حرب الجنوب تمدّد حقبة انكماش الاقتصاد في لبنان

خسائر جسيمة بالأرواح والممتلكات والقطاعات

دخان يتصاعد نتيجة غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة مجدل زون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد نتيجة غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة مجدل زون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

حرب الجنوب تمدّد حقبة انكماش الاقتصاد في لبنان

دخان يتصاعد نتيجة غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة مجدل زون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد نتيجة غارة جوية إسرائيلية استهدفت بلدة مجدل زون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

لا تستقر أرقام الخسائر اللاحقة بالاقتصاد اللبناني، جراء المواجهات العسكرية المحتدمة على جبهة الجنوب والمخاوف المستمرة من توسعها تبعاً لتطورات حرب غزّة، في وقت تتزايد يومياً بشكل تراكمي حصيلة أعداد القتلى والجرحى والمهجرين من بيوتهم وتهديم المساكن والأضرار الجسيمة المتوالية على مفاصل الحياة اليومية والقطاعات الاقتصادية والإنتاجية.

وقال مسؤول مالي كبير لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان خسر فرصة ثمينة لاستعادة مسار النمو الإيجابي في بيانات الناتج المحلي بعد 4 سنوات متتالية من نسب الانكماش الحاد، والتي أفضت إلى تقلص تاريخي وسريع في حجمه ليقترب من عتبة 20 مليار دولار، نزولاً من نحو 55 مليار دولار.

ولاحت بالفعل بشائر هذا التحول الواعد قبيل اندلاع حرب غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتمددها السريع في اليوم التالي إلى الحدود الجنوبية، لتطيح مباشرة بمجموعة من المؤشرات الواعدة بإمكانية إعادة الناتج المحلي إلى مسار النمو الإيجابي، ولو بنسب متدنية، والتأسيس لنهوض اقتصادي أوسع نطاقاً فور إبرام اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي.

حقائق

5 مليارات دولار

حصيلة سنوية تراكمية لموسم الصيف في لبنان قبل 7 أكتوبر

وإلى جانب الهبوط الحاد في مجمل مؤشرات القطاع السياحي بكل مكوناته، بعدما حمل راية النهوض النسبي بزخم استثنائي خلال الموسم الصيفي السابق، وأتاح تدفق نحو 5 مليارات دولار كحصيلة سنوية تراكمية قبل اندلاع الحرب، يخشى أن تتمدّد التداعيات المتفاقمة إلى زعزعة الاستقرار النقدي الساري للشهر الثامن على التوالي، ومن ثم الحؤول دون نجاح السلطة النقدية بتحويله من طارئ مشكوك بفاعليته إلى مستدام يسري كسعر موحد على ميزانية «المركزي» وميزانيات القطاع المالي.

وبالفعل، لوحظ أن تقنين التدفقات الدولارية ساهم تلقائياً بالحدّ من وتيرة جهود البنك المركزي في مهمة إعادة تعزيز احتياطه بالعملات الصعبة، بعدما نجح في زيادته بما يتعدى مليار دولار خلال الأشهر التي تلت استلام وسيم منصوري لمهام الحاكمية خلفاً لسلفه رياض سلامة بدءاً من شهر أغسطس (آب) الماضي، وقراره الفوري بحجب أي تمويل جديد من الاحتياط لصالح الدولة.

 

تداعيات الأزمة السياسية

ورغم ارتكاز هذا التعافي على مؤشرات رقمية لا تمنحه صفة الاستدامة، حسب وصف مؤسسات مالية دولية، يؤكد المسؤول المالي أن استعادة النمو الإيجابي للناتج المحلي تمثل بذاتها قيمة مضافة للدفع باتجاه التقدم في المسار السياسي العالق عند الفراغ الرئاسي واقتصار المهام الحكومية على تصريف الأعمال بالحدود الدنيا، واستطراداً الشروع باستكمال الاستجابة للشروط الإصلاحية التي أدرجها الصندوق في الاتفاق الأولي.

ومع استمرار تغييب لبنان واقتصاده عن الترقبات الدورية الصادرة عن صندوق النقد والتي جرى تعميمها هذا الأسبوع خلال اجتماعات الربيع مع البنك الدولي، وصفت منظمة «الإسكوا»، التعافي الجزئي المحقق بالنموّ المدفوع بالاستهلاك، وهو ما يزيد اعتماد الاقتصاد اللبناني على التدفقات الخارجية ويعزّز قطاعات الخدمات الهشّة مثل السياحة، بدلاً من أن يكون تعافياً قويّاً يستند إلى تحسين القدرات الإنتاجية وزيادة فرص العمل.

 

ثغرة بنيوية

وأشارت إلى ثغرة بنيوية تحول دون اكتمال التعافي مستقبلاً، وهي تكمن في تواصل هجرة الأدمغة التي تقلّص حجم القوى العاملة، في حين أن الأزمة والأحداث التي تلتها ضاعفت من حجم التحديات التي تواجه عمل الشركات في القطاع الخاص، علماً أن الجمود السياسي يؤدي إلى تعليق تنفيذ مشاريع الاستثمارات العامة، ولا سيما أن الإنفاق الحكومي محدود ولا يغطي سوى بنود أساسية، منها رواتب القطاع العام، ودعم محدود لبعض السلع الحيوية كأدوية السرطان والأمراض المزمنة.

وفي تحديث لمعطيات قطاعية تتعلّق بتداعيات الحرب على القطاع الزراعي تحديداً، فقد تسبّبت بالفعل وفق تقرير للبنك الدولي، ولا تزال، بأضرار جسيمة في البنية التحتيّة؛ إذ يتم حرق وتلويث جزء كبير من الأراضي الزراعيّة، علماً أنّ حصة الجنوب تبلغ نحو 20 في المائة من الأراضي المزروعة في لبنان. كذلك تمّ رصد الأثر الأكبر على زراعة الزيتون التي تمثل 7 في المائة من إجمالي الإنتاج الزراعي في البلد؛ إذ لحق الضرر بنحو 100 ألف متر مربع من بساتين الزيتون.

 

تقديرات البنك الدولي

من جهته، يتوقع البنك الدولي في أحدث تقاريره، أن تسجّل البلاد نموّاً اقتصاديّاً بنسبة 0.5 في المائة خلال العام الحالي، انطلاقاً من انكماش بنسبة 0.2 في المائة العام الماضي، و0.6 في المائة في عام 2022. ومن المتوقع أيضاً أن يتحسّن متوسّط نموّ الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي للفرد الواحد من 1.2 في المائة في عام 2022 إلى 2.4 في المائة في عام 2023، و3.1 في المائة في عام 2024.

وبينما عمدت الحكومة السابقة في ربيع عام 2020 إلى إشهار الامتناع عن دفع مستحقات فوائد وأصول سندات الدين الدولية (يوروبوندز)، والبالغة حينها نحو 30 مليار دولار، توقّع البنك الدولي أنّ يظلّ عجز الحساب الجاري للموازنة العامة مرتفعاً عند 10.4 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي مقارنة بنسبة 11 في المائة في عام 2023، و32.7 في المائة في عام 2022، علماً أن لبنان يعاني أصلاً من ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي قبل الأزمة؛ إذ وصلت النسبة إلى 155 في المائة بنهاية عام 2018، ثم ارتفعت خلال الفترة الممتدّة بين عامَي 2020 و2023 لتبلغ 201 في المائة.


مقالات ذات صلة

البنك الدولي يبحث مساعدات طارئة مع 40 دولة لمواجهة صدمة الطاقة

الاقتصاد رئيس البنك الدولي أجاي بانغا (رويترز)

البنك الدولي يبحث مساعدات طارئة مع 40 دولة لمواجهة صدمة الطاقة

قال رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، إن البنك يجري محادثات مع ما بين 30 و40 دولة بشأن تقديم مساعدات لمواجهة صدمات الطاقة وارتفاع الأسعار الناجمَين عن الحرب.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
تقرير إخباري شخص يقف بجوار شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين قبيل انعقاد الاجتماع في مركز الملكة سيريكيت الوطني للمؤتمرات في بانكوك (رويترز)

تقرير إخباري الحرب والدين والذكاء الاصطناعي تختبر صمود الاقتصاد العالمي في بانكوك

يدخل صناع السياسات المالية والنقدية أسبوع اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك وسط اقتصاد عالمي تمكّن حتى الآن من امتصاص جانب كبير من صدمة الحرب.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)

اتفاق بين صندوق النقد الدولي وباكستان قد يتيح صرف 1.21 مليار دولار

أعلن صندوق النقد الدولي، يوم الأربعاء، توصله إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع باكستان بشأن مراجعة بعض برامج الإقراض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد غورغييفا تتحدث خلال فعالية تمهيدية للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي في سنغافورة (أ.ف.ب)

غورغييفا تحذّر من «مزيج مخاطر» يثقل الاقتصاد العالمي

حذّرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، يوم الأربعاء، من أن الاقتصاد العالمي يواجه تهديدات متزايدة بفعل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

صندوق النقد: إصلاحات ضرورية لتعزيز إمكانات النمو في وسط وشرق أوروبا

قال الممثل الإقليمي لصندوق النقد الدولي، الثلاثاء، إن دول وسط وشرق أوروبا بحاجة إلى تنفيذ إصلاحات لتعزيز النمو الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (بودابست)

العراق: «مناصب الترضية» حمولة ثقيلة تعرقل حسم ما تبقى من الوزارات الشاغرة

جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

العراق: «مناصب الترضية» حمولة ثقيلة تعرقل حسم ما تبقى من الوزارات الشاغرة

جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)

في وقت كسب فيه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي جولة مهمة في صراعه مع الكتل السياسية العراقية، بإقدامه على خفض قيمة الدينار مقابل سعر صرف الدولار الأميركي، فإن الخلافات بينه وبين تلك الكتل لا تزال تعرقل حسم ما تبقى من استحقاقات وزارية لإكمال التشكيلة الحكومية، وخصوصاً لجهة المطالبة بأربعة نواب لرئيس الوزراء، واستحداث وزارات جديدة.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يلقي كلمة خلال مؤتمر «السيادة» في بغداد يوم 2 أكتوبر الحالي (رويترز)

وبينما بدا أن إقدام الحكومة على خفض سعر صرف الدينار مقابل الدولار، عملية جراحية لردم الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي للدولار في الأسواق العراقية، والذي أدى إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، حسب مراقبين في بغداد، فإن مساعي القوى السياسية لم تتوقف حتى بعد الاضطرابات التي شهدتها الأسواق، عن مطالبتها باستحداث مناصب ترضية، من شأنها إضافة حمولة ثقيلة على كاهل الميزانية مرة أخرى، في وقت لا يتمكن فيه العراق من تصدير كامل الكمية المطلوب تصديرها من النفط كي يمول النفقات التشغيلية، وفي مقدمتها رواتب نحو 8 ملايين موظف ومتقاعد ومتعاقد.

ويرى مراقبون سياسيون أن الزيدي الذي يواصل رفع رصيده السياسي والجماهيري حتى عبر القرارات الصعبة، يواجه مطالب الكتل السياسية المتضاربة لإكمال الكابينة الحكومية، حتى بلغ ببعضها الإعلان عن أن البرلمان العراقي سوف يعقد جلسة الاثنين للتصويت على مناصب نواب رئيس الوزراء، وما تبقى من حقائب وزارية، وهي «الدفاع، والداخلية، والتعليم العالي، والهجرة والمهجَّرين، والثقافة، والإسكان والإعمار، والعمل والشؤون الاجتماعية، والتخطيط» فضلاً عن استحداث وزارات جديدة، مثل وزارة للذكاء الاصطناعي، وأخرى للسياحة بعد فصلها عن وزارة الثقافة.

البرلمان العراقي في إحدى جلساته (واع)

لكن مصدراً برلمانياً مسؤولاً أكد لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا توجد جلسة الاثنين لغرض التصويت على الكابينة الحكومية»، مبيناً أن «الحكومة لم تتقدم حتى الآن بطلب رسمي إلى رئاسة البرلمان لغرض تحديد جلسة للتصويت على الحقائب الوزارية الشاغرة»، وهو ما يعني أن الخلافات لا تزال قائمة؛ إن كان بشأن تدوير بعض المناصب أو استحداث أخرى، فضلاً عن إمكانية تجاوز «الفيتو» الأميركي بشأن بعض المرشحين لبعض المناصب الحكومية، وبالذات نواب رئيس الوزراء.

قيس الخزعلي زعيم حركة «عصائب أهل الحق» (أ.ف.ب)

ومن بين المرشحين المثيرين للجدل، القيادي البارز في «عصائب أهل الحق» ليث الخزعلي، شقيق زعيمها قيس الخزعلي، المرشح لمنصب نائب رئيس الوزراء. وبينما تتناقض الأخبار بشأن ما إذا كان تم رفع «الفيتو» الأميركي عنه أو لا، فإن الأمر تحول إلى عقدة بحد ذاته بعد «الفيتو» الأول الذي رفعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تولي زعيم «ائتلاف دولة القانون» ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي منصب رئيس الوزراء، وهو ما مهد الطريق لوصول رجل الأعمال الشاب علي الزيدي لهذا المنصب.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالبيت الأبيض في يوليو 2026 (أ.ب)

من جهته، أكد الباحث في الشأن القانوني والسياسي، الدكتور سيف السعدي، أنه «لا يوجد تبرير دستوري أو قانوني لاستحداث مناصب 4 نواب لرئيس مجلس الوزراء، كمحاولة ترضية لرؤساء الكتل السياسية؛ لأن المادة 139 من الدستور نصت على الآتي: يكون لرئيس مجلس الوزراء نائبان في الدورة الانتخابية الأولى، وهذا النص يتعلق بالدورة الأولى؛ لأن الإرادة التشريعية واضحة».

وقال السعدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «المادة (1/ ثانياً) من النظام الداخلي لمجلس الوزراء رقم 2 لسنة 2019 نصت على الآتي: يتألف المجلس من رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء، بعد تأديتهم اليمين الدستورية أمام مجلس النواب»، مبيناً أن «النظام لم يشترط وجود عدد محدد، غير أن القوى السياسية البارزة تريد استحداث مناصب ووزارات، تؤيدها وتدعمها خلال فترة ولاية الزيدي».

البرلمان العراقي في إحدى جلساته (واع)

وأوضح أن «رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، قرر في أغسطس (آب) 2015، إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ضمن حزمة إصلاحات أجراها استجابة للمطالب والاحتجاجات الشعبية. ولكن المحكمة الاتحادية أصدرت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016، حكماً يقضي بعدم دستورية إلغاء منصب نائب رئيس الجمهورية، وإعادته كوجوب دستوري لمنع الفراغ، ولكن الحكومات المتعاقبة التي تلت الفتوى الاتحادية تجنبت التفعيل الفعلي الواسع، أو شغل هذه المناصب، تبعاً للتوافقات السياسية والضغوط المالية والتوجهات الإصلاحية».

صراف عملات يقوم بعدِّ رزم من أوراق الدينار العراقي خلال خدمة أحد الزبائن بمحل صرافة على جانب الطريق في بغداد (أ.ب)

وبشأن استحداث وزارات جديدة، أكد السعدي، أن «ذلك يدخل في باب احتواء جميع الكتل السياسية، وضمان حصصها في الكابينة الوزارية، دون الحاجة الفعلية لمثل هذا الاستحداث الذي يعني شطر وزارة الثقافة والسياحة والآثار إلى: وزارة الثقافة، ووزارة السياحة والآثار، ووزارة الدولة، ووزارة الذكاء الاصطناعي، في ظل ظروف مالية قاهرة أدت إلى رفع سعر صرف الدولار».

ويختم بالقول: «بدل أن نخفض سقف الإنفاق في الموازنة العامة، ونقلل من التعيينات واستحداث المناصب، تُطرح محاولة تحميل المواطن أعباء خيارات الحكومة والمجاملات السياسية».


أمطار الخريف تربك ساكني المنازل المتضررة في ضاحية بيروت الجنوبية

سكان من الضاحية الجنوبية يعبرون قرب مبانٍ مدمرة يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)
سكان من الضاحية الجنوبية يعبرون قرب مبانٍ مدمرة يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)
TT

أمطار الخريف تربك ساكني المنازل المتضررة في ضاحية بيروت الجنوبية

سكان من الضاحية الجنوبية يعبرون قرب مبانٍ مدمرة يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)
سكان من الضاحية الجنوبية يعبرون قرب مبانٍ مدمرة يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)

دفعت الأمطار الأخيرة في لبنان سكاناً وأصحاب متاجر في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى مواجهة جانب آخر من آثار الحرب، بعدما تحوَّلت الشقوق والزجاج المحطَّم والمداخل المتضررة إلى منافذ لتسرب المياه وتسرب الهواء، واضطر بعضهم إلى استكمال أعمال الترميم التي كانوا قد أرجأوها بسبب التكلفة أو خشية تجدُّد المواجهات.

وبين من أصلح منزله على نفقته الخاصة وبقي مدخل المبنى متصدعاً، ومن انتظر قبل تبديل الزجاج المتضرر، ومن لم تسمح له إمكاناته حتى الآن بإجراء الإصلاحات، ومن لا يزال يغطي واجهة متجره بالنايلون والخشب، تكشف شهادات من الضاحية أن العودة إلى المنازل والمحال لم تكن بالضرورة عودة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وأن الترميم بقي مرتبطاً بقدرة كل عائلة أو صاحب مصلحة على تحمل تكلفته.

دمار واسع ناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت منطقة المريجة بالضاحية الجنوبية لبيروت... وتبدو صورة القيادي السابق في «حزب الله» فؤاد شكر (أ.ف.ب)

المطر يحسم الانتظار

يروي محمد نعمة لـ«الشرق الأوسط» أن الأضرار في منزله بدأت منذ حرب عام 2024، حين تحطم زجاج غرفة الجلوس قبل أن تتفاقم خلال الحرب الأخيرة مع اشتداد القصف والانفجارات قرب المنزل.

ويقول نعمة: «في حرب 2024، تضرر زجاج غرفة الجلوس في منزلي في منطقة الجاموس بالضاحية الجنوبية، لكن مع اندلاع الحرب الثانية وقعت انفجارات قوية جداً قرب المنزل، فتضرر المزيد من الزجاج وأجزاء أخرى من البيت. عندها قررت ألا أبدأ الإصلاح مباشرة، لأن الوضع لم يكن مستقرّاً، وكنت أخشى أن أدفع تكلفة التصليح ثم تتكرر الأضرار من جديد».

لكن الأمطار الأخيرة، وفق نعمة، حسمت قراره. ويقول: «عندما هطلت الأمطار بغزارة ومعها الرياح والعواصف، لم أعد أستطيع الانتظار، لأن المياه بدأت تدخل إلى المنزل من الأماكن المتضررة. عندها قررت أن أصلح ما يمكن إصلاحه على نفقتي؛ لأنني كنت مضطرّاً إلى حماية المنزل وجعله صالحاً للسكن».

مبانٍ مدمرة نتيجة القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» (إ.ب.أ)

أعباء تتقدم على الترميم

لكن القدرة على اتخاذ قرار مماثل ليست متاحة للجميع، خصوصاً بالنسبة إلى عائلات خرجت من الحرب وهي تحمل معها خسارة أشهر من الدخل، إلى جانب التزامات السكن والعمل والمعيشة.

يقول محمود، وهو سائق سيارة أجرة وأب لثلاثة أولاد من حارة حريك، لـ«الشرق الأوسط»: «حتى اليوم لم أتمكن من إصلاح الأضرار في المنزل، فخلال هطول الأمطار الأخير دخلت المياه إلى البيت، ومع كل موجة مطر أخشى أن يتكرر الأمر، لكن إمكاناتي لا تسمح لي بإجراء التصليحات المطلوبة».

ويعيش محمود مع عائلته في منزل مستأجر، فيما يعمل على سيارة أجرة بلوحة عمومية مستأجرة أيضاً، ما يجعله أمام التزامات شهرية ثابتة لا تتوقف عند بدل السكن، بل تشمل أيضاً تكلفة اللوحة ومصاريف أسرته اليومية.

ويشرح أن الحرب ضربت مصدر رزقه مباشرة، قائلاً: «خلال الحرب والتهجير توقفت عن العمل لأشهر. أنا أعيش من عملي اليومي على السيارة، وعندما لا أعمل لا يكون هناك مدخول. بعد العودة، وجدت نفسي أمام بيت متضرر يحتاج إلى إصلاح، وإيجار يجب دفعه، ومصاريف ثلاثة أولاد، ولا أملك مبلغاً أخصصه للترميم دفعة واحدة».

ويتابع محمود: «أحاول أن أصلح ما أستطيع، وأؤجل ما يمكن تأجيله، لكن مشكلة المياه لا يمكن تركها طويلاً، وأخشى أن نواجه المشكلة نفسها مع أي أمطار جديدة».

ركام أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لقصف إسرائيلي خلال أكتوبر 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

الشقة رُممت... والمبنى لا

وتبدو المشكلة من زاوية أخرى لدى أبو حسن، أحد سكان مبنى في المريجة بالضاحية الجنوبية، الذي استطاع ترميم منزله والعودة إليه، فيما بقيت الأجزاء المشتركة من المبنى متضررة.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «رممت منزلي قدر استطاعتي حتى أتمكن من الإقامة فيه، لكن المشكلة لم تعد داخل الشقة فقط، فمدخل المبنى ومناور الدرج لا تزال متصدعة، ومع هطول الأمطار تبيّن أن الترميم داخل منازلنا لا يكفي، ما دامت الأجزاء المشتركة في المبنى متضررة».

ومع أول اختبار فعلي بعد الترميم واجهنا المشكلة مع تسرب المياه إلى المدخل والدرج».

وكانت الأولوية بالنسبة إليه وإلى عائلات أخرى هي العودة إلى المنازل بأسرع ما يمكن، ما دفع كل أسرة إلى معالجة ما تستطيع داخل شقتها، فيما بقيت أجزاء مشتركة تحتاج إلى تكلفة أكبر.

واجهة من النايلون والخشب

ولا يختلف هاجس التكلفة وتجدد الحرب كثيراً لدى أصحاب المتاجر، فموسى سلمان، صاحب متجر في بئر العبد، لا يزال يعتمد النايلون والخشب بدلاً من إصلاح واجهة متجره بصورة نهائية.

ويقول سلمان لـ«الشرق الأوسط»: «فضّلت أن أبقي النايلون والخشب كما هما، لأنني لا أعرف ماذا يمكن أن يحدث. في الصيف يكون الأمر أسهل نسبياً، لكن مع الشتاء تصبح المسألة أصعب، ومع ذلك لا أريد أن أتحمل تكلفة إصلاح الواجهة بالكامل ثم أعود فأخسرها إذا اندلعت الحرب من جديد».

ويشير إلى أن إصلاح الواجهة يحتاج إلى مبلغ ليس بسيطاً، في ظل ضعف الحركة التجارية، موضحاً أن الجزء السفلي وحده قد يُكلف نحو 600 دولار، فيما قد تصل تكلفة الجزء العلوي إلى أكثر من ألف دولار.

ويضيف: «في ظل هذا الوضع، يحسب الإنسان كل خطوة. لا توجد حركة تجارية كما في السابق، ومن يستطيع تأجيل التكلفة يفعل ذلك».


بغداد وكردستان يدينان الاعتداء على «مطار الملك خالد» بالرياض

 «مطارالملك خالد الدولي» في الرياض (واس)
«مطارالملك خالد الدولي» في الرياض (واس)
TT

بغداد وكردستان يدينان الاعتداء على «مطار الملك خالد» بالرياض

 «مطارالملك خالد الدولي» في الرياض (واس)
«مطارالملك خالد الدولي» في الرياض (واس)

دانت الحكومة الاتحادية في بغداد والحكومة الإقليمية في كردستان الشمالي، الأحد، الاعتداء الذي طال «مطار الملك خالد الدولي»، في عاصمة المملكة العربية السعودية، الرياض.

وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، في بيان، إن «الحكومة العراقية تستنكر الاعتداء الذي طال مطار الملك خالد الدولي في عاصمة المملكة العربية السعودية، الرياض، الذي أدى إلى سقوط ضحايا أبرياء، ووقوع خسائر مادية وبشرية، بما يسيء إلى الأمن والاستقرار الإقليميين».

وأضاف أن «الحكومة تعبِّر عن رفضها لكل تصعيد للأعمال العسكرية والعدوانية، خصوصاً ما يطال المدنيين والمنشآت المدنية، وبما يعمّق من جذور الخلافات، ويترك آثارها السلبية على مجمل السلم في المنطقة».

وتابع النعمان أن «العراق يدعو إلى وقف شامل للأعمال العسكرية، وتجنيب المدنيين والشعوب الشقيقة مآلاتها ونتائجها، والحيلولة دون تعرض المنشآت المدنية إلى الاعتداءات والأذى».

العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

وبيَّن أن «العراق يدعم دائماً الحوار والتفاهم لغةً بديلةً عن أي عمل عسكري أو عُنفي، وتغليب المصالح المتجذرة للشعوب المتآخية، كما يؤيد ضمان حرية الملاحة والطيران والانتقال في المنطقة، وتغليب المصالح الاقتصادية والتنموية الشاملة».

وبدورها، أعربت رئاسة إقليم كردستان عن إدانتها الشديدة للهجوم على «مطار الملك خالد»، وقالت، في بيان: «ندين بشدة الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية، الرياض، وأسفر عن سقوط عدد من الضحايا والمصابين في صفوف المدنيين».

وأضاف بيان الرئاسة: «نعرب عن خالص تعازينا ومواساتنا لقيادة وحكومة وشعب المملكة العربية السعودية الشقيقة، ولعوائل الضحايا، آملين الشفاء العاجل للمصابين. وبينما نؤكد تضامننا الكامل ووقوفنا إلى جانب المملكة العربية السعودية، نشدد على ضرورة حماية أرواح المدنيين، ووقف التصعيد، وصون أمن المنطقة واستقرارها».