«المركزي التركي» يعود «مجبراً» إلى التشديد النقدي... ويرفع الفائدة إلى 50 %

خبراء عدّوها خطوة متأخرة لكن صائبة في ظل التضخم وتآكل الاحتياطيات

شعار المصرف المركزي التركي (رويترز)
شعار المصرف المركزي التركي (رويترز)
TT

«المركزي التركي» يعود «مجبراً» إلى التشديد النقدي... ويرفع الفائدة إلى 50 %

شعار المصرف المركزي التركي (رويترز)
شعار المصرف المركزي التركي (رويترز)

عاد مصرف تركيا المركزي، مجبراً، إلى تشديد السياسة النقدية بزيادة جدية في سعر الفائدة الرئيسي جاءت أعلى من التوقعات السابقة للمؤسسات الدولية وللخبراء المحليين؛ مدفوعاً بالتضخم الجامح وتآكل احتياطي النقد الأجنبي.

وقررت لجنة السياسة النقدية بـ«المركزي التركي»، (الخميس)، العودة إلى تشديد السياسة النقدية، بعد شهرين فقط من وقف دورة تشديد استمرت 8 أشهر. ورفعت سعر الفائدة على إعادة الشراء لمدة أسبوع (الريبو)، المعتمد معياراً أساسياً لأسعار الفائدة، بواقع 500 نقطة أساس إلى 50 في المائة.

قفزة على التوقعات

وخالف «المركزي التركي» التوقعات السابقة للمؤسسات المالية الدولية التي توقّعت ارتفاعاً بنسبة 250 نقطة أساس بعدما أظهر التضخم اتجاهاً صعودياً في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين، ليصل إلى نحو 67.1 في المائة في فبراير وهو أعلى مستوى في 15 شهراً.

بينما توقّع اقتصاديون أن يحافظ «المركزي التركي» على سعر الفائدة ثابتاً عند 45 في المائة، وعدم اللجوء إلى رفع الفائدة قبل الانتخابات المحلية المقررة في 31 مارس (آذار) الحالي.

وسجّل التضخم معدلاً أعلى من المتوقع في الشهرين الماضيين، بينما أشار «المركزي التركي» إلى استمرار المسار المرن للطلب المحلي.

وكان المصرف تعهد خلال إعلان تقرير التضخم الفصلي الأول للعام الحالي، في فبراير الماضي، بالعودة إلى التشديد النقدي إذا حدث تدهور كبير في التضخم وتوقعاته.

ضغوط التضخم

وقال «المركزي التركي»، في بيان عقب اجتماع لجنته للسياسة النقدية، إن اللجنة قرّرت رفع الفائدة من 45 إلى 50 في المائة، كما أجرت تغييرات في الإطار التشغيلي وغيّرت سياسة الاقتراض لليلة، وحددت أسعار الإقراض إلى أسعار مزاد إعادة الشراء لمدة أسبوع (الريبو) بهامش (-/+ 300 نقطة أساس).

وذكر البيان أن الاتجاه الرئيسي للتضخم الشهري في فبراير كان أعلى من المتوقع، بقيادة التضخم في الخدمات، في حين تباطأت واردات السلع الاستهلاكية والذهب، ما أسهم في تحسن رصيد الحساب الجاري، وتظهر المؤشرات الأخرى على المدى القريب أن الطلب المحلي لا يزال مرناً.

وأضاف أن جمود تضخم الخدمات، وتوقعات التضخم، والمخاطر الجيوسياسية وأسعار المواد الغذائية تحافظ على ضغوط التضخم، وأن اللجنة ستراقب عن كثب مدى امتثال توقعات التضخم وسلوك التسعير مع التوقعات وتأثيرات زيادات الأجور على التضخم.

وتعهد «المركزي التركي» بالحفاظ على موقف السياسة النقدية المتشددة حتى يتم تحقيق انخفاض كبير ودائم في الاتجاه الأساسي للتضخم الشهري، وتتقارب توقعات التضخم مع النطاق المتوقع.

وأكد أنه سيتم الاستمرار في استخدام جميع الأدوات المتاحة، وتنفيذ التدابير الاحترازية الكلية للسياسة النقدية بطريقة من شأنها حماية وظائف آلية السوق والاستقرار المالي الكلي.

وأشار البيان إلى أن المصرف المركزي قام بتشديد الأوضاع المالية، وتم دعم انتقال السياسة النقدية من خلال اللوائح التي تم وضعها خلال مارس الحالي، وفي حالة حدوث تطورات غير متوقعة في نمو القروض والفائدة على الودائع، سيستمر دعم آلية التحويل النقدي، وستتم مراقبة تطورات السيولة عن كثب، وسيتم استخدام أدوات التعقيم بشكل فعال عند الضرورة.

وتعهد «المركزي التركي» بمواصلة، بحزم، استخدام الوسائل التي من شأنها الحد من الاتجاه الرئيسي للتضخم، والوصول بالتضخم إلى هدف 5 في المائة على المدى المتوسط، وبما يتماشى مع الهدف الرئيسي المتمثل في استقرار الأسعار.

ترحيب بالقرار

ورحّب اقتصاديون بقرار «المركزي التركي» رفع سعر الفائدة، وقال تونش شاتير أوغلو: «نهنئكم على هذا القرار، إذا كنت فعلت ذلك الشهر الماضي، فربما لم تكن احتياطياتك قد تآكلت كثيراً... على أي حال، ربما يكون الوقت متأخرا، لكن لا بأس. آمل أن يكون كافياً، كان ينبغي أن يتم الوصول إلى معدل 50 في المائة في يناير».

وتراجع احتياطي المركزي التركي إلى 127.9 مليار دولار في أسبوع 15 مارس مقارنة بـ131.8 مليار دولار في الأسبوع السابق عليه، في حين سجل 135.4 مليار دولار في أسبوع 2 فبراير الماضي.

بدورها، قالت المحللة الاقتصادية، إيريس سيبري، إن الزيادة في سعر الفائدة ستؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة على الودائع، وهذا يعني استثماراً بديلاً وأكثر جاذبية مقابل الدولار.

ووصفت قرار «المركزي التركي» بأنه «صائب جداً»، ويعطي الثقة بأنه سيتم الحفاظ على الموقف المتشدد، واتخاذ الإجراءات اللازمة عند الضرورة، قائلة: «إن ما كان يجب فعله من قبل تم إنجازه، حتى ولو كان متأخراً».

وأشادت الخبيرة الاقتصادية مليحة أوكور بالقرار، مشيرة إلى أنه يتصدى للاتجاه إلى الدولرة بجعل الودائع بالليرة التركية جاذبة. وقالت: «لقد أصبح المركزي التركي صقراً».

ورأت المحللة يورجو آيدن أن المصرف المركزي، تقدم بقراره للمرة الأولى على السوق وتوقعاته، وأزال الضغط على سعر الصرف، وأصبحت هناك فرصة لإعادة بناء الاحتياطيات، وكانت هذه الخطوة التي تم اتخاذها قبل الانتخابات المحلية مهمة للغاية من أجل استمرارية السياسة الاقتصادية.

ورأت أن القرار أظهر أن هناك ضوءاً في نهاية النفق، إذا ما تم دعم هذه الخطوة الجريئة من البنك المركزي بسياسات اقتصادية وهيكلية تضمن «الانتقال إلى العقلانية في الاقتصاد».

وعدّ الخبير أوغور جورسيس أن قرار «المركزي التركي» رفع الفائدة كسر التصور القائل إنه «لا يمكن القيام بذلك قبل الانتخابات».


مقالات ذات صلة

الذهب يرتد بأكثر من 1 % مع تراجع الدولار وترقب بيانات أميركية

الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يرتد بأكثر من 1 % مع تراجع الدولار وترقب بيانات أميركية

ارتفعت أسعار الذهب بأكثر من 1 في المائة، الخميس، متعافية من أدنى مستوياتها في أسبوع، مع تراجع الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أشخاص يتسوقون لشراء البقالة بمتجر في لوس أنجليس (إ.ب.أ)

التضخم الأميركي يربك الأسواق ويعيد رفع الفائدة إلى حسابات «الفيدرالي»

أعاد تسارع التضخم في الولايات المتحدة خلال سبتمبر خلط أوراق الأسواق المالية بعدما جاء ارتفاع الأسعار أعلى من التوقعات

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة شارع «وول ستريت» أمام بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة لـ«ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» ترتفع مع استقرار أسهم الذكاء الاصطناعي

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» قليلاً يوم الأربعاء، مع استقرار أسهم شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات منطقة اليورو تتراجع وسط ترقب التضخم الأميركي وتوقعات الفائدة

سجلت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو تراجعاً طفيفاً، الأربعاء، مواصلة مسار الاستقرار النسبي بعد فترة من التقلبات الحادة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

مسؤول في بنك إنجلترا يشكك في توقعات رفع الفائدة 4 مرات خلال العام المقبل

قال كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، هيو بيل، الأربعاء، إنه أكثر تشككاً في توقعات الأسواق بأن يرفع البنك أسعار الفائدة 4 مرات، بواقع 25 نقطة أساس في كل مرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
TT

مجموعة الـ7 تتعهد بـ2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر هشاشة

مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)
مكان انعقاد الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (الصندوق)

تعهدت دول مجموعة السبع بتخصيص 2.5 مليار دولار لدعم الأمن الغذائي في الدول الأكثر عرضة للمخاطر، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وتداعياته على إمدادات الأسمدة وتكاليف الغذاء، وفق ما أعلنه وزير الاقتصاد الفرنسي، رولان ليسكور، الخميس.

وقال ليسكور، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، إن البنك الدولي حدد 44 دولة قد تواجه مشكلات في الأمن الغذائي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية.

وأوضح الوزير الفرنسي أن التعهد يستهدف مساعدة الدول الأكثر فقراً، مع تركيز خاص على الأسمدة، التي تُعد عنصراً أساسياً في الإنتاج الزراعي، في وقت تؤدي فيه اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء.

وفي سياق آخر، قال ليسكور إن دول المجموعة جمعت 260 مليون يورو (291 مليون دولار) للمساهمة في إصلاح القبة الواقية في موقع كارثة تشيرنوبل النووية، التي تضررت جراء هجمات روسية في فبراير (شباط) 2025.

وكانت فرنسا، التي تتولى الرئاسة الحالية لمجموعة السبع، قد قدرت في مارس (آذار) الماضي تكلفة الإصلاحات بنحو 500 مليون يورو، ودعت الدول الأعضاء إلى المساهمة في تمويلها. وأعلنت الولايات المتحدة في أبريل (نيسان) تقديم 100 مليون دولار لهذا الغرض.

وأضاف ليسكور أن هناك حاجة إلى تأمين بضعة ملايين إضافية من اليورو، مشيراً إلى تنظيم مؤتمر للتعهدات المالية في باريس خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل لجمع مزيد من التمويل. كما أكد استمرار رغبة دول المجموعة في دعم أوكرانيا.


وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
TT

وكالة الطاقة الدولية تسرّع الإفراج عن 100 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية

شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)
شعار وكالة الطاقة الدولية في باريس (رويترز)

أعلن مجلس إدارة وكالة الطاقة الدولية عزمه تسريع الإفراج عن الكميات المتبقية من الاحتياطيات النفطية، والبالغة نحو 100 مليون برميل، في إطار التحرك الجماعي الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي استجابةً لأزمة مضيق هرمز، وذلك في ظل استمرار شح أسواق النفط، خصوصاً الديزل.

وقال المجلس، في بيان صدر الخميس، إن الدول الأعضاء أفرجت حتى الآن عن نحو 330 مليون برميل، فيما اتفقت على اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال الكميات المتبقية في الوقت المناسب، مع مراعاة الظروف الوطنية لكل دولة.

وأوضح أن خططاً محددة وُضعت لتسريع الإفراج عن الكميات المتبقية، تشمل إتاحة أكثر من 20 مليون برميل من الديزل في أقرب وقت ممكن، في وقت تواصل فيه الوكالة مراقبة تطورات الأسواق وتقييم احتياجاتها.

وأشار المجلس إلى أن بعض الدول الأعضاء أفرجت عن كميات تفوق ما تعهّدت به في مارس، فيما تعتزم دول أخرى زيادة الكميات المطروحة، بما يرفع إجمالي الاحتياطيات المقرر الإفراج عنها إلى أكثر من 400 مليون برميل، وهو الحجم الأصلي للعمل الجماعي.

ودعا المجلس الدول الأعضاء التي تمتلك قدرات لإنتاج النفط وتكريره إلى زيادة إمدادات الخام والمنتجات المكررة، مع التركيز على الديزل، مؤكداً أهمية ضمان حرية تدفق تجارة الطاقة.

وجاء البيان عقب اجتماع مجلس الإدارة، الذي أكد التزام الوكالة بأمن الطاقة العالمي، مشيراً إلى أحدث تقييمات أمانتها العامة التي تظهر استمرار الضغوط على أسواق النفط، ولا سيما سوق الديزل.

وأضاف أن الوكالة ستواصل متابعة تنفيذ خطة مارس، بما يتماشى مع بيان قادة مجموعة السبع، وستطلع قادة المجموعة ومجلس إدارتها على التقدم المحرز، وأي إجراءات إضافية قد تستدعيها تطورات السوق، استناداً إلى تقييم محدث يُركز على سوق الديزل.


أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

أسهم الذكاء الاصطناعي تقود خسائر «وول ستريت» وسط تقلبات عالمية حادة

أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)
أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

شهدت «وول ستريت»، يوم الخميس، موجةً جديدةً من عمليات بيع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، في أعقاب تقلبات واسعة النطاق في الأسواق العالمية أثارت مخاوف بشأن استدامة «حمى» الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.5 في المائة، مُسجِّلاً تراجعاً للمرة السادسة خلال الأيام الـ7 التي أعقبت وصوله إلى مستوى قياسي. وأدى ضعف أسهم الذكاء الاصطناعي إلى هبوط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة، ليسجِّل أكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية، في حين أظهرت قطاعات أخرى من سوق الأسهم مزيداً من الصمود. وفي الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 251 نقطة، أو بنسبة 0.5 في المائة، كما سجَّلت غالبية الأسهم الأميركية مكاسب.

وتزامنت هذه التقلبات مع صدور تقرير أظهر تسارع التضخم في الولايات المتحدة بوتيرة تجاوزت توقعات الاقتصاديِّين. ويُعزى استمرار ارتفاع الأسعار جزئياً إلى مواصلة المستهلكين الإنفاق رغم زيادة التكاليف، إذ أظهر تقرير منفصل، صدر يوم الخميس، أن إيرادات تجار التجزئة الأميركيِّين خلال الشهر الماضي تجاوزت توقعات المحللين.

وبالنسبة إلى أسهم الذكاء الاصطناعي، بدأت موجة الهبوط الحادة في «وول ستريت» يوم الأربعاء، قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تراجع مؤشر «كوسبي» في كوريا الجنوبية بنسبة 7.6 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» في اليابان بنسبة 4.9 في المائة، لتعود هذه التقلبات وتلقي بظلالها على الأسواق الأميركية.

وتشكِّل هذه التطورات أحدث حلقة في سلسلة من التقلبات الحادة التي تشهدها أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، والتي قادت أداء الأسواق لسنوات. وتضخ الشركات استثمارات ضخمة في هذا المجال، أملاً في زيادة أرباحها وتعزيز الإنتاجية. غير أن إنشاء مراكز البيانات وتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي يتطلبان تكاليف باهظة، ما دفع كثيراً من الشركات إلى اللجوء إلى الاقتراض لتمويل هذه الاستثمارات.

ومع وصول عوائد السندات في الأسواق العالمية إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها منذ سنوات، تزداد المخاوف بشأن قدرة الشركات على مواصلة هذا الإنفاق المتسارع. فقد راكمت شركات كثيرة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ديوناً كبيرة في إطار سعيها إلى تحقيق طموحاتها التوسعية، في حين تتعرَّض أسهمها لضغوط متزايدة بفعل أعباء التمويل.

وفي هذا السياق، تراجع سهم شركة «كور ويف» المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي، بنسبة 7 في المائة، بعد هبوطه بنسبة 15.5 في المائة في الجلسة السابقة. وكانت الشركة قد أعلنت خلال الصيف أنها ستسدد ديوناً مستحقة بقيمة 4.41 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام الحالي، إضافة إلى 6.18 مليار دولار في عام 2027. وحتى 30 يونيو (حزيران)، كانت الشركة تمتلك سيولةً نقديةً تزيد على 5.5 مليار دولار.

كما تجعل العوائد المرتفعة في سوق السندات المستثمرين أقل استعداداً، بوجه عام، لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم، لا سيما تلك التي تُتداول عند مستويات تقييم عالية.

وتراجع سهم «إنفيديا» الشركة المتخصصة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة، ليكون أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». وكانت الشركة قد استفادت من طفرة الذكاء الاصطناعي لتصبح الأعلى قيمة سوقية في «وول ستريت»، في حين حقَّق سهمها مكاسب بنحو 1415 في المائة منذ نهاية عام 2022 وحتى بداية تعاملات يوم الخميس.

وجاءت هذه الخسائر رغم إعلان إحدى الشركات الرائدة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تُعد نتائجها مؤشراً على أداء القطاع، أرباحاً قوية. فقد أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (تي إس إم سي) نتائج فصلية تجاوزت توقعات المحللين، بينما قال المدير المالي للشركة، ويندل هوانغ، إن التوقعات تشير إلى استمرار قوة الطلب خلال الأشهر الـ3 الأخيرة من عام 2026.

ورغم هذه النتائج، فإن سهم الشركة المدرج في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 4.4 في المائة.

وكانت شركة أخرى محورية في قطاع الذكاء الاصطناعي قد أعلنت، يوم الأربعاء، نتائج قوية للأرباح، لكنها لم تنجح بدورها في استعادة حماسة المستثمرين تجاه القطاع. وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه إس إم إل» الهولندية، إن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي قوي للغاية، إلى درجة أن بعض العملاء يتحدثون عن تقديم طلبيات تمتد حتى عامي 2029 و2030.

في المقابل، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية في تعاملات يوم الخميس، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السندات مع إقبال المستثمرين على شرائها. وتُعدُّ سندات الخزانة من الأصول الاستثمارية الأكثر أماناً نسبياً، نظراً إلى انخفاض مخاطر تعثر الحكومة الأميركية عن السداد، وغالباً ما يزداد الإقبال عليها في أوقات القلق والاضطرابات في الأسواق.

وانخفض العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 5.05 في المائة، مقارنة بـ5.19 في المائة في وقت متأخر من يوم الأربعاء. وكانت العوائد قد تجاوزت 5.30 في المائة في وقت سابق من الشهر الحالي، مسجِّلة أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم، ومؤشرات على استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وجاء تراجع العوائد رغم صدور بيانات اقتصادية أميركية أقوى من المتوقع، وهي بيانات من شأنها عادةً أن تدفع العوائد إلى الارتفاع. فإلى جانب بيانات مبيعات التجزئة، أظهر تقرير آخر أن عدد الأميركيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي جاء أقل من توقعات الاقتصاديين، ما قد يشير إلى تراجع وتيرة تسريح العمال في البلاد.

وفي الأسواق العالمية، تكبَّدت الأسهم الكورية الجنوبية أكبر الخسائر، إذ هبط مؤشر «كوسبي»، الذي تهيمن على أدائه شركتا الرقائق الإلكترونية «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس» مُسجِّلاً أسوأ أداء يومي له منذ يوليو (تموز). وبذلك، يكون المؤشر قد تراجع بنسبة 39 في المائة مقارنة بمستواه القياسي المُسجَّل في يونيو الماضي.