الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

بدايات ظهور النص الروائي الخليجي كانت في السعودية

الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية
TT

الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

يتناول الناقد والباحث اليمني د. فارس البيل نشأة وجذور السرد الإبداعي في منطقة الخليج وعلاقة النص بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة عبر كتابه «الرواية الخليجية - قراءة في الأنساق الثقافية» الصادر مؤخراً عن دار «الأكاديميون» بعَمّان.

ويشير المؤلف إلى أن بدايات ظهور النص الروائي الخليجي كانت في السعودية، وتمثل تجربة عبد القدوس الأنصاري في «التوأمان» التي صدرت عام 1930 وواكبت بدء تكون المجتمع وبناء مؤسسات الدولة وبداية مرحلة الاستقرار، ثم صدرت رواية «الانتقام الطبيعي» لمحمد نور جوهرجي عام 1935، وشهد عام 1948 صدور عملين هما «فكرة» لأحمد السباعي ﻭ«ﺍﻟﺒﻌث» لمحمد علي المغربي.

ويرى المؤلف أن روايات هذه المرحلة، كما في بدايات أي مرحلة إبداعية؛ تفتقر إلى الجودة الفنية والمعيارية، وانحصرت في ﻗﻀﺎيا ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ وﺛﻘﺎﻓﻴﺔ محدودة، من حيث استخدامها للسرد بوصفه منبراً للإصلاح، ومن هنا غلب عليها الطابع التعليمي الوعظي، الذي يسعى لتكريس قيم الخير والفضيلة. ويعتبر كثير من النقاد أن رواية «ثمن التضحية» الصادرة عام 1959 لحامد دمنهوري؛ البداية الفنية الحقيقية للرواية السعودية، كما ظهرت الرواية النسوية في بداية الستينات مع سميرة خاشقجي، لتشهد مؤخراً تراكماً إنتاجياً وحضوراً واسعاً واكب الازدهار الاقتصادي، وانتشار التعليم والتثقيف، وازدياد حضور المرأة، ونضالها للتحرر من القيود الاجتماعية وفرض ذاتها، كما أولت الرواية السعودية منذ ثمانينات القرن العشرين عناية واضحة بالخصائص الثقافية.

ويعد الإنتاج الروائي السعودي الأكثر غزارة خليجياً؛ إذ صدر منذ 1930 وحتى 2010 ما يقرب من 500 عمل روائي تتنوع فيها الرؤى من الرواية الإصلاحية التعليمية في البداية، إلى الرواية الفنية الكلاسيكية، والواقعية، والرومانسية، والرواية الرمزية، والرواية الجديدة. وتدرجت الرواية شكلاً؛ من الشكل الروائي الكلاسيكي منذ 1959 إلى الشكل الروائي الجديد مع التسعينات والألفية الثالثة، كما توزعت الرواية السعودية من الرواية المحافظة في النصوص الروائية الأولى، إلى الرواية المنفتحة، التي تتميز بالصراحة والجرأة.

الرواية الكويتية

وتأتي الكويت تالية للسعودية من حيث الإنتاج الروائي والأسبقية؛ فأول نص روائي هو «آلام صديق» لفرحان راشد الفرحان، الصادر 1948، ثم صدرت رواية «قسوة الأقدار» لصبيحة المشاري، 1960، كما صدرت «مُدرّسة من المرقاب» لعبد الله خلف عام 1962، و«الحرمان» لنورية السداني 1968. وتعتبر هذه روايات الريادة والبواكير التي تمثل الإرهاصات الأولى المبشرة بميلاد جنس أدبي جديد. وشكلت القضايا الاجتماعية الموضوعات الأساسية للروايات الأولى في الكويت، متمثلة بنشوء مجتمع حديث بملامح وعاداتٍ جديدة، وما ترتب على ذلك من تغيرات، إلى جانب نزعة الحنين إلى الماضي، بالإضافة إلى تناول عالم المرأة وهمومها في علاقتها بذاتها وبالجنس الآخر وسلطة المجتمع.

وتعد حقبة الثمانينات بداية انطلاقة الرواية الكويتية التي توسعت مع عقد التسعينات، ليسجل مؤشر الإنتاج تراكماً كبيراً ومتميزاً مع سنوات العقد الأول من الألفية الثالثة. وربما كان صراع الحراك الاجتماعي الأكثر تداولاً هنا، كما أن كثيراً من النصوص انتسبت من حيث أسلوبها ولغتها وشكل البناء الفني إلى المدرسة الواقعية. وإذا ما تتبعنا رصد الإنتاج الكمي للرواية الكويتية نجد أن هناك ما يناهز 130 رواية صدرت منذ 1948 حتى عام 2008.

الرواية العمانية

وتعد رواية «ملائكة الجبل الأخضر» لعبد الله الطائي الصادرة عام 1963 أول رواية في سلطنة عمان، إذ نشأ هذا الفن عمانياً بالتزامن مع نشأة القصة القصيرة، بل إن رائدهما واحد هو عبد الله الطائي. وتحكي هذه الرواية تجربة الشعب العماني في مقاومة التدخل الإنجليزي. وللطائي رواية أخرى بعنوان «الشراع الكبير» تتحدث عن كفاح العمانيين ضد المستعمر البرتغالي في القرن السادس عشر. وتقترب هاتان الروايتان من جنس السيرة الأدبية الذاتية، المغلفة بنكهة روائية، وتفتقران للبعد الفني بمفهومه الحديث. لكن التجارب الفعلية لفن الرواية في عمان بدأت في الظهور عندما أصدر سعود المظفر «رجال وجليد» 1988 التي تناولت الأوضاع في البلاد قبل النهضة 1970، وقضايا التطور الاجتماعي الذي مرَّ به المجتمع بعدها، وأصدر سيف السعدي روايتين في العام نفسه هما «خريف الزمن» و«جراح السنين». وتعددت النصوص لكتاب آخرين بين القصص الطويلة والتأليف السردي القائم على الإطالة في السرد وتعدد الشخصيات، من دون أن تحقق الشروط الفنية لكتابة الرواية. وأصدرت بدرية الشحي رواية بعنوان «الطواف حول الجمر»، لتكون أول رواية نسوية عمانية 1999، وهي «صرخة احتجاج ضد تجاهل المرأة في المجتمع».

ويذكر المؤلف أن الرواية العمانية كانت في بداياتها أشبه بسيرٍ ذاتية؛ تلتزم النهج الكلاسيكي، لكن حدث نوع من التمرد على هذه القوالب وبدأ تيار الوعي يتعمق في نصوصها مع بداية الألفية الجديدة. كما أنها رصدت حركة نمو المجتمع وتحوله من طابع تقليدي إلى مجتمع متطور ومنفتح على أشكال الثقافات ومظاهر التطور والمدنية، وانعكست فيها معالم التغير الذي أصاب المكان والإنسان العماني، علاوة على تسجيلها حركة التحول الاقتصادي.

الرواية البحرينية

وتعود بواكير الكتابة الروائية في مملكة البحرين لمنتصف الستينات، فأول نص روائي هو «ذكريات على الرمال» الصادر 1966 للكاتب فؤاد عبيد، وهو أحد رواد القصة القصيرة، والرواية تقوم بسرد عوالم ما قبل النفط، وتظهر شظف العيش بجانب البحر، وتمتلئ بحكايا الحب والطلاق وغيرهما. ثم حدث بعد هذه الرواية انقطاع في المشهد البحريني حتى مرحلة الثمانينات التي فيها بدأ الحراك في مجال الكتابة الروائية من خلال أسماء مثل محمد عبد الملك، الذي بدأ قاصاً أيضاً لكنه أصدر روايته «الجذوة» 1980 التي تعتبر البداية الفعلية للرواية البحرينية. وفي الفترة نفسها، برز عبد الله خليفة الذي صدرت له أعمال كثيرة، وفوزية رشيد وأحمد المؤذن وأمين صالح وغيرهم. وركزت الرواية البحرينية على معاناة الإنسان البحريني قبل مراحل النهوض ولم تغفل قضايا المرأة في المجتمع.

يعد الإنتاج الروائي السعودي الأكثر غزارة خليجياً إذ صدر منذ 1930 وحتى 2010 ما يقرب من 500 عمل روائي

الرواية الإماراتية

تعتبر «شاهندة» لراشد عبد الله، الصادرة 1976، أول رواية مطبوعة إماراتياً، وهي في المنظور الفني حكاية بسيطة كإحدى الحكايات الشعبية التي يسردها راوٍ ماهر بقصد الإمتاع والتسلية. وتطورت الرواية الإماراتية ببطء واضح بين السبعينات والثمانينات، وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود تالية، نجد الشكل الفني للرواية قد قطع شوطاً بعيداً. وإذا كان راشد عبد الله اعتمد شكلاً سردياً بسيطاً يتسم بالحكائية؛ فإن الكتاب اللاحقين قد سعوا إلى تبني الأشكال الفنية المتطورة، إذ تأثر الكتاب الإماراتيون الجدد والمخضرمون منهم بالأشكال الفنية الجديدة، مجارين بذلك النقلات السريعة الجارية على مستوى التطوير العمراني والمؤسسي في البلد؛ حيث جاءت التجارب الروائية اللاحقة متبنية أنماطاً حداثية.

ويُعد علي أبو الريش، الروائي الأول في الإمارات من حيث تراكم إصداراته وجدية تجربته مثل «الاعتراف» 1982، وهناك أسماء أخرى عديدة مثل ثاني السويدي، ومنصور عبد الرحمن، ومحمد غباش وغيرهم ممن تأثروا بالأشكال الفنية الحديثة للسرد الروائي. وأسهمت المرأة الإماراتية في إثراء العملية الإبداعية إذ تبدو هموم المرأة وانكساراتها هاجساً مباشراً في الرواية الإماراتية. وتعد رواية «شجن بنت القدر الحزين» لحصة الكعبي الصادرة 1992 الأولى من نوعها في هذا السياق. ويبرز حضور البيئة في الرواية الإماراتية بوضوح، لا سيما ثنائية البحر والنفط.

في قطر

وتأخر ظهور الرواية القطرية إذ صدرت «أسطورة الإنسان والبحيرة» لدلال خليفة 1993، وبعدها بنحو شهر تقريباً صدر عملان روائيان لشقيقتها شعاع خليفة، وبالإضافة لهما يضم المشهد الروائي القطري عدداً محدوداً من الروائيين من أبرزهم: أحمد عبد الملك، ومريم آل سعد، وزكية مال الله، وهدى النعيمي.


مقالات ذات صلة

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).