نجوم «تيك توك» المحظور في الهند يستصعبون إعادة بناء شهرتهم على المنصات الأخرى

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 27 أبريل 2024 مصمم الرقصات ساهيل كومار الذي اشتهر سابقاً على «تيك توك» بعرض رقصات شعبية خلال مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 27 أبريل 2024 مصمم الرقصات ساهيل كومار الذي اشتهر سابقاً على «تيك توك» بعرض رقصات شعبية خلال مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

نجوم «تيك توك» المحظور في الهند يستصعبون إعادة بناء شهرتهم على المنصات الأخرى

تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 27 أبريل 2024 مصمم الرقصات ساهيل كومار الذي اشتهر سابقاً على «تيك توك» بعرض رقصات شعبية خلال مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)
تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 27 أبريل 2024 مصمم الرقصات ساهيل كومار الذي اشتهر سابقاً على «تيك توك» بعرض رقصات شعبية خلال مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)

بعدما اكتسب الهندي ساهيل كومار، وهو مصمم رقص هاوٍ، شهرةً من خلال بث مقاطع فيديو له عبر «تيك توك»، يواجه صعوبات منذ حظر التطبيق الصيني في الهند، لمعاودة تحقيق نجاح عبر شبكات التواصل الاجتماعي الأخرى، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.

واستفادت من حظر «تيك توك» في الهند منصات أميركية مثل «يوتيوب» و«إنستغرام» اللتين لجأ إليهما عدد كبير من محبي المنصة الصينية المحظورة لإعادة نشر محتوياهم.

وتعيّن على المستخدمين الذين حققوا شهرة معيّنة عبر «تيك توك»، البدء من الصفر في المواقع الأخرى.

ويؤكد كومار (30 عاماً) لوكالة الصحافة الفرنسية في الاستوديو الخاص به في روهتاك الواقعة على بعد بضعة كيلومترات جنوب نيودلهي أنّ «تكوين جمهور على (إنستغرام) أو (يوتيوب) يستغرق سنوات».

ويقول مصمم الرقص الذي يتابع حسابه عبر «تيك توك» 1.5 مليون مستخدم: «من الصعب أن أعيد تحقيق نجاح، فأنا لا أجد التفاعل نفسه في أي منصة أخرى».

وكومار هو مهندس في الأساس، لكنّه ترك مهنته بعدما بدأ يكسب المال من خلال نشره عبر «تيك توك» مقاطع فيديو لرقصات مع مؤثرين ومشاهير هنود.

لكنّ مسيرته المهنية الجديدة انتهت في يونيو (حزيران) 2020 بمجرد اختفاء التطبيق الصيني من المشهد الهندي، بعدما حظرته الحكومة لاعتبارها أنه مسؤول عن أنشطة «تضر بسيادة الهند وسلامة أراضيها».

وقبل ذلك بأسبوعين، وقعت اشتباكات حدودية في الهيمالايا، كانت الأكثر دموية منذ نصف قرن بين الهند والصين؛ إذ أسفرت عن مقتل عشرين جندياً هندياً وأربعة جنود صينيين.

وأُعلنت حينها نهاية «تيك توك» في الهند، فنشر كومار آخر شريط فيديو له في المنصة يدعو فيه المستخدمين إلى متابعته عبر «يوتيوب» و«إنستغرام»، مضيفاً بعض العبارات الوطنية إلى كلامه. وقال «الهند أوّلاً».

«انهار كل شيء»

وبعد أربع سنوات، بات يتابعه في «إنستغرام» نحو 94 ألف متابع، في حين توقفت مسيرته كمصمم رقص. وقال: «لقد توقف العمل».

وتمكنت «تيك توك» سريعاً من تحقيق نجاح هائل في الهند. وتشير المنصة إلى أنّ عدد مستخدميها في هذه الدولة تخطّى 200 مليون شخص، أي فرد من كل سبعة.

ويقول المشارك في تأسيس وكالة «مونك انترتينمنت» التسويقية فيراج شيث إنّ «أي مؤثر أو شخصية شهيرة تبحث عن جمهور على الإنترنت، يتعيّن عليها استخدام (تيك توك)، سواء أحبّت ذلك أم لا».

ويضيف: «بمجرد الإعلان عن حظر (تيك توك)، انهار كل شيء بالنسبة إلى الجميع».

وحاول عدد كبير من الشركات المحلية الناشئة في مجال التكنولوجيا الاستفادة من حظر «تيك توك» عبر طرح تطبيقات من ابتكارها. لكنّ الشركتين الأميركيتين العملاقتين لا تزالان مهيمنتين في هذا المجال.

وفي السنة الأولى التي أعقبت الحظر، بُثّت يومياً نحو ستة ملايين مقاطع فيديو قصيرة «ريلز» عبر «إنستغرام».

وعلى سبيل المقارنة، نُشر عبر منصة «موج» Moj الهندية 2.5 مليون مقطع فيديو يومياً، بحسب وسائل إعلام محلية.

وتشير شركة «ستاتيستا» المتخصصة في جمع البيانات والإحصاءات من السوق، إلى أن أكثر من 362 مليون شخص في الهند يستخدمون «إنستغرام» بينما يبلغ 462 مليون شخص عدد مستخدمي «يوتيوب» الذي أطلق ميزة مقاطع الفيديو القصيرة لمنافسة «تيك توك»، في العام الذي حُظرت فيه المنصة الصينية بالهند.

وتوضح شركة «ريدسير ستراتيدجي كونسالتنتس» أنّ التطبيقات المحلية كانت تحظى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 بقاعدة مشتركة تضم أكثر من 250 مليون مستخدم.

وتقول رئيسة الاستشارات التسويقية في «إي واي إنديا» آميا سواروب «إنّ تطبيقي (يوتيوب) و(إنستغرام) هما المهيمنان دائماً في ما يخص مقاطع الفيديو القصيرة».

إلا أنّ محبي «تيك توك» لا يشعرون جميعهم بالارتياح عند استخدام «إنستغرام»؛ لأنّ هذه المنصة تركّز على الترويج الذاتي لا على إنشاء محتوى متخصص، بحسب فيراج شيث.

ويقول: «ليس من الضروري على المستخدم أن يظهر شخصيته في (تيك توك)».


مقالات ذات صلة

كيف يؤهل برنامج «تيك توك وبلوسوم» الشركات الناشئة للاستثمار والتوسع في السوق السعودية؟

خاص كيف يؤهل برنامج «تيك توك وبلوسوم» الشركات الناشئة للاستثمار والتوسع في السوق السعودية؟

كيف يؤهل برنامج «تيك توك وبلوسوم» الشركات الناشئة للاستثمار والتوسع في السوق السعودية؟

يدعم برنامج «تيك توك وبلوسوم» الشركات الناشئة بالتدريب والإرشاد والاستثمار، مستنداً إلى نتائج دورة أولى حققت نمواً وتمويلات كبيرة ملموسة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا وصلت الميزة إلى عدد محدود من المستخدمين ضمن المرحلة التجريبية «تيك توك»

«تيك توك» يختبر المكالمات الصوتية داخل الرسائل الخاصة

لم يعلن «تيك توك» رسمياً عن موعد الإطلاق عالمياً، كما لم يؤكد ما إذا كانت ستتوفر لجميع الحسابات عند الإطلاق أو ستبدأ في أسواق محددة قبل تعميمها.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
أوروبا شركة «تيك توك» معرضة لخطر فرض غرامة باهظة (د.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يتهم «تيك توك» بانتهاك قواعد سلامة الأطفال على الإنترنت

أعلنت الجهات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي، اليوم الجمعة، أن منصة «تيك توك» متهمة بانتهاك قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالمحتوى الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
صحتك يرى الخبراء أن تناول العشاء قبل النوم بـ4 إلى 5 ساعات يعد آمناً لمعظم الأشخاص (بكسلز)

«عَشاء الطائر المبكر» يجتاح «تيك توك»... هل يُحسّن النوم حقاً؟

يروّج مؤثرون على منصة «تيك توك» ومواقع التواصل الاجتماعي لفكرة تناول العشاء في وقت مبكر، مشيرين إلى أن هذه العادة قد تُحسن جودة النوم وتعزز صحة التمثيل الغذائي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق هوَس السردين يجتاح وسائل التواصل ورفوف المتاجر (أ.ف.ب) p-circle 01:20

السردين والبشرة... علاقة حب ناجحة معترف بها علمياً

ترند السردين يجتاح وسائل التواصل، ورفوف السوبرماركت. فهل يختبئ سر نضارة البشرة حقاً في علبة السمك الصغيرة؟

كريستين حبيب (بيروت)

تقرير لهيئة الفنون البصرية السعودية يعكس حجم النشاط في القطاع

جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)
جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)
TT

تقرير لهيئة الفنون البصرية السعودية يعكس حجم النشاط في القطاع

جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)
جاء التطور بقطاع الفنون السعودي على أثر 5 سنوات من التحولات العميقة في القطاع الثقافي السعودي (هيئة الفنون)

خلال سنوات قليلة، شهد المشهد الفني السعودي قفزة استثنائية تجاوزت المفهوم التقليدي للفنون التشكيلية، حيث لم تعد اللوحات في السعودية مجرد ألوان معلقة على جدران المعارض المغلقة، بل أصبحت لغة حية تتحدث بها شوارع الرياض، ومساحات العلا، ومنصات الفن العالمية.

وشهدت السعودية تحولات نوعية في قطاع الفنون البصرية، تنقلها من موقع المشاركة المحدودة إلى التأثير في مشهد الفن عالمياً، والظهور كواجهة ثقافية صاعدة تعيد صياغة مفاهيم الجمال والابتكار في المنطقة.

واستعرضت هيئة الفنون البصرية في أحدث تقرير لها، أبرز ما تحقق من برامج ومبادرات أسهمت في دعم قطاع الفنون البصرية وتعزيز حضور الممارسين من السعودية محليًّا ودوليًّا.

ويعكس التقرير الحديث، حجم النشاط والحيوية اللذين يتمتع بهما قطاع الفنون البصرية منذ أطلقت السعودية العنان لفعاليتها الثقافية التي بنت على تاريخ من جهود الفنانين السعوديين الذين شقوا بمبادراتهم الفردية الطريق لهذا القطاع، ونقلوا بإبداعاتهم وإنتاجهم الحضور السعودي من المحلية إلى آفاق أبعد.

وقالت دينا أمين، الرئيسة التنفيذية لهيئة الفنون البصرية، إن القطاع في السعودية يواصل مسيرته نحو مزيد من النمو والازدهار، مدفوعاً برؤية طموحة تسعى إلى تمكين المبدعين وتعزيز حضور الفنون البصرية السعودية على المستويين المحلي والعالمي.

وأكدت دينا، في كلمتها ضمن التقرير، أن هيئة الفنون البصرية تدعم منظومة الفنون وتطويرها عبر إطلاق المبادرات النوعية، وبناء البرامج التي تسهم في تعزيز حضور الإبداع السعودي في المشهد الثقافي المعاصر.

لا تزال أصداء ضربات فُرش الرواد تتردد في أروقة الفن السعودي (هيئة الفنون البصرية)

تطوير الكتب في قطاع الفنون البصرية

في أحدث تقرير لها، كشفت هيئة الفنون البصرية عن الاستثمار في مبادرات النشر وإنتاج المعرفة التي تسهم في توثيق الممارسات الفنية، وحفظ التاريخ الثقافي، وتوسيع نطاق الوصول إلى المعرفة المتخصصة في الفنون البصرية للفنانين والباحثين والطلاب والجمهور العام.

وتسهم إصدارات الهيئة في تعزيز البنية المعرفية للقطاع من خلال توثيق النمو المتسارع للفنون البصرية في السعودية، ودعم التعليم الفني، وحفظ قصص وتجارب الفنانين من مختلف مناطق البلاد، بما يثري المحتوى الثقافي ويعزز استدامة المعرفة الفنية للأجيال القادمة.

ومن أحدث الإصدارات التي استعرضها التقرير، كتاب «الفن السعودي: قراءات في وسائط التعبير الحديثة والمعاصرة» وشارك في تحريره كل من منال خضير، وناتالي أيوب، ود. خالد الغازي، ونشر في سنة 2025.

ويستعرض هذا الإصدار التحولات التي شكّلت مسار الفنون البصرية في السعودية منذ خمسينيات القرن الماضي، مسلطاً الضوء على التغيرات الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في تشكيل المشهد الفني المحلي.

ومن خلال مساهمات لفنانين وأكاديميين ومؤرخين وقيمين فنيين وممارسين ثقافيين، يوثق الكتاب تطور الحركة الفنية السعودية ويقدّم قراءات متعددة لمساراتها وتحولاتها.

وبالجمع ما بين التحليل النقدي والتأملات الشخصية، يقدّم الإصدار رؤية متعمّقة في ثراء وتنوع الفنون البصرية السعودية وتعقيداتها، بما يسهم في إثراء البحث والمعرفة المتخصصة، وتعزيز الحوار النقدي، وتوسيع فهم المشهد الفني في السعودية وتطوره المستمر.


روما ليلاً... هرباً من قيظ الصيف

يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)
يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)
TT

روما ليلاً... هرباً من قيظ الصيف

يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)
يسير المشاة بجوار مدرج الكولوسيوم الأثري في وسط روما في 13 أغسطس 2026 وذلك خلال جولة ليلة في الكولوسيوم (أ.ف.ب)

لم يعد ارتفاع درجات الحرارة في إيطاليا مجرد تحدٍ يواجه السكان في أشهر الصيف، بل بدأ يغيّر أيضاً عادات السياح وطريقة إدارة أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد. ومع وصول الحرارة في روما إلى نحو 40 درجة مئوية، تتجه المتاحف والمواقع الأثرية إلى حل بسيط وعملي: نقل جزء من النشاط السياحي من ساعات النهار إلى الليل. وفقاً لصحيفة «التايمز».

فمع اشتداد موجات الحر وتكرارها، أصبح التجول بين الآثار المفتوحة تحت الشمس تجربة مرهقة، وأحياناً خطرة، بالنسبة إلى الزوار. وفي المقابل، توفر ساعات المساء طقساً أكثر اعتدالاً، وتمنح المدن التاريخية فرصة لاستقبال السياح من دون تعريضهم لحرارة منتصف النهار.

ويبرز الكولوسيوم في روما نموذجاً لهذا التكيف. فقد ضاعفت السلطات هذا الصيف عدد الليالي التي يظل فيها الموقع مفتوحاً حتى الساعة 11 مساءً، من ليلتين إلى أربع ليالٍ أسبوعياً. وقال سيموني كويليتشي، مدير الكولوسيوم، إن جميع التذاكر نفدت، مشيراً إلى أن الأجواء ليلاً «أكثر اعتدالاً» و«أكثر هدوءاً».

يشارك الزوار في جولة ليلة في الكولوسيوم خلال هذا الصيف وذلك لإتاحة الفرصة لمزيد من الزوار لمشاهدة المدرج الروماني الشهير في أجواء أكثر برودة (أ.ف.ب)

ونجاح التجربة دفع المسؤولين إلى التفكير في تمديد ساعات الزيارة الليلية حتى سبتمبر (أيلول)، في مؤشر إلى أن فتح المواقع الأثرية ليلاً قد يتحول من إجراء استثنائي خلال موجات الحر إلى جزء دائم من إدارة السياحة في إيطاليا.

ولا يقتصر التغيير على الكولوسيوم. ففي قلب روما، يفتح «البانثيون»، الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي، أبوابه حتى الساعة 11 مساءً في معظم ليالي أغسطس (آب). كما تستقبل حمامات كاراكلا الزوار حتى الساعة 10:45 مساءً في ليالٍ محددة، بينما يستعد هرم سيستيوس لفتح أبوابه ليلاً للمرة الأولى في سبتمبر (أيلول). ويستقبل مجمع فيتوريوانو الزوار حتى الساعة 11:30 مساءً في أيام محددة.

وتكشف هذه الخطوة عن جانب آخر من تأثير تغير المناخ: فهو لا يفرض فقط البحث عن وسائل لحماية الناس من الحرارة، بل يدفع قطاعات كاملة إلى إعادة تنظيم أنشطتها لتتناسب مع مناخ أكثر سخونة.

يتحدث سيمون كويليتشي مدير حديقة الكولوسيوم الأثرية خلال مقابلة مع زوار يشاركون في جولة ليلة في الكولوسيوم، لمشاهدة المدرج الروماني الشهير في درجات حرارة أكثر برودة بعد غروب الشمس (أ.ف.ب)

ويبدو ذلك واضحاً في المنتدى الروماني، حيث بدأت تنظيم زيارات ليلية. وقال مسؤول في روما إن الموقع «يتحول إلى فرن حقيقي في الصيف»، نظراً إلى افتقاره للأشجار والظلال، بينما يعكس الرخام الأبيض الحرارة مباشرة على الزوار.

وفي مدن إيطالية أخرى، تظهر حلول مشابهة. ففي البندقية، اعتادت المتاحف تمديد ساعات استقبال الزوار خلال الصيف حتى الساعة 11 مساءً. وفي بومبي، تتيح السلطات هذا العام زيارات مسائية حتى أكتوبر (تشرين الأول). أما في فلورنسا، فيفتح «ممر فاساري» في معرض أوفيتزي أبوابه ليلاً مرة أسبوعياً خلال الصيف.

ولا يتعلق الأمر براحة السياح فقط. فوزير السياحة الإيطالي جانماركو ماتسي يرى أن الزيارات المسائية تساعد أيضاً على توزيع أعداد السياح على ساعات اليوم، في وقت تشهد فيه البلاد إقبالاً سياحياً كبيراً، كما أن إضاءة المواقع الأثرية ليلاً تضيف تجربة مختلفة، وتمنح المدن التاريخية حياة جديدة بعد غروب الشمس، لكن العامل المناخي يبقى الدافع الأبرز. فقد أصبحت موجات الحر أكثر تكراراً في جنوب أوروبا، فيما تشهد إيطاليا ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة، بالتزامن مع تسجيل مياه البحر المتوسط مستويات قياسية.

ويرى سيموني فيردي، مدير معرض أوفيتزي، أن هذه الظروف قد تؤدي إلى تغيير أكبر في خريطة السياحة الإيطالية خلال السنوات المقبلة، متوقعاً «إعادة توزيع جذرية للزوار على مدار العام»، مع تفضيل فترات أخرى غير فصل الصيف.

يشارك الزوار في جولة ليلة في الكولوسيوم وهي جولة بصحبة مرشد في المدرج الروماني القديم تستغرق حوالي 60 دقيقة. (أ.ف.ب).

وبالنسبة إلى مرشدي السياح، لم تعد الحرارة مجرد إزعاج يمكن تحمله. تقول إحدى المرشدات إنها تضطر أحياناً إلى إدخال مجموعاتها إلى الكنائس بعد جولات طويلة تحت الشمس، حتى يحصل الزوار على فرصة للراحة واستعادة نشاطهم. وتقول: «إنها مسألة بقاء؛ هكذا أحافظ على سلامة زواري».

وهكذا، يبدو أن تغير المناخ بدأ يعيد كتابة جدول السياحة في إيطاليا. فبدلاً من إغلاق المواقع الأثرية أمام حرارة النهار، تتجه البلاد إلى نقل جزء من تجربتها السياحية إلى الليل، في محاولة للتكيف مع صيف أكثر حرارة، والحفاظ في الوقت نفسه على تدفق الزوار إلى مدنها وآثارها.


جناية صنعت أيقونة العالم... كيف حوَّل سارق الموناليزا اللوحة إلى أسطورة عالمية؟

صورة مركبة لسارق الموناليزا
صورة مركبة لسارق الموناليزا
TT

جناية صنعت أيقونة العالم... كيف حوَّل سارق الموناليزا اللوحة إلى أسطورة عالمية؟

صورة مركبة لسارق الموناليزا
صورة مركبة لسارق الموناليزا

في صباح الحادي والعشرين من أغسطس (آب) عام 1911. لم يكن متحف اللوفر في باريس يعلم أنه على موعد مع حادثة ستعيد تشكيل الوعي الثقافي العالمي بأكمله.

في ذلك الفجر الهادئ، كانت قاعة «الصالون المربع» تضم لوحة صغيرة نسبياً، لم تكن تحظى بحراسة مشددة، ولم تكن حتى اللوحة الأكثر جلباً للزوار في المتحف.

كانت لوحة الموناليزا، أو «اللاجوكوندا» للفنان الإيطالي ليوناردو دا فينشي، معلقة بين روائع الفن الكلاسيكي، تنظر بابتسامتها الغامضة إلى جدران صامتة. لكن، مع حلول المساء، اختفت اللوحة، وترك السارق وراءه أربعة مسامير حديدية وفراغاً زمنياً امتد لعامين، لتبدأ من تلك اللحظة بالذات الرحلة الأسطورية لأشهر لوحة في تاريخ البشرية.

لم يكن غياب اللوحة مجرد خسارة فنية، بل كان الشرارة الأولى لولادة ظاهرة إعلامية عابرة للقارات، صنعت من تحفة دا فينشي أيقونة لا تُقدّر بثمن.

الخطة البسيطة التي هزت عرش فرنسا

لم يكن السارق عبقرياً في الإجرام الدولي، بل كان رجلاً بسيطاً يُدعى فينسينزو بيروجيا، وهو عامل زجاج إيطالي كان قد وُظف في اللوفر لتركيب واجهات زجاجية واقية لبعض اللوحات.

في يوم الأحد، دخل بيروجيا إلى المتحف بملابس العمل البيضاء، واختبأ في خزانة صغيرة للمعدات حتى صباح اليوم التالي، وهو يوم الاثنين الذي يغلق فيه المتحف أبوابه أمام الجمهور للصيانة.

خرج بيروجيا من مخبئه، وتوجه بثبات نحو الموناليزا، وفكَّها عن الجدار، ثم اقتادها إلى درج خلفي حيث نزع إطارها الخشبي الثقيل، ولف اللوحة بقماش، وخرج بها ببساطة من الباب الرئيسي للمتحف، بعد أن ساعده أحد العمال في فتح الباب السري، دون أن يشك في أمره.

فينسينزو بيروجيا سارق الموناليزا (ويكيبيديا)

الغريب في الأمر أن إدارة المتحف لم تكتشف السرقة إلا في اليوم التالي، عندما لاحظ أحد الرسامين الهواة فراغ الجدار، ظناً منه أن اللوحة نُقلت لالتقاط صور فوتوغرافية لغايات التوثيق، قبل أن يدرك الجميع الكارثة بعد مرور أكثر من أربع وعشرين ساعة على خروجها.

الهوس الإعلامي الذي طاف بالعالم

فينسينزو بيروجيا سارق الموناليزا (ويكيبيديا)

استيقظت باريس، ومن بعدها العالم، على عناوين صحافية مشتعلة بصدمة غير مسبوقة. تحولت قضية اختفاء الموناليزا إلى مادة دسمة للصحافة العالمية؛ حيث تصدرت صور اللوحة الصفحات الأولى لأسابيع طويلة، وضاعفت الصحف الفرنسية، مثل «لو باريزيان» من مبيعاتها، عبر نشر تفاصيل التحقيقات اليومية. امتدَّت الشكوك لتشمل شخصيات بارزة في المجتمع الثقافي الباريسي؛ حيث استجوبت الشرطة الشاعر الشهير غيوم أبولينير والرسام الشاب بابلو بيكاسو، مما أضفى طابعاً درامياً وهوليوودياً على القضية.

ولعل المفارقة الكبرى في تاريخ هذه الشهرة تكمن في أن آلاف الزوار تدفقوا إلى متحف اللوفر خلال الأسابيع التي تلت السرقة، ليس لمشاهدة الفن، بل للنظر إلى الفراغ الذي تركته اللوحة على الجدار وبكاء الفن المفقود، في مظاهرة شعبية حولت اللوحة من مجرد عمل فني نخبوي إلى ملكية عامة في وجدان الشعوب.

لوحة «الموناليزا» (إ.ب.أ)

فخ فلورنسا والعودة المظفرة

ظل بيروجيا يحتفظ باللوحة في شقته المتواضعة في باريس داخل صندوق خشبي ذي قاع مزدوج لأكثر من عامين، وسط ذهول السلطات وعجزها عن الوصول إليه، رغم أنه استجوب في بداية القضية كأحد العمال.

في أواخر عام 1913، اعتقد السارق أن الأجواء قد هدأت، وقرر العودة باللوحة إلى موطنها الأصلي إيطاليا، مدفوعاً بنزعة وطنية ساذجة؛ حيث كان يرى أن اللوحة نهبتها جيوش نابليون بونابرت، ويجب أن تعود لفلورنسا.

تواصل بيروجيا مع تاجر تحف إيطالي يُدعى ألفريدو جيري، وعرض عليه بيع اللوحة مقابل نصف مليون ليرة إيطالية (ما يقارب 2.2 مليون يورو إلى 2.5 مليون يورو حالياً)، بشرط أن تُعرض في المعارض الإيطالية.

شعر التاجر بالريبة، واستدعى مدير معرض أوفيزي، وعندما فحصا اللوحة في غرفته بالفندق وتأكدا من ختم متحف اللوفر الأصلي في الخلف، تظاهرا بالموافقة، ثم أبلغا الشرطة التي ألقت القبض على بيروجيا على الفور، في ديسمبر (كانون الأول) 1913.

عودة الموناليزا في يناير 1914 إلى مكانها في اللوفر وسط استقبال رسمي شعبي (ويكيبيديا)

الخلود السريالي في وعي البشرية

بعد العثور عليها، لم تعد الموناليزا مباشرة إلى باريس، بل طافت في رحلة وداعية تاريخية شملت روما وفلورنسا وميلانو؛ حيث احتشد مئات الآلاف من الإيطاليين لإلقاء نظرة على السيدة التي هزَّت العالم، قبل أن تعود في يناير 1914 إلى مكانها في اللوفر، وسط استقبال رسمي شعبي يليق بالملوك.

هذه الحادثة التاريخية لم تكن مجرد جريمة عابرة، بل كانت إعادة ولادة للموناليزا، فلولا العامان اللذان قضتهما اللوحة في الخفاء، ولولا ملايين الكلمات التي كُتبت عنها في الصحف العالمية، لربما ظلت مجرد لوحة رائعة أخرى في ممرات اللوفر.

بطاقة الهوية الجنائية الفرنسية وعينات البصمات الخاصة بالعامل الإيطالي فينسينزو بيروجيا، الذي نفّذ «سرقة القرن» واختطف الموناليزا من اللوفر عام 1911 (ويكيبيديا)

حكم القضاء الإيطالي على السارق بيروجيا بالسجن لسبعة أشهر فقط، تعاطفاً مع دافعه الوطني، ما منح دا فينشي دون قصد أعظم حملة تسويقية في التاريخ الحديث، لتصبح تلك الابتسامة الغامضة وجهاً للفن الإنساني بأكمله.