الأثر النفسي لموت الآباء المبكر

اليتم في الصغر يزيد من فرص الإقدام على الانتحار قبل البلوغ

الأثر النفسي لموت الآباء المبكر
TT

الأثر النفسي لموت الآباء المبكر

الأثر النفسي لموت الآباء المبكر

من الطبيعي أن يترك اليتم آثارا نفسية سيئة على الطفل في بداية حياته، حيث إن تجربة فقد أحد الوالدين أو كليهما تعتبر من أقسى التجارب إيلاما على الطفل، وتجعله يشعر بالضعف والوحدة وفقدان الأمان. وكلما كان عمر الطفل صغيرا زادت وطأة الحدث عليه، خاصة في حالة فقدان الأم، التي تكون بطبيعة الحال ملازمة للطفل خاصة في مراحل الطفولة الأولى. وقد تناولت العديد من الدراسات الآثار النفسية لفقدان الآباء، إلا أن أحدث تلك الدراسات أشارت إلى أن فقدان الطفل لأحد أبويه أو كليهما في وقت مبكر يمكن أن يزيد من فرص إقدامه على محاولة الانتحار قبل البلوغ.

دراسة اسكندنافية

جمعت الدراسة التي قام بها باحثون دنماركيون من جامعة آرهوس (Aarhus University) بيانات من مواطني الدول الاسكندنافية لمدة تزيد على أربعين عاما، حول محاولات الانتحار والربط بينها وبين الأسباب التي يمكن أن تتعلق بالآباء، سواء العامل الجيني المتمثل في الوراثة الطبيعية من الأبناء للآباء، أو كذلك ما إذا كان الآباء قد توفوا في ظروف طبيعية أو نتيجة انتحار. وقاموا بتحليل هذه البيانات ومنها عمر الطفل في وقت وفاة الآباء، وجنسه، وترتيبه بين إخوته، وطريقة الوفاة، وعمر الأب وقت حدوث الوفاة، وحالتهم النفسية، وما إذا كانوا قد عانوا من اضطراب نفسي من عدمه قبل الوفاة، وكذلك الحالة الاجتماعية والاقتصادية للأسرة قبل الوفاة وبعدها.
وهذه الدراسة التي تم نشرها في الملحق النفسي من العدد الشهري لمجلة الرابطة الأميركية الطبية (Journal of the American Medical Association) أو اختصارا «JAMA» في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي قد توصلت إلى أن المراهقين الذين فقدوا آباءهم قبل عمر الثامنة عشرة كانوا الأكثر إقداما على محاولات الانتحار من أقرانهم الآخرين، وأن هذه المحاولات لا تتوقف عند فترة معينة مثل المراهقة ولكن تلازمهم طيلة حياتهم.
وكان هناك العديد من الدراسات التي ربطت بين وفاة الآباء نتيجة لإقدامهم على الانتحار وإصابة الأطفال باضطرابات عقلية يمكن أن تؤدي بهم لاحقا إلى الإقدام على المحاولة نفسها. لكن هذه الدراسة ناقشت موت الآباء نتيجة لأسباب طبيعية، وأثر ذلك نفسيا على الطفل بعد أن يتعدى مرحلة الطفولة. ومن المعروف أن فقدان الآباء يعتبر من أقسى التجارب الأليمة التي يمر بها الطفل في بداية حياته. وفي المجتمعات الصناعية المتقدمة تتراوح نسبة الأطفال الذين يفقدون أحد الوالدين أو كليهما نحو 4 في المائة. وفي الأغلب يتغلب معظم الأطفال على هذا الفقد ويستكملون مسيرة حياتهم من دون آثار نفسية مستديمة، لكن هناك البعض من الأطفال الذين تمثل لهم هذه الحوادث مشاكل نفسية عنيفة تحول دون استكمال حياتهم بشكل طبيعي.

محاولات الانتحار

وقام الباحثون بفحص بيانات لنحو 7 ملايين شخص من مواطني السويد والدنمارك وفنلندا على مدار 40 عاما منذ عام 1968 وحتى عام 2008، وكان منهم عدد 189.094 من الأطفال، أي بنسبة تبلغ 2 في المائة من الذين توفي ذووهم قبل بلوغهم الثامنة عشرة. وتمت الدراسة عليهم مقابل الأطفال العاديين الذين مروا بفترة طفولة عادية. وتبين أن موت الآباء في هذه المرحلة العمرية من عمر الأطفال ارتبط بزيادة معدلات الانتحار في هؤلاء الأطفال لمدة تصل إلى 25 عاما بعد وفاة الآباء.
ووجد الباحثون أن 265 شخصا من العينة ماتوا بعد محاولات انتحار أثناء الدراسة، وهي نسبة تبلغ 14 في المائة من الذين فقدوا آباءهم في مرحلة الطفولة (ما قبل 18 عاما). وفي المقابل، توفي من الذين لم يفقدوا أحد الأبوين نسبة 0.07 في المائة فقط. وكانت نسبة احتمالية ارتكاب محاولة انتحار تبلغ 4 لكل ألف طالب من الذكور، وفي الفتيات بلغت النسبة فتاتين لكل ألف فتاة، وكانت نسبة الخطورة في ازدياد في عدد الأطفال الذين توفي أحد ذويهم جراء محاولة انتحار، ولكن كانت هناك خطورة أيضا حتى في هؤلاء الذين توفوا لأسباب طبيعية.
وكان أكبر تأثير على الأطفال الذكور الذين توفيت أمهاتهم جراء محاولات انتحار وكان ترتيبهم الأول بين إخوتهم (هناك دراسة بريطانية حديثة تشير إلى أن الأشخاص الذين يكون ترتيبهم الأخير بين إخوتهم هم أكثر عرضة من الآخرين للإقدام على محاولة الانتحار). وأيضا شملت القائمة الأطفال الذين توفي أحد ذويهم قبل بلوغهم السادسة من العمر.
وأوضحت الدراسة أن حادثة وفاة أحد الآباء يمكن أن تؤثر في حياة الطفل لفترات طويلة جدا، وبطبيعة الحال هناك العديد من العوامل التي تلعب دورا يمكن أن يزيد أو يقلل من خطورة الإقدام على الانتحار، مثل الحياة العائلية الهادئة ووجود أحد الأبوين والتفوق الدراسي والنجاح الاجتماعي والاقتصادي، إلا أن موت أحد الآباء جراء الانتحار يبقى أحد أهم عوامل الخطورة، حيث تصل نسبة احتمالية إقدام هؤلاء الأشخاص على الانتحار ثلاثة أضعاف الشخص العادي.
وأوصت الدراسة بضرورة التعامل مع الطفل الذي فقد أحد الوالدين قبل بلوغه سن البلوغ (18 عاما) بطريقة تتم فيها مراعاة العامل النفسي، ومحاولة ملاحظة أي أعراض للاضطراب النفسي، وعرضه على المختصين، وضرورة تعاون المنزل من المسؤولين عن الطفل سواء أحد الأبوين أو الأقارب أو حتى المؤسسة الاجتماعية التي تقوم بتنشئة الأطفال الذين فقدوا ذويهم، حتى تتم حماية هؤلاء الأطفال من خطر الانتحار لاحقا.

* استشاري طب الأطفال



الإفطار أم العشاء... أيهما يرفع سكر الدم بدرجة أكبر؟

توقيت تناول الطعام يؤثر بشكل كبير بمستويات السكر في الدم (بيكسلز)
توقيت تناول الطعام يؤثر بشكل كبير بمستويات السكر في الدم (بيكسلز)
TT

الإفطار أم العشاء... أيهما يرفع سكر الدم بدرجة أكبر؟

توقيت تناول الطعام يؤثر بشكل كبير بمستويات السكر في الدم (بيكسلز)
توقيت تناول الطعام يؤثر بشكل كبير بمستويات السكر في الدم (بيكسلز)

لا يتوقف تأثير الطعام في مستويات السكر بالدم على نوعية الأطعمة وكمياتها فحسب، بل يمتد أيضاً إلى توقيت تناولها، إذ تشير أبحاث إلى أن تناول الوجبات في وقت متأخر من اليوم قد يؤدي إلى ارتفاع أكبر في مستويات السكر مقارنةًً بتناول الطعام في الصباح، حسبما نقل موقع «فيري ويل هيلث».

كيف تؤثر وجبة العشاء في مستويات السكر في الدم؟

قد تؤدي وجبة العشاء إلى رفع مستوى سكر الدم بدرجة أكبر من وجبة الإفطار. وقد توصلت الأبحاث إلى ما يلي:

* وجدت إحدى الدراسات أن تناول وجبة غنية بالكربوهيدرات في وقت العشاء أدى إلى ارتفاع أكبر في سكر الدم مقارنةً بتناول الوجبة نفسها في وقت الإفطار. وأشار الباحثون إلى أن توقيت تناول الطعام يؤثر على الطريقة التي يعالج بها الجسم الكربوهيدرات.

* وجدت دراسة صغيرة قارنت بين تناول وجبات الساعة 8 صباحاً، و8 مساءً، ومنتصف الليل، أن استجابات سكر الدم والإنسولين كانت أعلى بعد وجبتي الساعة 8 مساءً ومنتصف الليل مقارنةً بوجبة الصباح.

* في دراسة أخرى، ارتبط استهلاك 45 في المائة على الأقل من السعرات الحرارية اليومية بعد الخامسة مساءً بارتفاع مستويات السكر لدى أشخاص يعانون زيادة الوزن أو السمنة، إلى جانب مقدمات السكري أو السكري من النوع الثاني.

لماذا يتعامل الجسم مع الطعام بصورة مختلفة خلال اليوم؟

يرتبط اختلاف استجابة الجسم للطعام بما يُعرف بالساعة البيولوجية، وهي نظام داخلي يعمل على مدار 24 ساعة وينظم النوم والهرمونات والهضم والتمثيل الغذائي ودرجة حرارة الجسم.

وتتأثر هذه الساعة أساساً بتعاقب الضوء والظلام، كما تؤثر فيها عوامل أخرى، من بينها مواعيد تناول الطعام.

وتشير الأبحاث إلى أن الساعة البيولوجية تؤدي دوراً في تنظيم مستويات السكر بالدم، وتؤثر في كيفية معالجة الجسم للغلوكوز واستخدامه مصدراً للطاقة. لذلك، قد تختلف استجابة الجسم للوجبة نفسها حسب موعد تناولها.

هل يعني ذلك ضرورة تجنب العشاء المتأخر؟

تشير النتائج إلى أن تناول الطعام في وقت متأخر قد يرتبط بارتفاع أكبر في سكر الدم، لكنها لا تعني أن تأثير توقيت الوجبات متطابق لدى الجميع، أو أن موعد العشاء وحده يحدد مستوى السكر.

وتظل كمية الطعام ونوعيته والنشاط البدني والأدوية والحالة الصحية عوامل مهمة في التحكم بمستويات الغلوكوز. لذلك، قد يكون تنظيم مواعيد الوجبات وتجنب تناول الجزء الأكبر من السعرات الحرارية في وقت متأخر من اليوم خطوة مفيدة، مع مراعاة الاحتياجات الفردية والإرشادات الطبية، خصوصاً لدى المصابين بالسكري.

عوامل أخرى تؤثر في مستويات السكر

رغم أهمية توقيت الوجبات، فإنه ليس العامل الوحيد الذي يتحكم في مستويات السكر بالدم، إذ تتداخل معه عدة عوامل، من بينها:

* تناول كميات من الكربوهيدرات أكبر أو أقل من المعتاد.

* ممارسة النشاط البدني أو انخفاض الحركة.

* استخدام الإنسولين والأدوية الأخرى.

* الإصابة بالأمراض أو الشعور بالألم والتوتر.

* التغيرات الهرمونية.

* مستوى ترطيب الجسم.

* تناول المشروبات الكحولية.


قرية إيطالية تكشف سر «المناطق الزرقاء»: لماذا يتخطى البعض 100 عام؟

يعيش عدد لافت من المعمرين الذين تجاوزوا سن المائة في قرية بولوتانا الإيطالية (بيكسلز)
يعيش عدد لافت من المعمرين الذين تجاوزوا سن المائة في قرية بولوتانا الإيطالية (بيكسلز)
TT

قرية إيطالية تكشف سر «المناطق الزرقاء»: لماذا يتخطى البعض 100 عام؟

يعيش عدد لافت من المعمرين الذين تجاوزوا سن المائة في قرية بولوتانا الإيطالية (بيكسلز)
يعيش عدد لافت من المعمرين الذين تجاوزوا سن المائة في قرية بولوتانا الإيطالية (بيكسلز)

في قرية صغيرة بجزيرة سردينيا الإيطالية، يعيش عدد لافت من المعمرين الذين تجاوزوا سن المئة؛ ما دفع فريقاً من الباحثين من «ناشونال جيوغرافيك» إلى دراسة نمط حياتهم بحثاً عن العوامل التي قد تفسر ارتفاع معدلات البقاء على قيد الحياة حتى سن متقدمة، وسط اهتمام متزايد بما يُعرف بـ«المناطق الزرقاء»، وهي مناطق تتميز بارتفاع معدلات طول العمر.

وحسب شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، فقد أشار الباحثون إلى أن قرية بولوتانا مرشحة للانضمام إلى قائمة «المناطق الزرقاء»، بعدما أظهرت بيانات عام 2024 أن 10 من سكانها البالغ عددهم 2262 شخصاً بلغوا سن المائة عام أو أكثر، وهو معدل يفوق المتوسط ​​في سردينيا بنحو 10 أضعاف، ويتجاوز المتوسط ​​في الولايات المتحدة بـ11 ضعفاً.

وتوصل الباحثون إلى ثلاث عادات يومية يشترك فيها المعمرون في بولوتانا، وهي:

الحركة اليومية بدلاً من التمارين الشاقة

يحرص سكان بولوتانا على المشي يومياً؛ إذ تدفعهم الشوارع المنحدرة إلى السير للوصول إلى المتاجر والمقاهي وأماكن العمل ومنازل الأصدقاء، مع قلة الاعتماد على السيارات داخل القرية.

ويرى دان بويتنر، مؤسس شركة «بلو زونز» (Blue Zones) المتخصصة في دراسات طول العمر والباحث لدى «ناشونال جيوغرافيك»، أن الحركة التلقائية خلال اليوم قد تكون أكثر أهمية من الذهاب إلى صالات الألعاب الرياضية.

وقال: «إن هذا النوع من المشي غير المقصود أكثر أهمية لطول العمر من الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية».

وأضاف أن سكان القرية لا يسعون عمداً إلى إطالة أعمارهم، موضحاً: «هؤلاء أشخاص عاديون يمتلكون مجموعة من الجينات المتوسطة، وليسوا أشخاصاً خارقين يتمتعون بانضباط استثنائي أو جينات أفضل».

وتابع: «إنهم لا يطاردون طول العمر، بل إنه نتاج البيئة التي يعيشون فيها».

اتباع نظام غذائي يعتمد بشكل أساسي على النباتات

يمثل النظام الغذائي أحد أبرز ملامح الحياة في بولوتانا، حيث يعتمد السكان بشكل أساسي على البقوليات، والخضروات، والقمح، والزيتون، وزيت الزيتون مع تناول كميات بسيطة من الجبن واللحوم.

وقال بويتنر إن نحو 90 في المائة من النظام الغذائي للمعمرين في القرية يعتمد على النباتات، مضيفاً: «إنهم لا يركزون على البروتين، بل يعتمدون على الكربوهيدرات المعقدة».

ويتناول السكان عادةً وجبة إفطار بسيطة تتكون من الخبز والجبن والزيتون مع القهوة، بينما تمثل وجبة الغداء، التي تبدأ في وقت مبكر من فترة بعد الظهر، الوجبة الرئيسية، وغالباً ما تتضمن حساء المينستروني المصنوع من الخضراوات الموسمية والفاصوليا.

وأكد بويتنر أهمية البقوليات في النظام الغذائي للسكان، قائلاً: «البقوليات هي حجر الأساس في النظام الغذائي المرتبط بطول العمر هنا»، مشيراً إلى أنواع متعددة منها، مثل الحمص، والعدس، والفاصوليا البيضاء.

وتاريخياً، كان السكان يتناولون اللحوم نحو خمس مرات شهرياً، وغالباً في المناسبات الاحتفالية، في حين يعتمدون على زيت الزيتون المستخرج من أشجار قديمة في إعداد الطعام.

ويبحث العلماء حالياً فيما إذا كان ارتفاع مستويات بعض الأحماض الدهنية النادرة في هذا الزيت قد يرتبط بطول العمر، دون حسم هذه العلاقة حتى الآن.

الحفاظ على روابط اجتماعية قوية

لا تقتصر العادات المشتركة على الحركة والغذاء، بل تشمل أيضاً التواصل المستمر مع العائلة والأصدقاء والجيران، من خلال الوجبات المشتركة والأنشطة المجتمعية.

ولاحظ بويتنر أن نساء القرية يتمتعن بروابط اجتماعية قوية؛ إذ يجتمعن بانتظام في المكتبة ويخبزن الخبز والحلوى معاً، إلى جانب المشاركة في الأنشطة الدينية والاجتماعية.

وأشار إلى أن المشاركة الأكبر للرجال في الأعمال المنزلية قد تخفف الأعباء الواقعة على النساء، وهو ما طرحه بوصفه تفسيراً محتملاً لارتفاع معدلات طول العمر بينهن، وليس نتيجة مثبتة علمياً.


خطأ في طهي البروكلي قد يُقلل فوائده الصحية... ما الطريقة الأفضل؟

يتميز البروكلي باحتوائه على كميات ملحوظة من البوتاسيوم الذي يساعد على تحسين ضغط الدم (أرشيفية - رويترز)
يتميز البروكلي باحتوائه على كميات ملحوظة من البوتاسيوم الذي يساعد على تحسين ضغط الدم (أرشيفية - رويترز)
TT

خطأ في طهي البروكلي قد يُقلل فوائده الصحية... ما الطريقة الأفضل؟

يتميز البروكلي باحتوائه على كميات ملحوظة من البوتاسيوم الذي يساعد على تحسين ضغط الدم (أرشيفية - رويترز)
يتميز البروكلي باحتوائه على كميات ملحوظة من البوتاسيوم الذي يساعد على تحسين ضغط الدم (أرشيفية - رويترز)

يُعدّ البروكلي من أوائل الأطعمة التي تتبادر إلى الذهن عند الحديث عن التغذية الصحية، وهو ما يبرره محتواه الغني بالفيتامينات، مثل «أ» و«ج» و«ك»، والمعادن، مثل الكالسيوم والبوتاسيوم والحديد، فضلاً عن كونه مصدراً جيداً للألياف غير القابلة للذوبان، واحتوائه على مركب يُسمى السلفورافان، يُحتمل أن تكون له خصائص مضادة للسرطان.

لكن طريقة طهي هذه الخضراوات قد تؤثر في كمية العناصر الغذائية المفيدة التي تصل إلى طبقك. وينطبق ذلك خصوصاً على مَن يفضلون السلق والتحميص، وهما طريقتان تعتمدان على درجات حرارة مرتفعة أو غليان الماء، ما قد يؤدي إلى فقدان الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء، وتعطيل مضادات الأكسدة الموجودة في البروكلي.

وقالت ليان لي تشو، الأستاذة ومديرة برنامج الماجستير في علوم الأغذية بجامعة كورنيل لصحيفة «واشنطن بوست»: «إذا كنا نهتم بكمية العناصر الغذائية التي يحتفظ بها الخضار فعلياً، فعلينا التفكير بعناية أكبر في طريقة الطهي».

المركبات التي تجعل البروكلي مفيداً للصحة

تتنوع العناصر الغذائية الموجودة في البروكلي والفوائد المرتبطة بها؛ إذ تحتوي الحصة الواحدة منه على كمية من فيتامين «ج» تقارب ما تحتوي عليه البرتقالة. كما يتميز باحتوائه على كميات ملحوظة من البوتاسيوم الذي يساعد على تحسين ضغط الدم، والكالسيوم الضروري لصحة العظام، والفولات الذي يدعم صحة الدماغ، فضلاً عن غناه بالألياف.

وتتحمل بعض هذه العناصر الغذائية طرق الطهي المختلفة من دون أن تفقد فاعليتها، ولا سيما المعادن مثل الكالسيوم، الذي لا يبدو أن الحرارة تؤثر فيه، وفقاً لتشو. أما عناصر أخرى، مثل الألياف، فقد تتحلل جزئياً، لكنها تحتفظ ببنيتها الأساسية مع طرق الطهي المعتادة، ومدد الطهي الشائعة.

في المقابل، تتأثر الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء والحساسة للحرارة، مثل فيتاميني «ج» و«ب 6»، بدرجة أكبر، إذ يؤدي السلق إلى تسربها لماء الطهي، في حين قد تؤدي طرق الطهي ذات الحرارة الأعلى، مثل التحميص والقلي السريع، إلى تعطيلها بالكامل.

وهناك أيضاً السلفورافان، وهو مركب لا يوجد في البروكلي بصورته الجاهزة منذ البداية، بل يتكون عند تقطيع الخضار أو مضغه، نتيجة تفاعل كيميائي بين إنزيم يُسمى «الميروسيناز» ومركب آخر يُسمى «الغلوكورافانين»، وفقاً لغابرييل كيث هاريس، أستاذ علوم الأغذية في قسم علوم الأغذية والمعالجة الحيوية والتغذية بجامعة ولاية كارولاينا الشمالية.

وربطت أبحاث بين السلفورافان وتأثيرات محتملة مضادة للسرطان والالتهابات والشيخوخة، فضلاً عن احتمال تمتعه بخصائص وقائية للأعصاب.

وقالت أندريا جيه غلين، الأستاذة المساعدة في قسم التغذية ودراسات الأغذية بجامعة نيويورك، إن كمية السلفورافان التي أُعطيت للمشاركين في الدراسات البشرية القليلة المتاحة كانت أكبر بكثير من الكمية الموجودة في حصة عادية من البروكلي، ما يجعل الوصول إلى كمية مماثلة في الحياة اليومية أمراً بالغ الصعوبة.

وكما هي الحال مع الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء الموجودة في البروكلي، يمكن للحرارة أن تؤثر في محتواه من السلفورافان، إذ قد تتلف المركبات اللازمة لتكوينه.

وضربت تشو مثالاً بتخثر البيض بعد سلقه، موضحة: «عندما تتعرض أي بنية بروتينية لدرجة حرارة مرتفعة، فإنها تتوقف في مرحلة ما عن التصرف وفق حالتها الطبيعية، وتبدأ التغير».

وبوجه عام، يحدث هذا التغير بعد طهي البروكلي عند درجات حرارة تتراوح بين 140 و158 درجة فهرنهايت، لمدة تتراوح بين 5 و10 دقائق.

كيف تطهو البروكلي للحفاظ على عناصره الغذائية؟

السلق.. الخيار الأسوأ للحفاظ على بعض العناصر

قالت غلين إن السلق هو أسوأ الخيارات للحفاظ على الفيتامينات والغلوكورافانين الموجودين في البروكلي. وقد تبقى الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء في سائل الطهي، ويمكن الاستفادة منه في إعداد الحساء أو اليخنات للحصول على أكبر قدر ممكن من العناصر الغذائية، لكن العناصر شديدة الحساسية للحرارة تُفقد عموماً.

في المقابل، أشارت غلين إلى أن الألياف الموجودة في البروكلي، التي قد يصعب هضمها لدى الأشخاص المصابين ببعض اضطرابات الجهاز الهضمي، قد تصبح أكثر تحملاً بعد الطهي لفترة طويلة، كما يحدث عند السلق.

لكن إذا كان الهدف إعداد أطباق بروكلي غنية بالعناصر الغذائية قدر الإمكان، فمن الأفضل اختيار إحدى طرق الطهي التالية.

السلق الخاطف

يتضمن السلق الخاطف غلي البروكلي لفترة قصيرة، عادة لا تتجاوز دقيقة أو دقيقتين، ثم تبريده سريعاً بوضعه في الماء المثلج.

وقال هاريس إن الحرارة المرتفعة، حتى لو استُخدمت لفترة وجيزة، قد تقلل الغلوكورافانين. لكن يمكن اتباع طريقة للسلق الخاطف تساعد على الاحتفاظ بالسلفورافان، وذلك بخفض درجة حرارة الماء.

وقد أظهرت دراسات أيضاً أن السلق الخاطف قد يقلل الفيتامينات الحساسة للحرارة والقابلة للذوبان في الماء، مثل فيتامين «ج» والفولات. ومع ذلك، قد يكون أفضل قليلاً من السلق المعتاد في الحفاظ عليها، لأن فترة الطهي القصيرة لا تتيح وقتاً طويلاً لتسربها إلى الماء.

الطهي بالبخار

يُعد الطهي بالبخار من أفضل طرق إعداد البروكلي، لأن ملامسته غير المباشرة للحرارة تمنع وصول الأجزاء الداخلية منه إلى درجات حرارة قد تدمر الإنزيمات الموجودة فيه، وفقاً لهاريس.

وعلى الرغم من أن الدراسات أظهرت أن الطهي بالبخار قد يقلل الاحتفاظ بمركبات مثل فيتامين «ج» في معظم الخضراوات، فإن الأبحاث تشير إلى أن البروكلي قد يشكل استثناءً لهذه القاعدة.

التحميص

لا تتوافر أبحاث كثيرة تركز على تأثير التحميص في البروكلي، لكن استخدام درجات حرارة مرتفعة يرجح أن يقلل بعض العناصر الغذائية الحساسة للحرارة، مثل إنزيم الميروسيناز الضروري لتكوين السلفورافان، إضافة إلى فيتامين «ج» والفولات، وفقاً لغلين.

ومع ذلك، يُعدّ التحميص عموماً خياراً أفضل من السلق، لأنه لا توجد مياه يمكن أن تتسرب إليها الفيتامينات القابلة للذوبان في الماء.

الطهي في الميكروويف

قد يكون استخدام الميكروويف لطهي البروكلي من أفضل الخيارات للحفاظ على عناصره الغذائية، بل إن بعض الدراسات وجدت أنه، خلافاً لطرق الطهي الأخرى، أدى إلى زيادة مستويات السلفورافان في الخضار.

ووجدت دراسة أخرى أن الطهي في الميكروويف كان أقل تأثيراً في محتوى البروكلي من فيتامين «ج»، إذ حافظ على ما يصل إلى 90 في المائة من هذا العنصر الغذائي.

تناوله نيئاً

الطريقة الوحيدة لضمان عدم فقدان البروكلي أيّاً من عناصره الغذائية بسبب الطهي هي تناوله نيئاً.

وإذا كانت فكرة تناول البروكلي نيئاً غير مستساغة، تقترح غلين إدخال نوع آخر من الخضراوات الصليبية ذات التركيبة الغذائية المشابهة إلى النظام الغذائي بطريقة أكثر قبولاً، مثل إضافة الكرنب الأجعد (الكيل) إلى مشروب مخفوق.