بر الياس... عاصمة الشتات السوري في لبنان وقلبه التجاري

عدد النازحين يتخطى ضعفي سكانها... وسوقها نموذج لأسواق دمشق

بضائع معروضة في سوق داخلية في بر الياس (الشرق الأوسط)
بضائع معروضة في سوق داخلية في بر الياس (الشرق الأوسط)
TT

بر الياس... عاصمة الشتات السوري في لبنان وقلبه التجاري

بضائع معروضة في سوق داخلية في بر الياس (الشرق الأوسط)
بضائع معروضة في سوق داخلية في بر الياس (الشرق الأوسط)

«ألا تشبه سوق الحميدية؟»، يسأل زائر لبلدة بر الياس الواقعة في البقاع الأوسط شرق لبنان، بعدما وطأ سوقها الرئيسية ومتفرعاتها. كوّن انطباعه من كثافة السوريين فيها الذين يتنوعون بين تجار وعمال وزائرين ومستثمرين، ما حوّل البلدة القريبة من الحدود اللبنانية الشرقية مع سوريا إلى «عاصمة النزوح السوري» في البلاد.

واكتسبت بر الياس هذا اللقب (عاصمة الشتات السوري)، على ضوء العدد الهائل من السوريين الذين يقيمون في البلدة ومحيطها. يناهز عددهم الـ130 ألف شخص، علماً بأن عدد سكانها اللبنانيين لا يتخطى الـ50 ألفاً. ويتوزع السوريون بين نازحين في المخيمات داخل البلدة وأطرافها وأراضيها الزراعية بعدد يناهز الـ60 ألفاً، بينما يسكن نحو 70 ألفاً في منازل مستأجرة، ويعملون في التجارة ما بين لبنان وسوريا، ويستوردون بضائع من الخارج.

تفاصيل منقولة

في الواقع، نقل السوريون تفاصيل حياتهم بالكامل إلى البلدة، إذ يرى الزائر التجار وأصحاب المهن، كما المزارعين والعمال. أفراد من جميع الطبقات والخلفيات الثقافية، انتقلوا بسلاسة إلى البلدة بعد الحرب في عام 2011، فازداد عدد السوريين فيها من 10 آلاف قبل الحرب السورية إلى 130 ألفاً «قابلين للزيادة في هذا الوقت مع موجة النزوح السوري الجديدة»، حسب ما يقول أحد سكان البلدة لـ«الشرق الأوسط».

وقد يكون توفر المؤسسات الخدمية عاملاً أساسياً أيضاً في جذب السوريين، بالنظر إلى أن المنطقة توجد فيها مؤسسات خدمية وصحية أنشأها الفلسطينيون منذ الثمانينات في تلك المنطقة، فأقيم على أرضها «مستشفى الناصرة» الذي يديره «الهلال الأحمر الفلسطيني»، واستفاد من خدماته معظم سكان منطقة البقاع من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين. ولا يزال يقطن في بر الياس نحو 20 ألف فلسطيني، أنشأوا أعمالهم وشيدوا المنازل وانخرطوا بشكل كامل فيها.

واجهات تجارية تعرض البضائع (الشرق الأوسط)

موقع جغرافي جاذب

وبر الياس تمتلك موقعاً جغرافياً أهّلها لتكون مقصداً أول للسوريين الهاربين من الحرب. تقع على أوتوستراد بيروت - دمشق الدولي في نقطة وسط بين نقطة المصنع الحدودية مع سوريا، وبلدة شتورا التي تعد شريان الحركة الاقتصادية بين البلدين. لطالما كانت البلدة مقصداً لرجال الأعمال السوريين للاستثمار فيها، بسبب موقعها الحيوي، وتمكنت في الثمانينات من خطف الأضواء مع بدء حركة النهوض الاقتصادي والعمراني، حتى باتت العاصمة الاقتصادية لتلك المنطقة.

رغم ذلك، لم يتجاوز عدد قاطني بر الياس من السوريين الـ10 آلاف شخص قبل عام 2011. في بدايات الحرب السورية، يقول السكان اللبنانيون إن النزوح إليها «كان خجولاً»، لكن الأمر تبدل مع تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا، حيث نزح الآلاف، حتى ناهز عدد النازحين أخيراً الـ130 ألف سوري.

ويقول أحد فعاليات بلدة بر الياس المهندس محمد ميتا لـ«الشرق الأوسط»: «هؤلاء أهلنا وقد أحسنا استقبالهم كما استقبلنا إخوتنا الفلسطينيين خلال نكبتهم، فكان لهم منا أفضل الترحيب، فتحنا لهم أبواب منازلنا، قدمنا لهم الأراضي في محيط البلدة أقاموا عليها مخيماتهم»، لافتاً إلى أنه في بداية الأزمة السورية، «كان معظم الذين دخلوا إلى البلدة من أبناء الطبقات الفقيرة، ومع شعورهم بالأمن والأمان وحسن الاستقبال، بدأت الطبقات الوسطى بالتوافد إلى البلدة، كما أصحاب الرساميل الذين قاموا باستئجار المحلات التجارية ومؤسسات الاستثمار بهدف التجارة».

واجهات تجارية تعرض البضائع (الشرق الأوسط)

حركة اقتصادية نشطة

اعتمد التجار سياسة الربح القليل والمستدام، حتى تمكنوا من السيطرة على القطاع التجاري في البقاع بشكل كامل، وأصبحت لهم الكلمة الفصل في هذا القطاع بعد القطاع الزراعي وقطاع البناء، وأصبح لهم باع طويل في قطاع الخدمات وبيع الهواتف وغيرها.

ويؤكد ميتا أن أهالي بر الياس «هم المستفيد الأول من الحركة التجارية في البلدة لجهة دفع الرسوم البلدية وإيجار المحلات التي وصل فيها إيجار الباب الواحد في الشارع الرئيسي إلى 700 دولار شهرياً، أما في الأحياء الداخلية فيتراوح السعر بين 250 و300 دولار»، مشيراً إلى أن «التاجر مستعد لدفع المزيد»، فيما لا يزيد إيجار باب واحد على طريق رياق بعلبك الدولي الذي يربط البقاع بحمص السورية عن 50 دولاراً شهرياً.

منطقة حيوية

تحولت بر الياس في أقل من عشر سنوات إلى منطقة اقتصادية حيوية، ووفّرت البيئة الحاضنة في بر الياس نهوضاً اقتصادياً، سجل انتعاشاً مع اشتداد الأزمة في سوريا.

وتمكن النازحون السوريون من تأسيس سوق تجارية هي الأكبر والأضخم في البقاع، وهي السوق الأبرز والأكبر من حيث المساحة في المنطقة، وقد أنشئ على الطريق الرئيسي لمدخل بلدة بر الياس على مساحة 4 كيلومترات، وتوفر المئات من فرص العمل للسوريين العاملين في حقل التجارة.

والسوق هي نماذج للأسواق الشعبية السورية. من يدخل السوق يخال له أنه يدخل إلى سوق سورية تشبه سوق الحميدية في دمشق مثلاً، نظراً لامتداد المحال التجارية في الشارع الرئيسي ومتفرعاته، لكنه يخلو من السقف. أما الدراجات النارية الكبيرة التي تنقل البضائع، مثل «التوك توك»، فيوجد منها الكثير، بما يشبه الأسواق السورية، وتنقل البضائع على ضفتي السوق.

تم إنشاء أسواق جديدة بعد عام 2011 وتمتد على ضفتي شوارع البلدة (الشرق الأوسط)

تضم السوق مئات المؤسسات والمحلات التجارية والحوانيت والدكاكين التي تبيع السمانة والخضار والمواد الغذائية والألبسة والبهارات والحبوب وسائر الأصناف من لحوم وخضروات ومواد بناء. تشبه السوق الأسواق السورية لناحية عرض البضائع على الأرصفة والقيام بعرضها مع ساعات الصباح وإعادتها إلى داخل المحال مع انتهاء دوام العمل.

ويقول تجار في السوق إن زبائنها يتنوعون بين النازحين السوريين واللبنانيين ومن سكان مخيمات البقاع، فضلاً عن تجار صغار يشترون بضائعهم من سوق بر الياس ليبيعوها في مخيمات البقاع الغربي والشمالي والأوسط. ويقول أحد المستثمرين السوريين في السوق لـ«الشرق الأوسط» إنه «بات من الأفضل أمام التجار أو الوكيل اللبناني أن يبيع بضاعته في سوق بر الياس بدل مشقة وتكلفة الانتقال بين أسواق ومحلات البقاع الشمالي والغربي والأوسط، كونه بات وجهة لجميع هؤلاء».

وتستفيد السوق من آلاف السوريين الذين يقيمون في المخيمات المحيطة بالبلدة، حيث تنتشر المخيمات على أطراف السفح الغربي للسلسلة الشرقية مما سمح بإنشاء عدد كبير من المخيمات على أراضيها، وتم تسجيل النازحين قبل عام 2015 بموجب أرقام معتمدة من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. وباتت السوق ميداناً لتأمين فرص العمل للسوريين الذي تمكنوا من الحصول على إقامة عمل، كما لنازحين يقطنون في المخيمات، حسب ما يقول السكان اللبنانيون.


مقالات ذات صلة

آمال وترّيث في الشرق الأوسط بعد الاتفاق الأميركي الإيراني

شؤون إقليمية أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

آمال وترّيث في الشرق الأوسط بعد الاتفاق الأميركي الإيراني

قوبل الاتفاق لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران الذي لم تكشف تفاصيله رسمياً بعد، الاثنين، بمزيج من التشكيك والارتياح الشعبي في أنحاء الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي موقع للجيش اللبناني في المنصوري جنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

الجيش اللبناني يدعو النازحين إلى التريّث في العودة للمناطق الحدودية

دعا الجيش اللبناني، الاثنين، النازحين إلى التريث في العودة للقرى والبلدات الحدودية جنوب لبنان، بعد إعلان الوسيط الباكستاني عن اتفاق بين طهران وواشنطن.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا «الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)

مشاجرات مصريين مع الوافدين... ضغوط اقتصادية أم خلافات عابرة؟

تفخر السلطات المصرية بمعاملة الوافدين الأجانب مثل معاملة المواطنين دون تمييز، لكن مشاجرات تقع بين الحين والآخر مع مواطنين مصريين تشعل جدلاً حول «حقوق اللاجئين».

رحاب عليوة (القاهرة)
أوروبا صورة لأضرار لحقت بالمنطقة بعد اندلاع أعمال الشغب في وقت متأخر من مساء الثلاثاء في شرق بلفاست... آيرلندا الشمالية 10 يونيو 2026 (أ.ب) p-circle

توجيه الاتهام لرجل شن هجوماً بسكين في بلفاست

قالت الشرطة البريطانية، الأربعاء، إنه تم اتهام رجل، جرى القبض عليه على خلفية الاشتباه في ضلوعه في هجوم بسكين في بلفاست، بالشروع في القتل.

«الشرق الأوسط» (بلفاست)
شمال افريقيا لاجئون سودانيون ينتظرون داخل مركز تسجيل تابع للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (موقع مفوضية اللاجئين)

ترقب وغموض يسيطران على «ضيوف مصر» مع تفعيل منظومة اللجوء

تتولى «اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين» إدارة ملف طلب اللجوء إلى مصر، بموجب القانون الجديد، الصادر مؤخراً، على أن تتبع مباشرة رئيس مجلس الوزراء المصري.

رحاب عليوة (القاهرة)

لبنان «العالق» بين مطرقة إسرائيل وسندان «حزب الله»

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
TT

لبنان «العالق» بين مطرقة إسرائيل وسندان «حزب الله»

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)

في وقت يترقب فيه اللبنانيون أي تفاصيل يمكن أن ترشح عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وتداعياتها المحتملة على بلدهم، تساءل ديفيد شنكر، الذي عمل مساعداً لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى في الولاية الأولى للرئيس دونالد ترمب، عما إذا كانت الدولة اللبنانية ستبقى عالقة بين مطرقة إسرائيل التي تواصل ضغوطها العسكرية وسندان «حزب الله» الذي يرفض حتى الآن نزع سلاحه.

السؤال المحوري بالنسبة له ليس ما إذا كانت الحرب الحالية ستنتهي قريباً، بل ما إذا كان لبنان صار مستعداً وقادراً على معالجة المشكلة الأعمق وهي وجود تنظيم مسلح يعمل خارج سلطة الدولة.

وجادل شنكر، في حوار مع «الشرق الأوسط»، بأنه لا ينبغي النظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية معزولة، بل هي جزء من صراع أوسع يشمل إيران و«حزب الله» وإسرائيل ومستقبل الدولة اللبنانية نفسها. وإذ أشار أولاً إلى جهود إيران لربط مصير لبنان بالتوترات والمفاوضات بين طهران وواشنطن، قال إن «إيران تسعى إلى جعل لبنان جزءاً من مفاوضات أشمل» تتعلق بمضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني والنظام الأمني الإقليمي.

مجموعة من اليهود المتشددين ينظرون من إسرائيل باتجاه جنوب لبنان (رويترز)

ضبط النفس

توقع شنكر بأن تقوم واشنطن بتشجيع إسرائيل على ضبط النفس، من دون أن ترغمها على الوقف الشامل لإطلاق النار ومنع عملياتها ضد «حزب الله». وقال: «قد تُفرض قيود على إسرائيل، لا سيما فيما يتعلق ببيروت، لكن إسرائيل لن تنسحب من لبنان بسبب هذا الاتفاق، وستواصل استهداف (حزب الله)»، الذي قد يستفيد في نهاية المطاف، مضيفاً: «مرة أخرى، تتدخل إيران في السيادة اللبنانية. تتخذ قرارات تؤثر على لبنان، وتحمي (حزب الله) بمنحه فرصة لإعادة بناء صفوفه».

وبدا شنكر متشائماً حيال الحزب، الذي «لن يوافق على التفاوض مع الحكومة اللبنانية في شأن إلقاء سلاحه» لأن «إيران تريد استمرار (حزب الله)، وهو مسؤول أمامها» ما «يُبقي لبنان عالقاً في مأزق استراتيجي».

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

«المناطق النموذجية»

وحول ما يُسمى «المناطق النموذجية» التي ينبغي إقامتها في جنوب لبنان بموجب الاتفاق الأخير بين المفاوضين اللبنانيين والإسرائيليين بوساطة الأميركيين، تساءل شنكر عما إذا كان الجيش اللبناني «قادراً على السيطرة على تلك المناطق»، مضيفاً أنه «في نهاية المطاف، سيحاول (حزب الله) العودة. وعندها سيتعين على الدولة اللبنانية أن تقرر ما إذا كانت مستعدة لصدّه». واعتبر أن «التحدي الأكبر الذي يواجه لبنان يكمن في دولة تفتقر إلى القدرة - أو ربما الإرادة - على فرض سلطتها في كل أنحاء البلاد». وشدد على أن «الحل يكمن في بناء لبنان لدولة»، لأن «قوة (حزب الله) ليست نتاجاً للدعم الإيراني فحسب، بل هي أيضاً نتيجة عقود من ضعف الدولة»، مستدركاً أن «الدولة غائبة، ليس فقط في الجنوب، بل في مناطق أخرى من البلاد أيضاً».

على رغم ما سبق، أقر شنكر بالمعضلة التي تواجه القادة اللبنانيين، فأي محاولة لمواجهة «حزب الله» تُنذر بعدم الاستقرار السياسي، وربما حتى بصراع أهلي. إلا أن رفض مواجهة «حزب الله» يُحكم على جزء من البلاد بما وصفه بحالة حرب دائمة. وقال: «إذا كانوا يخشون الحرب الأهلية، وبالتالي غير راغبين في تحدي (حزب الله)، فسيظل جزء من لبنان في صراع مستمر».

جنديان لبنانيان قرب موقع استهدفه قصف إسرائيلي في ضاحية بيروت الجنوبية (إ.ب.أ)

الأولوية للنووي لا للوكلاء

كذلك رفض إحدى الحجج الشائعة في لبنان لعدم نزع سلاح «حزب الله»، وهي أن الجيش اللبناني يفتقر ببساطة إلى الموارد اللازمة، مذكراً بأن «الولايات المتحدة قدمت للبنان زهاء ثلاثة مليارات دولار منذ عام 2005». وقال: «ليست هذه مشكلة قدرات بقدر ما هي مشكلة إرادة سياسية».

وبينما لا يزال العديد من اللبنانيين يأملون في أن يُساهم الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في حل مشكلة «حزب الله»، نبّه شنكر إلى أن «المحادثات الأميركية - الإيرانية الحالية تُركّز بشكلٍ كبير على البرنامج النووي الإيراني بدلاً من دعم طهران للجماعات المسلحة الإقليمية».

وأضاف أنه «عندما طرح الرئيس ترمب مطالبه في المرة الأولى، تضمنت إنهاء دعم الوكلاء. لكن هذا ليس محور هذه المفاوضات اليوم». ورأى أن التغيير الجذري الوحيد الذي سيُغيّر المعادلة هو حدوث تحوّل جذري داخل إيران نفسها، لكنه لا يرى أي دليل على قرب حدوث مثل هذا التغيير.

وعلى رغم التوقعات القاتمة، عبّر شنكر عن دعمه للمحادثات المباشرة الجارية بين لبنان وإسرائيل، مشدداً على أن القضايا العملية، مثل ترسيم الحدود والترتيبات الأمنية وآليات خفض التوتر، لا تزال قابلة للمعالجة حتى في حال بقاء الخلافات الكبرى من دون حل. ولم ير غرابة في أن محادثات السلام تركز بشكل كبير على انسحاب «حزب الله» من جنوب لبنان بدلاً من انسحاب إسرائيل. وأشار إلى أن المسؤولين اللبنانيين أنفسهم أقروا منذ فترة طويلة بترابط المسألتين.


أمهات جنود إسرائيليين في رسالة للرئيس اللبناني: نرفض سياسة نتنياهو... ونختار الحوار وبناء السلام

جنود إسرائيليون يبكون أمس زميلاً لهم قُتل بمسيّرة في جنوب لبنان (أ.ب)
جنود إسرائيليون يبكون أمس زميلاً لهم قُتل بمسيّرة في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

أمهات جنود إسرائيليين في رسالة للرئيس اللبناني: نرفض سياسة نتنياهو... ونختار الحوار وبناء السلام

جنود إسرائيليون يبكون أمس زميلاً لهم قُتل بمسيّرة في جنوب لبنان (أ.ب)
جنود إسرائيليون يبكون أمس زميلاً لهم قُتل بمسيّرة في جنوب لبنان (أ.ب)

توجهت مجموعة كبيرة من الناشطات الاسرائيليات تضم أكثر من ألف و250 أمّاً للجنود ومعهن 9 منظمات مدنية برسالة مفتوحة إلى الرئيس اللبناني، جوزيف عون، يبلغنه فيها بأنهن يتقبلن دعوته إلى السلام، ويرفضن سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي يبشر الشعب في إسرائيل بالعيش إلى الأبد على الحروب.

وجاءت هذه الرسالة رداً على التصريحات التي أدلى بها الرئيس عون، خلال لقاء مع الصحافية الأميركية كريستيان أمنبور، وتوجَّه فيها إلى الجمهور الإسرائيلي بشكل مباشر قائلاً: «هل تريدون حقاً أن تعيشوا في حرب أبدية؟»، وقالت النساء الإسرائيليات في رسالتهن: «جوابنا هو – لا. نحن نرفض أن نعيش في حرب أبدية. نحن نخلد إلى الأمل بدل الخوف، ونختار الحوار بدلاً من العداء، والسلام بدل الحرب».

وقالت ناطقة بلسان المجموعة إنها وزميلاتها تأثرن كثيراً بتوجه الرئيس اللبناني إلى الشعب في إسرائيل، ويتحدث عن آفاق السلام. ففي الوقت الذي يسيطر فيه خطاب الحرب على الحوار، يكتسب حديث الرئيس عون أهمية بالغة.

جنود إسرائيليون يجلون جندياً مصاباً من أرض المعركة (أرشيفية)

وجاء في الرسالة: «لقد حان الوقت لنبدأ الحديث عن سلام بين إسرائيل ولبنان بغية تحقيق رؤيا السلام». وجاء أيضاً: «نحن نعترف بالألم والفقدان والدمار الذي جلبه الصراع المتواصل منذ عشرات السنين على شعبينا. قلوبنا مع كل الأمهات في لبنان وإسرائيل اللواتي فقدن أعزاءهن، واقتلعن من بيوتهن، وما زلن يعانين من العيش في خوف وقلق وأفق مجهول».

وأكدت الأمهات رفضهن لقبول القول بأن الحرب هي قدر الشعبين.

وقلن: «لدينا عدد كبير من القادة الذين اعتادوا استخدام لغة القوة، كما لو أن الحرب هي قدر وليست خياراً. ونحن نرفض هذا المنطق. وعلينا أن نفرض لغة السلام واعتباره هدفاً حقيقياً. إننا نؤمن بأنه حان الوقت للسلام بين إسرائيل ولبنان، وأنه بات قابلا للتحقيق. ولا نقول هذا من باب السذاجة، بل من منطلق الأمل والمسؤولية، وإدراك أن الحل العسكري لا يستطيع توفير المستقبل الآمن، الذي يستحقه كل شعب».

وتابعت الرسالة: «إن مبادرة الرئيس اللبناني لمد يد للحوار، هي مبادرة لصوت آخر غير مألوف في الفضاء العام في منطقتنا. وقد اخترنا أن نستجيب إليه بدافع من الإيمان بأنه، إلى جانب التحديات والاختلافات، هناك مسؤولية ملقاة على عاتق المواطنين في المنطقة، فيجب أن نستمر في إعلاء صوتنا مناشدين الوصول إلى مستقبل يقوم على الأمن المشترك والتعاون والسبل الدبلوماسية».

وبالإضافة إلى الأمهات الـ1250، وقّعت على الرسالة 9 منظمات، بينها «كابنيت النساء والأمن»، و«نساء يصنعن السلام - صرخة الأمهات»، و«منتدى العائلات الثكلى الإسرائيليات والفلسطينيات» و«منتدى 1325 للدفع بتسوية سياسية» و«الأم اليقظة».


مساعٍ دبلوماسية لدفع «اتفاق غزة»... وإسرائيل تحتل أراضي جديدة

أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)
أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)
TT

مساعٍ دبلوماسية لدفع «اتفاق غزة»... وإسرائيل تحتل أراضي جديدة

أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)
أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)

تتواصل المساعي والجهود الدبلوماسية في العاصمة المصرية القاهرة لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، في حين وسّع الجيش الإسرائيلي الأراضي التي يحتلها في القطاع، وسيطر على مواقع جديدة وسط عمليات قصف لا تتوقف.

وكانت حركة «حماس» قد أعلنت، الأحد، أنها سلمت رد الفصائل الفلسطينية على خطة «خريطة الطريق» التي تلقتها من ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف في أبريل (نيسان) الماضي. وأفادت بأنها عقدت مع الفصائل الفلسطينية لقاءات مع الوسطاء (مصر، وقطر، وتركيا) في القاهرة خلال الأسبوع الماضي، وقد «أثمرت الموقف الوطني الموحد الذي تم تقديمه».

وقال مصدر مُقرب من فريق ملادينوف لـ«الشرق الأوسط»، إن ممثلاً لمصر التقى مع ملادينوف، وسلّمه نسخة من رد «حماس» والفصائل، موضحاً أن ملادينوف عبّر عما وُصف بـ«الإحباط» من الرد، خاصةً فيما يتعلق بالبند الثامن المتعلق بـ«حصر وتخزين السلاح».

وتركز انتقاد ملادينوف، وفق ما ذكر المصدر، على «عدم الإشارة بشكل واضح إلى البنية التحتية والسلاح الشخصي ومصيرهما»، مشيراً إلى أن «اجتماعاً سيُعقد مع الوسطاء من مصر وقطر وتركيا بهدف تقريب وجهات النظر».

ووفق مصادر من الفصائل الفلسطينية، فإن الوسطاء سعوا إلى إقناع الفصائل بتقديم تعديل فيما يتعلق بمصطلح «البنية التحتية»، إلا أن «الخلاف حول توصيف ما يندرج تحت (البنية التحتية)، والمقصود منها في ظل تعدد أدواتها (الأنفاق، وورش تصنيع الأسلحة، وغيرهما) أدى إلى تأجيل النقاش حولها».

وتقدر مصادر فصائلية أن موقف ملادينوف وربما إسرائيل يبدوان متمسكين بحسم الخلاف بشأن «البنية التحتية، والسلاح الشخصي» قبل الاتفاق الشامل على باقي القضايا.

فلسطيني نازح داخل خيمته في مدينة غزة يوم الاثنين (رويترز)

وأعلنت فصائل فلسطينية موجودة بالقاهرة شاركت في اللقاءات الأخيرة بقاءها في انعقاد مستمر لمتابعة التطورات الميدانية والسياسية، مشيرةً في بيان، الاثنين، إلى أنها طالبت خلال الرد الوسطاء والضامنين بضرورة «التزام الاحتلال بتنفيذ كامل بنود المرحلة الأولى دون انتقائية أو تسويف، ووقف شامل وكامل لجميع العمليات العسكرية في القطاع، وتطبيق البروتوكول الإنساني فوراً، بما يضمن تدفق المساعدات، وفتح كافة المعابر بشكلٍ دائم ومستدام لإنهاء الحصار، وانسحاب قوات الاحتلال من القطاع، ودخول اللجنة الإدارية وتمكينها من ممارسة مهامها، والبدء الفوري في خطة الإعمار».

توسيع السيطرة

وعلى الجبهة الأخرى، واصلت القوات الإسرائيلية لليوم الثالث على التوالي توسيع سيطرتها الميدانية داخل قطاع غزة، وحرّكت «الخط الأصفر» الافتراضي مجدداً في حي التفاح شرق مدينة غزة، ما تسبب في نزوح عشرات العائلات التي تعيش في منطقة السنافور ومحيطها، ونفذت التحريك ذاته في حي الشجاعية شرق مدينة غزة.

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل حيز النفاذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحتل القوات الإسرائيلية أكثر من 60 في المائة من مساحة القطاع حيث تقع شرق «الخط الأصفر» الافتراضي الفاصل مع مناطق نفوذ «حماس» والفصائل، والواقعة غرب الخط ذاته.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وقال مصدر ميداني لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الإسرائيلية باتت توجد تماماً على «شارع صلاح الدين» الرئيس، في حين تحكم سيطرتها بالنار على المناطق الواقعة غربه، الأمر الذي تسبب في نزوح المزيد من العائلات وتشريدها.

وبذلك تكون سيطرت إسرائيل على نحو 4 كيلومترات من «شارع صلاح الدين» قبالة حيَّي التفاح والشجاعية، وصولاً إلى حدودها ما قبل السابع من أكتوبر 2023.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هدد بتوسيع السيطرة داخل قطاع غزة لتصل إلى ما نسبته 70 في المائة بدلاً من 60 في المائة التي تسيطر قواته عليها.

وبالتزامن، تواصلت الغارات الجوية الإسرائيلية، الاثنين، وقُتلت سيدة وأصيب زوجها بجروح حرجة في غارة استهدفت خيمة للنازحين في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، كما قُتل شاب نتيجة استهداف خيمة أخرى في مخيم النصيرات وسط القطاع، وكذلك قُتل شخصان (رجل ونجله) عبر غارة من طائرة مسيّرة على سطح منزل بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، في حين أصيب ما لا يقل عن 7 فلسطينيين إثر إطلاق نار من آليات ومسيّرات ورافعات تجاه مناطق تبعد ما لا يقل عن 700 متر غرب «الخط الأصفر».

يأتي ذلك في حين قتلت العصابات المسلحة، مساء الأحد، طفلاً فلسطينياً وأصابت والده بجروح خطيرة بعدما اختطفتهما قبالة مناطق شرق دير البلح وسط القطاع، قبل أن تلقيهما على قارعة طريق «صلاح الدين». ونقلهما مواطنون إلى «مستشفى شهداء الأقصى».