فضيحة حقوقية... سجناء أميركا يعملون بالسخرة لمصلحة علامات تجارية شهيرة

في أحد سجون لويزيانا يمتطي شرطي حصاناً وهو يراقب السجناء خلال عملهم (أ.ب)
في أحد سجون لويزيانا يمتطي شرطي حصاناً وهو يراقب السجناء خلال عملهم (أ.ب)
TT

فضيحة حقوقية... سجناء أميركا يعملون بالسخرة لمصلحة علامات تجارية شهيرة

في أحد سجون لويزيانا يمتطي شرطي حصاناً وهو يراقب السجناء خلال عملهم (أ.ب)
في أحد سجون لويزيانا يمتطي شرطي حصاناً وهو يراقب السجناء خلال عملهم (أ.ب)

لسنوات طويلة، حظرت الولايات المتحدة الأميركية، دخول منتجات بعض الدول وأهمها الصين، إلى أراضيها بزعم أن هذه المنتجات تم إنتاجها من قِبل عمال في السجون أو أفراد من أقلية الإيغور تستغلهم بكين في العمل القسري.

إلا أن تحقيقاً شاملاً أجرته وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء استغرق عامين ونشرته مؤخراً، كشف عن أفعال مماثلة ببعض السجون الأميركية، حيث أشار إلى أن السجناء الأميركيين هم جزء من قوة عاملة خفية مرتبطة بمئات من العلامات التجارية الشهيرة لشركات الأغذية.

ولفت التحقيق، الذي اعتمد على فحص آلاف الصفحات من الوثائق والتحدث إلى أكثر من 80 سجيناً حالياً أو سابقاً، إلى أنه مع وجود نحو مليوني شخص في السجون الأميركية، تحول السجناء «إمبراطورية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات»، وهي قيمة المنتجات والأغذية التي ينتجونها وتتحول سلعاً مبيعة في السوق المفتوحة.

سجين يعمل في حلْب الأبقار داخل سجنه في مونتانا (أ.ب)

وشمل التحقيق سجن ولاية لويزيانا الذي شُيّد على أرض كانت مزرعة للعبيد، وأصبح الآن أكبر سجن شديد الحراسة في البلاد، حيث قال التحقيق: إن الماشية التي تتم تربيتها في هذا السجن من قِبل سجناء حُكم عليهم بالأشغال الشاقة، يُجبرون على العمل مقابل أجر ضئيل لمدة ساعة، أو من دون مقابل على الإطلاق في بعض الأحيان. بعد ذلك يتم شراء الأبقار من قِبل مربي الماشية المحليين الذين ينقلونها إلى مسلخ في تكساس يغذي سلاسل التوريد للشركات العملاقة مثل «ماكدونالدز» و«وول مارت» و«كارغيل».

وقال التحقيق: إن السجناء الأميركيين في جميع أنحاء البلاد هم جزء أساسي من شبكات معقدة وغير مرئية تمد بعضاً من أكبر شركات الأغذية في العالم والعلامات التجارية الأكثر شهرة بالمنتجات اللازمة لها.

وإذا رفض أولئك السجناء العمل، فإنهم يمكن أن يعرضوا فرصهم للإفراج المشروط للخطر أو يواجهوا بعض العقوبات، مثل إرسالهم إلى الحبس الانفرادي. وكثيراً ما يتم استبعاد السجناء من تدابير الحماية المكفولة لجميع العاملين العاديين؛ حتى عندما يتعرضون لإصابات خطيرة أو يُقتلون أثناء العمل.

ويتم تصدير بعض السلع التي ينتجها السجناء في الولايات المتحدة إلى مجموعة واسعة من البلدان، من بينها تلك التي تم حظر منتجاتها من دخول البلاد لاستخدامها العمالة القسرية أو السجناء لإنتاجها.

وفرضت الولايات المتحدة قيوداً على واردات من شركات صينية عدة في محاولة لوقف دخول البضائع التي تقول: إن عمليات تصنيعها تشوبها عمالة قسرية لأفراد من أقلية الإيغور، التي تُتّهم الحكومة الصينية باحتجاز أكثر من مليون منهم ومن غيرهم من أقليات مسلمة في حملة قمع استمرت سنوات تقول جماعات حقوقية: إنّها تشمل «جرائم ضد الإنسانية».

برج سجن فارمر في أركنساس حيث يعمل السجناء سخرةً لمصلحة شركات عالمية (أ.ب)

ويحظر «قانون الإيغور لمنع العمل القسري»، الذي أقرّه الكونغرس بدعم من الحزبين الجمهوري والديموقراطي في عام 2021، استيراد جميع السلع من منطقة شينجيانغ، ما لم تقدم الشركات دليلاً يمكن التحقّق منه على أنّ الإنتاج لا ينطوي على عمل قسري.

وفي شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، قالت وزارة الخارجية الصينية: إن ما يقال عن إجبار أشخاص على العمالة القسرية في شينجيانغ ما هو إلا «كذبة كبيرة» لتشويه سُمعة الصين، وهو عكس الواقع تماماً.

وقال المتحدث باسم الوزارة، وانغ ون بين: «أمريكا تستغلّ هذه الكذبة لإدراج كيانات صينية في القائمة السوداء، ولعرقلة تطور الصين»، وأضاف، أن البلاد ستتخذ إجراءات من أجل حماية الحقوق المشروعة للشركات الصينية.

وعلى الرغم من أن سياسة الكثير من الشركات الأميركية التي تشتري مباشرة من السجون تنص على عدم استخدام مثل هذه العمالة، فإن الأمر قانوني تماماً في البلاد، ويعود تاريخه إلى حد كبير إلى الحاجة إلى العمالة للمساعدة في إعادة بناء اقتصاد الجنوب المدمر بعد الحرب الأهلية. وينص التعديل الثالث عشر في الدستور على حظر العبودية والاسترقاق الجبري «إلا ما يُطبق منها كعقوبة على الجرائم».

ويعمل بعض السجناء في التربة الزراعية نفسها التي كان العبيد يحصدون فيها القطن والتبغ وقصب السكر منذ أكثر من 150 عاماً، وتبدو بعض الصور الحالية مشابهة بشكل مخيف للماضي، وفقاً لـ«أسوشييتد برس».

وقال ويلي إنغرام، الذي قضى 51 عاماً في سجن لويزيانا، إنه كان يحصد كل شيء من القطن إلى البامية طوال فترة حبسه. ولفت إلى أن حراس السجن كانوا يشرفون على السجناء وهم يمتطون الجياد، مشيراً إلى أنهم كانوا يسمحون لهم بشرب القليل من الماء فقط، وأحياناً لا يسمحون لهم بذلك على الإطلاق، حيث كان بعضهم يموت في الحرارة المرتفعة. وأضاف، أنه في بعض الأيام كان العمال يلقون أدواتهم احتجاجاً على الظلم الذي يتعرضون له أثناء العمل، على الرغم من علمهم بالعواقب المحتملة لذلك.

وقال إنغرام، الذي حُكم عليه بالسجن مدى الحياة في جريمة قال إنه لم يرتكبها: «كان الحراس يأتون إلينا أحياناً في شاحنات وهم يمسكون بهراوات، ويقيدوننا ثم يضربوننا بعنف». ولفت إلى أنه تحمّل كل ذلك بعد أن قيل له إنه سيقضي 10 سنوات ونصف السنة فقط في السجن وسيتجنب عقوبة الإعدام المحتملة، لكن لم يطلق سراحه حتى عام 2021.

في أحد سجون لويزيانا يمتطي شرطي حصاناً وهو يراقب السجناء خلال عملهم (أ.ب)

وتتبع تحليل البيانات التي جمعتها وكالة «أسوشييتد برس» من المرافق الإصلاحية في جميع أنحاء البلاد، ما يقرب من 200 مليون دولار من مبيعات السلع الزراعية والماشية للشركات على مدى السنوات الست الماضية. وكان من الواضح أن نسبة كبيرة من الإيرادات جاءت من قِبل عمالة السجناء.

ويشير مسؤولو السجون إلى أنه ليس كل العمل قسرياً، وأن وظائف السجون توفر أموال دافعي الضرائب.

كما لفتوا إلى أنهم يساعدون السجناء على تعلم بعض المهارات التي قد تساعدهم عند إطلاق سراحهم؛ ما قد يساعد في تجنب تكرار الجرائم.

وفي حين أن معظم النقاد لا يعتقدون أنه يجب إلغاء عمالة السجناء تماماً، إلا أنهم يقولون إنهم يجب أن يحصلوا على أجور عادلة، وأن يُعامَلوا بشكل إنساني، وأن جميع الأعمال يجب أن تكون طوعية. ويشير البعض إلى أنه حتى عندما يحصل الأشخاص على تدريب متخصص، مثل مكافحة الحرائق، فإن سجلاتهم الجنائية قد تجعل من المستحيل تقريباً تعيينهم في الخارج عند إطلاق سراحهم.

وقالت أستاذة القانون أندريا أرمسترونغ، الخبيرة في نظام السجون بجامعة لويولا في نيو أورليانز: «أولئك السجناء لا يحصلون على تعويضات في كثير من الأحيان، ويُجبرون على العمل، وهو أمر غير آمن. إنهم لا يتعلمون أيضاً المهارات التي ستساعدهم عند إطلاق سراحهم. هذا الأمر يثير التساؤلات عن سبب استمرارنا في إجبار الناس على العمل في السجون».

وبالإضافة إلى الاستفادة من قوة عاملة رخيصة وموثوقة، تحصل الشركات في بعض الأحيان على إعفاءات ضريبية وحوافز مالية أخرى عند الاستعانة بعمال السجون، وفقاً لـ«أسوشييتد برس». كما أن العمال المسجونين لا يتمتعون عادةً بوسائل الحماية الأساسية، بما في ذلك تعويضات العمال ومعايير السلامة الفيدرالية، وفي كثير من الحالات، لا يمكنهم تقديم شكاوى رسمية بشأن ظروف العمل السيئة.

وغالباً ما يعمل هؤلاء السجناء في الصناعات التي تعاني نقصاً حاداً في العمالة، ويقومون ببعض من أخطر الوظائف في البلاد.

وأجرت «أسوشييتد برس» مقابلات مع سجناء تعرضوا للأذى أو التشوه أثناء العمل، وسجينات تعرضن للتحرش الجنسي أو سوء المعاملة، أحياناً من قِبل المشرفين المدنيين عليهن أو الضباط أنفسهم. وفي حين أنه غالباً ما يكون من المستحيل تقريباً على ضحايا هذه الحوادث رفع دعوى قضائية، إلا أن عشرات الحالات تمكّنت من شق طريقها إلى المحاكم.

واعترفت شركة «كارغيل» بشراء البضائع من مزارع بعض السجون الأميركية، قائلة: إنها لا تشكل سوى جزء صغير من المبيعات الإجمالية للشركة. وأضافت: «نحن الآن بصدد تحديد الإجراء المناسب للتصدي لهذا الأمر برمته». ومن جهتها، قالت «ماكدونالدز»: إنها ستحقق في الروابط مع أي عمالة من هذا القبيل.

وتسمح ما تسمى «أوامر الاستبعاد» لهيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية باحتجاز شحنات بناءً على الاشتباه في ارتباطها بعمالة قسرية بموجب قوانين أميركية قائمة منذ أمد طويل من المفترض أنها تهدف إلى محاربة الاتجار بالبشر وعمالة الأطفال وانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان.

إلا أن تحقيق «أسوشييتد برس» أثار شكوك خبراء القانون وحقوق الإنسان بشأن صدق الولايات المتحدة في ادعائها بمحاربة العمالة القسرية.


مقالات ذات صلة

مقتل «فتاة الصف» يفجِّر جدلاً حول «أخلاقيات نشر الصور» في مصر

يوميات الشرق وزارة الداخلية المصرية (حساب الوزارة على فيسبوك)

مقتل «فتاة الصف» يفجِّر جدلاً حول «أخلاقيات نشر الصور» في مصر

فجّر مقتل فتاة مصرية على يد شقيقها، بعد تسليم الشرطة لها إلى أسرتها، عقب اختفائها والعثور عليها، جدلاً بشأن أخلاقيات نشر صور المتغيبين وبياناتهم الشخصية

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق نجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان (رويترز)

يورو واحد فقط... تعويض كيم كارداشيان بعد واقعة السطو المسلح في باريس

بعد سنوات من واقعة السطو المسلح التي تعرضت لها في باريس، أصدرت محكمة فرنسية حكماً بمنح نجمة تلفزيون الواقع كيم كارداشيان تعويضاً رمزياً قدره يورو واحد فقط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي المحامي زاهر محمود ثابت وجد مقتولاً مع والدته وشقيقته في منزله بالسويداء (أرشيفية)

الغموض يلف دوافع جريمة في السويداء ضحاياها محامٍ ووالدته وشقيقته

يلف الغموض دوافع وهوية مرتكبي جريمة قتل، راح ضحيتها محامٍ ووالدته وشقيقته، في منزلهم بمدينة السويداء في إحدى المناطق التي يسيطر عليها شيخ العقل حكمت الهجري.

موفق محمد (دمشق)
شؤون إقليمية عناصر من شرطة مكافحة الشغب التركية يشتبكون مع مشاركين في مظاهرة بإزمير (أ.ف.ب)

3 قتلى بالرصاص في منطقة سياحية بإسطنبول

لقي ثلاثة أشخاص حتفهم، وأصيب آخر في إطلاق نار في متجر بمنطقة الفاتح في مدينة إسطنبول، وهي منطقة سياحية شهيرة.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
يوميات الشرق أجاثا كريستي تحتسي الشاي على شرفة المدرسة البريطانية لعلوم الآثار في بغداد خلال الخمسينيات (فيسبوك) p-circle 01:43

«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

ولدت الكاتبة أجاثا كريستي في مثل هذا التاريخ قبل 136 سنة. اشتهرت برواياتها البوليسية، لكن قلّة تعرف أنها أمضت جزءاً من حياتها متنقّلةً بين البلدان العربية.

كريستين حبيب (بيروت)

«تقرير»: 8 من أفراد البحرية الأميركية حاولوا الانتحار خلال حرب إيران

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران يوم 3 مارس الماضي (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران يوم 3 مارس الماضي (رويترز)
TT

«تقرير»: 8 من أفراد البحرية الأميركية حاولوا الانتحار خلال حرب إيران

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران يوم 3 مارس الماضي (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران يوم 3 مارس الماضي (رويترز)

أقدم 8 من أفراد البحرية الأميركية المكلفين بالعمل ضمن مجموعة حاملة الطائرات الضاربة «أبراهام لينكولن» على محاولة الانتحار خلال فترة شملت تنفيذ السفن لعمليات قتالية ضد إيران، وتسجيل حاملة الطائرات رقماً قياسياً حديثاً لطول فترة بقائها في عرض البحر؛ وذلك وفقاً لخطاب من القائم بأعمال وزير البحرية حصلت عليه شبكة «سي إن إن».

وكشف القائم بأعمال وزير البحرية، هونج تساو، عن هذا العدد -الذي لم يُعلن عنه سابقاً ويشمل أفراد طواقم عدة سفن تبحر معاً، بما في ذلك حاملة الطائرات- في ردود مكتوبة على أسئلة طرحتها السيناتور كيرستن جيليبراند حول الروح المعنوية والصحة النفسية لطاقم «أبراهام لينكولن».

وأكد تساو في خطابه عدم وقوع أي حالات انتحار فعلية بين أفراد الخدمة خلال فترة الانتشار.

وكتب تساو في خطاب ، الثلاثاء، إلى جيليبراند، وهي ديمقراطية وعضو في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ: «منذ بداية انتشار مجموعة لينكولن، سُجلت 8 محاولات انتحار إجمالاً».

وأضاف: «يشمل هذا العدد طاقم لينكولن وبحارة من الجناح الجوي للحاملة، وطاقم قيادة المجموعة الضاربة وسرب المدمرات، وطواقم المدمرات المرافقة، وجميع أسراب الطيران الموجودة على متن السفن».


«تقرير»: أميركا أعدت مذكرة تنديد ببريطانيا بسبب الضفة الغربية لكنها لم تُنشر قط

فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)
فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)
TT

«تقرير»: أميركا أعدت مذكرة تنديد ببريطانيا بسبب الضفة الغربية لكنها لم تُنشر قط

فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)
فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

أعد مسؤولون أميركيون ‌في القدس وواشنطن، في أوائل سبتمبر (أيلول)، مسودة بيان نُسب إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، يندد بخطط بريطانيا وفرنسا وكندا لحظر الواردات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.

واقترحت الوثيقة أن يصف روبيو خطط الدول الثلاث بأنها سلسلة من الإجراءات العدائية ضد إسرائيل وتسهم في معاداة السامية. وحملت الوثيقة تاريخ ​الثامن من سبتمبر ولم تُنشر عنها أي تقارير من قبل. وقال مصدران إنها أُعدت بمبادرة من ديفيد ميلستين، أحد المساعدين المؤثرين للسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي.

وجاء في مسودة الوثيقة، بحسب وكالة «رويترز»، أن «هذه الخطط مستمدة على نحو غير مقبول من الاستراتيجيات المعادية للسامية كحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات». لكن البيان لم يُنشر قط.

وقالت ثلاثة مصادر مطلعة إن البيان لم يحظ بتأييد البيت الأبيض وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية.

وبدلا من ذلك، امتنع روبيو، في تصريحاته يوم الثامن من سبتمبر في فلوريدا قبل سفره إلى أميركا اللاتينية، عن توجيه انتقاد صريح للقرار أو لأي دولة بعينها.

وقال روبيو «من الواضح أننا لن نفعل ما فعلته المملكة المتحدة. لقد اطلعنا على ‌إعلانهم اليوم، لكن ‌ليس لدي أي تعليق عليه في الوقت الحالي».

وتكشف هذه الواقعة اتساع الفجوة بين ​البيت ‌الأبيض ⁠وكبار الدبلوماسيين التابعين ​لترمب ⁠في إسرائيل حول أفضل طريقة للتعامل مع توسيع المستوطنات الإسرائيلية في ظل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليمينية.

كما تسلط الضوء على انقسام أيديولوجي متزايد داخل اليمين الأميركي بشأن دعم إسرائيل، إذ تظهر استطلاعات الرأي أن الجمهوريين الأصغر سنا يتبنون رأيا سلبيا بشكل متزايد تجاه أقرب حليفة لواشنطن في الشرق الأوسط.

وكان الرئيس دونالد ترمب قد عبر في وقت سابق من هذا العام عن معارضته لتوسيع المستوطنات، التي تشكل مصدر توتر متزايد مع جيران إسرائيل العرب، لكن إدارته لم تمارس ضغوطا تذكر على إسرائيل لتغيير سياستها.

ووضعه ذلك في بعض الأحيان على طرف النقيض من هاكابي، وهو قس معمداني وداعم قوي للمستوطنات ويشير إلى الضفة الغربية بالاسم التوراتي «يهودا والسامرة»، ⁠وهو المصطلح الذي تستخدمه الحكومة الإسرائيلية لكن الولايات المتحدة لا تعتمده رسميا.

ودعا ميلستين، مساعد ‌هاكابي، العام الماضي إلى أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات على المحكمة الجنائية ‌الدولية بأكملها لحملها على إسقاط تهم جرائم الحرب ضد القادة الإسرائيليين بشأن ​حرب غزة، وهو إجراء لم تتخذه إدارة ترمب حتى الآن.

* شكوك حول الدعم الشعبي الأميركي لإسرائيل

تراجع التأييد الشعبي الأميركي لإسرائيل منذ اندلاع حرب غزة في عام 2023، لا سيما بين الديمقراطيين. وأظهر استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك في يونيو (حزيران) أن 48 بالمئة من الناخبين و66 بالمئة من الديمقراطيين يعتقدون أن الولايات المتحدة ‌تدعم إسرائيل بشكل مبالغ فيه، بارتفاع عن نسبتي 16 بالمئة و20 بالمئة عندما طُرح السؤال لأول مرة في عام 2017.

وفي حين أن أغلبية كبيرة من الجمهوريين الذين تبلغ ⁠أعمارهم 50 عاما أو أكثر ⁠ينظرون إلى إسرائيل بشكل إيجابي، فقد ازداد انتقاد الأميركيين المحافظين الأصغر سنا، وفقا لنتائج استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في أواخر مارس (آذار). فقد أبدي نحو 57 بالمئة من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاما رأيا سلبيا تجاه إسرائيل، بزيادة عن نسبة 50 بالمئة المسجلة في العام السابق.

وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، قال ترمب في أعقاب اجتماع مع نتنياهو إنه لم يكن على توافق تام مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي أشرفت حكومته على توسع سريع للمستوطنات، بشأن الضفة الغربية. وفي سبتمبر أيلول من ذلك العام، قال ترمب إنه لن يسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية.

وتحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ حرب 1967. وتعتبر الأمم المتحدة ومعظم الدول أن المستوطنات غير قانونية وفقا للقانون الدولي. وترفض إسرائيل ذلك، وتعتبر أن هذه الأراضي متنازع عليها وليست محتلة.

وزادت وتيرة أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون اليهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية بشكل حاد هذا العام، واستمد بعضهم الشجاعة بسبب الدعم الذي يتلقونه من حكومة نتنياهو اليمينية، التي تضم وزراء من المستوطنين.

وندد هاكابي ​علنا بأعمال العنف ودعا إلى محاكمة مرتكبيها. كما قال ​إن المستوطنين الذين ينتهجون العنف يمثلون أقلية ولا يمثلون المستوطنين ككل.

ويعيش في الضفة الغربية نحو 500 ألف مستوطن إسرائيلي وثلاثة ملايين فلسطيني. ويسعى الفلسطينيون منذ زمن طويل إلى إقامة دولتهم المستقبلية على الضفة الغربية إلى جانب غزة والقدس الشرقية.


طهران... تصعيد خطابي لا يُغلق باب التفاوض

بزشكيان رافعاً صورة علي خامنئي في الأمم المتحدة (رويترز)
بزشكيان رافعاً صورة علي خامنئي في الأمم المتحدة (رويترز)
TT

طهران... تصعيد خطابي لا يُغلق باب التفاوض

بزشكيان رافعاً صورة علي خامنئي في الأمم المتحدة (رويترز)
بزشكيان رافعاً صورة علي خامنئي في الأمم المتحدة (رويترز)

صعّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في الأمم المتحدة، خطابياً ضد نظيره الأميركي دونالد ترمب، غير أنه أبقى الباب مفتوحاً أمام الجهود الدبلوماسية لتسوية الأزمة.

وادعى بزشكيان أن بلاده لا ترغب في امتلاك سلاح نووي، «لكنها لن تقبل بأي قيود على برنامجها النووي المدني». وردّاً على كلام ترمب، قال بزشكيان: «لن ننحني ولن نخضع. نحن مستعدون للحوار والدبلوماسية والمفاوضات، لكننا لن نقبل أبداً لغة القوة».

وعُقد على هامش اجتماعات الأمم المتحدة لقاء بين موفدين للطرفين برعاية قطرية، وُصف بأنه «جيد للغاية».

وقال مسؤول إيراني كبير لوكالة «رويترز» إن بلاده «تدرس الرد الأميركي على مقترحها لإنهاء الأعمال العدائية». وأوضح أنه جرى بحث معاودة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأميركي خلال محادثات غير مباشرة مع واشنطن، أمس.

من جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو ‌روبيو أمس ‌إن التوصل إلى اتفاق مع إيران سيتطلب جهداً شاقاً ‌لفترة ‌من الوقت، ‌مضيفاً أن الرئيس ترمب يمتلك خيارات عسكرية أيضاً.