركة مجتمع السلم"، ويوسف أوشيش السكرتير الأول لـ"جبهة القوى الاشتراكية" وهي أقدم حزب معارض.

وبحسب الرئيس المترشح، "كانت كل الأسباب متوفرة لوقوع انفجار (عام 2019) وكانت الوحدة الوطنية محل تهديد، والدولة انهارت في ذلك الوقت، فلا وجود لأي سلطة رادعة للمنكرات التي كانت سائدة"، ويقصد الفساد الذي استشرى في الدولة وحالة انفلات ميزت الحكم، لغياب بوتفليقة عن التسيير لسنوات طويلة بسبب المرض.

وتحدث تبون عن مصادرة العشرات من المؤسسات والمصانع، التي تعود لرجال أعمال ووجهاء في النظام، أخذوا قروضا بنكية حسبه، ولم يسددوها. علما أن 20 رجل أعمال وعددا كبيرا من المسؤولين الحكوميين، دانتهم المحاكم بالسجن، بناء على تهم "فساد"، يوجد من بينهم ثلاثة رؤساء حكومات. ووعد تبون بمزيد من الحملات ضد الفساد، إذا مكنه الناخبون من ولاية ثانية.

يوسف أوشيش مرشح القوى الاشتراكية المعارضة (حملة المرشح)

وأطلق القضاء، حسب تبون، في السنوات الأخيرة، 285 إنابة قضائية موجهة لـ30 دولة، يعتقد أن بها ودائع وأرصدة مالية تعود لمسؤولين في الدولة، مصدرها مال عام. مؤكدا أن التحريات حول الفساد، أشارت إلى وجود 755 حسابا بنكيا في الخارج لمسؤولين محل شبهة فساد، مبرزا أن "الإجراءات التي اتخذناها لاستعادة الأموال المنهوبة، ثقيلة شيئا ما، ولكن كلنا أمل في أنها ستحقق الهدف".

وشدد تبون على أن الجزائر، استعادت في عهده "قوتها المالية، بعد أن فاقت فاتورة الاستيراد 60 مليار دولار عام 2019، في وقت كان فيه احتياطي العملة الصعبة لا يتعدى 47 مليار دولار". مبرزا أن "الجميع راهن يومها على اللجوء إلى صندوق النقد الدولي بغرض الاستدانة. والدين الخارجي كان سيكبلنا ويضعف مبدأنا بخصوص الدفاع عن القضايا العادلة، خصوصا القضية الفلسطينية، والمدان لا يمكن أن يكون سيد قراره".


مقالات ذات صلة

وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

شمال افريقيا وزير العدل الجزائري خلال عرض مشروع تعديل قانون العقوبات على اللجنة القانونية البرلمانية (وزارة  العدل)

وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

تعهد وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة بتوفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة لكل من يُتهم في جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حرائق مستعرة بمنطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

الجزائر تربط حرائق الصيف بـ«إيعاز أجنبي» وتفتح باب التنفيذ الفعلي للإعدام

أعلنت الجزائر رسمياً رفع التجميد عن عقوبة الإعدام إذا ثبتت على أي شخص تهمة «إضرام النار عمداً».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)

«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

يشرع البرلمان الجزائري الجديد، المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، في أعماله اليوم الأربعاء ضمن دورته التشريعية الأولى

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس تبون أمر بتعديل قانون العقوبات لفرض عقوبة الإعدام على الذين يشعلون حرائق الغابات (د.ب.أ)

«العفو الدولية» تدعو الجزائر إلى التخلي عن خطط توسيع حكم الإعدام

دعت منظمة العفو الدولية، الثلاثاء، الجزائر إلى عدم توسيع استخدام عقوبة الإعدام، بعدما تعهّدت السلطات بإنزال هذه العقوبة بحق مفتعلي حرائق الغابات المميتة.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم رجل يستظل بشجرة وارفة في إحدى الحدائق العامة في سيدني (أ.ب)

‌سيدني تشهد موجة حر تثير تخوُّفاً من اندلاع حرائق غابات

شهدت مدينة سيدني الأسترالية موجة من الحر الربيعي الشديد ​اليوم السبت، الأمر الذي رفع خطر حرائق الغابات.

«الشرق الأوسط» (سيدني )

هل ينجح الحراك البرلماني في تغيير رئاسة «النواب» الليبي؟

صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
TT

هل ينجح الحراك البرلماني في تغيير رئاسة «النواب» الليبي؟

صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)
صورة من جلسة مجلس النواب الليبي الأخيرة 15 سبتمبر (من مقطع فيديو بثه المجلس على صفحته عبر «فيسبوك»)

فرض الحراك البرلماني في ليبيا، المُطالب بتعديل اللائحة الداخلية وتفعيل مبدأ تداول السلطة داخل المجلس الذي يتخذ من بنغازي مقراً له، ويترأسه عقيلة صالح منذ نحو 12 عاماً، أسئلةً بشأن مدى استمراره وقدرته على إحداث تغيير.

ولا تقتصر التساؤلات المثارة حول هذا الحراك على توقيت هذه «الاستفاقة المتأخرة» لكتلة مناهضة لـ«تفرد صالح بالقرار»، بل تمتد إلى مدى ارتباط تحركها باتفاق «4+4» وفرص تطبيقه، بوصفه أحد المخارج المحتملة لإنهاء الانقسام، عبر تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد نحو الانتخابات خلال عامين.

وتباينت الآراء في مآلات الحراك؛ إذ تؤكد الكتلة المناوئة لصالح استمرارها في السعي «لإصلاح المجلس وتغيير هيئة رئاسته»، رغم منعها من عقد جلسة مخصصة لذلك منتصف الأسبوع الماضي، بإغلاق مقر المجلس ببنغازي بتعليمات من رئاسته، وفق بيانها.

وقال النائب عصام الجهاني، أحد أبرز أصوات تلك الكتلة، إن الأعضاء البالغ عددهم 86 نائباً قد يجتمعون في أي مدينة ليبية يتيسر فيها أداء مهامهم. وشدد على أن الأمر «ليس مؤامرة أو محاولة لوراثة مقعد صالح»، بل رغبة في «الإصلاح ردّاً على تفرده بالقرارات، وتشبثه بموقعه».

في المقابل، تحدّثت أصوات سياسية أخرى عن إمكانية «تشتت هذا الحراك وتراجعه تدريجياً»، مشيرة إلى أن «هدوءه أو ثورانه مرتبط بالتوازنات بين مراكز القوى الفاعلة في المنطقة الشرقية، وأيضاً بالضغوط الإقليمية».

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المركز الصحافي لرئيس المجلس عقيلة صالح)

وتوقع عضو مجلس النواب الليبي، علي التكبالي، «تراجع الحراك الراهن بالمجلس»، مستنداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى ما حدث في مارس (آذار) الماضي، حين دعت كتلة من النواب أيضاً إلى جلسة لإصلاح اللائحة الداخلية، ثم اختفى حراكها.

ويرى التكبالي «صعوبة الحفاظ على نصاب لعقد جلسة يضمن إزاحة رئيس المجلس»، وقال إن النواب «قد يجتمعون اعتراضاً على موقف ما، لكن بعودة كل منهم إلى مدينته يصعب تجميعهم مجدداً، خصوصاً مع مراجعة بعضهم لموقفه لتعارضه مع مصالحه الخاصة أو انتمائه القبلي».

فيما حذّر عضو المجلس، منتصر الحاسي، من «انقسام البرلمان بسبب تصرفات بعض الأعضاء»، ورغم تمسكه بحق النواب في تعديل اللائحة، فإنه يُشدد على تحقيق ذلك من خلال «القنوات القانونية».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين؛ «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أسامة حماد التي تدير الشرق وبعض مدن الجنوب، وهي مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

ووفقاً لاتفاق «4+4»، الذي عُقد نهاية الشهر الماضي بين ممثلين لـ«الوحدة» و«الجيش الوطني» برعاية أممية، ستُشكَّل سلطة جديدة من مجلس رئاسي وحكومة موحدة، تمهد لانتخابات عامة خلال عامين.

ويشير مراقبون وأصوات سياسية إلى أن «دولاً إقليمية ترى في استمرار صالح ضمانة لتفادي تصدع المؤسسة التشريعية»، بوصفها المؤسسة الوحيدة الناجية من الانقسام المؤسسي.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (المكتب الإعلامي لعقيلة)

وربط المحلل، حسام فنيش، ما يحدث بتطورات اتفاق «4+4»، وحذّر من أن «أولوية كتلة الإصلاح بالمجلس لتغيير اللائحة قبل عقد الجلسات تؤجل تضمين الاتفاق بالإعلان الدستوري، ما يعرقل تطبيقه رغم أنه يمهّد لانتخابات وينهي الانقسام».

وأشار إلى أن «البعثة الأممية تفضل تضمين الاتفاق في تعديل دستوري، تمهيداً لإقراره من مجلس الأمن».

ولفت رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، إلى أن «ما يُتداول عن تفرد صالح بالقرار، وعدم اكتمال نصاب بعض الجلسات، مطروح منذ سنوات دون اعتراض النواب»، عادّاً ذلك «يُعزز الشكوك في أن الخلاف الراهن صراع كتل مدعومة من قوى نافذة، ولا يمهد لأي إصلاح حقيقي».

وتوقع الشبلي استمرار عقيلة لفترة ما إلى «حين دعوة البعثة الأممية لتشكيل مجلس تأسيسي بديل عن مجلسه و(الأعلى للدولة) للمضي في تطبيق اتفاق (4+4)، لرفضهما أي تغيير في المشهد السياسي».

ولم يبتعد المحلل السياسي محمد محفوظ عن الآراء السابقة، عادّاً أن ما يحدث في البرلمان «صراع مشروعات بين قوى نافذة، يحاول فيه كل طرف، سواء في شرق ليبيا أو غربها، إثبات جدارته وقدرته على التحكم بالمشهد أمام المجتمع الدولي».

ورهن محفوظ في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، احتفاظ صالح بموقعه بعاملين؛ الأول قدرته مع حلفائه على امتصاص الغضب الراهن، مرجحاً «مساعدة بقية مكتب الرئاسة، خاصة نائبيه، كونهما قد يتعرضان مثله للتغيير». أما العامل الثاني، وفق محفوظ، فهو «دعم بعض الدول الإقليمية والغربية، بما يخفف الضغوط عنه».


من جدة إلى نيويورك... لماذا تفشل هدن السودان؟

أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
TT

من جدة إلى نيويورك... لماذا تفشل هدن السودان؟

أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)
أعضاء الآلية الخماسية والرباعية عقب أول اجتماع لهم بشأن السودان (الاتحاد الأفريقي)

احتاجت الطبيبة السودانية «س» إلى هدنة كي تتمكن من الخروج من مركز صحي حُوصرت فيه مع زملائها، خلال الأيام الأولى للحرب. وقطعت طريقاً طويلاً من شارع النيل، عبر جسرَي الفتيحاب والحلفايا، حتى وصلت إلى أسرتها في كوبر. تقول إنها وجدت جدران غرفتها مثقوبة بالرصاص، وإخوتها ينتظرونها ليغادروا معاً. نزحت الأسرة، وما زالت نازحة حتى اليوم.

أتاح توقف القتال لمدة قصيرة في مايو (أيار) 2023، لـ«س» النجاة، لكنه لم يدُم بما يكفي لتبقى أسرتها في منزلها. ومنذ تلك الهدنة القصيرة، توالت المبادرات والاتفاقات، في حين ظل السؤال الأصعب هو: كيف يمكن للوسطاء جمع طرفي الحرب على وقف للقتال يجري تنفيذه ويستمر؟

أعاد الاجتماع الأول لـ«الرباعية والخماسية» بنيويورك، في 23 سبتمبر (أيلول) الحالي، وبرئاسة مشتركة من الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، هذا السؤال مجدداً إلى الواجهة. ودعا المشاركون فيه إلى هدنة إنسانية ووقف للأعمال العدائية، واتفقوا على تنسيق الجهود لحماية المدنيين، والتحضير لمراقبة أي اتفاق والتحقق من تنفيذه. لكن بيان الاجتماع لم يعلن التوصل إلى اتفاق مع الجيش أو قوات «الدعم السريع»، ولم يحدد موعداً لمفاوضات تجمعهما.

الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)

وتبدأ العقدة من شروط الهدنة نفسها. فوفق «رويترز»، قبلت الحكومة، التي يقودها الجيش، معظم بنود مقترح أميركي لهدنة مُدتها 90 يوماً، لكنها رفضت أن يقتصر انسحاب قوات «الدعم السريع» على مناطق محددة، وطالبت بانسحابها من جميع المدن التي سيطرت عليها. وأكدت وزارة الخارجية السودانية، هذا الأسبوع، رفضها أي عملية تفاوضية ترى أنها تمنح شرعية لواقع فرضته قوات «الدعم السريع» بالقوة. وفي المقابل، أعلن «الدعم السريع» ترحيبه بمقترح الهدنة، دون أن يفضي ذلك إلى توقف القتال. وحتى عندما وقّع الطرفان اتفاقاً، لم يضمن تنفيذه. ففي جدة بالسعودية، وقّع الجيش و«الدعم السريع» «إعلان الالتزام بحماية المدنيين» في 11 مايو 2023، ثم اتفاقاً لوقف قصير لإطلاق النار وترتيبات إنسانية في العشرين من الشهر نفسه.

لكن وقف القتال لم يصمد، وعلّق الجيش مشاركته في المحادثات خلال يونيو (حزيران)، متهماً قوات «الدعم السريع» بخرق الاتفاق.

آثار الدمار جراء الحرب في الخرطوم (أ.ف.ب)

وواجهت مسارات أخرى عَقبات مختلفة، فقد أعلنت هيئة «إيغاد»، التي ترعى السلام في القرن الأفريقي، في ديسمبر (كانون الأول) 2023، موافقة البرهان وحميدتي على لقاء مباشر برعايتها، ثم جددت، في يناير (كانون الثاني)، دعوتها إلى عقد اللقاء، لكنه لم ينعقد.

وفي المنامة، وُقّعت بالأحرف الأولى، في 20 يناير 2024، «وثيقة مبادئ وأسس الحل الشامل للأزمة السودانية»، باسم شمس الدين كباشي عن الجيش، وعبد الرحيم دقلو عن قوات «الدعم السريع»، وفق نص الوثيقة المنشور. لكن التوقيع الأوليّ لم يتبعه اتفاق نهائي أو مسار تفاوضي مستمر. واتهم دقلو كباشي بالتنصل من الوثيقة، في حين لم يصدر عن كباشي تعليق يوضح أسباب توقف المسار.

وفي أغسطس (آب) 2024، حال غيابُ أحد طرفي الحرب دون إجراء محادثات مباشرة لوقف إطلاق النار في سويسرا، فتحوَّل التركيز إلى تسهيل وصول المساعدات وحماية المدنيين.

وكتبت الباحثة في «تشاتام هاوس» روزاليند مارسدن، في تحليل نشره المعهد في 18 سبتمبر 2024، أن السبب الرئيسي لفشل محادثات وقف إطلاق النار في سويسرا (أغسطس 2024) كان استمرار سعي الجيش وقوات «الدعم السريع» إلى تحقيق نصر عسكري، وأن استمرار رهان الطرفين، آنذاك، على تحقيق مكاسب عسكرية كان سبباً رئيسياً لتعثر التفاوض، رغم إحراز تقدم محدود في إيصال المساعدات إلى دارفور.

ثم طرحت الرباعية، في سبتمبر 2025، خريطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تصل خلالها المساعدات إلى أنحاء السودان، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار وانتقال سياسي.

لكن خريطة الرباعية بقيت مقترحاً من الوسطاء، ولم تتحول إلى اتفاق بين المتحاربين. ويُظهر الخلاف على الانسحاب في المقترح الأميركي الأحدث أن الطرفين لم يتوصلا بعدُ إلى شروط يمكن أن يبدأ على أساسها اختبار هدنة جديدة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (د.ب.أ)

ويرى الباحث أحمد سليمان أن تعدد مجموعات الوساطة وضعف التنسيق بينها يقتضيان ربط جهود وقف إطلاق النار بعملية سياسية سودانية تقودها قوى مدنية.

ويذهب الباحث في «تشاتام هاوس» هوبير كينكوه، في تحليل نشره المعهد في 13 فبراير (شباط) 2026، أن تعدد مسارات الوساطة بشأن السودان، وغياب قيادة واضحة وتنسيق فعّال بينها، أتاحا للجيش وقوات «الدعم السريع» مقاومة تقديم تنازلات جدية.

من هنا، قد يسهم اجتماع نيويورك في معالجة تشتت جهود الوسطاء، لكن قيمته الفعلية ستتضح إذا استطاع جمع المتحاربين على اتفاق واضح، ووضع آلية لمراقبة الالتزام به والتعامل مع خروقه.

وصلت «س» إلى أسرتها بفضل هدنة قصيرة، ثم اضطرت الأسرة لمغادرة منزلها. أما الهدنة التي ينتظرها النازحون واللاجئون، اليوم، فيريدونها فرصة لوصول المساعدات وبداية لوقف دائم للقتال، حتى تصبح العودة إلى البيوت والمناطق ممكنة وآمنة.


ملف الوساطة بين أميركا وإيران يتصدّر لقاءات مصر في الأمم المتحدة

عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
TT

ملف الوساطة بين أميركا وإيران يتصدّر لقاءات مصر في الأمم المتحدة

عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

تصدّر ملف الوساطة بين أميركا وإيران لقاءات مصرية على هامش اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وجاء الحديث عن الأزمة الإيرانية والوضع في مضيق هرمز خلال لقاءات لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في إيران وتركيا وسلطنة عُمان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الجهود المبذولة والمقترحات التي يجري طرحها من أجل التوصل لاتفاق يؤدي إلى احتواء التوتر وخفض التصعيد.

ووفق إفادة للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية نادر زكي، الجمعة، شدد الوزير عبد العاطي على «الأهمية البالغة لأن تضطلع كل دولة بمسؤولياتها لضمان حركة وحرية الملاحة الدولية، حتى يمكن احتواء التداعيات السلبية لهذه الأزمة على الاقتصاد العالمي التي أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد للطاقة والأسمدة وحركة التجارة الدولية بشكل كبير».

وأكد «أهمية احترام الأمن والاستقرار لدول الخليج وجميع دول المنطقة»، مشدداً على «ضرورة العودة إلى الحوار واستئناف المسار الدبلوماسي عبر التفاوض والتوصل لتفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة الحالية، ووضع حد لحالة التصعيد التي تُلحق أضراراً بالغة بمصالح جميع دول المنطقة».

من لقاء عبد العاطي وعراقجي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وبحث عبد العاطي مع وزير خارجية سلطنة عُمان بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي والمستجدات في البحر الأحمر و«باب المندب»، إذ أكد «أولوية وقف التصعيد والابتعاد عن أي خطوات من شأنها تأجيج التوتر وتهديد الأمن والاستقرار، وضرورة ضمان حرية حركة الملاحة، وفقاً لقواعد وأحكام القانون الدولي، وبما يُسهم في صون الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي». وشدد على «رفض مصر القاطع المساس بأمن المملكة العربية السعودية الشقيقة، وتضامن مصر الكامل معها لحفظ سيادتها واستقرارها»، مؤكداً «ضرورة إفساح المجال أمام الجهود الدبلوماسية باعتبارها المسار الأمثل لتجاوز أي تحديات».

وحسب المتحدث باسم الخارجية، الجمعة، «تم التطرق إلى الأزمة الإيرانية والوضع في (هرمز)، وجهود عُمان المقدرة بالتنسيق مع مصر والوسطاء، من أجل خفض التصعيد، كما تم التأكيد على ضرورة الحفاظ على أمن وسلامة حركة الملاحة، وضمان انسياب حركة التجارة وإمدادات الطاقة، بما يُسهم في الحد من تداعيات التوترات الراهنة وتعزيز الاستقرار الإقليمي».

كما التقى وزير الخارجية المصري مع نظيره التركي هاكان فيدان، وتبادل معه الرؤى حول الأزمة الإيرانية، إذ تم «التأكيد على أهمية مواصلة دعم جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، للعودة إلى مسار المفاوضات لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، مع التشديد على رفض المساس بأمن دول الخليج الشقيقة أو استخدام المضايق والممرات البحرية بوصفها أداة ضغط في تلك الأزمة».

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره التركي هاكان فيدان في نيويورك (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

ووفق بيان «الخارجية المصرية»، الجمعة، أكد الوزيران عبد العاطي وفيدان «أهمية تنفيذ استحقاقات (خطة الرئيس دونالد ترمب للسلام)، ودخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون عوائق، مع بدء تنفيذ إعادة الإعمار والتعافي المبكر». وشدد عبد العاطي على «رفض مصر أي مخططات لتهجير الفلسطينيين وإدانة عمليات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية».

وناقش الطرفان مستجدات الأوضاع في السودان، إذ أكد عبد العاطي «أهمية الحفاظ على وحدة وسيادة السودان وتعزيز مسار المفاوضات بما يلبي تطلعات الشعب السوداني الشقيق ويصون مؤسساته الوطنية».

كما تطرق اللقاء إلى الأوضاع في ليبيا وسبل تحقيق تقدم في العملية السياسية وإنهاء حالة الانقسام التي تشهدها البلاد. وأكد عبد العاطي أن «تحركات مصر تجاه الملف الليبي تستند إلى أولوية الحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، إلى جانب دعم وحدة مؤسساتها الوطنية»، مشدداً على «أهمية تكامل الجهود الإقليمية والدولية الداعمة للمسار السياسي الليبي، بما يُسهم في مساعدة الأطراف الليبية على التوصل إلى تسوية مستدامة تعبّر عن إرادتهم، وتحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها».

أيضاً تناول عبد العاطي خلال لقاء مع نائب وزير خارجية الولايات المتحدة ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز، الجمعة، تطورات الأوضاع في إيران وأمن البحر الأحمر، إذ أكد وزير الخارجية المصري رؤية بلاده «القائمة على ضرورة خفض التوترات، وأهمية اللجوء إلى الحوار والوسائل الدبلوماسية لتسوية الخلافات، ‏مع ضمان حرية الملاحة البحرية في المضايق والممرات وكذلك حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد».