بر الياس... عاصمة الشتات السوري في لبنان وقلبه التجاري

عدد النازحين يتخطى ضعفي سكانها... وسوقها نموذج لأسواق دمشق

بضائع معروضة في سوق داخلية في بر الياس (الشرق الأوسط)
بضائع معروضة في سوق داخلية في بر الياس (الشرق الأوسط)
TT

بر الياس... عاصمة الشتات السوري في لبنان وقلبه التجاري

بضائع معروضة في سوق داخلية في بر الياس (الشرق الأوسط)
بضائع معروضة في سوق داخلية في بر الياس (الشرق الأوسط)

«ألا تشبه سوق الحميدية؟»، يسأل زائر لبلدة بر الياس الواقعة في البقاع الأوسط شرق لبنان، بعدما وطأ سوقها الرئيسية ومتفرعاتها. كوّن انطباعه من كثافة السوريين فيها الذين يتنوعون بين تجار وعمال وزائرين ومستثمرين، ما حوّل البلدة القريبة من الحدود اللبنانية الشرقية مع سوريا إلى «عاصمة النزوح السوري» في البلاد.

واكتسبت بر الياس هذا اللقب (عاصمة الشتات السوري)، على ضوء العدد الهائل من السوريين الذين يقيمون في البلدة ومحيطها. يناهز عددهم الـ130 ألف شخص، علماً بأن عدد سكانها اللبنانيين لا يتخطى الـ50 ألفاً. ويتوزع السوريون بين نازحين في المخيمات داخل البلدة وأطرافها وأراضيها الزراعية بعدد يناهز الـ60 ألفاً، بينما يسكن نحو 70 ألفاً في منازل مستأجرة، ويعملون في التجارة ما بين لبنان وسوريا، ويستوردون بضائع من الخارج.

تفاصيل منقولة

في الواقع، نقل السوريون تفاصيل حياتهم بالكامل إلى البلدة، إذ يرى الزائر التجار وأصحاب المهن، كما المزارعين والعمال. أفراد من جميع الطبقات والخلفيات الثقافية، انتقلوا بسلاسة إلى البلدة بعد الحرب في عام 2011، فازداد عدد السوريين فيها من 10 آلاف قبل الحرب السورية إلى 130 ألفاً «قابلين للزيادة في هذا الوقت مع موجة النزوح السوري الجديدة»، حسب ما يقول أحد سكان البلدة لـ«الشرق الأوسط».

وقد يكون توفر المؤسسات الخدمية عاملاً أساسياً أيضاً في جذب السوريين، بالنظر إلى أن المنطقة توجد فيها مؤسسات خدمية وصحية أنشأها الفلسطينيون منذ الثمانينات في تلك المنطقة، فأقيم على أرضها «مستشفى الناصرة» الذي يديره «الهلال الأحمر الفلسطيني»، واستفاد من خدماته معظم سكان منطقة البقاع من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين. ولا يزال يقطن في بر الياس نحو 20 ألف فلسطيني، أنشأوا أعمالهم وشيدوا المنازل وانخرطوا بشكل كامل فيها.

واجهات تجارية تعرض البضائع (الشرق الأوسط)

موقع جغرافي جاذب

وبر الياس تمتلك موقعاً جغرافياً أهّلها لتكون مقصداً أول للسوريين الهاربين من الحرب. تقع على أوتوستراد بيروت - دمشق الدولي في نقطة وسط بين نقطة المصنع الحدودية مع سوريا، وبلدة شتورا التي تعد شريان الحركة الاقتصادية بين البلدين. لطالما كانت البلدة مقصداً لرجال الأعمال السوريين للاستثمار فيها، بسبب موقعها الحيوي، وتمكنت في الثمانينات من خطف الأضواء مع بدء حركة النهوض الاقتصادي والعمراني، حتى باتت العاصمة الاقتصادية لتلك المنطقة.

رغم ذلك، لم يتجاوز عدد قاطني بر الياس من السوريين الـ10 آلاف شخص قبل عام 2011. في بدايات الحرب السورية، يقول السكان اللبنانيون إن النزوح إليها «كان خجولاً»، لكن الأمر تبدل مع تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا، حيث نزح الآلاف، حتى ناهز عدد النازحين أخيراً الـ130 ألف سوري.

ويقول أحد فعاليات بلدة بر الياس المهندس محمد ميتا لـ«الشرق الأوسط»: «هؤلاء أهلنا وقد أحسنا استقبالهم كما استقبلنا إخوتنا الفلسطينيين خلال نكبتهم، فكان لهم منا أفضل الترحيب، فتحنا لهم أبواب منازلنا، قدمنا لهم الأراضي في محيط البلدة أقاموا عليها مخيماتهم»، لافتاً إلى أنه في بداية الأزمة السورية، «كان معظم الذين دخلوا إلى البلدة من أبناء الطبقات الفقيرة، ومع شعورهم بالأمن والأمان وحسن الاستقبال، بدأت الطبقات الوسطى بالتوافد إلى البلدة، كما أصحاب الرساميل الذين قاموا باستئجار المحلات التجارية ومؤسسات الاستثمار بهدف التجارة».

واجهات تجارية تعرض البضائع (الشرق الأوسط)

حركة اقتصادية نشطة

اعتمد التجار سياسة الربح القليل والمستدام، حتى تمكنوا من السيطرة على القطاع التجاري في البقاع بشكل كامل، وأصبحت لهم الكلمة الفصل في هذا القطاع بعد القطاع الزراعي وقطاع البناء، وأصبح لهم باع طويل في قطاع الخدمات وبيع الهواتف وغيرها.

ويؤكد ميتا أن أهالي بر الياس «هم المستفيد الأول من الحركة التجارية في البلدة لجهة دفع الرسوم البلدية وإيجار المحلات التي وصل فيها إيجار الباب الواحد في الشارع الرئيسي إلى 700 دولار شهرياً، أما في الأحياء الداخلية فيتراوح السعر بين 250 و300 دولار»، مشيراً إلى أن «التاجر مستعد لدفع المزيد»، فيما لا يزيد إيجار باب واحد على طريق رياق بعلبك الدولي الذي يربط البقاع بحمص السورية عن 50 دولاراً شهرياً.

منطقة حيوية

تحولت بر الياس في أقل من عشر سنوات إلى منطقة اقتصادية حيوية، ووفّرت البيئة الحاضنة في بر الياس نهوضاً اقتصادياً، سجل انتعاشاً مع اشتداد الأزمة في سوريا.

وتمكن النازحون السوريون من تأسيس سوق تجارية هي الأكبر والأضخم في البقاع، وهي السوق الأبرز والأكبر من حيث المساحة في المنطقة، وقد أنشئ على الطريق الرئيسي لمدخل بلدة بر الياس على مساحة 4 كيلومترات، وتوفر المئات من فرص العمل للسوريين العاملين في حقل التجارة.

والسوق هي نماذج للأسواق الشعبية السورية. من يدخل السوق يخال له أنه يدخل إلى سوق سورية تشبه سوق الحميدية في دمشق مثلاً، نظراً لامتداد المحال التجارية في الشارع الرئيسي ومتفرعاته، لكنه يخلو من السقف. أما الدراجات النارية الكبيرة التي تنقل البضائع، مثل «التوك توك»، فيوجد منها الكثير، بما يشبه الأسواق السورية، وتنقل البضائع على ضفتي السوق.

تم إنشاء أسواق جديدة بعد عام 2011 وتمتد على ضفتي شوارع البلدة (الشرق الأوسط)

تضم السوق مئات المؤسسات والمحلات التجارية والحوانيت والدكاكين التي تبيع السمانة والخضار والمواد الغذائية والألبسة والبهارات والحبوب وسائر الأصناف من لحوم وخضروات ومواد بناء. تشبه السوق الأسواق السورية لناحية عرض البضائع على الأرصفة والقيام بعرضها مع ساعات الصباح وإعادتها إلى داخل المحال مع انتهاء دوام العمل.

ويقول تجار في السوق إن زبائنها يتنوعون بين النازحين السوريين واللبنانيين ومن سكان مخيمات البقاع، فضلاً عن تجار صغار يشترون بضائعهم من سوق بر الياس ليبيعوها في مخيمات البقاع الغربي والشمالي والأوسط. ويقول أحد المستثمرين السوريين في السوق لـ«الشرق الأوسط» إنه «بات من الأفضل أمام التجار أو الوكيل اللبناني أن يبيع بضاعته في سوق بر الياس بدل مشقة وتكلفة الانتقال بين أسواق ومحلات البقاع الشمالي والغربي والأوسط، كونه بات وجهة لجميع هؤلاء».

وتستفيد السوق من آلاف السوريين الذين يقيمون في المخيمات المحيطة بالبلدة، حيث تنتشر المخيمات على أطراف السفح الغربي للسلسلة الشرقية مما سمح بإنشاء عدد كبير من المخيمات على أراضيها، وتم تسجيل النازحين قبل عام 2015 بموجب أرقام معتمدة من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وباتت السوق ميداناً لتأمين فرص العمل للسوريين الذي تمكنوا من الحصول على إقامة عمل، كما لنازحين يقطنون في المخيمات، حسب ما يقول السكان اللبنانيون.


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب تقترح لائحة قد تعلق تصاريح العمل لطالبي اللجوء

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)

إدارة ترمب تقترح لائحة قد تعلق تصاريح العمل لطالبي اللجوء

أعلنت ‌إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لائحة مقترحة قد يكون من شأنها تعليق تصاريح العمل لطالبي اللجوء «لعدة أعوام».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي سوريون في تركيا خلال عودتهم عبر البوابات الحدودية إلى بلادهم عقب سقوط نظام الأسد (أ.ف.ب)

إردوغان: تركيا تتابع «لحظة بلحظة» تطبيق اتفاق اندماج «قسد» في الدولة السورية

أكدت تركيا أنها تتابع خطوات الاندماج الكامل لـ«قسد» في مؤسسات الدولة السورية وتقدم الإرشادات اللازمة في هذا الصدد وتتعاون بشكل وثيق مع دمشق.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي صورة ملتقطة في 18 فبراير 2026 بالعاصمة الأردنية عمّان تظهر الرئيس الألماني فرانك - فالتر شتاينماير يلتقي الملك الأردني عبد الله الثاني في قصر الحسينية (د.ب.أ)

الرئيس الألماني يلتقي الملك عبد الله الثاني... ويشيد بدور الأردن كوسيط

أشاد الرئيس الألماني فرانك - فالتر شتاينماير بالدور الذي يلعبه الأردن كوسيط في منطقة الشرق الأوسط التي تعصف بها الصراعات.

«الشرق الأوسط» (عمّان)
العالم مهاجر يسبح بجوار قارب مطاطي مكتظ بالمهاجرين قرب شواطئ جزيرة ليسبوس اليونانية أثناء عبوره جزءاً من بحر إيجه من الساحل التركي (رويترز - أرشيفية)

مقتل وفقدان مهاجرين إثر غرق قاربهم في بحر إيجه

قضى ثلاثة مهاجرين وفُقد أربعة آخرون بعد أن تسرب الماء لقاربهم، الخميس، في بحر إيجه، وفق ما أعلن خفر السواحل التركي.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
الولايات المتحدة​ متظاهرون ضد إدارة الهجرة والجمارك الأميركية في ريتشفيلد بولاية مينيسوتا الأميركية... 11 فبراير 2026 (رويترز)

أميركا: استطلاع يظهر تراجع تفوق الحزب الجمهوري في ملف الهجرة

أظهر استطلاع رأي، تراجُع التفوُّق الذي يتمتَّع به الحزب الجمهوري بالولايات المتحدة في ملف الهجرة، مع ازدياد استياء الناخبين المستقلين تجاه نهج الرئيس ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الانسداد السياسي في العراق يتواصل ويعرقل تشكيل الحكومة الجديدة

أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)
أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)
TT

الانسداد السياسي في العراق يتواصل ويعرقل تشكيل الحكومة الجديدة

أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)
أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

مضى أكثر من 4 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية العامة في العراق مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وباستثناء حسم ملف رئاسة البرلمان التي ذهبت إلى المكون السني، ما زال المكونان الشيعي والكردي يدوران في حلقة مفرغة من التنافس، والخلافات التي تعرقل حسم ملفي رئاستي الوزراء، والجمهورية، في ظل اتهامات متبادلة بالمسؤولية عن التعطيل.

ورغم انتهاء التوقيتات الدستورية المحددة لتشكيل الحكومة، ورغم الاجتماعات، واللقاءات شبه الدورية التي يجريها الطرفان، الشيعة والكرد، مع بقية المنافسين، والأطراف، إلى جانب الضغوط الدولية والإقليمية التي يتعرضان لها، فإن مؤشرات حسم ملف الكابينة الحكومية الجديدة ما زالت غير واضحة، ويتوقع كثير من المراقبين استمرار حالة الانسداد لأسابيع وأشهر مقبلة.

اجتماع «الإطار»

ومثلما يحدث الأمر في كل أسبوع تقريباً، اتجهت أنظار المراقبين، الاثنين، إلى اجتماع قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لرؤية آخر تطورات موقف هذه القوى بشأن ملف الحكومة، خاصة في ظل إصرار نوري المالكي على التمسك بترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء حتى مع التأكيدات الأميركية بشأن عدم القبول بهذا الترشيح. غير أن البيان الذي صدر عقب الاجتماع لم يخالف التوقعات، إذ لم يأتِ بجديد في هذا الاتجاه، لكنه سعى ضمنها إلى رمي الكرة بملعب القوى الكردية، وحثها على حسم ملف رئاسة الجمهورية.

نوري المالكي (أ.ف.ب)

وطبقاً للبيان الصادر عن اجتماع «الإطار»، فقد تصدر ملف حسم رئاسة الجمهورية، والتصعيد الإيراني - الأميركي، لكنه لم يتحدث عن «معضلة» رئاسة الوزراء، خاصة بعد التعقيدات الداخلية والخارجية التي ارتبطت بمرشحه نوري المالكي.

ورداً على ما يتردد على نطاق واسع بشأن الانقسامات داخل صفوفه، أكد «المجتمعون حرصهم الشديد على وحدة (الإطار التنسيقي)، وتماسكه، استمراراً منه بالوفاء للثقة المتكررة التي منحها له المصوتون بالانتخابات».

وطالب «الإطار التنسيقي» من وصفهم بـ«الإخوة في الحزبين الكرديين» ويقصد «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، وحزب «الاتحاد الوطني» بـ«حسم رئاسة الجمهورية حفاظاً على الاستحقاقات الوطنية»، في إشارة «إطارية» إلى أن القوى الكردية هي التي تقف وراء عرقلة تشكيل الحكومة لعدم اتفاقها على مرشح واحد لرئاسة الجمهورية الذي يقوم بدوره وبعد التصويت عليه في البرلمان بتكليف مرشح «الكتلة الأكبر» لتشكيل الحكومة.

ومهما قدمت القوى «الإطارية» من ذرائع لتبرير مشكلة تأخير تشكيل الحكومة، فإنها تواجه غالباً اتهامات بالمسؤولية عن هذا التأخير، ذلك أن القوى الكردية لا تملك أكثر من 60 من أصل 329 مقعداً في البرلمان، ويشير معظم المنتقدين لقوى «الإطار» إلى أن بإمكانها انتخاب رئيس للجمهورية حتى من دون موافقة الكرد، باعتبار أنها بحاجة إلى 220 مقعداً برلمانياً لهذا التمرير، وهي قادرة على تحقيق هذا الرقم في حال اتفاقها مع بقية الأحزاب، والقوى السنية العربية.

مع ذلك، باتت الأنباء الخارجة من كواليس قوى «الإطار التنسيقي» تعزو أسباب الانسداد إلى تمسك المالكي بترشيحه لمنصب رئاسة الوزراء.

أسباب تمسك المالكي

وعن الأرضية التي يستند إليها المالكي في إصراره على ترشيحه، يعدد الباحث والمختص بشؤون الأحزاب الإسلامية إبراهيم العبادي «ثلاثة أسباب» حول ذلك.

ويقول العبادي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «أول تلك الأسباب هو المرتبط بترشيح (الإطار التنسيقي) وبالأغلبية، ولم يسحب أو يتراجع عن هذا الترشيح، حيث ما زالت هذه القوى على موقفها، رغم ما يقال من أن بعض الذين وقفوا إلى جانب المالكي في طريقهم إلى تغيير هذا الموقف، لكن إلى الآن لم يتحقق ذلك عملياً».

ويعتقد العبادي أن المناخ السياسي الضاغط في العراق، ثاني الأسباب، إذ إن هذا المناخ «يجعل القوى السياسية تخشى من تبديل مواقفها خشية الاتهام بالجبن، والخوف، وعدم الثبات، والاستقرار على شعاراتها، لا سيما أن من أيد ترشيح المالكي أكثرهم من القوى التي تعلن الدفاع عن السيادة، ورفض التدخل في شؤون العراق الداخلية، لا سيما من الجانب الأميركي». ويرى أن «أي استجابة منهم للضغط الأميركي تعني تناقضاً في الخطاب، وهزيمة لمشروعهم السياسي».

ويشير العبادي إلى عامل ثالث هو «الخصال الذاتية والنفسية للمالكي التي تتميز بالصلابة، وعدم التراجع أمام الضغوط».

رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني مستقبلاً توم براك مبعوث الرئيس الأميركي الاثنين (رويترز)

ويضيف أن المالكي بصدد انتظار حصول تغيير في مواقف الرافضين له «وهو هنا يعتقد أن الأميركيين سيغيرون رأيهم إذا لمسوا ثباتاً في مواقف (الإطار التنسيقي)، وتمسكاً بالمرشح المعلن، ولذلك يصر المالكي على الثبات على موقفه، مراهناً على عامل الزمن، واحتمالية حصول انعطافة في الموقف الأميركي، عبر تمرير رسائل سرية وعلنية لواشنطن مفادها بأنه مستعد للتوافق معها في تحقيق الأهداف التي تريد تحقيقها، وفي مقدمتها حصر السلاح، وإصلاح القضاء، والاقتصاد».

ويخلص العبادي إلى القول: «ليس لدى (الإطار التنسيقي) القدرة على اجتراح حل لتشكيل الحكومة خلال وقت قصير، إنما تراهن بعض قوى الإطار حالياً على انسحاب المالكي، أو اعتذاره لاختيار شخص آخر بديل له، والمضي في مشوار تشكيل الحكومة».

عوامل تأخير متداخلة

على الجانب الكردي، يرفض مصدر كردي مسؤول تحميل الكرد مسؤولية تشكيل الحكومة، ويؤكد المسؤول الذي يفضل عدم الإشارة إلى اسمه لـ«الشرق الأوسط» أن «القوى الكردية حسمت موقفها من مرشح رئاسة الجمهورية، لكنها تتريث في الإعلان عنه كي لا تتسبب في حرج لقوى (الإطار) الشيعية التي لم تحسم أمرها بعد من مرشح رئاسة الوزراء».

لكن القيادي في حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» سوران الداودي يعتقد أن تأخير تشكيل الحكومة الاتحادية «يرتبط بعوامل متداخلة، ولا يمكن اختزاله في مسار واحد فقط، سواء على مستوى البيت الكردي، أو داخل القوى الشيعية». وقال الداودي لـ«الشرق الأوسط» إنه «على الصعيد الكردي، لا تزال المفاوضات قائمة بين حزبي (الاتحاد الوطني) و(الديمقراطي الكردستاني) حول ملف رئاسة الجمهورية، حيث توجد أجواء تفاهم متقدمة، لكنها لم تصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي حاسم، في ظل إصرار (الاتحاد الوطني) على مرشحه باعتبار أن ذلك استحقاق سياسي ودستوري».

وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق كردي داخلي، يرى القيادي في «الاتحاد الوطني» أن حزبه «سيعوّل على الفضاء الوطني داخل البرلمان العراقي، وعلى الإرث السياسي الذي تركه الرئيس الراحل جلال طالباني في ترسيخ العلاقات الوطنية مع بغداد، وهو رصيد ما زال مؤثراً في المشهد السياسي الحالي، إلى جانب الحراك المكثف الذي يقوده بافل جلال طالباني في الأيام الأخيرة لدفع العملية السياسية نحو الحسم».

أما على مستوى رئاسة الوزراء، فيعتقد الداودي أن «الانقسام داخل القوى الشيعية يشكّل عاملاً أساسياً في إطالة أمد المشاورات، وهو لا يقل تأثيراً عن الخلاف الكردي، في ظل ارتباط ملفات الرئاسات الثلاث بتسوية سياسية شاملة».


هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)
أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)
TT

هل أجرت «حماس» مراجعات لهجوم 7 أكتوبر؟

أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)
أرشيفية لزعيم «حماس» في غزة يحيى السنوار وإلى جواره إسماعيل هنية في عام 2017 (رويترز)

في أحد أقسام سجن «عوفر» الإسرائيلي قرب رام الله وسط الضفة الغربية، لم يتوان أحد الوجوه القيادية في «حماس»، عن مهاجمة قيادة الحركة وخاصةً يحيى السنوار، بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما تسبب فيه من نتائج كارثية على الفلسطينيين عموماً، والأسرى خصوصاً، الذين تعرضوا لتعذيب شديد وسحب كل الامتيازات التي كانت متاحة لهم.

الشخصية القيادية الحاصلة على دكتوراه ومختص بالعلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية، والشأن الإسرائيلي، وغالبيتها شهادات حصل عليها خلال رحلة أسره السابقة التي امتدت لسنوات طويلة بعد أن اعتقل عام 2002 وحُكم عليه بالمؤبد 4 مرات، هو من سكان طمون شمال الضفة. وكان أبعد إلى قطاع غزة خلال صفقة جلعاد شاليط عام 2011، قبل أن يُعتقل من مجمع الشفاء الطبي في شهر مارس (آذار) 2024. وكان الرجل على علاقة جيدة مع السنوار خاصةً بعد تحريرهم من السجون الإسرائيلية، إلى جانب قيادات أخرى من «حماس» بينها علي العامودي الأسير المحرر الذي يقود حالياً «حماس» في غزة.

لم تكتفِ تلك الشخصية بالانتقاد الحاد لسياسة السنوار، بل وجه شتائم للعديد من قيادات «حماس» ولقطاع غزة، حسبما نقل عنه أسرى آخرون في حديث لـ«الشرق الأوسط»، حيث كانوا برفقته في السجن، قبل أن يفرج عنهم وعنه لاحقاً في صفقات التبادل.

وقامت شخصيات من «حماس» بمراجعة الأسير المحرر بما صدر عنه، فقال إنه قام بذلك تحت ضغط التحقيق الإسرائيلي، ليتم لاحقاً استبعاده من مهام كانت موكلة إليه بسبب سلوكه داخل السجن.

أسرى فلسطينيون يلوّحون بأيديهم بعد الإفراج عنهم من سجن «عوفر» الإسرائيلي 13 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

لا مكان للرأي الآخر

اللافت أن هذا الشخص كان أحد أعضاء لجنة «دعم القرار السياسي» التي شكلها السنوار، كما كان مرشحاً عن الحركة في الانتخابات الفلسطينية العامة التي كانت ستُجرى في مايو (أيار) 2021، قبل أن يلغيها الرئيس محمود عباس. كذلك كان مسؤولاً عن مركز دراسات خاص بالشأن العبري يتبع للحركة، وكانت «حماس» تستخدمه لفترات طويلة كوجه إعلامي مهم ينقل رسائلها بشكل أو بآخر عبر مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لسياساتها.

وفي «حماس» ثمة رأي غالب بأن تلك «حالة فردية»، ولا تمثل إجماعاً داخل الحركة وفي أطرها المختلفة، وهو ما فتح سؤالاً جديداً، حول ما إذا كانت الحركة تقبل أي مراجعات أو أنها تشعر بالندم لهجومها الذي فتح حرباً إسرائيلية خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل.

تقول مصادر في «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن بعض المراجعات الطفيفة لما جرى قد حدث بالفعل بين الأطر القيادية، لكن لم يستطع أي قيادي تحمل مسؤولية اتخاذ موقف واضح يعارض ما جرى، لأسباب عدة منها الخشية من كيل الاتهامات له، فيما انتقد البعض فقط عدم إشراك القيادات السياسية بالهجوم.

بينت المصادر أن قيادة «حماس» السياسية لم يكن لديها علم بتفاصيل هجوم السابع من أكتوبر، وكانت أيدت فقط فكرة تنفيذ هجوم استباقي ضد إسرائيل التي كانت تخطط بدورها لعملية استباقية ضد القيادات آنذاك، كما فعلت مع «الجهاد الإسلامي». لكن قيادة الحركة لم تكن على اطلاع بالتفاصيل وعلى حجم الهجوم وتوقيته، مستدلةً بذلك على الزيارة التي كان سيقوم بها وفد كبير برئاسة إسماعيل هنية إلى العراق في ذلك اليوم، قبل أن يتم تأجيل الزيارة بسبب الهجوم.

ولم يُبدِ أي قيادي في «حماس» خلال لقاءات صحافية، أي معارضة أو تعبير عن ندم الحركة إزاء ذلك الهجوم، بل كان هناك دعم إعلامي شامل له واعتبار أنه أعاد القضية الفلسطينية للواجهة مجدداً، ومنع تعمق إسرائيل في اتفاقيات التطبيع مع دول عربية وإسلامية، وأجهض مخططاتها بهذا الشأن.

لافتة تُصوّر زعيم «حماس» الراحل يحيى السنوار خلال مظاهرة احتجاجية ضد إسرائيل في صنعاء (إ.ب.أ)

رواية واحدة لـ«الطوفان»

أصدرت «حماس» في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2025، كتاباً أطلقت عليه «رواية طوفان الأقصى... عامان من الصمود وإرادة التحرير»، باللغتين العربية والإنجليزية، سردت فيه أسباب هجوم السابع من أكتوبر، وما تخلله من أحداث، وما تبعه من نتائج وحرب إسرائيلية استمرت عامين، معتبرةً أن ما جرى في ذلك اليوم «لم يكن حدثاً عسكرياً فحسب، بل لحظة ميلاد مجيد، وانبعاث وعي حر لا خداع فيه ولا تزييف»، مؤكدةً تمسكها بـ«المقاومة»، مضيفةً: «بعد عامين من الإبادة والصمود، تتجلى روايتنا واضحة جلية: شعبٌ لا يُمحى، ومقاومةٌ باقية ولا تُهزم، وذاكرةٌ لا تُنسى».

وأضافت في مقدمة روايتها التي تضمنت 8 فصول أبرزها دوافع وسياقات الهجوم: «إن الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين إلى أرضِهم، ليست حُلماً، بل هدف تقره كل المواثيق الدولية والإنسانية، واستحقاقٌ تاريخي وسياسي يفرضه شعب صمد تحت الإبادة ولم ينكسر».

وباستمرار تواظب منصات «حماس» الإعلامية على نشر مقتطفات من تلك الرواية التي لاقت عند نشرها انتقادات كثيرة من معارضي ومنتقدي الحركة، سواء من الكتّاب والمثقفين أو بعض النشطاء المؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول في مدينة غزة (أ.ف.ب)

شعور بالخذلان

ما يمكن تأكيده على الأقل في المرحلة الراهنة، أن قادة «حماس»، وإن كانوا يشعرون بقسوة ما جرى للغزيين، فإنهم لا يستطيعون سوى الظهور مؤيدين لما جرى، باعتبار أنها حركة تمتلك فكرة «المقاومة المسلحة» منذ تأسيسها، كما أنها تشعر بـ«الخذلان» من أطراف ما يسمى «محور المقاومة»، خاصةً في ظل الحديث المتكرر إعلامياً عن «وحدة الساحات». وذلك الشعور ينسحب أيضاً على بعض الفلسطينيين من أهالي الضفة الغربية والقدس وسكان الخط الأخضر، الذين شاركوا بما عرف بمعركة «سيف القدس» عام 2021، التي يبدو أن نتائجها على سكان تلك المناطق كان له وقع خاص منع تحركهم ميدانياً ضد إسرائيل.


الأمن السوري ينفّذ عملية في اللاذقية ويقضي على قائد «سرايا الجواد»

عناصر من قوات الأمن السوري (سانا)
عناصر من قوات الأمن السوري (سانا)
TT

الأمن السوري ينفّذ عملية في اللاذقية ويقضي على قائد «سرايا الجواد»

عناصر من قوات الأمن السوري (سانا)
عناصر من قوات الأمن السوري (سانا)

نفّذ الأمن السوري السوم الثلاثاء، في محافظة اللاذقية شمال غرب سوريا، عملية نوعية استهدفت أحد أبرز معاقل ميليشيا ما يُسمّى بـ«سرايا الجواد» في ريف جبلة، أسفرت عن مقتل متزعم الميليشيا، واثنين من قيادييها، إضافة إلى إلقاء القبض على عدد من عناصرها.

ووفقاً لما ذكرته الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، قال العميد عبد العزيز الأحمد قائد الأمن الداخلي في اللاذقية، في تصريح نقلته وزارة الداخلية السورية عبر قناتها على تلغرام: «بعد عملية رصد دقيقة استمرت عدة أيام، نفّذنا عملية أمنية مزدوجة في منطقتي بيت علوني وبسنيا بريف جبلة، تمكّنا خلالها من استهداف أحد أهم معاقل ميليشيا ما يُسمّى بـ(سرايا الجواد)»..

وأضاف: «بعد اشتباك استمر ساعة كاملة، نجحت قواتنا في تحييد متزعم السرايا في الساحل، المجرم بشار عبد الله أبو رقية، إضافة إلى اثنين من قيادييها، وإلقاء القبض على ستة عناصر آخرين، كما فجّرت قواتنا مستودع أسلحة وعبوات ناسفة كان تابعاً للميليشيا بشكل كامل».

وأشار العميد الأحمد إلى أن العملية أسفرت عن مقتل أحد عناصر قوات المهام الخاصة، وإصابة عنصر بجروح طفيفة.