أسرار المواقع السوداء وأمراض الشيخوخة للمعتقلين تتصدر محاكمات غوانتانامو

عبد الهادي العراقي مصيره حُدّد في صفقة سرية قبل عامين

معتقل في مركز احتجاز خليج غوانتانامو في عام 2019 خلال آخر زيارة قام بها المصورون الصحافيون قبل أن ينهي السجن تسهيلاته الإعلامية (نيويورك تايمز)
معتقل في مركز احتجاز خليج غوانتانامو في عام 2019 خلال آخر زيارة قام بها المصورون الصحافيون قبل أن ينهي السجن تسهيلاته الإعلامية (نيويورك تايمز)
TT

أسرار المواقع السوداء وأمراض الشيخوخة للمعتقلين تتصدر محاكمات غوانتانامو

معتقل في مركز احتجاز خليج غوانتانامو في عام 2019 خلال آخر زيارة قام بها المصورون الصحافيون قبل أن ينهي السجن تسهيلاته الإعلامية (نيويورك تايمز)
معتقل في مركز احتجاز خليج غوانتانامو في عام 2019 خلال آخر زيارة قام بها المصورون الصحافيون قبل أن ينهي السجن تسهيلاته الإعلامية (نيويورك تايمز)

تجمعت الكثير من التساؤلات التي تواجه مستقبل عمليات السجون في خليج غوانتانامو في قضية إصدار الحكم على أحد قادة تنظيم «القاعدة» المقرّين بالذنب، من شيخوخة المحتجزين إلى صفقات الإقرار بالذنب السرية.

وفي جلسة استماع عُقدت الشهر الماضي جلس السجين على كرسي مستشفى مبطن ومعه مشاية ذات أربع عجلات وعصا في متناول يده، وهو بالكاد يشبه القائد الموقر للمتمردين الذي كان في أفغانستان. وقد أدى مرض العمود الفقري إلى إصابته بالشلل. ويقول محاموه إنه يعاني آلاماً مستمرة. في مقصورة المحلفين المقابلة للسجين، عبد الهادي العراقي، بدا 11 ضابطاً عسكرياً أميركياً لائقين ومهذبين في زي الخدمة الخاص بهم. وحكمت عليه اللجنة بأقصى عقوبة ممكنة، بالسجن لمدة 30 عاماً أخرى، من دون أن تدرك أن مصيره قد تحدد بالفعل في صفقة سرية قبل عامين.

عبد الهادي العراقي قيادي «القاعدة» السابق في صورة قدّمها محاموه... حيث قال أمام هيئة محلفين عسكرية أميركية إنه عُصبت عيناه وجُرّد من ملابسه وحُلقت لحيته قسراً وصُوّر عارياً في مناسبتين بعد القبض عليه عام 2006 (نيويورك تايمز)

العراقي واحد من 4 سجناء مدانين

عبد الهادي، الذي قُبض عليه عام 2006، هو الآن واحد من 4 سجناء مدانين فقط في خليج غوانتانامو. ولكن حاله مثل معظم المعتقلين الثلاثين هناك، تمت الموافقة نظرياً على نقله إلى بلد حليف لأميركا ومستقر وموثوق به. وهو في الثالثة والستين من عمره أيضاً يعدّ أقدم سجين، وهو من بين الأكثر مرضاً بين كبار السن والمرضى في المعتقل البحري. في عام 2022، وافق مسؤول في البنتاغون، مسؤول عن المحكمة، على تحديد مدة العقوبة بعشر سنوات بالنظر إلى اعترافه وتعاونه مع حكومة الولايات المتحدة. وبعبارة أخرى، يمكن أن يطلق سراح السجين في عام 2032.

وبموجب الاتفاق، يمكنه المغادرة في وقت مبكر، إذا تم العثور على بلد ما لاحتجازه وتقديم الرعاية الصحية له. كما تمت الموافقة على نقل 18 سجيناً آخر كانوا محتجزين لفترة أطول من مدة احتجاز عبد الهادي؛ وذلك بموجب ترتيبات أمنية. لا يمكن إعادة معظم المحتجزين الذين تم إخلاء سبيلهم إلى بلدانهم الأصلية؛ لأن الولايات المتحدة ترى بلدانهم غير مستقرة، أو أن حكوماتهم معادية للغاية بحيث لا تتمكن من تعقبهم وإعادة تأهيلهم.

وتشمل هذه المجموعة 11 يمنياً وصومالياً وليبياً لم توجه إليهم أي تهم أو إدانتهم أبداً. وبالنسبة لعبد الهادي، فإن ذلك يعني أنه لا يستطيع الانضمام إلى زوجته وأطفاله الأربعة البالغين، وجميعهم من مواطني أفغانستان، وطنه المتبنى.

وقد ناقش الدبلوماسيون الأميركيون قضيته مع دول أخرى. لم يوافق أي منهم على التعامل مع محنة مجرم حرب معترف يحتاج إلى رعاية طبية مستمرة بعد 6 عمليات جراحية أجريت له في عموده الفقري في غوانتانامو. كما كانت محاكمة إصدار الأحكام بمثابة نموذج لحل قضايا جرائم الحرب طويلة الأمد في غوانتانامو من خلال اتفاقات الاعتراف بالذنب.

وفي إطار العملية الغامضة للجان العسكرية، لا يمكن للقاضي أن يصدر حكماً ببساطة على عبد الهادي.

معسكر العدالة في خليج غوانتانامو بكوبا العام الماضي (نيويورك تايمز)

جزء من تنظيم «القاعدة»

وبدلاً من ذلك، نقلت وزارة الدفاع الأميركية هيئة الضباط العسكريين جواً إلى غوانتانامو من القواعد الأميركية في جميع أنحاء العالم، وحُددت جلسة للنطق بالأحكام خلال أسبوعين، وهي محاكمة مصغرة.

وتلقى الفريق وثيقة مفصلة من 18 صفحة، في 124 فقرة، وهي بالأساس اعتراف تحت القسم تم التوصل إليه مع المدعين العامين، ووقتاً لدراسته. وفيها سرد عبد الهادي قصة حياته. وأوضح أنه فرّ إلى أفغانستان لتجنب العودة إلى الجيش العراقي والخدمة في حرب الخليج عام 1991، وأصبح لاحقاً جزءاً من الدائرة الداخلية لتنظيم «القاعدة».

وأقرّ بأن قوات المتمردين التي كان يقودها استخدمت بشكل غير قانوني غطاء المدنيين في الهجمات التي قتلت 17 من القوات الأميركية وقوات التحالف في أفغانستان بين عامي 2003 و2004. ثم جاء دور الضحايا. وقال ثلاثة من قدامى المحاربين في الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على أفغانستان، ووالد وشقيقة أحد أفراد القوات الخاصة الذي قُتل في القتال، عن استمرار شعورهم بالصدمة حتى الآن، بعد سنوات من نهاية أطول حرب أميركية. ووصفوا المنازل المحطمة، والجثث المَتلُوفة، والشعور بذنب الناجين، والعجز التام لديهم. ووصف الرقيب الأول المتقاعد روبرت ستاوت، النجاة من تفجير انتحاري فاشل ثم تفكيك العبوة - وهي سيارة أجرة محملة بالمتفجرات، في تجربة جعلته يعاني ضغوطاً شديدة.

وداخل المواقع السوداء أمضى ثلثا المحتجزين الآن في معتقل غوانتانامو بعض الوقت في برنامج الاستجواب السري التابع للاستخبارات المركزية الأميركية، وفقاً لدراسة سرية أجراها مجلس الشيوخ عام 2014 حول البرنامج، والذي أصبح محظوراً الآن. وقدمت جلسة النطق بالحكم على عبد الهادي لمحة نادرة من الداخل. باستخدام تصوير الطب الشرعي بزاوية 360 درجة الذي أنتجته الحكومة، أطلع عبد الهادي وأحد محامي الدفاع المحلفين على «الموقع الأسود» الذي احتجز فيه عبد الهادي بمعزل عن العالم الخارجي في أفغانستان قبل نقله إلى خليج غوانتانامو عام 2007.

واطلعوا على «غرفة صامتة» بيضاء فارغة مساحتها 6 أقدام، حيث احتُجز عبد الهادي لمدة 3 أشهر تقريباً - من دون لطخة دم على جدار، ودلو للمرحاض، وسجادة بسيطة على الأرض، قال السجين بأنه استعملها كوسادة. تمكن الفريق القانوني لعبد الهادي من رفع السرية عن المادة، وعلى رغم اعتراضات دوغلاس جيه شورت، المدعي العام الرئيسي، تم عرض صور الزنزانة الخالية من النوافذ على الجمهور، والتي كانت في ذلك اليوم في المحكمة تتكون من الضحايا، واثنين من طلاب القانون، ومراسل واحد. الشيخوخة واشتداد المرض، حيث كانت إعاقة عبد الهادي ظاهرة أيضاً طوال جلسة الاستماع، بدءاً بالجنود الذين جلبوه على كرسي متحرك إلى قاعة المحكمة، حيث كان سرير المستشفى متواجداً في زاوية بعيدة. عقد القاضي جلسات صباحية قصيرة قبل أن تجعل مسكنات الألم الموصوفة لعبد الهادي يشعر بالنعاس لدرجة تمنعه من متابعة الإجراءات.

وفي حالات أخرى، يعدّ محامو الدفاع حالته طليعة المشكلات الصحية الناشئة لدى مجموعة من السجناء الذين يعانون إصابات دماغية مؤلمة، وأمراضاً عقلية، واضطرابات في الجهاز الهضمي، وإصابات في الظهر والرقبة.

مدخل معسكر غوانتانامو شديد الحراسة (الشرق الأوسط)

اللائمة على «المواقع السوداء»

وقد ألقى المحامون باللائمة في المشاكل الصحية التي يعانيها السجناء على السنوات التي كانوا يحتجزون فيها في «المواقع السوداء». وقال القاضي العسكري، العقيد تشارلز بريتشارد جونيور، إنه تم تقديم بعض التسهيلات «لضمان عدم التأثير سلباً على حق المتهم في حضور هذه الإجراءات القانونية».

وحذر هيئة المحلفين من اتخاذ هذا الإجراء ضد السجين. قال الرائد لوكاس هويسنغا، وهو محام من قوات المارينز في فريق الدفاع، إن عبد الهادي تلقى رعاية طبية دون المستوى المطلوب في «منشأة دون المستوى المطلوب» في غوانتانامو؛ ونتيجة لذلك «أصبح مُعَوَّقاً بشكل دائم ويعاني ألماً مزمناً وشديداً».

وكان سيتم إجلاء أي جندي أميركي طبياً، في ظروف مماثلة، إلى مرافق طبية عسكرية أفضل تجهيزاً في الولايات المتحدة. هذا، ويحظر الكونغرس نقل المحتجزين إلى الولايات المتحدة لتلقي الرعاية الصحية أو لأي سبب آخر. وبدلاً من ذلك، عندما وُجد عبد الهادي مشلولاً جزئياً ومصاباً بالسَّلَس البولي في زنزانته في سبتمبر (أيلول) 2017، أرسلت البحرية جراحاً صغيراً يفتقر إلى الخبرة إلى غوانتانامو، ولم يكن لديه الموارد الكافية لإجراء عملية جراحية له، كما قال الرائد هويسنغا. في حين دافع السيد شورت، المدعي العام، عن رعاية عبد الهادي وعدّها «بالتأكيد غير كافية» ورفض تشخيصه باضطرابات ما بعد الصدمة الذي لم يتم علاجه، على اعتبار أنه ربما جاء نتيجة لشعوره بالذنب.

* «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

خاص مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)

معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

في الذكرى الـ25 لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، يبدو معتقل غوانتانامو أقل شبهاً بسجن بقي مفتوحاً بالخطأ، وأكثر اقتراباً من مؤسسة متجذرة عرفت كيف تقاوم الزمن.

بيسان الشيخ (لندن )
الولايات المتحدة​ معسكر «دلتا» في «غوانتانامو» حيث يُحتجز سجناء من «القاعدة» و«طالبان» (غيتي)

تحديد موعد لمحاكمة المتهم بتدبير «هجمات 11 سبتمبر»

أمر قاضٍ في سلاح الجو الأميركي خالد شيخ محمد المتهم بتدبير هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة بالمثول ‌أمام محكمة عسكرية.

شمال افريقيا عناصر شرطة ألمانية (رويترز - أرشيفية)

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

قضت محكمة ألمانية بالسماح للموريتاني محمدو ولد صلاحي الذي كان معتقلاً في غوانتانامو والذي جسدت هوليوود قصته في فيلم «الموريتاني»، بالدخول إلى ألمانيا مجدداً.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا صورة أرشيفية غير مؤرخة قدّمتها «القيادة المركزية الأميركية» تظهر أبو زبيدة (أ.ب)

بريطانيا توافق على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى أقامها معتقل في غوانتانامو

قال محامي أحد معتقلي خليج غوانتانامو، الاثنين، إن الحكومة البريطانية وافقت على دفع «مبلغ ضخم» لتسوية دعوى قضائية أقامها المعتقل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مدخل محكمة «غوانتانامو» (أ.ب)

قضاة جدد في غوانتانامو يتسلمون قضية «أحداث 11 سبتمبر»

عادت القضية المرفوعة ضد الرجال المتهمين بالتخطيط لـ«هجمات 11 سبتمبر (أيلول)» الإرهابية عام 2001 إلى مسار العمل مدة وجيزة هذا الأسبوع.

كارول روزنبرغ (واشنطن)

الإعصار «بولو» يضرب ساحل المكسيك برياح عاتية ويغرق الشوارع

صورة جوية تظهر شوارع غمرتها المياه بعد وصول إعصار «بولو» إلى بلدة بويرتو سان كارلوس بولاية باخا كاليفورنيا سور بالمكسيك يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
صورة جوية تظهر شوارع غمرتها المياه بعد وصول إعصار «بولو» إلى بلدة بويرتو سان كارلوس بولاية باخا كاليفورنيا سور بالمكسيك يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

الإعصار «بولو» يضرب ساحل المكسيك برياح عاتية ويغرق الشوارع

صورة جوية تظهر شوارع غمرتها المياه بعد وصول إعصار «بولو» إلى بلدة بويرتو سان كارلوس بولاية باخا كاليفورنيا سور بالمكسيك يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
صورة جوية تظهر شوارع غمرتها المياه بعد وصول إعصار «بولو» إلى بلدة بويرتو سان كارلوس بولاية باخا كاليفورنيا سور بالمكسيك يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ضرب الإعصار «بولو» ساحل المكسيك المطل على المحيط الهادئ، صباح الثلاثاء، مصحوباً برياح بلغت سرعتها 175 كيلومتراً في الساعة، فيما غمرت المياه شوارع بلدة بويرتو سان كارلوس وانقطعت عنها الكهرباء، وسط تحذيرات من رياح تهدّد الحياة وفيضانات مفاجئة.

شارع غمرته المياه بعد وصول إعصار «بولو» إلى بلدة بويرتو سان كارلوس بولاية باخا كاليفورنيا سور بالمكسيك يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ورافقت «بولو» رياح بلغت سرعتها 175 كيلومتراً في الساعة، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُعدّ ولاية باخا كاليفورنيا سور من أكثر مناطق المكسيك عرضة للأعاصير، لكن السكان يخشون موسماً شديداً بصورة خاصة بسبب ظاهرة إل نينيو.

عمود كهرباء مائل جراء إعصار «بولو» في لوريتو بولاية باخا كاليفورنيا سور بالمكسيك يوم 29 سبتمبر 2026 (رويترز)

ومع اقتراب الإعصار، اشتدّت الرياح مطلقة صفيراً ينذر بهبّات أشدّ عنفاً، وأخذت تثني أشجار النخيل، وفق ما شاهد فريق من «وكالة الصحافة الفرنسية» في بويرتو سان كارلوس.

وانقطعت الكهرباء بعد ذلك بقليل، وبقيت البلدة غارقة في الظلام مع حلول الليل.

صورة جوية التقطتها طائرة مسيّرة لمدينة لوريتو بعد أن ضرب إعصار «بولو» ولاية باخا كاليفورنيا سور في المكسيك يوم 29 سبتمبر 2026 (رويترز)

وكان المركز الوطني الأميركي للأعاصير حذّر الاثنين من احتمال هبوب «رياح قد تكون قاتلة وحدوث فيضانات مفاجئة» في باخا كاليفورنيا سور، فيما أمرت السلطات السكان بالاحتماء ابتداء من الساعة الثالثة عصراً بالتوقيت المحلي (22.00 بتوقيت غرينيتش).

شخص يراقب ارتفاع المد مع اقتراب إعصار «بولو» في كوموند بولاية باخا كاليفورنيا سور بالمكسيك يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

وبويرتو سان كارلوس قرية لصيد الأسماك يبلغ عدد سكانها نحو ستة آلاف نسمة، وتعتمد بصورة رئيسية على السياحة المرتبطة بمراقبة الحيتان.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميلي يهدد لندن باللجوء إلى التحكيم الدولي في قضية جزر فوكلاند

الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي (أ.ب)
الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي (أ.ب)
TT

ميلي يهدد لندن باللجوء إلى التحكيم الدولي في قضية جزر فوكلاند

الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي (أ.ب)
الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي (أ.ب)

هدّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الاثنين، بمقاضاة المملكة المتحدة على خلفية مشروع نفطي قبالة جزر فوكلاند التي تتنازع المملكة المتحدة والأرجنتين السيادة عليها.

وخاضت بريطانيا والأرجنتين حرباً حول الجزر في عام 1982، أسفرت عن مقتل 649 أرجنتينياً، و255 بريطانياً، وثلاثة من سكان الجزر.

وتجاهلت شركتا «روك هوبر إكسبلوريشن» البريطانية و«نافيتاس بتروليوم» الإسرائيلية المطوّرتان للحقل النفطي قبالة جزر فوكلاند، التهديدات الأرجنتينية، مؤكّدتين أنهما تمتلكان تراخيص تنقيب سارية صادرة عن المملكة المتحدة. ويحمل المشروع اسم «سي لاين»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال ميلي، في منشور على منصة «إكس»: «أوعزت إلى وزارة الخارجية وفرقنا القانونية ببدء إجراءات تحكيم ضد المملكة المتحدة، بسبب نهب مواردنا بشكل غير قانوني عبر مشروع (سي لاين) في حوض شمال فوكلاند».

ويقع حقل «سي لاين» النفطي على بُعد نحو 220 كيلومتراً من الجزر.

وأضاف الرئيس الأرجنتيني: «إذا لم توقف المملكة المتحدة خلال أسبوعين الاستغلال غير المشروع، فسنتوجه إلى المحكمة الدولية لقانون البحار».

وكانت حكومة ميلي باشرت بالفعل إجراءات قانونية ضد المشروع الذي سمحت به بريطانيا، معتبرة أنه ينتهك قراراً صادراً عن الأمم المتحدة يدعو الطرفين إلى الامتناع عن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب في الجزر إلى حين تسوية النزاع.

وتتمسّك بوينس آيرس بمطالبتها بالسيادة على جزر فوكلاند خصوصاً منذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن واشنطن منفتحة على مراجعة موقف الحياد الذي تتبنّاه إزاء النزاع القائم بين الأرجنتين وبريطانيا.

في المقابل، أكدت الحكومة البريطانية دعمها للشركات العاملة قرب جزر فوكلاند، معتبرة أن لها «الحق في تطوير مواردها الطبيعية بالطريقة التي تراها مناسبة».

ووصل ممثلون عن قطاع الأعمال في جزر فوكلاند، الاثنين، إلى مدينة بونتا أريناس في تشيلي لإعادة إطلاق خط ملاحي بين الميناءين.

وقالت نائبة مدير التنمية الاقتصادية في جزر فوكلاند، لويز إيليس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في بونتا أريناس، إن خط الشحن الجديد «لا يرتبط إطلاقاً» بنقل الشحنات الحيوية اللازمة لمشروع «سي لاين».

وأضافت: «بدأ هذا المشروع (المسار الجديد) قبل مشروع (سي لاين)، وكان دائماً مرتبطاً بما تحتاج إليه جزر فوكلاند ومجتمعاتها المحلية».

ومن المقرر إطلاق الخط في وقت لاحق من العام الحالي، بعد توقّفه في العقد الأول من الألفية، إثر اعتباره غير مجدٍ اقتصادياً، على أن يُستخدم أساساً لنقل مواد البناء ومنتجات الأغذية.


البرازيل أمام خيار اليسار أو اليمين... لولا وبولسونارو في سباق محتدم للرئاسة

صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) وفلافيو بولسونارو مرشح «الحزب الليبرالي» للرئاسة (رويترز)
صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) وفلافيو بولسونارو مرشح «الحزب الليبرالي» للرئاسة (رويترز)
TT

البرازيل أمام خيار اليسار أو اليمين... لولا وبولسونارو في سباق محتدم للرئاسة

صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) وفلافيو بولسونارو مرشح «الحزب الليبرالي» للرئاسة (رويترز)
صورة مدمجة تظهر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (يسار) وفلافيو بولسونارو مرشح «الحزب الليبرالي» للرئاسة (رويترز)

يدلي البرازيليون الذين ضاقوا ذرعاً بسلسلة متلاحقة من الفضائح السياسية واتهامات الفساد بأصواتهم الأحد في انتخابات تشهد تنافساً شديداً بين الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، والسيناتور اليميني فلافيو بولسونارو. فهل تبقى القوة الرئيسة في أميركا اللاتينية تحت حكم اليسار، أم تنضم إلى الموجة اليمينية التي يشجعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب؟

في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية، يتقدّم لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (80 عاماً) بفارق طفيف في استطلاعات الرأي على السيناتور فلافيو بولسونارو (45 عاماً)، نجل الرئيس اليميني المتطرف السابق جايير بولسونارو، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم يحسم كثير من الناخبين المسجلين خياراتهم بعد، إثر حملة هيمنت عليها فضائح هزّت المعسكرين.

وقال جويل دا سيلفا (42 عاماً)، وهو بوّاب في ريو دي جانيرو سبق أن صوّت لكل من لولا وجايير بولسونارو في انتخابات سابقة: «لم أحسم قراري بعد، لأن الفساد فاضح إلى هذا الحد، الأمر صعب».

ومن المرجّح أن يضطر نحو 160 مليون ناخب إلى حسم المنافسة بين المرشحين الأوفر حظاً في دورة ثانية في 25 أكتوبر (تشرين الأول). وتشير استطلاعات الرأي إلى تعادل شبه تام بينهما.

السيناتور والمرشح الرئاسي البرازيلي فلافيو بولسونارو خلال حفل تخريج عناصر جدد في الشرطة العسكرية بريو دي جانيرو في 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

عامل ترمب

عاد لولا، أحد أبرز رموز اليسار عالمياً، إلى السلطة بشكل لافت عام 2023، بعد أن أمضى فترة في السجن إثر إدانته بالفساد، قبل إلغاء الأحكام لاحقاً لأسباب إجرائية تتعلق بالاختصاص القضائي. وفي بلاده، يحظى بقدر متساوٍ من الحب، والكراهية، إذ لم يتمكن يوماً من التخلص تماماً من أثر تلك الاتهامات.

وجاب لولا أنحاء البرازيل بنشاط، فيما يُتوقع أن يكون آخر سباق انتخابي يخوضه. وركزت حملته بشدة على السيادة الوطنية في مواجهة ما ندّد به بوصفه نهجاً تدخلياً لترمب في الشأن الداخلي.

ودعم ترمب علناً مرشحين يمينيين فازوا في انتخابات تشيلي، وكولومبيا، والبيرو خلال الأشهر الأخيرة.

وتطرّق الرئيس البرازيلي إلى الوضع في بلده، حيث ستُجرى انتخابات رئاسية وسط تنامي المخاوف من تدخّلات أجنبية، لا سيّما من الأوساط الترمبية المحابية لبولسونارو الابن الخصم الأبرز للولا في هذا الاستحقاق.

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يلتقط صورة مع أحد مؤيديه في ريو دي جانيرو في 23 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وصرّح الرئيس البرازيلي: «في الرابع من أكتوبر يتوجّه ملايين البرازيليين إلى صناديق الاقتراع لرسم مستقبلهم. وهم لن يصوّتوا لرئيس للجمهورية، وحكّام ولايات، ونوّاب في الكونغرس فحسب»، بل إنهم «سيختارون أيضاً بين الديمقراطية ونكران الديمقراطية».

وتعهّد لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بمنع «أعداء الديمقراطية، سواء أكانوا من الوطن أم الخارج، من المساس بخيار الشعب».

ولم يعلن ترمب دعمه صراحة لنجل حليفه جايير بولسونارو، رغم استقباله السيناتور في البيت الأبيض في وقت سابق من هذا العام.

ويُحسب للولا خلال ولايته الثالثة توسيع البرامج الاجتماعية، وإصلاح النظام الضريبي، والحدّ من إزالة الغابات في الأمازون.

وبلغت البطالة أدنى مستوياتها على الإطلاق، وبات التضخم تحت السيطرة، لكن الاقتصاد يتباطأ، فيما تتصدر الجريمة والعنف مخاوف البرازيليين.

ومع اقتراب فلافيو بولسونارو منه في استطلاعات الرأي، اتخذ لولا خطوات أخيرة لاستمالة ناخبيه من الطبقة العاملة، فرفع قيمة المساعدات الاجتماعية، وحظر المراهنات عبر الإنترنت التي أغرقت الملايين في الديون.

ويقول إسرائيل غوميز (52 عاماً)، وهو مدير فندق في برازيليا، لا أريد أن أجعله يبدو مثالياً، لكنه «أحد أعظم الرؤساء الذين عرفهم هذا البلد».

مؤيدون للرئيس البرازيلي والمرشح لولاية جديدة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا خلال مسيرة في برازيليا في 13 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«متشكك جداً»

دفع جايير بولسونارو بابنه فلافيو مرشحاً للرئاسة بعد الحكم عليه بالسجن 27 عاماً.

ويقدم فلافيو، الذي لم يكن معروفاً على نطاق واسع حتى وقت قريب، نفسه بوصفه نسخة «أكثر اعتدالاً» من والده.

ووعد بانتهاج سياسة صارمة في مكافحة الجريمة، متعهداً ببناء سجون ضخمة تخضع لأقصى درجات الحراسة.

ويأمل إلياس كاميسيرو، وهو خياط يبلغ 74 عاماً أن يتمكن فلافيو من وضع حدّ للجماعات الإجرامية التي تسيطر على أحياء شعبية في مدن برازيلية عدة.

وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في ساو باولو: «يجب أن يتوقف هذا. اليوم الجريمة المنظمة هي التي تمسك بزمام الأمور في البرازيل».

وفقد كثيرون الأمل في قدرة السياسة على معالجة مشكلاتهم الأكثر إلحاحاً، ومنها الأمن.

المرشح الرئاسي البرازيلي فلافيو بولسونارو يتحدث إلى مؤيديه خلال موكب انتخابي في ريو دي جانيرو في 26 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وقال إدواردو ميتزكر (29 عاماً)، وهو مطوّر برمجيات في ريو دي جانيرو تعرّض للسرقة تحت التهديد ثلاث مرات: «لا أرى حقاً أن أموراً كثيرة ستتغير... سواء فاز فلافيو أو لولا. أنا متشكك جداً في ذلك».

وهيمنت على الحملة سلسلة من الكشف عن فضائح مرتبطة بالمصرفي المسجون دانيال فوركارو، والمتهم بتدبير إحدى أكبر عمليات الاحتيال المالي في البرازيل، والذي كانت تربطه علاقات مثيرة للشبهات بكثير من أصحاب المناصب الرفيعة.

ويخضع فلافيو بولسونارو لتحقيق بشبهة الفساد وغسل الأموال يتعلق بتمويل فيلم عن سيرة والده، موّله فوركارو.

وكُشف عن صلات بين فوركارو وقاضٍ نافذ في المحكمة العليا، ما شوّه صورة مؤسسات البلاد، وأضرّ بحملة لولا، وفق محللين.

وقال جوسيمار سيلفا من معهد العلوم السياسية بجامعة برازيليا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الحملة «طغت عليها الفضائح بدلاً من المشاريع السياسية».

وأضاف: «هناك ضجر لدى الناخبين. الناس يعتقدون أن الجميع فاسدون».