سياسة «سوريا أولاً»... «براغماتية» أميركية سمحت باحتلال لبنان

ديفيد هيل عن إميل لحود: لم يشهد لبنان مطلقاً مثل هذا الرئيس المعادي لأميركا... كان الأسد سيّده و«حزب الله» حليفه الوحيد

الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)
الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)
TT

سياسة «سوريا أولاً»... «براغماتية» أميركية سمحت باحتلال لبنان

الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)
الخط الأزرق ... الأمم المتحدة تفصل بين لبنان وإسرائيل عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب عام 2000 (أ.ف.ب)

تنشر «الشرق الأوسط» حلقة ثالثة وأخيرة من كتاب «الدبلوماسية الأميركية تجاه لبنان: ست محطّات وأمثولاتها» لوكيل وزارة الخارجية الأميركية السابق للشؤون السياسية ديفيد هيل، وهي تتناول كيف سمحت سياسة «سوريا أولاً» الأميركية بوضع لبنان تحت «الاحتلال السوري»، وكيف وافقت أميركا على وصول قائد الجيش العماد إميل لحود إلى موقع الرئاسة، قائلاً: «لم يشهد لبنان أبداً مثل هذا الرّئيس المعادي لأميركا. لم تكن السّياسات الأميركية تعجبه، ولا الشّعب، ولا الدّبلوماسيون الموفدون للتعامل معه».

سياسة سوريا أولاً

كانت سياسة الرّئيس كلينتون تجاه لبنان مُلحَقة باستراتيجيّته إزاء سوريا. فقد اعتبرها المفتاح الجيوسياسي لتحقيق السّلام العربي الشامل مع إسرائيل، ولتقليص النّفوذ الإيراني في المنطقة. ووضع لبنان جائزة لها، فيما لو أعادت توجيه سياستها، خلال العملية، نحو الغرب. وبما أنّ المحتلّين السّوريين هم من يحدّدون السّياسة الخارجية اللبنانية، لم يكن هناك سبب وجيه لواشنطن للتّعامل مع القادة اللبنانيين، الذين كان عليهم استشارة دمشق بأي حال. فإذا أقامت سوريا صلحاً مع إسرائيل؛ فإنّ لبنان حتماً سيتبعها، أو هكذا بدا منحى الأمور، الذي تعزّزه تأكيدات الأسد وبعض تصرّفاته.

قبل اجتماعه برئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في نيويورك في سبتمبر (أيلول) 1993، سأل كلينتون مساعد وزير خارجيّته إدوارد دجيرجيان عمّا يجدر قوله، فنصحه بِوُجوب التأكيد على دعم الولايات المتحدة لاستقلال لبنان وسيادته، وسلامة أراضيه. عملاً بالنصيحة، أكد كلينتون أنه لا اتّفاق لسلام إسرائيلي - سوري بوساطة أميركية سيأتي على حساب لبنان. كتب دجيرجيان، الذي ربّما كان صادقاً، لاحقاً: «إنّ هذا التأكيد عزّز من قوّة الرّئيس الحريري لكنّ الرسالة لم تعكس واقع السّياسة الأميركية كما تبيّن». كما كتب مارتن إنديك، مستشار كلينتون لشؤون الشّرق الأوسط آنذاك في وقتٍ لاحق: «إنّ الإدارة لم تضغط مطلقاً على الأسد لِسَحب قوّاته من لبنان، لأنّها قد تشكّل حاجة في حال التوصّل إلى اتّفاق سلام». وممّا كتبه: «في صفقة السّلام التي تصوّرها كلينتون، ستكون القوّات السورية في لبنان مسؤولة عن نزع سلاح (حزب الله)». لقد قدّرنا أنّ طردهم سيتحقّق مع مرور الوقت باعتبار أنّ السلام سيمكّن اللبنانيين من التفلّت من قبضة سوريا». هنا تكمن مشكلة العلاقات الأميركية مع لبنان خلال سنوات كلينتون، فقد كان الخطاب الأميركي صادقاً فيما خص التزامنا بالسّيادة اللبنانية، لكنّ سلوك الولايات المتحدة كان يعكس اعتماداً براغماتياً على الاحتلال السوري. وبينما كان يفترض ألا تأتي صفقة السّلام على حساب لبنان، شكّل هذا البلد الضحية الأولى لفشل التوصّل إليها.

الرئيس الراحل حافظ الأسد أبلغ الأميركيين أنّه إذا استجيبت شروطه في صفقة السلام مع إسرائيل، فإنّه سيهتمّ بإيران و«حزب الله»

أكّد الأسد للمسؤولين الأميركيين أنّه إذا استجيبت شروطه في صفقة السلام مع إسرائيل، فإنّه سيهتمّ بإيران و«حزب الله» (مسؤول أميركي). وازدادت ثقة المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين بتعهداته، عندما ساعد فعلياً في تهدئة لبنان بعد حربَي 1993 و1996، على الرّغم من الشّكوك بأن ثمّة يداً له في تحفيز الهجمات على إسرائيل سنة 1996. أخذت واشنطن بكلامه، علماً بأنّه لم يكن هناك صفقة سلام لاختباره. ووضع المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون ثقتهم برغبته، أو قدرته على تأمين حدود إسرائيل من ناحية جنوب لبنان، الحدود الإسرائيلية الوحيدة المفتوحة على التّهديدات المستمرّة منذ عام 1973. وافترضوا أنّ سوريا سوف تعتني بلبنان ثمناً ضرورياً للسّلام مع إسرائيل؛ لأنّ الأسد قال ذلك، إنّما لم يُحدّد معنى «العناية» أو الثمن الذي قد تدفعه سوريا، على الرّغم من الاعتقاد بأنّ الأسد يعرف جيّداً ما هي الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية.

يجدر بنا التوقف عند اهتمام واشنطن المحدود، خلال فترات التفاوض بين إسرائيل وسوريا، بما يمكن أن يحدث في لبنان، فيما لو تحقّق السلام بين سوريا وإسرائيل. لم يسبق للبنان وإسرائيل أن رسّما الحدود بينهما التي خطّتها فرنسا وبريطانيا، ما تسبّب بالكثير من الغموض واحتمالات وقوع نزاعات. علاوة على ذلك، كادت هجمات «حزب الله» من لبنان تُخرج السياسات الأميركية والإسرائيلية عن مسارها عامَي 1993 و1996. كان سلوك الأسد في تسهيل أمر التوصّل إلى وقف إطلاق النّار علامة مشجّعة. لكن إن كان يمتلك قدرة السّيطرة على لبنان، فلماذا وقعت بالأساس حلقات العنف هذه؟ ليس معروفاً إلى أيّ مدى كانت سوريا راغبة أو قادرة على المضي في نزع سلاح «حزب الله» في سياق السّلام مع إسرائيل، لكنّ الأسد كان مدركاً لمتطلّبات إسرائيل الأمنيّة لحماية شمالها، وانسحاب إسرائيل من الأراضي السّورية كان مشروطاً بتلبيتها. هل كانت سوريا ستحاول التحايل تجنّباً لمواجهة مع إيران، أو لخسارة ورقة ضغط على إسرائيل، يوفّرها «حزب الله» لها داخل لبنان؟ لا أحد يستطيع أن يعرف بالضّبط. لكن ما يبدو مرجّحاً أنّ سوريا كانت ستسعى إلى الاحتفاظ بنفوذها في لبنان، فقد تحمّلت ما يكفي من التهديدات الآتية من صوبه، بما في ذلك التحالف الإسرائيلي - الماروني، كيلا تترك ثغرة تعرّضها للخطر مرّة جديدة. ومن دون «حزب الله»، كيف لها أن تتأكد من عدم تكرار ذلك؟ في أيّة حال، لم يكن أمام المسؤولين الأميركيين الراغبين في السّلام سوى خيار الاعتماد على وعد الأسد بشأن لبنان، إذا أرادوا الوصول إلى نتيجة، ومن خلال تأجيل مناقشة ترتيبات ما بعد السلام المتعلّقة بلبنان بالتفصيل، والتقييم الصّادق للنتائج المحتملة، ربّما كان المسؤولون الأميركيون يحولون فقط دون وقوع أزمة حول لبنان يمكن أن تعرقل التوصّل إلى اتّفاق إسرائيلي - سوري. لم يحظ هؤلاء المسؤولون بالوقت الكافي لاكتشاف ذلك مطلقاً.

ديفيد هيل في بيروت في 13 أغسطس 2020 (رويترز)

الواضح أنّ سياسة واشنطن التي راعت الأسد وغضّت الطّرف عن سلاح «حزب الله» في لبنان على مدى ثماني سنوات في التّسعينات، مكّنت النّظام السوري من تشديد قبضته على البلد. واستغلّها «حزب الله» لتشديد قبضته وشرعيّته في أوساط العديد من اللبنانيين، فتحوّل من حالة إرهابية خطيرة إلى قوّة وطنيّة وإقليميّة كبيرة في الألفية الثّانية. كما ساهمت سياسة إدارة كلينتون تجاه إيران، عن غير قصد، في تعزيز المعسكر السوري - الإيراني في لبنان، مع التحوّل المفاجئ في السياسة الأميركية سنة 1997 من الضّغط والاحتواء إلى المغازلة العلنية لما سُمّي بالمُعسكَر المعتدل، مع انتخاب محمّد خاتمي رئيساً لإيران في ذلك العام. وإن استمرّت المغازلة حتّى نهاية إدارة كلينتون، فإنّها قوبِلَت بالرّفض من حكّام إيران. أمّا اللبنانيون السّاعون إلى التخلّص من هيمنة سوريا والوكيل الإيراني - السوري، «حزب الله»، فلم يتلقّوا أيّ التفاتة من واشنطن في التسعينات.

غلاف الكتاب

الطائف

بدأ الخلاف بين عون وسوريا بحَذَر وبالتدرّج. كان أثر عون تقسيمياً ليس فقط بين اللبنانيين بل داخل المجتمع المسيحي. ارتقى - وهو الآتي من خلفية فقيرة - إلى منصب القيادة عبر الرتب العسكرية بالإصرار والعناد. بفضل الدّعم المادّي من العراق، الخصم العربي الرئيسي لسوريا؛ أخذ عون يبالغ في تقدير قوّته. في مارس (آذار) 1989، أعلن الحرب على سوريا، واستمرّ تبادل القصف المدفعي والحصار شهوراً عدّة. تمكّنت سوريا بالاتّفاق مع الرياض من الحصول على دعم جامعة الدول العربية التي شكّلت اللّجنة الثّلاثية المؤلّفة من الجزائر والمغرب والمملكة العربية السعودية لمتابعة شأن الإصلاحات الدستورية اللبنانية. أصبح عون وأتباعه أكثر عدوانية حتّى ضدّ الأميركيين، وسيطروا على الطرقات المؤدّية إلى السّفارة الأميركية في عوكر. وخلقت الاحتجاجات والتحرّش بمواكب السيارات المسلّحة الأميركية، بيئة أمنية أرغمت السّفارة على إقفال أبوابها، وإجلاء كامل الموظّفين الأميركيين في سبتمبر 1989. وللمرّة الأولى منذ عام 1919، لم يكن للولايات المتحدة وجود دبلوماسي في بيروت.

أبصر اتفاق الطائف النّور في لحظةٍ نادرة، حين أنتج النظام العربي حلاً دبلوماسيّاً لمشكلة. ساهمت في إنتاجه أربع شخصّيات بارزة: الرئيس حسين الحسيني (...) والمبعوث الخاص للجامعة العربية الأخضر الإبراهيمي (...) ورفيق الحريري (...) وأخيراً، وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل.

لم تشارك الولايات المتحدة مباشرةً في بلوَرة الاتّفاق؛ لكنّها كانت موافقة عليه من منظور سياسي. عندما أُغلقت السّفارة في عوكر، انتقل المستشار السّياسي ديفيد ساترفيلد إلى الجزائر، حيث كان يلتقي بانتظام مع الإبراهيمي، ليأخذ علماً بالمستجدات بشكلٍ مقتضب. وكانت التعليمات الواردة إليه بالاكتفاء بالإصغاء، وعدم تقديم أفكار، وعدم التعبير عن دعم أو معارضة. وعندما وصل النوّاب اللبنانيون إلى الطائف في السّعودية، انضمّ إليهم ساترفيلد بتعليمات مماثلة، إلا أنّ السعوديين طلبوا منه المغادرة، بعد أن علموا بوجوده على اعتبار أنّ ذلك شأن عربي بالكامل.

في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1989، وقّع ثمانية وخمسون نائباً على اتّفاق الطائف. لم تكن مفاهيمه جديدة، لكنّ لم يسبق أن قَبِلَت بها كافّة الأطراف اللبنانية الرّئيسية ورعاتها الخارجيين، وخلاصتها: إضعاف الرئاسة، وإناطة السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء المتوازن طائفياً، بقيادة سنّي، وتعزيز نفوذ رئيس البرلمان الشيعي، ولامركزية السلطة، ومعالجة الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، وخسارة المسيحيين لمعادلة 6 مقابل 5 للمسلمين في البرلمان، واعتماد معادلة 5 مقابل 5. (...)

رفض عون الطّائف، لكنّ السوريين والسعوديين نقلوا النوّاب اللبنانيين المتعاونين إلى قاعدة جوّية في شمال لبنان، حيث انتخبوا رينيه معوّض رئيساً في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989. كان معوّض صديقاً لفرنجية، لكنّه انفصل عنه سياسياً. تميّز بشخصية توفيقية وسجلٍّ طويل بالخدمة العامة. وقد فُسّر اختياره على أنّه إشارة سورية محتملة لتسليف المعارضة المارونية. اغتيل معوّض في بيروت الغربية بعد ثمانية عشر يوماً من انتخابه (...)، ونُقل النواب إلى البقاع لانتخاب رئيس آخر هو إلياس الهراوي، وبقيَ عون محتلّاً القصر الرّئاسي في بعبدا.

في يناير (كانون الثاني) 1990، اندلعت الحرب بين عون والقوّات اللبنانية بزعامة سمير جعجع، وتسبّبت هذه المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية بدمار هائل. تمكّن عون من الصمود، إلا أنّ التحوّل الجيوستراتيجي النّاجم عن غزو صدّام للكويت في أغسطس (آب) 1990 هو ما سمح لسوريا بتضييق الخناق عليه. جرى لقاء بين وزير الخارجية بيكر والأسد في دمشق في 13 سبتمبر (أيلول)، انضمّ على أثره الأخير إلى التّحالف المناهض لصدّام، ووافق على السّعي للحصول على حياد إيران في الحملة المقبلة لإخراج القوات العراقية من الكويت. ويزعم بعض المراقبين أنّ بيكر أعطى الأسد الضّوء الأخضر لإنهاء الأزمة مع عون، ما دامت السلطات اللبنانية قد دعت إلى التدخّل السوري خطيّاً. في الواقع، أخبر المسؤولون الأميركيون السوريين أنّ الولايات المتحدة ليست في وارد تأييد العنف، ولكنّها ترغب برؤية عون يرحل. لا بدّ أنّ القادة السوريين قد قدّروا بناء على ذلك أنّ الولايات المتحدة لن تمنع الهجوم السوري على عون، ولن تعاقبهم عليه. في غضون أربعة عشر عاماً، انتقلت السياسة الأميركية تجاه سوريا في لبنان من تنسيق غير معلن كما في سنة 1976، إلى اشتباكات عسكرية مباشرة عام 1984، ثمّ إلى انفراج إبان حرب الخليج الأولى. التساهل الأميركي حيال الموقف السوري في لبنان ستكون له تداعيات طويلة الأمد.

في 13 أكتوبر، استولت القوات السورية على القصر الرئاسي في بعبدا، وفرّ عون إلى فرنسا حيث مكث في المنفى خمسة عشر عاماً. تسبّب سوء التقدير والانقسام الماروني بسلسلة من الأحداث التي عزّزت السيطرة السورية على لبنان. وقادت الهواجس الأميركية بشأن العراق واشنطن إلى قبول الخطوة السورية، وتبيّن لعون أن اعتماده على صدّام قد أطاح به.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري متوسطاً الرئيس إميل لحود ورئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2001 (أ.ف.ب)

لحود

إن للتحوُّل السّريع في السّياسة الأميركية تجاه إيران، من العداء إلى غزلٍ من طرف واحد، تأثيره على لبنان، فها هُم الدبلوماسيون الأميركيون؛ يكرّرون تعابير ممجوجة متعلّقة بالطّائف، مطالبين بتجريد الميليشيات من سلاحها (المقصود حزب الله) وبانسحاب القوّات الأجنبية (والمقصود إسرائيل وسوريا). إلا أن خواء هذه الأقوال كان واضحاً للجميع تقريباً في لبنان؛ إذ لم يكن فقط مجرَّداً من أيّ دعم جِدّيّ، بل أيضاً متناقضاً مع الدبلوماسية التّرقيعية المتمثّلة بفريق الرّصد الإسرائيلي - اللّبناني، الذي شَرْعَن الأمر الواقع حينها. رأى المسؤولون الأميركيون مصلحة أكبر في تأمين اتّفاق سلام سوري - إسرائيلي، وتوقّعوا أن تكون له مفاعيل إيجابية ثانوية على مستوى إرساء الاستقرار في لبنان، وإلزام «حزب الله» بوقف العنف، بالتالي تقليص النفوذ الإيراني في الشرق، وصولاً إلى إلغائه. وبالنّظر إلى عدم رغبتهم في تنفير الأسد، انتحى المسؤولون الأميركيون جانباً، فيما كانت سوريا تعزّز مصالحها في لبنان. كان تلاقي الانتهازية السورية والبراغماتية اللبنانية، والتساهل الأميركي مع الأسد، إيذاناً ببدء حقبة ضخّمت دور سوريا وحلفائها اللّبنانيين، وهمّشت خصومهم.

شكّل انتخاب إميل لحّود عام 1998، محطة مفصليّة في استراتيجية سوريا تجاه لبنان؛ (...) درس المسؤولون الأميركيون خياراتهم في صيف 1998، وكان أغلبهم مقتنعاً بأنّه ليس أمام الولايات المتحدة خيار سوى الموافقة على اختيار سوريا لِلحّود. (...) على أي حال استنتج المسؤولون الأميركيون أن ليس بإمكان الولايات المتّحدة أن تأتي بمن هو أفضل من لحّود، مرتكزين على عوامل سطحيّة. لقد كان يتكلّم الإنجليزية بشكلٍ جيّد، وهي ميزة اختلطت على الزوار فظنّوها دلالة على أنّه مؤيّد للغرب. درس في الكلّية الحربية البحرية الأميركية في نيوبورت، إذن فهو قادر على الانسجام مع نظرائه العسكريين الأميركيين. استعاد الجيش اللّبناني حرفيّته ووحدته تحت قيادته، إذن بدا كأنّه شخص وطني قادر على إنجاز الأمور. ليس لديه سجل سياسي، وما كان الأميركيون يعلمون شيئاً عن آرائه في السياسة، فمما يشكو هذا الشخص؟

علّق لحّود بنفسه لكاتب سيرته كريم بقرادوني على الدّعم الأميركي غير المبرَّر له، «أوضح لحّود أنّ الولايات المتحدة المقتنعة بأنّه سيتبع بِشكلٍ تلقائيّ السّياسة الأميركية، ساعدت الجيش اللّبناني عبر تزويده بالأسلحة والعتاد بأسعار رمزية ودون شروط سياسية. لم يأخذ الأميركيون الوقت الكافي لِفهم شخصيّتي وأفكاري وخياراتي». كان محقاً بأنّ الولايات المتحدة أساءت فهمه، لكنّه خلط بين أدبيات الدّعم الأميركي للجيش، ( ) والدّعم لشخصه. كان سوء فهم لحّود مبرَّراً لأنّه كان يتلقّى إطراءات شخصية سخيّة من زوّار عسكريين أميركيين عازمين على «بناء علاقات». عكس موقف لحّود خبثه. فقد انتقد اللّبنانيين الآخرين لتقديم أنفسهم على الدّولة، في حين لم يستطع التّمييز بين الدعم الأميركي للجيش والدّعم الشخصي له. مهما يكن، فإنّ سياسة الولايات المتحدة كانت بالتّساهل مع سوريا في لبنان. وخيار سوريا للرئيس عام 1998 كان مقبولاً من واشنطن.

سرعان ما ظهرت عيوب التقييم الأميركي للحّود. لم يشهد لبنان أبداً مثل هذا الرّئيس المعادي لأميركا. لم تكن السّياسات الأميركية تعجبه، ولا الشّعب ولا الدّبلوماسيون الموفدون للتعامل معه. فبينما سعى الهراوي للظّهور مستقلاً، وأظهر مودّة شخصية تجاه أميركا، تخلّى لحّود عن هذه الإشارات. كان الأسد سيّده، و«حزب الله» حليفه الوحيد بين الأحزاب المنظَّمة. نظر إلى أميركا على أنّها عدوّته، سواء عن اقتناع أو لحاجته الشخصية لتعزيز علاقته مع دمشق. كان يزدري معظم السّياسيين اللّبنانيين، ويشعر بشكلٍ خاصّ بالغيرة من سهولة وصول الحريري إلى القادة الأميركيين والدوليين.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

المشرق العربي مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

ردت إسرائيل، الخميس، على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في جنوب لبنان، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية في الجنوب.

نذير رضا (بيروت)
تحليل إخباري آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تحليل إخباري «حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أنه على إسرائيل أن تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)

تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

شدّدَ اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني بشارة الراعي في الصرح البطريركي مع سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري على أولوية تثبيت الاستقرار في لبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ردت إسرائيل، الخميس، على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في جنوب لبنان، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية في الجنوب من شأنها أن تفاقم الضغوط الداخلية على الدولة اللبنانية، وذلك رغم «أفكار» لبنانية وأممية نُقلت إلى إسرائيل لتثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب، ولا يبدو أنها أعطت نتائج حتى الآن، باستثناء تحييد منشآت الدولة اللبنانية.

وأطلعت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جنين-هينيس بلاسخارت، الرئيس اللبناني جوزيف عون، الخميس، على نتائج الاتصالات التي أجرتها في إسرائيل في إطار العمل لتثبيت وقف إطلاق النار والحد من التصعيد.

كانت بلاسخارت قد زارت إسرائيل يوم الأحد، والتقت مسؤولين إسرائيليين، في مسعى لتثبيت وقف إطلاق النار الذي تزداد خروقاته يومياً.

يهود متشددون يقفون على الجانب الإسرائيلي من الحدود وينظرون إلى البلدات الحدودية بالتوازي مع عمليات عسكرية للجيش الإسرائيلي (رويترز)

وإذ تؤكد مصادر متقاطعة أن الزيارة لم تحمل أي مبادرة، بل تمثل حراكاً لتثبيت الهدنة، قالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «أفكاراً وتصورات» حُملت إلى تل أبيب تتمحور حول كيفية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، فضلاً عن تبلور المفاوضات تمهيداً لها، في إشارة إلى انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.

وقالت المصادر إن الحراك «عبارة عن أفكار» و«تصور» كانت تتحدث عنه بلاسخارت، ونقلته إلى الجانب الإسرائيلي.

لكنّ إمكانية الاختراق في الأزمة لم تظهر على الفور، بل ذهبت تل أبيب إلى تصعيد ميداني، تمثَّل في إنذارات إخلاء أصدرها الجيش الإسرائيلي لبلدات تبعد نحو 25 كيلومتراً عن الحدود في قضاءي صور والنبطية.

خفض تصعيد... وليس هدنة

ويصر الجانب الإسرائيلي على أن عملياته تستهدف «حزب الله» ولا تستهدف أصول الدولة اللبنانية. وتنظر مصادر لبنانية إلى ما يجري على أنه «توسعة لمروحة الضغط على الدولة نفسها»، من خلال إنذارات الإخلاء والقصف الذي يدفع عشرات الآلاف إلى النزوح، ويُبقي نازحين آخرين في مواقعهم بعيداً عن بلداتهم، وهو ما يزيد الضغوط على الدولة التي تلتزم بالتفاوض المباشر لحل المشكلة، رغم اعتراضات ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل».

نازح لبناني... من بلدة كفركلا الحدودية في الجنوب إلى خيمة في وسط بيروت (رويترز)

إزاء هذا الواقع، لا يرى مسؤولون لبنانيون أن الاتفاق الممدد لمدة ثلاثة أسابيع، هو «اتفاق هدنة» أو «وقف لإطلاق النار»، بل يُوصف في بيروت بأنه «خفض تصعيد»، حيث انحسرت الضربات في بيروت وضاحيتها الجنوبية، قبل أن تتوسع مرة أخرى تدريجياً إلى عمق يصل إلى 30 كيلومتراً بعيداً عن الحدود.

تحرير الأسرى

في المقابل، يضغط الرئيس عون عبر مروحة اتصالات دبلوماسية، لإلزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار الذي مدَّده الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ثلاثة أسابيع إضافية، كما يضغط لإطلاق الأسرى وتأمين الانسحاب الإسرائيلي. وشدد خلال استقباله وفد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر برئاسة نائب الأمين العام للاتحاد للتطوير والعمليات والتنسيق، خافيير كاستيلانوس، على ضرورة الضغط على إسرائيل كي تحترم القوانين والاتفاقيات الدولية والكف عن استهداف المدنيين والمسعفين والدفاع المدني والهيئات الإنسانية الصحية والإغاثية.

وحسب الرئاسة اللبنانية، «أبلغ الرئيس عون الوفد بأن الانتهاكات الإسرائيلية مستمرة في الجنوب رغم إعلان وقف إطلاق النار، وكذلك هدم المنازل وأماكن العبادة وجرفها، فيما أعداد الضحايا والجرحى ترتفع يوماً بعد يوم». وقال: «رغم كل الدعوات التي وُجِّهت كي تتوقف إسرائيل عن ممارساتها العدائية، فإن الاعتداءات مستمرة، وهي لا تستثني المسعفين والمتطوعين الذين سقط منهم حتى الآن نحو 17 مسعفاً من الصليب الأحمر اللبناني وهيئات إنسانية أخرى، فضلاً عن استهداف الإعلاميين».

وبينما نوَّه الرئيس عون بالتنسيق القائم والدعم الذي يقدمه الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر للجنة اللبنانية للصليب الأحمر، جدد الدعوة إلى مساعدة لبنان على معرفة مصير الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية التي ترفض إسرائيل حتى الآن السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بالتواصل معهم والاطمئنان على صحتهم وطمأنة ذويهم والدولة اللبنانية.

بري يطالب بوقف الحرب

يأتي ذلك في ظل تباينات بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، خرجت إلى العلن، الأربعاء، حول ملف التفاوض المباشر. وقال وزير الاتصالات شارل الحاج: «لا يوجد أي خلاف في الأهداف بين رئيس الجمهورية وأي مسؤول في الدولة اللبنانية، لا سيما الرئيس نبيه بري، والهدف الأساسي هو وقف الدمار والقتل». وأضاف: «ليس هناك أي لبناني يثق بإسرائيل، لذلك نحن بحاجة إلى ضمانات دولية لا سيما أميركية وعربية على رأسها المملكة العربية السعودية لوقف إطلاق النار وتثبيته».

صورة جوية تُظهر الدمار اللاحق ببلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل جنوب لبنان (رويترز)

ويواظب بري على المطالبة بوقف الحرب، وقال في تصريح بمناسبة عيد العمال: «إن الأول من مايو (أيار) هذا العام بكل ما يحمله من ألم ووجع، يجب أن يكون دعوة وطنية مفتوحة للدولة بكل سلطاتها، وللمجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية والعدلية للتحرك لإلزام إسرائيل بوقف عدوانها فوراً قبل أي شيء آخر، والإسراع لتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية حول الجرائم التي تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذها وتوثيقها بالصوت والصورة على نحو ممنهج بحق العمال وأماكن عملهم، لا سيما المزارعين منهم في المناطق الحدودية الجنوبية وجنوب نهر الليطاني».

«حزب الله» يصعِّد ضد عون

في المقابل، صعّد «حزب الله» حدة هجومه على عون، على خلفية المفاوضات المباشرة، ورأى عضو كتلة الحزب البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب علي فياض، أن موقف رئيس الجمهورية «يدعو فعلاً إلى مزيد من القلق، لأنه حاول أن يسوِّق المذكرة الأميركية، بدل التبرؤ منها»، مضيفاً أن «الأمر الأكثر خطورة، أنه يوافق عليها دون أن يسجل اعتراضاً واضحاً على مبدأ حرية الحركة للإسرائيليين، رغم مطالبته بوقف إطلاق النار».

وخلال تصريح إذاعي تساءل فياض: «كيف يستقيم إعلان انتظار تحديد موعد للجلسة المقبلة من المفاوضات في ظل استمرار الاعتداءات وارتفاع التصعيد الإسرائيلي واستكمال حملات إبادة القرى؟».

وإذ رأى فياض أن «ثمة ارتباكاً واضحاً في الموقف الرسمي اللبناني وغياباً للشفافية والوضوح»، أضاف: «يبقى الأكثر خطورة أن التفاهم الأميركي ـ الإسرائيلي الجانبي غير المعلن الذي أعطى الإسرائيلي الضوء الأخضر للقيام بما أصطُلح عليها بـ(حرية الحركة تجاه التهديدات المحتملة) بات جزءاً من المذكرة الأميركية التي يوحي كلام فخامة الرئيس بالموافقة عليها».


تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
TT

تسابق على الوزارات مع انطلاق مشاورات الحكومة العراقية

من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)
من إحدى جلسات البرلمان العراقي ببغداد في مارس 2026 (واع)

تتسارع المشاورات السياسية في العراق لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المكلف علي الزيدي، وسط انقسام داخلي وتقاطعات إقليمية ودولية، في وقت أثارت فيه مواقف كل من الولايات المتحدة وإيران تساؤلات بشأن طبيعة دعمهما للعملية السياسية. فقد اعتُبرت رسالة التأييد الأميركية المقتضبة للزيدي بمنزلة إشارة غير حاسمة؛ إذ رأى مراقبون أنها تحمل «رسائل مشفرة» بشأن حدود هذا الدعم.

في المقابل، يلف الغموض الموقف الإيراني، رغم ما وُصف بشبه إجماع داخل القوى الشيعية، خاصة بعد زيارة إسماعيل قاآني إلى العراق قبل يومين من إعلان التكليف.

على الصعيد الداخلي، كثّف الزيدي لقاءاته مع قادة الكتل السياسية، بالتوازي مع استكمال تشكيل مكتبه، مستفيداً من مهلة دستورية تمتد 30 يوماً لتقديم حكومته إلى البرلمان.

وبينما تشير تقديرات إلى إمكانية إنجاز التشكيلة قبل انتهاء المهلة، تتصدر المنافسة على الحقائب الوزارية أولويات الكتل، في ظل غياب مؤشرات على تشكّل معارضة برلمانية واضحة.

وتخضع عملية توزيع الوزارات لنظام معقد يجمع بين مبدأ التوافق الطائفي (الشيعة والسنة والأكراد) والأوزان الانتخابية. وفي هذا السياق، تبدو وزارتا الدفاع والداخلية شبه محسومتين للسُّنة والشيعة على التوالي، في حين برزت وزارة الخارجية كساحة تنافس مبكر، بعد أن احتفظ بها الأكراد لفترات طويلة منذ عام 2003، باستثناء فترتَي الوزيرين السابقين إبراهيم الجعفري ومحمد علي الحكيم.

ويتمسك «الحزب الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني بالوزارة، التي شغلها سابقاً كل من هوشيار زيباري وفؤاد حسين، في حين تطرح أطراف شيعية وسنية فكرة نقلها إلى العرب مقابل منح الأكراد حقائب سيادية أخرى مثل «المالية» أو «النفط» أو «التخطيط».

تأييد أميركي غير صريح

وفي قراءة للموقف الأميركي، قال قصي محبوبة، من ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة محمد شياع السوداني، إن التأييد الصادر حتى الآن جاء من البعثة الدبلوماسية وليس من الإدارة الأميركية، معتبراً أن ذلك «لا يعني دعماً كاملاً»، بل غياب اعتراض. ولم يستبعد صدور مواقف لاحقة من واشنطن تتضمن شروطاً لدعم الحكومة الجديدة.

من جهته، اعتبر الباحث السياسي عباس عبود أن الترقب للموقف الأميركي يعكس استمرار تأثير واشنطن في القرار العراقي، مضيفاً أن الرسالة الأميركية ركزت على «التضامن مع الشعب العراقي» دون الإشارة المباشرة للحكومة أو رئيسها المكلف، وهو ما فسره على أنه تجنب لدعم الطبقة السياسية بشكل صريح، مع الإبقاء على النفوذ الأميركي في البلاد.

وفيما يتعلق بإيران، أشار عبود إلى أن أدوار التأثير تبدو وكأنها شهدت تحولاً، مقارنة بسنوات سابقة كانت فيها طهران صاحبة الدور الأبرز في تشكيل الحكومات.

على صعيد الفصائل المسلحة، لم تصدر «كتائب حزب الله» موقفاً حتى الآن، في حين دعت «كتائب سيد الشهداء»، بزعامة «أبو آلاء الولائي»، الحكومة المقبلة إلى تحقيق «السيادة الكاملة» للعراق. وشدد المتحدث باسمها، كاظم حبيب، على ضرورة تضمين البرنامج الحكومي أهدافاً تتعلق بالسيادة.

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الحالي (أ.ب)

صراع الحقائب

في موازاة ذلك، تتصاعد المطالبات داخل الكتل السياسية بحصص وزارية تعكس ثقلها الانتخابي. وفي هذا السياق، صرح النائب عباس حيال عن ائتلاف «الإعمار والتنمية» بأن الائتلاف، باعتباره الكتلة الكبرى في البرلمان بعد انتخابات 2025، يسعى للحصول على ما لا يقل عن خمس وزارات، بينها حقيبة سيادية.

ووفق تسريبات أولية لخريطة توزيع الوزارات، يتجه الائتلاف ذاته للحصول على خمس حقائب، من بينها «المالية»، إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء، في حين قد تحصل قوى أخرى على وزارات رئيسية، مثل «النفط» لـ«دولة القانون»، و«الداخلية» لـ«منظمة بدر»، و«التخطيط» لـ«تيار الحكمة»، و«الدفاع» لتحالف «العزم»، و«الخارجية» و«العدل» لـ«الحزب الديمقراطي الكردستاني»، مع تزايد حصة حركة «صادقون» من المناصب التنفيذية.

وشهدت العاصمة بغداد سلسلة اجتماعات ومباحثات بين رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، وأبرز زعامات «الإطار التنسيقي»، تناولت حصص «الإطار» من الوزارات والهيئات والمناصب، وفق تقارير محلية.

وأفيد بأن «حصة (الإطار التنسيقي) تبلغ 12 وزارة، تقسم حسب الأوزان الانتخابية وعدد المقاعد، وهي تضم وزارات سيادية، مثل (النفط) و(المالية) و(الداخلية)، وربما وزارة الخارجية هذه المرة».

ومنذ أسابيع، تتركز النقاشات حول وزارة النفط، التي تشهد تنازعاً بين تيار الحكيم، وائتلاف نوري المالكي؛ إذ يريد الأخير أن تكون جزءاً من حصته في حكومة الزيدي.

تبدو مهمة تشكيل الحكومة الجديدة في العراق محكومة بحسابات معقدة، بين ضغوط التوازنات الداخلية وترقب المواقف الخارجية، في وقت يسعى فيه الزيدي إلى تحقيق توافق يضمن تمرير حكومته داخل البرلمان ضمن المهلة الدستورية.


زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

زامير يعلن أن الجيش أنهى مهمّاته في إيران ولبنان ويستعد لغزة

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)
جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

في الوقت الذي تشهد فيه إسرائيل نقاشات حادة حول استمرار الحرب، ويتم توجيه الانتقادات اللاذعة للحكومة على أنها لم تحقق أياً من أهدافها، لا في لبنان ولا إيران ولا في غزة، وبدأت هذه الانتقادات توجه أيضاً للجيش، باعتبار أنه هو أيضاً لا يقول الحقيقة، خرج رئيس الأركان، إيال زامير، بتصريحات (قيلت في جلسات مغلقة أمس الأربعاء على أرض الجنوب اللبناني لكن الجيش حرص على تسريبها للإعلام)، ليقول إن «كل ما حدده لنا المستوى السياسي فيما يتعلق بالمعركة الحالية في إيران ولبنان، حققناه بل وأكثر من ذلك، وبذلك خلقنا الظروف المواتية للعمليات السياسية التي يقودها المستوى السياسي الآن».

ولكن إطلاق مسيرة حديثة من «حزب الله» اللبناني على مدفعية إسرائيلية في بلدة شومرا، تسببت في إصابة 12 جندياً (إصابتين بالغتين و10 خفيفة)، غيرت من حسابات زامير.

وهذه البلدة اليهودية قائمة على أنقاض قرية طربيخا، التي تم احتلالها في نهاية عام 1948، واعتبرتها حكومة بيروت لبنانية ومنحت سكانها المهجرين الجنسية اللبنانية. وقامت إسرائيل بتدمير غالبية بيوتها ومسجدين، وحولتها إلى بلدة يهودية. وفي الحرب الحالية، تم تفريغ شومرا من السكان وأقام فيها الجيش الإسرائيلي عدة مواقع.

تجمع شعبي في جنازة عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين قتلوا بقصف إسرائيلي في بلدة مجدل زون في الجنوب (أ.ف.ب)

هجمات انتقامية

على أثر عملية «حزب الله»، اليوم، ردت قوات سلاح الجو الإسرائيلي بهجوم انتقامي. وقالت إن «هذا هجوم خطير لا يمكن السكوت عنه». فقصفت عدة مواقع وأمرت سكان 16 قرية في الجنوب اللبناني بالرحيل تمهيداً لتدميرها. والقرى المستهدفة هي: بشيت وحبوش وحاروف وكفر جوز والنبطية الفوقا وعبا وعدشيت والشقيف وعرب صاليم وتول وحومين الفوقا والمجادل وارزون ودونين والحميري ومعروب.

وقد جاء ذلك في وقت ادعت فيه أوساط مقربة من الحكومة بأنها «تسعى إلى فرض مهلة زمنية محددة للمفاوضات مع الحكومة اللبنانية لا تتجاوز أسبوعين إلى ثلاثة، تنتهي بحلول منتصف مايو (أيار)، ملوّحة بالانتقال إلى ما تصفه بـ(الخطة الأصلية) لحربها على لبنان في حال عدم تحقيق تقدم». وبحسب ما أفادت «القناة 12» الإسرائيلية، فإن هذه المقاربة طُرحت في اتصال جرى مساء الأربعاء بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، على خلفية طلب إسرائيلي وُصف بالعاجل لتحديد سقف زمني للمسار التفاوضي المباشر الذي ترعاه واشنطن بين تل أبيب وبيروت. وادّعت هذه الجهات أن سياسة «الرد المحدود» المتبعة حالياً تؤدي إلى تآكل الردع وتضر بالسكان وبالجاهزية العملياتية، على حد تعبيرها.

فلسطينيون يعبرون بحيّ مهدّم بقصف إسرائيلي في خان يونس (أ.ب)

غزة لم تنته بعد

وبحسب تقرير «القناة 12»، يعمل الجيش الإسرائيلي في ظل تعليمات من المستوى السياسي تقضي بضبط العمليات في لبنان، حيث يمتنع عن تنفيذ هجمات في عمق الأراضي اللبنانية، فيما تتطلب أي عملية شمال نهر الليطاني موافقة خاصة من المستوى السياسي. واعتبر التقرير أن الوضع الحالي، الذي يقتصر فيه دور الجيش الإسرائيلي على «الرد» بدل المبادرة، يخدم «حزب الله» ويمنحه فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، ما يعرّض القوات الإسرائيلية لمخاطر إضافية.

وإزاء الانتقادات للجيش، أجرى زامير، جولة في المناطق التي يحتلها جيشه في لبنان، الأربعاء، حيث أكد أن الجيش ينفذ تعليمات المستوى السياسي وينتظر القرارات بشأن مواصلة العمليات. وقال خلال الزيارة: «تموضعنا على الخط لمنع إطلاق نار مباشر على البلدات»، مضيفاً: «لن نتسامح مع هجمات أو إطلاق نار»، على حد تعبيره. وأشار إلى أن الجيش حقق الأهداف التي وُضعت له حتى الآن، وأن القوات ستبقى في الميدان لضمان أمن بلدات الشمال.

وفي ختام التقرير، طرح تساؤلات حول جدوى الثمن الذي تدفعه إسرائيل في هذه المرحلة، في ظل ما وصفه بمراعاة المصالح الأميركية في المواجهة مع إيران.

وكان لافتاً أن زامير، عندما تحدث عن إتمام المهمات التي حددتها له الحكومة، في لبنان وإيران، ذكر أن المعركة القادمة يمكن أن تكون في قطاع غزة. وقال إن المعركة هناك لم تنته بعد، وإذا عرقلت «حماس» مهمة نزع سلاحها فإن الجيش سيضطر إلى استئناف الحرب بكل شدة.