بوتين يحدّد شروطه لوقف النار... الاعتراف بالحدود الجديدة والحياد ونزع السلاح

«خطة سلام» تقابل جهود مؤتمر سويسرا وترسم ملامح الأمن الإقليمي المقبول للكرملين

بوتين مع لافروف (أ.ف.ب)
بوتين مع لافروف (أ.ف.ب)
TT

بوتين يحدّد شروطه لوقف النار... الاعتراف بالحدود الجديدة والحياد ونزع السلاح

بوتين مع لافروف (أ.ف.ب)
بوتين مع لافروف (أ.ف.ب)

حدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شروطه لإعلان وقف فوري لإطلاق النار في أوكرانيا بما يمهد لإطلاق مفاوضات لبلورة تسوية نهائية للصراع. وبدت الشروط المقترحة من جانب الكرملين أقرب إلى دعوة للاستسلام، وإعلان رضوخ كامل للأمر الواقع الذي تم تكريسه ميدانياً بعد مرور 28 شهراً على الحرب، من خلال الإقرار بترسيم جديد للحدود يقرّ بسيطرة نهائية لموسكو على «المناطق الجديدة» في جنوب البلاد. كما عكست إصرار الكرملين على تحقيق انتصار كامل سياسياً يكرس «الحياد الأوكراني» ويحظر على البلد الجار مستقبلاً تسليح جيشه.

واللافت في توقيت إعلان «خطة السلام» الروسية، أن بوتين تعمّد استباق الاجتماع الدولي المزمع عقده في سويسرا، والذي ينتظر أن يركز النقاش خلاله على «خطة السلام» الأوكرانية التي تطالب موسكو بسحب قواتها وإعادة الوضع إلى ما كان عليه عشية اندلاع الحرب في 24 فبراير (شباط) 2022.

بوتين يحدّد شروطه لإنهاء الحرب في أوكرانيا (أ.ف.ب)

وينضم زعماء كبرى دول العالم إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في قمة تنطلق السبت لاستكشاف سبل إنهاء الصراع، لكن روسيا ليست مدعوة. ومن المقرر أن تشارك نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقادة ألمانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، وكندا واليابان في القمة التي ستعقد يومي 15 و16 يونيو (حزيران) في منتجع بورجنشتوك الواقع على قمة جبلية في سويسرا. ولكن على الرغم من أشهر من جهود الحشد الأوكرانية المكثفة، فإن بعض الدول الأخرى لن تكون حاضرة، وأبرزها الصين، المستهلك الرئيسي للنفط الروسي والمورد للسلع التي تساعد موسكو في الحفاظ على قاعدتها الصناعية.

وقال بوتين خلال اجتماع مع قيادة وزارة الخارجية إنه «من أجل إطلاق مفاوضات، يتعين على أوكرانيا سحب قواتها من كامل أراضي المناطق الجديدة في روسيا - مناطق لوغانسك، ودونيتسك، وخيرسون وزابوروجيا».

وأوضح أنه «بمجرد أن تعلن كييف أنها مستعدة لمثل هذا القرار وتبدأ في انسحاب حقيقي للقوات من هذه المناطق، وتقدم إخطاراً رسمياً بالتخلي عن خطط الانضمام إلى الناتو، فإننا من جانبنا سنتبع ذلك على الفور، وفي اللحظة نفسها حرفياً». وحدد الخطوات الروسية المقابلة إذا التزمت أوكرانيا بشروطه: «الأمر بوقف إطلاق النار وبدء المفاوضات، أكرر، سنفعل ذلك على الفور». ووصف بوتين هذا السيناريو لإنهاء الصراع بأنه «بسيط للغاية».

بوتين مع لافروف (أ.ف.ب)

اللافت، أن الرئيس الروسي لم يكتفِ بشرط القبول بالأمر الواقع الميداني حالياً، بل شدد على أن الحديث يدور عن «انسحاب أوكراني كامل من كل الأراضي التابعة للمناطق الروسية الجديدة وفقاً للتقسيم الإداري في أوكرانيا حين انضمت هذه المناطق إلى الدولة الأوكرانية». ويعني ذلك، أن تنسحب القوات الأوكرانية من مناطق تعادل مساحتها تقريباً أقل بقليل من ضعف المناطق التي تسيطر عليها روسيا حالياً في مناطق شرق البلاد وجنوبها.

وقال الرئيس الروسي: «يجب إقرار الحقائق الإقليمية الجديدة، والاعتراف بشبه جزيرة القرم وسيفاستوبول، ودونيتسك، ولوغانسك، وخيرسون وزابوروجيا كأجزاء لا تتجزأ من روسيا، وتثبيت ذلك في المعاهدات الدولية».

وقال إن زحف القوات الروسية نحو العاصمة الأوكرانية كييف عام 2022 كان يهدف لإجبارها على القبول باتفاق سلام، وإنه لم تكن هناك نية لاجتياح المدينة. وتقول أوكرانيا والغرب إن روسيا أرادت الاستيلاء على كييف وتعيين زعماء موالين لها، لكنها هُزمت أمام مقاومة شرسة.

بوتين مع شي. الصين لن تحضر مؤتمر السلام في سويسرا (رويترز)

ومع الإقرار المطلوب بهزيمة عسكرية كاملة على الأرض، اشترط الرئيس الروسي أيضاً، إقراراً سياسياً بالهزيمة، وتنفيذ شروط الكرملين المعلنة منذ اندلاع المعارك. وعلى رأس تلك الشروط وفقاً لبوتين إعلان الحياد العسكري ومنع حلف الأطلسي من نشر أي قوات أو معدات في البلد الجار.

وقال بوتين: «من أجل التوصل إلى تسوية سلمية؛ من الضروري تثبيت الوضع المحايد وعدم الانحياز أو الانخراط بأي تكتل عسكري، وأن يكون ذلك عبر بلاغ خطي، فضلاً عن التعهد بعدم تطوير أو نشر الأسلحة النووية في أوكرانيا».

وحدد الشرط الثالث المطروح من جانب روسيا لإنجاح أي تسوية محتملة، بـ«نزع السلاح وتقويض النازية» في إشارة إلى إطاحة القيادة الحالية المتهمة من جانب موسكو بأنها نازية». وزاد: «نريد أن تكون شروط نزع سلاح أوكرانيا مكتوبة وواضحة، بما في ذلك من ناحية تحديد عدد وموضع القوات العسكرية». وقال بوتين إن «هذا هو موقف روسيا المبدئي، الذي اتفق عليه الجميع بشكل عام خلال مفاوضات إسطنبول عام 2022».

وبالإضافة إلى الشروط السابقة التي طرحها بوتين، وتشكل الهيكل الأساسي من وجهة نظره لانطلاق قطار التسوية النهائية، حدد الرئيس الروسي ثلاثة عناصر رأى أنها ضرورية لإكمال هذا المسار، هي «ضمان حقوق وحريات ومصالح المواطنين الناطقين بالروسية في أوكرانيا بشكل كامل، وتثبيت كل هذه الأحكام المحورية والأساسية للتسوية في شكل اتفاقيات دولية أساسية، والتأكيد على أن حل النزاع يتضمن إلغاء جميع العقوبات المفروضة على روسيا من قِبل الغرب».

الرئيس الأميركي مع نظيره الأوكراني خلال قمة مجموعة السبع في إيطاليا (أ.ف.ب)

وقال بوتين إن «جوهر اقتراحنا هو أننا لا نسعى إلى هدنة مؤقتة أو وقف لإطلاق النار، كما يريد الغرب من أجل تعويض الخسائر وإعادة تسليح نظام كييف وإعداد هجوم جديد، ما نريده ليس تجميد الصراع، وإنما إنهاؤه بشكل كامل».

ولوّح بأن بلاده سوف تواصل الضغط العسكري والعمل على تكريس ظروف ميدانية جديدة في حال رفضت أوكرانيا والغرب هذا العرض. وقال: «إذا رفض الغرب وكييف اقتراح السلام هذا، فسوف يتحملان المسؤولية السياسية والأخلاقية عن استمرار إراقة الدماء (...)، ومن الواضح أن الحقائق على الأرض ستستمر في التغير ليس لصالح نظام كييف وستكون شروط بدء المفاوضات مختلفة في المستقبل».

وأقرّ بوتين بصعوبة رضوخ كييف لهذه المطالب، وقال للحاضرين في اجتماع قيادة وزارة الخارجية إن «مثل هذه القرارات ستؤدي أيضاً إلى تفاقم موقف السلطات الأوكرانية».

وفي إشارة بدت موجهة إلى مؤتمر سويسرا الذي تغيب عنه موسكو، قال بوتين إن إعلانه يعكس استعداداً للمفاوضات، مشدداً على أنه «من دون مشاركة روسيا ومن دون حوار صادق ومسؤول يستحيل التوصل إلى حل سلمي في أوكرانيا، وأيضاً بشأن الأمن الأوروبي بشكل عام.»

وزاد أن روسيا مستعدة لإطلاق حوار مع جميع الدول «ليس حواراً شكلياً، وإنما حوار جدي وحقيقي حول القضايا المتعلقة كافة بالأمن الدولي». وشدد في هذا السياق على شروط روسيا لإقامة أمن إقليمي مستدام، مشيراً إلى أن «الدول والهياكل الإقليمية في فضاء أوراسيا يجب أن تحدد بنفسها مجالات محددة للتعاون في مجال الأمن المشترك (...)، ويجب أن تكون لأوروبا علاقات جيدة مع روسيا» تواجه «المحاولات الأميركية المستمرة لتمرير النهج الإمبريالي والهيمنة من أجل استنزاف الولايات المتحدة لقدرات القارة الأوروبية».

ورأى بوتين أنه «آن الأوان لمناقشة المنظومة والضمانات الأمنية. لا بد من الحيلولة دون التدخل الخارجي. نريد إقامة منظومة أمنية جيدة وجديدة (...) والقوات الأجنبية لا مكان لها في أوراسيا».

قال الرئيس الروسي بخصوص ما قررته قمة مجموعة «السبع» في إيطاليا إن ما تخطط له دول غربية لتزويد أوكرانيا بقروض باستخدام عوائد أصول روسية مجمدة في الخارج هي سرقة ولن تمر دون عقاب، مضيفاً: «رغم كل الخداع... السرقة تظل بالتأكيد سرقة. ولن تمر دون عقاب». وقال بوتين: «بدأ الآن يتضح لكل الدول والشركات (و) الصناديق السيادية أن أصولها واحتياطاتها لم تعد في مأمن بأي حال من الأحوال، سواء من الناحية القانونية أو الاقتصادية».

قال لافروف: إن كل مرة يرفض فيها الغرب مقترحات السلام الروسية لا يأتي ذلك بشيء جيد (رويترز)

وألقى بوتين بهذه الكلمة بعد يوم من توصل قادة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى إلى اتفاق مبدئي لتقديم قروض بقيمة 50 مليار دولار لأوكرانيا بدعم من عائدات الأصول الروسية السيادية المجمدة منذ أن أرسلت موسكو عشرات الآلاف من قواتها لأوكرانيا في 2022 فيما تطلق عليه «عملية عسكرية خاصة».

وبدوره، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال الاجتماع إن «الشراكة الأوراسية الكبيرة، إذا ركزت على تشكيل سلاسل اقتصادية ومالية وسلاسل نقل مستقلة عن إملاءات الولايات المتحدة والدول التابعة لها، فإنها ستشكل نوعاً من الأساس الاجتماعي والاقتصادي». ورأى أن «الأساس المادي لذلك النظام الأمني الذي ترغب روسيا في بنائه مفتوح لجميع الدول والمنظمات في القارة الأوراسية دون استثناء». وتعليقاً على رفض الغرب فيما سبق المقترحات الروسية للتسوية بأوكرانيا، قال لافروف: «إن كل مرة يرفض فيها الغرب مقترحات السلام الروسية، لا يأتي ذلك بشيء جيد».


مقالات ذات صلة

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تصل إلى اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في سيرناي لا فيل خارج باريس 26 مارس 2026 (أ.ب)

كالاس: روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين»

اتهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس روسيا بتزويد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين» خلال الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)

وزيرة الخارجية البريطانية: نشعر بقلق بالغ من العلاقات بين روسيا وإيران

وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)
وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)
TT

وزيرة الخارجية البريطانية: نشعر بقلق بالغ من العلاقات بين روسيا وإيران

وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)
وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)

عبّرت وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر، اليوم (الجمعة)، عن قلق بريطانيا وحلفائها في ‌مجموعة ‌السبع البالغ ​من ‌تنامي ⁠العلاقات ​بين روسيا وإيران، ⁠وذلك بعد اتهام القوى الأوروبية لموسكو بمساعدة طهران ⁠في استهداف ‌القوات ‌الأميركية ‌في ‌الشرق الأوسط.

وقالت كوبر، قبيل انعقاد قمة مجموعة ‌السبع في فرنسا: «نشعر بقلق بالغ إزاء ⁠العلاقات ⁠القائمة منذ وقت طويل بين روسيا وإيران فيما يتعلق بالقدرات المشتركة».

ودعت إلى تسوية سريعة للحرب في الشرق الأوسط. وقالت: «نحن بوضوح شديد نريد أن نرى تسوية سريعة لهذا النزاع تعيد إرساء الاستقرار الإقليمي». وأضافت «لا يمكن السماح لإيران بأخذ الاقتصاد العالمي رهينة عبر مضيق» هرمز الحيوي «لطرق الشحن الدولية وحرية الملاحة».


وزير الدفاع الألماني: أوروبا آمنة من صواريخ إيران بفضل «الناتو»

بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير الدفاع الألماني: أوروبا آمنة من صواريخ إيران بفضل «الناتو»

بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)

بدد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس المخاوف بشأن مدى الصواريخ الإيرانية التي يمكن نظرياً أن تصل أيضاً إلى أهداف في أوروبا.

وقال الوزير خلال زيارة إلى ثكنة عسكرية أسترالية قرب مدينة بريسبان على الساحل الشرقي لأستراليا: «أوروبا آمنة، خاصة أن ألمانيا لا تدافع عن نفسها بمفردها في إطار الدفاع الجوي، بل يتم ذلك في سياق قوات الدفاع الجوي التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأشار بيستوريوس أيضاً إلى بناء نظام الدفاع الجوي «آرو 3» الذي تم شراؤه من إسرائيل، والذي سيكون جاهزاً للاستخدام قريباً، وقال: «هذا يمثّل قفزة كبيرة إلى الأمام. ما زلت أتذكر الأصوات المنتقدة عندما قمنا بشرائه. كان يقال إنه لا توجد أصلاً صواريخ يتعين على هذا النظام التصدي لها».

ومن المفترض أن يكون «آرو 3» قادراً على تدمير الصواريخ المعادية حتى على ارتفاعات تزيد على 100 كيلومتر، وهي قدرة لا تمتلكها القوات المسلحة الألمانية حتى الآن. ويُعد موقع سلاح الجو في شونيفالده/هولتسدورف على الحدود بين ولايتي سكسونيا-أنهالت وبراندنبورغ الألمانيتين، والذي يضم ميداناً للتدريب العسكري، أول ثلاثة مواقع مخطط لها لتمركز نظام «آرو» بها في ألمانيا.

وقال بيستوريوس بشأن مدى أنظمة الأسلحة الباليستية الإيرانية: «بالطبع يمكن نظرياً لهذه الصواريخ أن تصل إلى أوروبا. لكننا - بصراحة - كنا نعرف ذلك من قبل. السؤال هو: بأي تسليح وبأي دقة؟ ولهذا فإننا نعتمد على قدرة الدفاع المشتركة التي تم تشكيلها في إطار الناتو».

وفيما يتعلق بالدفاع الجوي، أشار الوزير أيضاً إلى أن الصواريخ الموجهة لنظام «باتريوت» الأميركي ستصنعها قريباً في ألمانيا شركة «إم بي دي إيه» للصناعات الدفاعية، وقال: «لكن -لأكون صريحاً - لا يمكننا الإسراع أكثر من ذلك. لقد تم إطلاق هذا المشروع بالفعل في وقت مبكر».


حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.