مدير الـ«سي آي إيه»: نادراً ما رأيت الشرق الأوسط أكثر تشابكاً أو انفجاراً

كتب عن «فن التجسس وفن الحكم» في عصر المنافسة مع الصين وروسيا... وقال إن إيران مستعدة للقتال حتى آخر وكلائها الإقليميين

مدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» ويليام بيرنز (رويترز)
مدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» ويليام بيرنز (رويترز)
TT

مدير الـ«سي آي إيه»: نادراً ما رأيت الشرق الأوسط أكثر تشابكاً أو انفجاراً

مدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» ويليام بيرنز (رويترز)
مدير وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» ويليام بيرنز (رويترز)

قال مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ويليام بيرنز، في مقال نادر نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية بعنوان «فن التجسس وفن الحكم، تحويل وكالة الاستخبارات المركزية لعصر المنافسة»، إنه عمل في الشرق الأوسط وعلى ملفات الشرق الأوسط خلال الأربعين سنة الماضية، و«نادراً ما رأيته أكثر تشابكاً أو انفجاراً».

وحذّر بيرنز من خطورة تخلي الولايات المتحدة عن دعم أوكرانيا في تصديها لطموحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عادّاً أن هذا الدعم دفع الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى «إعادة حساباته ونظرته» في شأن القدرات الأميركية على مواجهة أي غزو لتايوان. ونبّه إلى الأخطار التي تشكلها إيران على الشرق الأوسط؛ لأن نظامها «مستعد للقتال حتى آخر وكيل إقليمي له» لبسط هيمنته على المنطقة.

وكتب مدير الـ«سي آي إيه» في مقالته عن تطور أساليب التجسس التي اعتمدتها الدول المختلفة، ومنها الولايات المتحدة، والتحولات الكبيرة التي شهدها هذا العالم في القرن العشرين والتحديات الماثلة في القرن الحالي، مشيراً إلى تأكيدات الرئيس جو بايدن في شأن ما تواجهه الولايات المتحدة اليوم، والتي «لا تقل أهمية عن فجر الحرب الباردة، أو فترة ما بعد 11 سبتمبر» (أيلول) 2001 حين تعرضت لهجمات إرهابية. وقال: «يفرض صعود الصين والنزعة الانتقامية الروسية تحديات جيو - سياسية هائلة في عالم يتسم بالمنافسة الاستراتيجية الشديدة»، معترفاً بأن بلاده «لم تعد تتمتع بأولوية لا تقبل المنافسة» في ظل تصاعد التهديدات المناخية الوجودية. وأضاف أن «مما يزيد الأمور تعقيداً حدوث ثورة في التكنولوجيا أكثر شمولاً من الثورة الصناعية أو بداية العصر النووي»، في إشارة إلى الرقائق الدقيقة والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، حيث «تعمل التقنيات الناشئة على تغيير العالم، بما في ذلك مهنة الذكاء».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)

«عظمة» بوتين

وقال بيرنز: «وصلت حقبة ما بعد الحرب الباردة إلى نهايتها الحاسمة لحظة غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022»، مضيفاً أنه أمضى قسماً كبيراً من العقدين الماضيين في «محاولة فهم المزيج القابل للاشتعال من الظلم والطموح وانعدام الأمن الذي يجسّده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين». واستنتج أنه «من الخطأ دائماً التقليل من اهتمام (بوتين) بالسيطرة على أوكرانيا وخياراتها. ومن دون هذه السيطرة، يعتقد أنه من المستحيل أن تصبح روسيا قوة عظمى أو أن يكون زعيماً روسياً عظيماً». وأكد أن غزو بوتين أظهر «عزيمة مذهلة لدى الشعب الأوكراني»، مؤكداً أن هذه الحرب «كانت بمثابة فشل لروسيا على الكثير من المستويات»، بما في ذلك «مقتل أو جرح ما لا يقل عن 315 ألف جندي روسي»، بالإضافة إلى تدمير ثلثي مخزون الدبابات الروسية قبل الحرب، وإفراغ برنامج التحديث العسكري الذي «تباهى به بوتين لعقود من الزمن». وأضاف: «أدت طموحات بوتين المبالَغ فيها إلى نتائج عكسية بطريقة أخرى أيضاً: دفعت حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى النمو بشكل أكبر وأقوى». ورأى أن حرب بوتين في أوكرانيا «تؤدي بهدوء إلى تآكل سلطته في الداخل»، مشيراً إلى تمرد زعيم مجموعة «فاغنر» للمرتزقة يفغيني بريغوجين في يونيو (حزيران) الماضي. ورجّح أن يكون 2024 «عاماً صعباً على ساحة المعركة في أوكرانيا، وهو اختبار للبقاء في السلطة». ولاحظ أنه «بينما يعمل بوتين على تجديد الإنتاج الدفاعي الروسي - بمكونات بالغة الأهمية من الصين، فضلاً عن الأسلحة والذخائر من إيران وكوريا الشمالية - فإنه يواصل الرهان على أن الوقت في صفه، وأنه قادر على سحق أوكرانيا وإرهاق مؤيديها الغربيين»، مؤكداً أن «مفتاح النجاح يكمن في الحفاظ على المساعدات الغربية لأوكرانيا. فهو يمثل أقل من خمسة في المائة من ميزانية الدفاع الأميركية، وهو استثمار متواضع نسبياً له عوائد جيو - سياسية كبيرة للولايات المتحدة وعوائد ملحوظة للصناعة الأميركية».

الرئيس الصيني شي جينبينغ (شينخوا - إ.ب.أ)

«عدوانية» الصين

وعدّ بيرنز أن «لا أحد يراقب الدعم الأميركي لأوكرانيا من كثب أكثر من القادة الصينيين»، مذكراً بأن الصين «تبقى المنافس الوحيد للولايات المتحدة الذي لديه النية في إعادة تشكيل النظام الدولي والقوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية للقيام بذلك»، مؤكداً أن «القضية لا تتعلق بصعود الصين في حد ذاته، بل بالتصرفات التهديدية التي تصاحبه على نحو متزايد»؛ إذ بدأ الزعيم الصيني شي جينبينغ فترة ولايته الرئاسية الثالثة «بسلطة أكبر من أي من أسلافه منذ ماو تسي تونغ. ورأى أنه «بدلاً من استخدام هذه القوة لتعزيز وتنشيط النظام الدولي الذي مكّن تحول الصين، يسعى شي إلى إعادة كتابته». وأضاف: «من المستحيل أن نتجاهل القمع المتزايد الذي يمارسه شي في الداخل وعدوانيته في الخارج، بدءاً من شراكته غير المحدودة مع بوتن، إلى تهديداته للسلام والاستقرار في مضيق تايوان». ونبّه إلى أن الزعيم الصيني «يميل إلى رؤية الولايات المتحدة كقوة تتلاشى»، غير أن القيادة الأميركية في أوكرانيا «كانت مفاجأة بكل تأكيد». وحذر من أن «أحد أفضل الطرق لإشعال التصورات الصينية حول الضعف الأميركي وتأجيج العدوانية الصينية هو التخلي عن دعم أوكرانيا. الدعم المادي المستمر لأوكرانيا لا يأتي على حساب تايوان، فهو يبعث برسالة مهمة مفادها أن الولايات المتحدة عازمة على مساعدة تايوان».

دمار واسع في قطاع غزة جراء الحرب الإسرائيلية (أ.ف.ب)

الشرق الأوسط

وقال بيرنز: إن «الأزمة التي عجّلت بها المذبحة التي ارتكبتها (حماس) في إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هي بمثابة تذكير مؤلم بتعقيد الخيارات التي لا يزال الشرق الأوسط يفرضها على الولايات المتحدة»، مؤكداً أن «المنافسة مع الصين ستظل هي الأولوية القصوى لواشنطن، لكن هذا لا يعني أنها تستطيع التهرب من التحديات الأخرى». وتحدث عن تجربته خلال العقود الأربعة الماضية في الشرق الأوسط، فقال: «نادراً ما رأيته أكثر تشابكاً أو انفجاراً»، عادّاً أن «إنهاء العملية البرية الإسرائيلية المكثفة في قطاع غزة، وتلبية الحاجات الإنسانية العميقة للمدنيين الفلسطينيين الذين يعانون، وتحرير الرهائن، ومنع انتشار الصراع إلى جبهات أخرى في المنطقة، وتشكيل نهج عملي لليوم التالي في غزة، كلها مشكلات صعبة بشكل لا يصدق». وكذلك الأمر بالنسبة إلى «إحياء الأمل في سلام دائم يضمن أمن إسرائيل وكذلك الدولة الفلسطينية، ويستفيد من الفرص التاريخية للتطبيع مع المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى». ولكنه شدد على أنه «على رغم صعوبة تصور هذه الاحتمالات وسط الأزمة الحالية، فمن الأصعب تصور الخروج من الأزمة من دون متابعة هذه الاحتمالات بجدية». وأكد أيضاً أن «مفتاح أمن إسرائيل والمنطقة هو التعامل مع إيران» التي «يبدو أن (نظامها) مستعد للقتال حتى آخر وكيل إقليمي له، كل ذلك مع توسيع برنامجه النووي وتمكين العدوان الروسي»، ملاحظاً أنه «في الأشهر التي تلت 7 أكتوبر، بدأ الحوثيون، الجماعة المتمردة اليمنية المتحالفة مع إيران، في مهاجمة السفن التجارية بالبحر الأحمر، ولا تزال مخاطر التصعيد على جبهات أخرى قائمة».

وإذ أقر بأن الولايات المتحدة «ليست مسؤولة حصرياً عن حل أي من المشكلات الشائكة في الشرق الأوسط. ولكن لا يمكن إدارة أي منها، ناهيك عن حلها، من دون قيادة أميركية نشطة».


مقالات ذات صلة

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
أوروبا أشخاص يتابعون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر شاشة كبيرة خلال كلمته أمام منتدى وارسو للأمن في العاصمة البولندية وارسو يوم 12 أكتوبر 2026 (أ.ب)

زيلينسكي: لم نتلقَّ تحذيراً بشأن هجوم كييف... وترمب يؤكد استمرار تبادل المعلومات

قال الرئيس الأوكراني زيلينسكي إن شركاء بلاده لم يحذّروها من هجوم روسي على كييف، بينما أكد الرئيس الأميركي ترمب استمرار مشاركة المعلومات الاستخبارية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف (أ.ف.ب)

مدير الـ«سي آي إيه» يزور موسكو

أفادت وسائل إعلام أميركية بأن مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) جون راتكليف يزور موسكو اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يهم بالصعود إلى طائرة «إير فورس وان» في بريطانيا (رويترز)

تشكيك أميركي في صدقية إسرائيل حول خطة إيرانية لاغتيال ترمب

شكك مسؤولون أميركيون في صحة معلومات مخابراتية إسرائيلية عن تهديد إيراني باستهداف طائرة «إير فورس وان» التي كانت ستقل الرئيس دونالد من تركيا الشهر الماضي.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) جون راتكليف يتحدثان أثناء مغادرتهما اجتماع مجلس الوزراء في كامب ديفيد (رويترز)

«سي آي إيه» تُشكّل فرقة عمل لمضاعفة الضغوط على كوبا

أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» فرقة عمل خاصة بكوبا سعياً إلى تنفيذ أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإحداث «تغييرات اقتصادية وسياسية وقيادية»

علي بردى (واشنطن)

الانتخابات النصفية تهدد موازنة البنتاغون القياسية

ترمب وهيغسيث خلال فعالية انتخابية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)
ترمب وهيغسيث خلال فعالية انتخابية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

الانتخابات النصفية تهدد موازنة البنتاغون القياسية

ترمب وهيغسيث خلال فعالية انتخابية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)
ترمب وهيغسيث خلال فعالية انتخابية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)

تواجه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرفع موازنة وزارة الحرب (البنتاغون) إلى 1.5 تريليون دولار اختباراً يتجاوز الخلاف على حجم الإنفاق.

ومع احتمال تعرّض الجمهوريين لخسارة الأغلبية في مجلس النواب بعد الانتخابات النصفية، تجد إدارة الرئيس نفسها أمام تساؤل عمّا إذا كان بإمكانها تأمين الأموال اللازمة لطموحاتها العسكرية، بعدما استنزفت حرب إيران مخزون الذخائر، وأضعفت علاقتها بالكونغرس.

وزير الحرب بيت هيغسيث في جلسة استماع بالكونغرس 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويتزامن تعثّر التمويل مع إقالة قائد عسكري بارز آخر، في خطوة تثير مزيداً من التساؤلات بشأن إدارة وزير الحرب بيت هيغسيث للمؤسسة العسكرية، وتنذر بتفاقم التوتر في علاقته بالكونغرس، بما قد يضيّق هامش المناورة أمامه. وسلّطت تقارير لصحيفة «واشنطن بوست» الضوء على تداخل الأزمتين، في ظل تهديد الخلافات الحزبية للتوافق الذي ضمن تمويل الإنفاق العسكري لعقود، واستمرار التغييرات في القيادات العسكرية من دون توضيحات كافية لأسبابها. وفي ظل هذه الضغوط، قد تشكّل الانتخابات النصفية محطة مفصلية في تحديد شروط تمويل البنتاغون وحدود الرقابة على قراراته.

موازنة بلا توافق

كشف مسؤولون معنيون بالأمن القومي في الكونغرس، بينهم أعضاء في اللجان المختصة، حسب صحيفة «واشنطن بوست»، عن أن طلب الإدارة لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى مستوى قياسي يواجه عقبات متزايدة، مع تبقّي ما يزيد قليلاً على 20 يوم عمل تشريعي حتى نهاية العام. وحتى داخل الإدارة، يقرّ مسؤولون مطلعون على المفاوضات بأن فرص إقرار الموازنة بكاملها تتضاءل.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البنتاغون يوم 31 مارس (رويترز)

وتتضمّن الخطة زيادة في الإنفاق الدفاعي بنسبة 44 في المائة، لتمويل الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة، وتعويض مخزونات الصواريخ الدقيقة المستنزفة، إلى جانب أولويات ترمب، ومنها منظومة «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي، وسفن حربية تحمل اسمه، فضلاً عن تغيير اسم وزارة الدفاع إلى «وزارة الحرب»، وهو تغيير لم يقرّه الكونغرس رسمياً حتى الآن.

وتسعى إدارة ترمب إلى تمرير التمويل عبر مسارَين: الأول بقيمة 1.15 تريليون دولار، ويتطلب دعماً ديمقراطياً، والآخر بقيمة 350 مليار دولار، تراهن على إقراره بأصوات الجمهوريين وحدهم، عبر آلية تشريعية تُعرف بـ«المصالحة»، تتيح تمرير تدابير مالية بأغلبية بسيطة في مجلس الشيوخ. غير أن الجمهوريين لم يتوصلوا بعد إلى اتفاق بشأن استراتيجية تمرير الشق الثاني، فيما تعثر أيضاً طلب منفصل بقيمة 67 مليار دولار لتغطية تكاليف الحرب مع إيران وعمليات عسكرية أخرى.

صورة نشرها وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث من زيارة سابقة لقوات أميركية في منطقة مسؤولية «سنتكوم» (إكس)

وهنا ينبغي التمييز بين قانون تفويض الدفاع، الذي يحدد السياسات والبرامج الدفاعية، وقوانين الاعتمادات التي توفر التمويل الفعلي لها. فالأول، الذي دأب الكونغرس على إقراره سنوياً طوال 65 عاماً متتالية، واجه عراقيل في مجلس الشيوخ، ولم يجتز مجلس النواب إلا بصعوبة. أما إقرار الاعتمادات المالية، فيواجه، حسب مشرعين، عقبات أشد.

ومع تجاوز تكلفة الحرب مع إيران 47 مليار دولار حتى منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، وفق تقديرات منسوبة إلى القيادة المركزية الأميركية، اضطر البنتاغون إلى تأجيل تدريبات وأعمال صيانة لتغطية النفقات. وهكذا، لم يعد الجمود التشريعي مقتصراً على الخلاف بشأن زيادة الإنفاق العسكري مستقبلاً، بل بات يلقي بظلاله على الجاهزية العسكرية الراهنة والقدرة على تعويض المخزونات المستنزفة.

فاتورة انعدام الثقة

يحمّل الجمهوريون الديمقراطيين مسؤولية عرقلة تمويل القوات المسلحة سعياً لاسترضاء قاعدة انتخابية غاضبة من ترمب. ويرد الديمقراطيون بأن الإدارة تطالب الكونغرس بتحمّل تكلفة حرب شُنّت من دون موافقته، فيما ترفض إخضاع قراراتها العسكرية للرقابة والمساءلة.

وزير الحرب بيت هيغسيث في لقاء مع نظيره البريطاني بالبنتاغون يوم 15 أكتوبر (أ.ف.ب)

غير أن الخلاف، حسب شهادات نقلتها «واشنطن بوست» عن مشرعين من الحزبين، لا يقتصر على الحرب وتمويلها، بل يمتد إلى أسلوب هيغسيث في التعامل مع الكونغرس. فقد استبعدت الإدارة الديمقراطيين من الإحاطات المتعلقة بحزمة التمويل البالغة 350 مليار دولار، في خروج عن تقليد إطلاع الحزبَين على القضايا المرتبطة بالأمن القومي.

وأثار هذا النهج اعتراضات حتى داخل الحزب الجمهوري، إذ يرى بعض مشرعيه أن مطالبة الكونغرس بإقرار اعتمادات بهذا الحجم تستوجب إطلاع المشرعين الذين تحتاج الإدارة إلى أصواتهم على تفاصيلها. وزادت تصريحات هيغسيث المنتقدة للمشرعين من حدة التوتر، بعدما وصف مواقف عبّر عنها ديمقراطيون وبعض الجمهوريين بأنها من أبرز التحديات التي تواجه وزارته. في المقابل، ينفي مسؤولون مطلعون على علاقة الوزير بالكونغرس تعمّد حجب المعلومات أو رفض التواصل مع المشرعين، فيما يؤكد البنتاغون استعداده لمعالجة المخاوف المطروحة بحسن نية.

هيغسيث يشارك في تدريبات مع عناصر «المارينز» قرب سان دييغو بكاليفورنيا يوم 7 أكتوبر (رويترز)

وفي محاولة لرأب الصدع، استضاف رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، لقاءات مع مشرعين من الحزبين لحشد الدعم للموازنة الدفاعية. لكن دخوله على خط المفاوضات يعكس حجم الصعوبات التي تواجه الإدارة في حشد توافق سياسي حول تمويل خططها العسكرية، رغم التأييد الواسع تقليدياً لتعزيز قدرات الجيش الأميركي.

ومع اقتراب الانتخابات النصفية، قد تدفع احتمالات خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب إلى تسريع محاولاتهم لإقرار أولوياتهم الدفاعية خلال الفترة الفاصلة بين الاقتراع وانعقاد الكونغرس الجديد. غير أن فوز الديمقراطيين بالأغلبية لا يعني بالضرورة إسقاط الموازنة، بل قد يغيّر شروط التفاوض بشأنها. فاستعادتهم مجلس النواب ستمنحهم صلاحيات رقابية أوسع، وتتيح لهم تكثيف المطالبات بمحاسبة الإدارة وكشف تفاصيل الحرب وربط بعض الاعتمادات بشروط إضافية. وبذلك، قد تنعكس نتائج الانتخابات على آليات تمويل السياسة العسكرية والرقابة عليها، من دون أن تفرض بالضرورة تغييراً في استراتيجية ترمب نفسها.

إقالات تزيد الغموض

وسط هذه الأجواء، جاء قرار إبعاد الجنرال بريت سيلفيا، مدير الاستراتيجية والخطط والسياسات في هيئة الأركان المشتركة، الذي كان يتبع مباشرة لرئيس الهيئة الجنرال دان كين، ليضيف فصلاً جديداً إلى التوترات داخل المؤسسة العسكرية.

الجنرال بريت سيلفيا في قاعدة بكنتاكي... مايو 2025 (أ.ب)

وأصدرت هيئة الأركان المشتركة في البداية بياناً شكرت فيه سيلفيا على خدمته العسكرية الممتدة 32 عاماً، قبل أن تتراجع عنه، معتبرة أنه لا يعكس ملابسات رحيله كاملة. وفي تطور لاحق، أعلن البنتاغون إحالة قضية تتعلق بتسريب معلومات سرية إلى وزارة العدل، فيما نقلت محطة «سي بي إس» عن مسؤول دفاعي اتهامات لسيلفيا بتسريب معلومات عن الحربَين في إيران وأوكرانيا، وهي اتهامات أثارت خلافاً بشأن صحتها داخل المؤسسة العسكرية.

وتكتسب الخطوة أهمية بالنظر إلى حساسية المنصب الذي كان يشغله سيلفيا، ودوره في مساعدة رئيس هيئة الأركان على وضع الاستراتيجيات والسياسات العسكرية وتنسيق التعاون مع الحلفاء والشركاء. كما تأتي في توقيت يلوّح فيه ترمب باستئناف الضربات على إيران بعد الانتخابات النصفية. ويُعدّ سيلفيا ثاني ضابط رفيع يُبعد عن هذا المنصب خلال ولاية هيغسيث، بعد الجنرال جوزيف ماكغي.

ترمب وهيغسيث في حفل استقبال رسمي ببكين يوم 14 مايو (رويترز)

وتندرج الإقالة ضمن سلسلة أوسع من التغييرات في القيادات العسكرية، شملت رئيس أركان الجيش راندي جورج وعدداً من كبار الضباط، فيما غادر وزير الجيش دان دريسكول منصبه على خلفية خلافات متكررة مع هيغسيث، حسب تقارير صحافية. وكان سيلفيا قد تعرّض أيضاً لانتقادات من الناشطة اليمينية المؤيدة لترمب لورا لومر، من دون وجود دليل معلن على ارتباط تلك الحملة بقرار إبعاده.


واشنطن تعتزم ترحيل 150 مهاجراً أفغانياً إلى ديارهم

متظاهرون في نيويورك ضد تدابير السلطات بحق المهاجرين (رويترز)
متظاهرون في نيويورك ضد تدابير السلطات بحق المهاجرين (رويترز)
TT

واشنطن تعتزم ترحيل 150 مهاجراً أفغانياً إلى ديارهم

متظاهرون في نيويورك ضد تدابير السلطات بحق المهاجرين (رويترز)
متظاهرون في نيويورك ضد تدابير السلطات بحق المهاجرين (رويترز)

تعتزم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ترحيل أكثر من 150 مهاجراً أفغانياً إلى أفغانستان عبر باكستان، حسبما أفادت وسائل إعلام أميركية، الجمعة، في خطوة تقول جماعات حقوقية إنها قد تعرّض حياتهم للخطر.

وكان ترمب قد فرض، العام الماضي، حظراً على دخول مواطني عدد من الدول بينها أفغانستان، في إطار حملة واسعة لتشديد سياسات الهجرة، وسعى إلى إنهاء وضع الحماية من الترحيل الممنوحة للأفغان، ومن بينهم أفراد حصلوا على تأشيرات هجرة خاصة عقب سيطرة سلطات «طالبان» على السلطة في أغسطس (آب) 2021.

ويُتوقع ترحيل أكثر من 150 مهاجراً أفغانياً في إطار أحدث هذه الخطوات، حسبما ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلاً عن 3 مسؤولين أميركيين لم تسمّهم، مضيفة أن أول رحلة قد تغادر في ساعة مبكرة، الاثنين.

ومن بين الذين يُتوقع ترحيلهم أقارب أفغان ساعدوا الجيش الأميركي في أفغانستان قبل سقوط كابل، وفق مجموعة «أفغان إيفاك» التي تسعى إلى مساعدة الحلفاء الأفغان السابقين للولايات المتحدة.

وبما أن الولايات المتحدة لا تستطيع ترتيب عمليات ترحيل مباشرة إلى أفغانستان، قال المسؤولون للصحيفة إن باكستان ستتولى الإشراف على إبعادهم.

وكانت الحكومة الباكستانية قد أمرت في وقت سابق من هذا العام أجهزة إنفاذ القانون في أنحاء البلاد باعتقال المواطنين الأفغان الذين لا يحملون تأشيرات، في إطار سياسة لإعادتهم إلى بلادهم مستمرة منذ سنوات، وأفضت إلى إعادة ملايين الأفغان الذين فروا من ديارهم بعد عودة «طالبان» إلى السلطة.

وتشهد العلاقات بين باكستان وأفغانستان توتراً منذ تولي سلطات «طالبان» الحكم عام 2021، وازدادت سوءاً بعد اشتباكات حدودية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أدت إلى إغلاق شبه كامل للحدود.

وتراجعت الاشتباكات بعد وساطة، لكن النزاع تفاقم في فبراير (شباط) مع إعلان باكستان أنها في «حال حرب مفتوحة» مع جارتها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على عشب البيت الأبيض الجمعة قبل توجهه إلى فلوريدا (د.ب.أ)

وتتهم باكستان أفغانستان بإيواء مسلحين يقفون وراء هجمات دامية على أراضيها، وهو ما تنفيه حكومة «طالبان» في أفغانستان.

ولم يتسنَّ الحصول على تعليق فوري من سلطات «طالبان»، كما لم ترد وزارة الأمن الداخلي الأميركية على أسئلة «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال رئيس مجموعة «أفغان إيفاك» شون فان دايفر في بيان إن «الولايات المتحدة على وشك وضع أفغان في طائرة تقلهم إلى طالبان، والإدارة تفعل ذلك في الأسبوع الذي يتوجه فيه الأميركيون إلى مراكز الاقتراع، على أمل ألا يراقب أحد ما يجري»، في إشارة إلى انتخابات التجديد النصفي، الثلاثاء.

وأضاف فان دايفر أن بعض المهاجرين المهددين بالترحيل «هم أشقاء وأبناء رجال خدموا إلى جانب القوات الأميركية، وعائلات لدى طالبان أسباب كثيرة لاستهدافها».

وتابع «أياً كان الطريق الذي أوصلهم إلى هنا، فإن الخطر الذي ينتظرهم واحد».


محكمة أميركية تقضي بسجن رجلين صينيين بعد إدانتهما بالتجسس لصالح بكين

مشهد عام يظهر مباني السفارة الأميركية في بكين (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر مباني السفارة الأميركية في بكين (أرشيفية - رويترز)
TT

محكمة أميركية تقضي بسجن رجلين صينيين بعد إدانتهما بالتجسس لصالح بكين

مشهد عام يظهر مباني السفارة الأميركية في بكين (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر مباني السفارة الأميركية في بكين (أرشيفية - رويترز)

قضت محكمة في كاليفورنيا أمس (الجمعة) بسجن رجلين صينيين بعد أن كانا قد أقرا بمحاولة تجنيد أفراد من الجيش الأميركي للتجسس لصالح بكين.

وحُكم على كل من ليرين لاي ويوانسي تشين بالسجن لمدة 30 شهراً في أحد السجون الفيدرالية، مع وضعهما تحت المراقبة لمدة ثلاث سنوات بعد إطلاق سراحهما، وذلك عقب إقرارهما بالذنب في العمل بناء على أوامر من وزارة أمن الدولة الصينية.

وذكرت وزارة العدل الأميركية أن الرجلين مارسا أنشطة استخباراتية سرية داخل الولايات المتحدة، شملت تسهيل عمليات «بريد ميت» لتسليم أموال مقابل الحصول على معلومات تتعلق بالأمن القومي الأميركي.

كما قاما بجمع معلومات حول أفراد ومنشآت عسكرية أميركية، وسعيا إلى تجنيد عناصر استخباراتية من داخل صفوف الجيش الأميركي.

وقال رومان روزجافسكي، المدير المساعد لقسم مكافحة التجسس في مكتب التحقيقات الفيدرالي: «ليكن هذا الحكم بمثابة تحذير واضح: إذا حاولتم تعريض سلامة وأمن أفراد جيشنا أو مواطنينا أو أمتنا للخطر، فإن العدالة ستطالكم»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان لاي الذي دخل الولايات المتحدة بموجب تأشيرة سياحية قد جند تشين، المقيم الدائم في الولايات المتحدة، وعمل في البداية كوسيط بينه وبين ضباط الاستخبارات الصينيين، قبل أن يبدأ تشين بتلقي الأوامر مباشرة من المسؤول عن توجيهه.

وأوضحت وزارة العدل أن الرجلين كانا يعملان، منذ مايو (أيار) 2021 على الأقل، لصالح جهة تابعة للحكومة الصينية، ومسؤولة عن تنفيذ عمليات استخباراتية خارجية، وأنشطة مكافحة التجسس.

وأُلقي القبض عليهما في يونيو (حزيران) من عام 2025. وأقر الرجلان بالذنب بتهم تتعلق بالتآمر للعمل كعملاء لحكومة أجنبية دون إخطار مسبق لوزير العدل، وكذلك بالعمل كعملاء لحكومة أجنبية دون تقديم الإخطار المطلوب.