حروب اليوم التالي في غزة: تحديات الأمن والمجتمع والتعامل مع تركة «حماس»

مخاوف من مهام القوة الدولية ونطاق صلاحياتها

عودة سوق السمك أول مؤشرات وقف إطلاق النار وعودة الحياة إلى مرفأ غزة (رويترز)
عودة سوق السمك أول مؤشرات وقف إطلاق النار وعودة الحياة إلى مرفأ غزة (رويترز)
TT

حروب اليوم التالي في غزة: تحديات الأمن والمجتمع والتعامل مع تركة «حماس»

عودة سوق السمك أول مؤشرات وقف إطلاق النار وعودة الحياة إلى مرفأ غزة (رويترز)
عودة سوق السمك أول مؤشرات وقف إطلاق النار وعودة الحياة إلى مرفأ غزة (رويترز)

ما إن تم الإعلان عن توقف الحرب العسكرية والعمليات الإسرائيلية داخل قطاع غزة، حتى بات السكان يواجهون حروباً أصعب وبأوجه مختلفة، أشد صعوبةً وأكثر قسوةً أحياناً من آلة الحرب ذاتها.

وتنعكس الخروق الإسرائيلية المستمرة، والواقع السياسي وإمكانية تطبيق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وما يشوبها من بعض العقبات، على ظروف الحروب المصغرة التي يعيشها سكان القطاع بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

حرب بأوجه كثيرة

ويرى الكثير من الغزيين ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، أن الظروف الحياتية والاقتصادية اليومية في قطاع غزة، أصعب من الحرب العسكرية التي كانت دائرة على مدار عامين. ويقول المواطن ناجي المسحال (42 عاماً) من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، إن «حياة الطوابير باتت تلازمنا، من طوابير المياه، إلى طوابير التكيات، إلى طوابير المساعدات، كل هذه المشاهد ما زالت تلازم كل غزي».

ويشير المسحال، إلى أن أزمات المياه الصالحة للشرب والاستخدام الآدمي ما زالت كما هي من دون تغيير حقيقي؛ الأمر الذي ينعكس بشكل سلبي على الواقع البيئي والصحي ويتسبب بظهور الكثير من الأمراض، مثل الطفح الجلدي وغيره، كما حصل مع أحد أحفاده واثنين من أبنائه.

فتى يجرّ حاوية مياه بعد انتظار في طابور طزيل أمام خزان التزوّد بمياه نظيفة (أ.ف.ب)

ويضيف: «منذ وقف إطلاق النار، كنا نعتقد أن ظروفنا ستتغير، لكننا ما زلنا تحت تأثير الحرب كما وأنها لم تتوقف... نعاني نقص المياه والطعام، وازدياد الأمراض وانتشارها، وعدم توافر خيام يمكن أن تحمينا من فصل الشتاء على الأبواب، وكل ذلك بسبب عدم التزام إسرائيل بأي من بنود الاتفاق المعلن».

وتتلاحق الأزمات الحياتية من المياه، إلى الأسواق والبضائع التي باتت تتوافر حديثاً، لكن أسعارها باهظة لا يقوى عليها المواطن رباح كتكت من سكان مدينة رفح والنازح إلى مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، حاله، حال مئات الآلاف من سكان القطاع.

ويقول كتكت: «الدواجن واللحوم المجمدة والخضراوات والفاكهة وحتى الشوكولاتة وغيرها مما بات يُسمح بإدخاله لا يستطيع المواطن البسيط شراءه سوى بصعوبة بالغة بعد حرمان استمر عامين». وأشار كتكت إلى أن تلك السلع مخصصة لأصحاب الأموال الفائضة الذين يمكن وصفهم بأصحاب رؤوس الأموال من تجار ومسؤولين وغيرهم، لكن المواطنين البسطاء أو حتى الموظفين الحكوميين فبالكاد يستطيعون توفير بعض الخضراوات لعوائلهم.

ويؤكد كتكت أنه «لم يتغير شيء على حياة سكان قطاع غزة منذ وقف إطلاق النار»، في ظل غلاء الأسعار وعدم توافر البضائع باستمرار. ويقول: «لدي أسرة مكونة من 9 أفراد، لا يستطيع أي منا شراء دجاجة واحدة أو نصف كيلو لحم مجمد حتى نتناوله مثل البشر؛ لأن الأسعار باهظة».

ويتراوح ثمن كيلو الدواجن أو اللحوم من المجمدات التي يسمح بدخولها ما بين 60 و90 شيقلاً، أي ما يعادل 18 إلى 27 دولاراً، بينما كان كيلو الدواجن الطازجة قبيل الحرب يبلغ نحو دولارين، في حين كيلو اللحم الطازج 12 دولاراً، والمجمد 6 دولارات.

ويضيف كتكت: «قبل الحرب، كان لدينا أشغال وأعمال ونستطيع جمع الأموال، لكن حالياً الموظف وغير الموظف سواء، لا أحد منهما يستطيع شراء ما يلزمه وتلبية حاجات أسرته بالحد الأدنى قبل أن يبحث عن اللحوم أو الدواجن».

«حماس» تفرض الضرائب

يرى الشاب أحمد. غ، الذي فضَّل عدم كشف هويته، أن بقاء «حماس» في حكم غزة يعني بقاء القطاع تحت طائلة الأزمات، مشيراً إلى أن حكومتها «عادت لفرض بعض الضرائب على بعض السلع»؛ الأمر الذي دفع التجار إلى رفع أسعارها. وقال: «كان يجب على حكومة (حماس)، أن تشكرنا كمواطنين عايشنا أصعب الحروب في العالم على مدار عامين، وأن تقدّم لنا العون، لا أن تساعد على رفع الأسعار من خلال الإجراءات التي اتخذتها في الأسابيع القليلة الماضية»، في إشارة إلى الضرائب التي تم فرضها على بعض السلع الاستهلاكية.

وفي حين ينفي المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أنه فرض أي ضرائب على أي من السلع، أكّد التجار أنه فُرضت ضرائب على بعض البضائع والسلع التي تم إدخالها إلى القطاع ومن بينها الدخان والمجمدات؛ الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعارها.

عناصر مباحث التموين التابعة للشرطة الفلسطينية في غزة خلال حملة متابعة للأسواق في 17 مارس 2025 (الشرطة الفلسطينية)

وعلى سبيل المثال، كان سعر علبة الدخان قبل الحرب يتراوح حسب النوع، بين 8 و20 شيقلاً (أي بين 2 و6 دولارات)، بينما تضاعف خلال الحرب من دون ضرائب وإنما بسبب تهريبها بطرق مختلفة من قِبل التجار. أما بعد وقف إطلاق النار فانخفضت أسعارها، ثم عادت وارتفعت بشكل قياسي لتبلغ 40 شيقلاً أو أكثر بعد فرض الضرائب عليها.

ويقول أحد تجار الدخان لـ«الشرق الأوسط»، إنه خلال فترات الحرب كانت هناك طرق عدة للتهريب ولم تكن حكومة «حماس» قادرة على فرض الضرائب، لكن حالياً عادت لتفرضها؛ ما قلل قدرة المواطنين على الشراء، فعمد بعضهم إلى شراء سيجارة واحدة في اليوم فقط بدلاً من علبة كاملة.

«أونروا» والقطاعات الحيوية

لا تزال قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والخدمات البيئية والمياه تديرها بلديات وجهات حكومية تابعة لحركة «حماس»، في وقت تعاني غزة انقطاعاً مستمراً للكهرباء في ظل رفض إسرائيل إدخال الوقود لتشغيل محطة الكهرباء الوحيدة، بما يخالف اتفاق وقف إطلاق النار حسب الحركة.

جنود إسرائيليون أمام مقر رئاسة «أونروا» في قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتتلقى الجهات الصحية والتعليمية والبلديات، دعماً مستمراً من جهات ومؤسسات دولية بهدف دعم القطاع المدني، والمساهمة في محاولة تقديم أقصى خدمة ممكنة من توفير الدواء والعلاج المناسب للمرضى والجرحى وغيرهم، إلى جانب محاولات إحياء التعليم من خلال فتح مدارس مؤقتة بعد تعطل استمر عامين. ذلك بالإضافة إلى دعم البلديات بالوقود لتشغيل آبار المياه التي دُمّرت معظمها، وتشغيل آليات هندسية مثل الجرافات لفتح الطرق العامّة المغلقة بفعل الدمار الكبير وردم المنازل، وسط رقابة شديدة من تلك المؤسسات لمنع وصول المساعدات إلى «حماس».

وتشرف المؤسسات الأممية على نقل المساعدات ومقوّمات الدعم من وقود وأدوية وكتب دراسية وخيام وغيرها عبر فرق تابعة لها تقوم بإيصالها للجهات المنفذة على الأرض، من دون نقل أموال؛ حتى لا تستحوذ عليها حركة «حماس» أو أي من المسؤولين الحكوميين أو الإداريين فيها.

ورغم المحاولات الإسرائيلية المستمرة لمنع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) من أداء أي مهام داخل قطاع غزة، ومنعها من إدخال المساعدات، رغم أن لديها مخزوناً كبيراً منه يكفي لسد احتياجات السكان لأشهر عدة، لكن المؤسسات التابعة للمنظمة الأممية تحاول بشكل دائم تقديم خدماتها وإنْ بالحد الأدنى، من خلال ما ينقل إليها عبر مؤسسات أخرى تابعة للأمم المتحدة تزود «أونروا» ببعض المساعدات والدعم اللوجيستي من وقود وغيرها لتشغيل مركباتها وآلاتها الهندسية حسبما يسمح بدخوله من كميات وقود أو مساعدات طبية أو عينية.

أطفال فلسطينيون دون الثالثة يتلقون اللقاحات التي يقدمها «الهلال الأحمر» الفلسطيني و«يونيسف» في مركز صحي بمدينة غزة (أ.ب)

وكان المفوض العام للوكالة الأممية فيليب لازاريني، قال في مقالة له نشرت في صحيفة «الغارديان»، إن الأمم المتحدة، بما في ذلك «أونروا»، تمتلك الخبرة والموارد اللازمة لتلبية الاحتياجات الإنسانية الملحة بفاعلية وعلى نطاق واسع، لكن يجب أن يسمح لها بالعمل بحرية واستقلالية، دون قيود تعسفية وغير معقولة على دخول وحركة الإمدادات والأفراد.

ورصدت «الشرق الأوسط»، أن «أونروا» استأنفت أخيراً تقديم الخدمات الصحية عبر عياداتها للاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة، كما استأنفت تقديم بعض المساعدات المحدودة غير المؤثرة مثل حفاضات الأطفال، في حين غابت عن دورها المركزي في توزيع المساعدات الغذائية الأساسية الأخرى مثل الطحين، وهو الأمر الذي كان يعتمد عليه السكان كثيراً خلال الحرب ومنذ عقود طويلة سابقة.

وقالت تمارا الرفاعي، مديرة العلاقات الخارجية والإعلامية في «أونروا»، خلال تصريحات صحافية، إن «أونروا» لم تتوقف عن العمل في غزة طوال فترة الحرب، وواصلت فرقها الطبية تقديم الخدمات بشكل مباشر وعن بعد، كما استمر مهندسوها في معالجة المياه والصرف الصحي، ونقل مياه الشرب النظيفة إلى الملاجئ.

وأضافت: «مع وجود 12000 موظف وموظفة على الأرض، تواصل (أونروا) إدارة الملاجئ والعيادات وتقديم الخدمات الأساسية، حتى في ظل إدارة الموظفين الدوليين للعمليات عن بعد بسبب الحظر الإسرائيلي».

الإعمار... أولى الأولويات

في ظل كل هذه التحديات، يبرز تحدي إعادة إعمار قطاع غزة، وهو أحد أهم أولويات السكان الفلسطينيين في ظل الوضع الصعب الذي يعيشونه بعد تدمير أكثر من 80 في المائة من منازل القطاع وبناياته.

صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تظهر حجم الدمار وأعمال حفرٍ في موقع عسكري إسرائيلي شرق مدينة غزة (رويترز)

المواطنة ريهام أبو شاربين من سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تواجه تحدياً خطيراً مع قدوم فصل الشتاء، بعد أن دمرت طائرات حربية إسرائيلية منزلها.

تشتكي أبو شاربين من نقص الخيام والشوادر والمواد الإغاثية التي قد تسهم في إنقاذها خلال فصل الشتاء، كما هو حال أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني فقدوا أي مأوى لهم.

وتقول أبو شاربين إنها كانت تتوقع أن تدخل الخيام الجيدة التي يمكن أن تحميها وأسرتها من فصل شتاء قاسٍ يتوقع أن يبدأ في الأيام المقبلة، معربةً عن خشيتها بغرق الخيمة المؤقتة التي تعيش فيها وهي من «القماش» الذي بالكاد يستطيع حمايتهم من أشعة الشمس. وتضيف: «التفكير يقتلنا يومياً كيف سنقضي الشتاء، كما يقتلنا يومياً كيف سنبقى في هذه الحياة والظروف الصعبة التي لا يتحملها بشر؟».

فتيات فلسطينيات يلعبن خارج مخيم أقامته اللجنة المصرية في النصيرات، في غزة (أ.ف.ب)

وتربط إسرائيل، إعادة إعمار القطاع، بنزع سلاح «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى، وتخليها عن حكم القطاع بشكل كامل، في حين تحاول الإدارة الأميركية السعي لبدء إعادة الإعمار في المناطق التي تقع تحت السيطرة الإسرائيلية بشكل أساسي وليس في المناطق التي ما زالت تحكمها «حماس» وتمثل نحو 50 في المائة من مساحة القطاع، وهو ما رفضه غالبية وزراء المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابنيت)، في الأيام الأخيرة خلال جلسة بُحثت فيها هذه القضية بعد أن طرحها رئيس وزرائهم بنيامين نتنياهو.

المواطن أحمد كلاب (57 عاماً) من سكان مخيم الشاطئ، دُمّر منزله مرتين خلال عقد من الزمن. المرة الأولى في حرب 2014، ثم عادت القوات الإسرائيلية ودمّرته في الحرب الأخيرة قبل أكثر من عام، وهو أحد المتضررين من الرؤية الإسرائيلية – الأميركية لعملية إعادة الإعمار، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

فلسطينيون يسيرون بالقرب من مبانٍ مدمرة في مدينة غزة وسط وقف إطلاق نار بين إسرائيل و«حماس» (إ.ب.أ)

ويرى كلاب، أنه في حال طُبق ما نشر في وسائل الإعلام عن نية إعادة البناء فقط في المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، فذلك يعني فقدان الأمل بإعادة بناء منازلنا والتي عانينا كثيراً حتى أعدنا بناءها بعد حرب 2014.

وقال: «كان من الواضح منذ البداية أن هناك حالة ابتزاز مستمرة للفلسطينيين، وكل شيء مرتبط برحيل (حماس) وتسليم سلاحها، ولكن يبدو أن الحركة ترفض ذلك، ومن يدفع الثمن نحن المدنيين الذين لا علاقة لنا بكل الوضع الذي نحن فيه، سوى أننا مجرد خسائر تكتيكية كما يراها البعض». في انتقاد واضح لتصريحات رئيس حركة «حماس» في الخارج، وعضو مكتبها السياسي خالد مشعل، في خطاب له ألقاه في شهر أكتوبر 2024.

طفلان يراقبان دفن جثامين لفلسطينيين مجهولي الهوية أعادتهم إسرائيل، في مقبرة جماعية بدير البلح وسط غزة (إ.ب.أ)

ونقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، عن المبعوث الأميركي جاريد كوشنر في محادثات داخلية جرت خلال الأيام القليلة الماضية، وكشف عنها مساء الثلاثاء الماضي أن إعادة إعمار القطاع في الجانب الغربي للخط الأصفر لن تبدأ قبل أن يتم تفكيك «حماس» من سلاحها كلياً.

تحديات الأمن والأمان

يأتي هذا الواقع الصعب، مع استمرار التحديات الأمنية المتلاحقة التي لا تنتهي، سواء بفعل الخروق الإسرائيلية، أو مع تردي الوضع الأمني الداخلي في بعض المناطق، ومواصلة الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة «حماس» في محاولة إعادة ترتيب صفوفها.

عناصر من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك اجتماعات تُعقد باستمرار لمحاولة ضبط الوضع الأمني من خلال تعيينات وإصدار تعليمات أمنية مشددة لضبط الوضع، مشيرةً إلى أن التركيز هو على «ملاحقة المتعاونين مع إسرائيل»، بينما تجري محاولات موازية لضبط الأسواق والأسعار وتحسين الخدمات الحكومية المختلفة.

وهناك من يرى أن «حماس» غير قادرة على التعامل مع بعض القضايا الجنائية مثل عمليات القتل العشوائي والسرقات، وغيرها من الثغرات الأمنية اليومية. واشتكت مواطنة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، من أنها لم تجد معيناً يقف معها بعدما سرق أحد أقاربها مصاغها من الذهب. وعلى رغم معرفتها بالسارق وتقديم شكوى ضده، فإن الشرطة التابعة لـ«حماس» لم تقدم لها العون في اعتقاله أو التحقيق معه؛ ما تركها فريسةً لحالة الفلتان الأمني.

مقاتلو «كتائب القسام» إلى جانب عمال «الصليب الأحمر» خلال البحث عن جثث رهائن إسرائيليين في مدينة غزة (إ.ب.أ)

وقُتلت قبل أيام سيدة في وضح النهار بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أثناء تجولها في السوق المركزية للمدينة، وعلى بعد عشرات الأمتار من انتشار عناصر شرطة «حماس»، ليتبين أن قاتلها هو ابن زوجها، من سيدة أخرى، في حين فر من المكان دون أن تقوم الشرطة باعتقاله.

ومن الأمثلة الصارخة عن حالة الفلتان الأمني، قيام عناصر مسلحة بإيقاف مركبة تابعة للهلال الأحمر التركي في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، وسرقة المركبة وهواتف وأموال كانت بحوزة العناصر في المركبة قبل الاعتداء عليهم.

وبينما كانت غالبية سكان قطاع غزة تأمل رؤية جهة جديدة تحكم القطاع في أعقاب الحرب، اصطدموا ببقاء الواقع السابق على حاله؛ الأمر الذي زاد من مخاوفهم بعدم الشعور بالأمن والأمان. وقالت الشابة نيرمين الفار (28 عاماً) من سكان مدينة غزة، نحن نريد جهة فلسطينية تحكمنا لتحقق لنا معيشة جيدة تتناسب مع آدمية أي إنسان في هذا الكوكب، وليس بقاء جهات حكمتنا لسنوات وحولت حكمها لخدمة مصالحها الحزبية السياسية من دون التفات لمعاناة السكان.

عناصر من «حماس» يتوجهون إلى مدينة غزة بمرافقة الصليب الأحمر الدولي للبحث عن جثث الرهائن (أ ب)

ويخشى معارضو «حماس» من عودة الاعتقالات في أوساطهم والتعرض لهم بسبب الانتقادات التي وجهوها للحركة خلال الحرب؛ الأمر الذي انعكس بوضوح في حالة مقتل الأسير المحرر هشام الصفطاوي، من نشطاء حركة «فتح»، على يد عناصر من «حماس» اقتحموا منزله في مخيم النصيرات وسط القطاع، كما قالت عائلته. وذلك إلى جانب حالات قتل أخرى لأشخاص اتُهموا بأنهم يعملون لصالح إسرائيل، من دون أن يخضعوا لمحاكمات قانونية.

وقال المواطن (م.أ) من سكان حي الشجاعية بمدينة غزة مفضلاً عدم ذكر اسمه لأسباب تتعلق بأمنه الشخصي، إن عودة عمليات القتل وإطلاق النار وسرقة المساعدات من قِبل مجهولين، تشير بشكل واضح إلى أن «حماس» ليست قادرة على ضبط الأمن بشكل كامل كما كان الوضع سابقاً قبل الحرب، مشيراً إلى أن بعض المواطنين قُتلوا بسبب معارضتهم الحرب على أيدي مسلحين والاتهامات كانت توجه للحركة، بينما قُتل آخرون في ظروف مختلفة.

«أبو شباب» وآخرون

ما زالت قوى أمن حكومة «حماس» تحافظ على وجودها النسبي وانتشارها في الكثير من المناطق، وبدأت بمعالجة بعض القضايا الجنائية، في حين أنها لا تسيطر على بعض المناطق التي ما زالت موجودة فيها القوات الإسرائيلية، أو وضعتها الأخيرة في عهدة بعض المجموعات المسلحة التي تصفها «حماس» بـ«عصابات» تخدم إسرائيل، مثل مجموعات «ياسر أبو شباب» شرق رفح، أو حسام الأسطل جنوب خان يونس، أو رامي حلس شرق مدينة غزة، وغيرها من الأسماء التي برزت في الفترة الأخيرة.

أعضاء مجموعة أبو شباب كما ظهروا في مقطع فيديو سابق (وسائل إعلام إسرائيلية)

وسعت هذه المجموعات إلى أن تشكل تحدياً لحركة «حماس» وحكمها في قطاع غزة، لكنها فشلت في تحقيق إنجازات حقيقية على الأرض، رغم أنها في بعض الفترات حاولت استغلال وجودها وحمايتها من قِبل إسرائيل لتنفيذ عمليات ضد نشطاء من «حماس» أو مراكز حكومية مثل المستشفيات أو غيرها، لتظهر وجودها وقوتها، فإنها في كل مرة كانت تصطدم بمقاومة من مسلحين يتبعون للحركة، كما أنهم تعرَّضوا لكمائن وقُتل الكثير من أفرادها.

وتوقف نشاط تلك المجموعات المسلحة بشكل كبير داخل المناطق التي كانت تسيطر عليها حركة «حماس»، واكتفت بتمركزها داخل المناطق التي توجد فيها، حيث تعرضت لثلاث هجمات من قِبل عناصر الحركة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر الماضي؛ ما أدى إلى مقتل وإصابة بعضهم في حين تمت السيطرة على أسلحة ومركبات تابعة لهم.

ولا يعرف كيف سيتم التعامل مع قضية نزع سلاح «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى، وهي مهمة ستكون صعبة في ظل الخلافات بشأنها، في وقت يأمل الغزيون أن يتم الاتفاق بشأنها من دون أي خلافات قد تعيد الأوضاع للمربع الذي كانت عليه، وتستخدم إسرائيل ذلك ذريعة للعودة الحرب.

آفاق القوة الدولية

يأتي ذلك في وقت ما زالت تحاول فيه الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق بشأن صياغة مشروع أمام مجلس الأمن يسمح بتشكيل قوة دولية للعمل في قطاع غزة، وسط خلافات واضحة على المستويين العربي والإسلامي بشأن إمكانية المشاركة في هذه القوة من عدمه، خاصةً وأن مهامها ومسماها غير واضح، فيما إذا كانت قوة إنفاذ ستطبق خطة ترمب بالقوة، أم أنها خطة لمراقبة وقف إطلاق النار؟

وتسعى «حماس» والفصائل الفلسطينية، عبر الوسطاء للضغط على الولايات المتحدة، لتحديد واضح لمهام هذه القوة، كما تؤكد مصادر من الحركة لـ«الشرق الأوسط».

ويخشى السكان في قطاع غزة من أن تكون مهام هذه القوة أكبر بكثير مما هو معلن، وأن تسمح لبقاء القوات الإسرائيلية داخل القطاع، واحتلال أجزاء منه، أو أن يكون لها مهام خفية تتعلق بالبقاء في غزة لسنوات طويلة لنزعها من أن تكون تحكم حكم فلسطيني في المستقبل القريب ونزعها من هويتها الحقيقية. ويقول المواطن فادي البكري (45 عاماً) من سكان مدينة غزة، إن وجود مثل هذه القوة داخل القطاع، قد يكون له آثار سلبية على حياة المواطنين، ولا يحقق لهم حقهم في الأمن والأمان، وهذا قد يؤدي إلى وقوع أحداث أمنية خطيرة نتيجة تشابك عناصر المقاومة ونشطائها مع تلك القوات في حال كان من مهامها نزع سلاح المقاومة.

في حين يقول الشاب مجد ياسين (31 عاماً) من سكان خان يونس جنوب قطاع غزة، إن أي قوة دولية لا تريد ضمان تطبيق وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل، وإعادة الأمن، وتوفير حياة ملائمة للسكان من خلال مساعدة جهة فلسطينية تحكم القطاع، فإنه غير مرحب بها، ووجودها سيكون بمثابة خطر كبير على كل مواطن.

الأمل في حكومة موحدة

يأمل السكان في أن تكون هناك حكومة فلسطينية موحدة تدير شؤونهم وتهتم بقضاياهم، خاصةً ملف الإعمار وتقديم الخدمات الإغاثية لهم، والحفاظ على أمنهم بعد وقف إطلاق النار، من دون أن يسمح لمجموعات مسلحة بالسيطرة على حياتهم.

حملة تنظيف طرقات وشوارع أطلقها سكان غزة وبلديّتها ومنظمات أهلية بعنوان "نعمّرها ثاني" في منتصف نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

ويكرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس وزرائه محمد مصطفى، التصريحات التي تؤكد على استعداد السلطة الفلسطينية لتولي مسؤولياتها الكاملة في قطاع غزة.

ويقول الغزي عاصم الغزالي (39 عاماً) من سكان حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، إن السكان يرغبون في عودة السلطة الفلسطينية لكي تعينهم على تخطي أزمات الحرب التي عاشوها على مدار عامين، وأن يكون هناك قانون واحد يساوي بينهم ويحكمهم.

وأضاف: «نحن نعيش بعد وقف إطلاق النار، حرباً أقسى من الحرب العسكرية، وآن الأوان لأن يتغير الحال للأفضل».

ويقول الشاب عمر البحيصي (24 عاماً) من سكان دير البلح وسط قطاع غزة، إن الظروف التي عاشها كشاب بلا أي مستقبل، يريد ويطمح لأن يكون هناك جهة تحكم الجميع وتحقق الأمن والأمان، وتعيد بناء ما دمر، وأن تبني مستقبلاً للجيل الشاب، وكذلك للأطفال الذين أضاعت الحرب مستقبلهم التعليمي، وهم أشد الفئات التي في حاجة إلى الدعم النفسي والمجتمعي بعد هذه الحرب القاسية.

في حين يرى صديقه الشاب حسن أبو عيشة، أن مستقبله كخريج هندسة، يكمن في الهجرة خارج قطاع غزة، من أجل بناء مستقبله، والبحث عن عمل مناسب، يساعده على النجاة وتأسيس عائلة.

سيدة فلسطينية تجلس قرب خيمتها عند الشاطىء في دير البلح (أ.ف.ب)

ويقول أبو عيشة: «عشنا حياة صعبة وشديدة طوال عامين من الحرب، وحان الوقت لأن تتاح لنا فرصة البحث عن مستقبل جديد لنا»، مشيراً إلى أنه يفضل الهجرة حلاً فردياً وليس بكونها قراراً مفروضاً من إسرائيل وأميركا لنقل سكان القطاع إلى دول ثالثة بهدف التخلص منهم.


مقالات ذات صلة

نتنياهو يرى أن المرحلة الثانية اقتربت في غزة... ويرهنها بـ «إنهاء حكم حماس»

شؤون إقليمية نتنياهو يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مؤتمر صحافي مشترك مع المستشار الألماني فريدريك ميرتس في القدس يوم الأحد (رويترز) play-circle 00:24

نتنياهو يرى أن المرحلة الثانية اقتربت في غزة... ويرهنها بـ «إنهاء حكم حماس»

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إسرائيل ستنتقل قريباً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار في قطاع غزة، لكنه رهن ذلك بإنهاء حكم حركة «حماس».

المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والمستشار الألماني فريدريش ميرتس في القدس (د.ب.أ) play-circle 00:24

 نتنياهو: إسرائيل و«حماس» ستبدآن قريباً المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار

صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه «من المتوقع قريباً جداً أن تنتقل إسرائيل و(حماس) إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
العالم العربي 52 % من الأدوية الأساسية و71 % من المستهلكات الطبية بات رصيدها «صفراً» في مستشفيات غزة (إ.ب.أ)

«صحة غزة» تحذر من النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية بالقطاع

حذَّرت وزارة الصحة في قطاع غزة، اليوم (الأحد)، من النقص الشديد في الأدوية والمستهلكات الطبية الذي وصفته بأنه عند «مستويات كارثية».

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم العربي رئيس الوزراء القطري خلال حديثه في منتدى الدوحة السبت (الخارجية القطرية)

مصر وقطر تدعوان إلى سرعة تشكيل قوة الاستقرار الدولية في غزة

دعت مصر وقطر إلى سرعة تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وتمكينها من أداء ولايتها في قطاع غزة.

ميرزا الخويلدي (الدوحة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (د.ب.أ)

وزير الخارجية المصري يدعو إلى نشر قوة استقرار دولية في غزة «بأسرع وقت»

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اليوم (السبت) أنه ينبغي نشر قوة دولية لإرساء الاستقرار في غزة على طول «الخط الأصفر» للتحقق من وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (الدوحة - القاهرة)

4 روايات إيرانية عن انهيار «خيمة المقاومة»

الجنرال قاسم سليماني يجري مكالمة هاتفية قرب قلعة حلب التاريخية شتاء 2016 (فارس)
الجنرال قاسم سليماني يجري مكالمة هاتفية قرب قلعة حلب التاريخية شتاء 2016 (فارس)
TT

4 روايات إيرانية عن انهيار «خيمة المقاومة»

الجنرال قاسم سليماني يجري مكالمة هاتفية قرب قلعة حلب التاريخية شتاء 2016 (فارس)
الجنرال قاسم سليماني يجري مكالمة هاتفية قرب قلعة حلب التاريخية شتاء 2016 (فارس)

192 يوماً فصلت بين اللقاء الأخير الذي جمع المرشد الإيراني علي خامنئي بالرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في طهران، وسقوط النظام السابق بيد المعارضة. هذا الفاصل الزمني لم يكن تفصيلاً عابراً في روزنامة الحرب السورية، بل تحول إلى مرآة حادة داخل طهران عكست حجم الرهان الذي وضعته القيادة الإيرانية على شخص الأسد، وكشفت عن حدود قدرتها على استشراف مسار الصراع وتحولات ميزان القوى في الإقليم.

في ذلك اللقاء، قدم خامنئي خلاصة «عقيدته» السورية على ضوء المستجدات في ساحات «محور المقاومة». فـسوريا، في نظره، ليست دولة عادية، بل صاحبة «مكانة خاصة»؛ لأن هويتها - كما رأى - تتشكل من دورها في هذا المحور.

ولأن «المقاومة هي الهوية المميزة لسوريا وينبغي الحفاظ على هذه السمة»، خاطب خامنئي الأسد بوصفه شريكاً في هذه الهوية لا مجرد حليف سياسي، وأثنى على عبارتيه: «كلفة المقاومة أقل من كلفة المساومة»، و«كلما تراجعنا تقدم الطرف المقابل». هكذا ثبّت خامنئي رهانه الكامل والمتأخر في الوقت نفسه على بقاء النظام، في لحظة كانت مؤشرات الانهيار فيها تتراكم بوضوح في الميدان، كما أقر بذلك لاحقاً بعض المسؤولين الإيرانيين.

بعد أقل من سبعة أشهر، كان النظام قد سقط، لكن سقوط نظام بشار الأسد لم ينتج رواية إيرانية واحدة، بل عدة روايات متوازية: رواية المرشد، ورواية «الحرس الثوري»، ورواية جهاز السياسة الخارجية، إلى جانب أصوات من داخل النظام نفسه عادت إلى الواجهة لتطرح أسئلة صريحة عن كلفة المغامرة الإيرانية في سوريا.

في أول خطاب له بعد سقوط الأسد، قدم خامنئي تفسيراً حاداً لما جرى، عارضاً الحدث بوصفه «نتاج مخطط مشترك أميركي - صهيوني» بمساندة بعض الدول المجاورة. وتحدث عن عوامل - قال إنها منعت طهران من تقديم المساندة المطلوبة - من بينها الضربات الإسرائيلية والأميركية على الأراضي السورية، وإغلاق الممرات الجوية والبرية أمام الإمداد الإيراني، ثم خلص إلى أن الخلل الحاسم وقع داخل سوريا نفسها، حين ضعفت «روح المقاومة» في مؤسساتها. وشدد على أن سقوط النظام لا يعني سقوط فكرة «المقاومة»، متوقعاً أن «ينهض الشباب السوري الغيور» يوماً ما لإعادة إنتاجها بصيغة جديدة.

هذه الرواية تنفي عملياً مفهوم «الهزيمة الاستراتيجية»؛ فما جرى بالنسبة لخامنئي، ليس نهاية المعركة، بل مرحلة قاسية في مسار أطول، ولذلك يصر على أن «الوضع لن يبقى على حاله».

رواية «الحرس الثوري»

في المقابل، بدا «الحرس الثوري» أقرب إلى لغة الأمن القومي منه إلى لغة العقيدة الخالصة، وإن استعان بالقاموس الآيديولوجي نفسه. في فبراير (شباط) 2013، صاغ مهدي طائب، رئيس «مقر عمار» المكلَّف بـ«الحرب الناعمة»، المعادلة بأوضح ما يكون: «سوريا هي بالنسبة لنا المحافظة الخامسة والثلاثون، وهي ذات أهمية استراتيجية. وإذا شنّ العدو هجوماً وحاول الاستيلاء على سوريا أو خوزستان (الأحواز)، فإن الأولوية لدينا ستكون الإبقاء على سوريا».

بهذه الجملة الصادمة داخلياً، رُفعت سوريا عملياً إلى مرتبة جزء من الجغرافيا الأمنية الإيرانية، يتقدّم أحياناً على أجزاء من التراب الإيراني نفسه.

وكان اللواء قاسم سليماني، القائد السابق لـ«فيلق القدس»، هو المهندس الميداني لهذه المقاربة: مواجهة التهديدات خارج الحدود، عبر بناء شبكات من الميليشيات المتعددة الجنسية، وتحويل «حماية العتبات والأماكن المقدسة» إلى شعار تعبوي يغطي في آن واحد الدوافع الآيديولوجية وحسابات الأمن القومي.

وفي خطاب الذكرى الخامسة لمقتل سليماني، بعد أقل من شهر على سقوط الأسد، أعاد خامنئي تثبيت هذه المدرسة؛ فربط بين حماية العتبات في دمشق والعراق وبين حماية «إيران بوصفها حرماً» نفسها، في محاولة لتوحيد كل هذه الساحات ضمن إطار واحد: صراع أمني - مذهبي عابر للحدود.

بعد سقوط النظام السوري، حافظت هذه الرواية على جوهرها: النجاح أو الفشل لا يُقاس بهوية من يجلس في قصر الشعب في دمشق، بل بما إذا كانت شبكات النفوذ التي نسجها الحرس ما زالت قابلة للحياة، وبما إذا كان «العمق السوري» ما زال مفتوحاً أمام النفاذ الإيراني. الانسحاب الكامل من سوريا يعني، وفق هذا المنطق، الاعتراف بأن «المحافظة الخامسة والثلاثين» سقطت من الخريطة؛ لذلك سيظل «الحرس» يبحث عن طرق لإبقاء موطئ قدم (مهما كان ضيقاً) في الجغرافيا السورية.

شيباني يلتقي عراقجي بعد تعيينه مبعوثاً خاصاً بسوريا بعد شهر من الإطاحة بالأسد يناير 2025 (الخارجية الإيرانية)

رواية الجهاز الدبلوماسي

حاول جهاز السياسة الخارجية تقديم قصة أكثر نعومة للداخل والخارج. قبل السقوط بأسابيع، أوفد خامنئي مستشاره الخاص علي لاريجاني إلى دمشق وبيروت، حاملاً رسائل سياسية تطمينية إلى بشار الأسد وحلفاء آخرين. تحدث لاريجاني علناً عن أن ما يجري في سوريا ولبنان «يتصل مباشرة بالأمن القومي الإيراني»، وكأن طهران ما زالت قادرة على ضبط التوازنات.

بعده بأيام، زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي دمشق قبل ستة أيام فقط من الانهيار، واختار أن يلتقط صورة وهو يتناول الشاورما في أحد مطاعم العاصمة، في إشارة مقصودة إلى أن «الوضع طبيعي»، وأن الحديث عن انهيار وشيك جزء من «الحرب النفسية». كان ذلك ذروة الفجوة بين الصورة التي تحاول الدبلوماسية تسويقها والواقع المتفكك على الأرض.

بعد السقوط، لجأت الخارجية إلى صيغة دفاعية مألوفة: إيران «استجابت لطلب حكومة حليفة، وقدّمت المشورة والدعم»، لكنها «لا تستطيع أن تقرر نيابة عن الشعوب». هكذا خففت مسؤولية القرار عن كاهل الدبلوماسية، وأُحيل الجزء الأكبر من الفشل إلى الداخل السوري و«التآمر الخارجي» الذي يتكرر في خطابات خامنئي. هذه الرواية تكشف عن قراءة تعد سوريا ملفاً من بين ملفات، لا ساحة وجودية كتلك التي يراها «الحرس الثوري» والمرشد.

من الناحية الجيوسياسية، كانت سوريا بالنسبة لطهران أكثر من حليف؛ كانت ممراً إلى لبنان وفلسطين، وساحة اشتباك مع إسرائيل، وخط دفاع متقدماً في مواجهة الولايات المتحدة. وتلخص عبارة مهدي طائب في 2013 - «إذا اضطررنا للاختيار فإن الأولوية تكون لحماية سوريا قبل خوزستان» - هذه العقيدة بوضوح.

اليوم، مع سقوط النظام الذي ارتبط بهذه العقيدة، تواجه إيران فراغاً في عمقها الإقليمي لا يمكن ملؤه بالشعارات وحدها. وهنا يصبح السؤال المركزي: كيف تتصرف طهران بعد أن فقدت النسخة التي صاغتها لنفسها من «خيمة المقاومة» في دمشق؟ الإجابة لا تأتي من خطاب واحد، بل من موازنة بين دوافع آيديولوجية راسخة، وقيود اقتصادية خانقة، وموازين قوى ميدانية لم تعد تميل لها كما في السابق.

ملصق نشره موقع المرشد الإيراني بعد آخر زيارة للأسد إلى طهران بينما كانت دمشق تتعرض إلى انتقادات بسبب تخليها عن «حزب الله»

رواية «الحساب المفتوح»

الرواية الرابعة جاءت من حيث لا يُفترض أن تأتي: من داخل المؤسسة نفسها؛ إذ خرج للمرة الأولى، من قلب البنية الرسمية توصيف شبه علني بأن العائد الاقتصادي من المغامرة السورية يكاد يكون معدوماً، وأن «الاستثمار» السياسي والأمني انتهى إلى ما يشبه الخسارة الصافية.

في مايو (أيار) 2020، قال حشمت الله فلاحت‌بيشه، الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إن إيران أنفقت «بين 20 و30 مليار دولار» في سوريا، وإن «هذا مال الشعب ويجب استرداده».

بعد خمس سنوات، عاد فلاحت‌بيشه ليطلق اتهاماً أكثر مرارة: ديون سوريا لإيران - كما قال - سُويت عملياً عبر «أراضٍ بلا نفط، ومزارع أبقار بلا أبقار، ووعود فارغة».

هذا الصوت ليس استثناءً. على مدى عقد، ربطت شعارات الاحتجاجات الداخلية بين «غزة ولبنان وسوريا»، والخبز والوقود في المدن الإيرانية. ومع سقوط الأسد، صار من الأسهل على المنتقدين القول إن النظام أنفق عشرات المليارات، ودفع كلفة بشرية ملموسة بين مقاتليه وحلفائه، لينتهي إلى نفوذ شبه معدوم تقريباً في دمشق.

بالنسبة لصانع القرار، تتحول هذه الرواية إلى عامل ضغط داخلي ضد أي قرار بالعودة إلى سوريا بالحجم نفسه الذي كان عليه التدخل السابق.

عند جمع هذه الروايات المتوازية، يتضح التناقض الجوهري في المقاربة الإيرانية بعد سقوط الأسد: المرشد و«الحرس» لا يعترفان بأن إيران «خسرت سوريا»، بل يتعاملان مع ما جرى كمرحلة عابرة في مسار صراع أطول، ويصران على أن «جبهة المقاومة» قادرة على إعادة إنتاج نفسها، وأن سوريا ستعود، بطريقة ما، إلى هذا المدار. في المقابل، تكشف رواية الدبلوماسية الرسمية ورواية «الحساب المفتوح» عن إدراك ضمني بأن نموذج التدخل الذي طبق خلال العقد الماضي لم يعد قابلاً للاستمرار بصيغته السابقة، لا سياسياً ولا مالياً.

قائد «الحرس الثوري» يقدم إفادة لنواب البرلمان حول سقوط نظام بشار الأسد وخروج القوات الإيرانية يناير 2025 (موقع البرلمان)

السيناريوهات: هل تعيد طهران دمشق للمحور؟

في ضوء ما سبق، يمكن رسم أربعة سيناريوهات رئيسية، ليست متنافية بالضرورة، بل يمكن أن تتداخل زمنياً وجغرافياً.

السيناريو الأول هو «العودة عبر الوكلاء». وهو الأقرب إلى منطق «الحرس الثوري» ومدرسة سليماني. هنا تحاول طهران إعادة بناء نفوذها في سوريا من أسفل، عبر شبكات محلية مسلّحة كانت نواتها موجودة أصلاً، أو عبر تجنيد مجموعات جديدة تحت شعارات مذهبية أو آيديولوجية. الهدف ليس استعادة نظام شبيه بالأسد، بل تكوين قوة ضغط دائمة على أي سلطة قائمة في دمشق، وأداة استخدام ضد الخصوم الإقليميين. نجاح هذا السيناريو يتوقف على عاملين خارج السيطرة الكاملة لإيران: مآل معادلة الحكم في دمشق، واستعداد المجتمع السوري لتحمل دورة عنف جديدة أياً كان اسمها.

السيناريو الثاني هو «التموضع الإقليمي من دون سوريا». وفق هذا المسار، تقبل طهران ضمناً بأن دمشق لم تعد محور ارتكاز لنفوذها كما كانت، فتُعيد توزيع مواردها على الساحات الأربع التي ما زالت تمسك ببعض خيوطها فيها، رغم تراجع دورها النسبي: لبنان، العراق، اليمن، وغزة. تتحول سوريا هنا إلى ساحة استنزاف ثانوية، يقتصر الدور الإيراني فيها على منع الخصوم من تحويلها إلى منصة تهديد مباشر، من دون الدخول في مشروع جديد لإعادة هندسة النظام السياسي.

وينسجم هذا المسار مع ضغوط الكلفة المالية والبشرية التي راكمها التدخل خلال العقد الماضي، لكنه يصطدم بحقيقتين أساسيتين: حاجة «حزب الله» إلى سوريا بوصفها ممراً لوجيستياً، واستمرار خطاب خامنئي في التعامل معها على أنها عنصر بنيوي في «جبهة المقاومة».

السيناريو الثالث هو «التسوية الرمادية». هنا لا تسعى إيران إلى فرض عودة صاخبة، بل إلى تسلل محسوب عبر اتفاقات موضعية مع القوى المسيطرة على مناطق مختلفة من سوريا، وعبر مشاريع اقتصادية أو أمنية محدودة. الخطابات التي يتحدث فيها خامنئي عن أن «الأيام لا تبقى على حالها»، وأن «الشباب السوري سيعيد التوازن» يمكن قراءتها كتهيئة لعودة تدريجية وغير صدامية، تتيح لطهران القول إنها ما زالت «حاضرة» من دون أن تتحمل كلفة الرهان على نظام واحد كما فعلت مع الأسد.

السيناريو الرابع هو «مأسسة الخسارة». في هذا المسار، تتعامل طهران مع فقدان سوريا على أنه أمر واقع، من دون محاولة جدية لاستعادة نفوذ ميداني، لكنها تحوله إلى ملف داخلي - عقائدي أكثر منه جيوسياسي، خصوصاً في ضوء السردية التي تبنتها بعد الحرب الـ12 يوماً مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025. تعاد تجربة سوريا وتؤطر ضمن خطاب «المؤامرة على جبهة المقاومة»، وتستخدم ذريعة لتشديد القبضة الأمنية، وتقييد النقاش حول كلفة التدخلات الخارجية، وتجريم الربط بين الإنفاق الإقليمي والأزمة المعيشية.

في المقابل، تبقي إيران على حضور رمزي منخفض في الملف السوري (لغة الشهداء، العتبات، حراك دبلوماسي شكلي)، فيما تطوى عملياً صفحة «المشروع السوري» بوصفه عمقاً استراتيجياً، من دون إعلان هزيمة صريحة، بل عبر تغليفها بلغة «الابتلاء والصمود»، ودفعها تدريجياً إلى هامش أجندة صنع القرار.

في كل هذه السيناريوهات تبقى حقيقة واحدة ثابتة: سوريا، التي نظر إليها يوماً على أنها أهم من «الأحواز» و«الهوية المميّزة للمقاومة»، لم تعد، في ميزان الواقع، ما كانت عليه قبل الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024. يمكن للمرشد أن يراهن على الزمن، ولـ«الحرس» أن يفتش عن فتحات جديدة في الجغرافيا السورية، وللخارجية أن تلمّع لغة بياناتها، وللمنتقدين أن يتحدثوا عن «أراضٍ بلا نفط».

لكن السؤال المعلق فوق كل نقاش في طهران سيظل واحداً: هل تستطيع إيران أن تتحمل مغامرة ثانية بهذا الحجم في سوريا، بعد أن خرجت من الأولى وهي تحاول إقناع نفسها بأن «خيمة المقاومة» ما زالت قائمة، فيما عمودها السوري مكسور؟


كيف حمت دمشق نفسها ليلة هروب الأسد؟

لقطة جوية تُظهر رجلاً سورياً يلوّح بعَلم الاستقلال السوري في ساحة الأمويين بوسط دمشق (أ.ف.ب)
لقطة جوية تُظهر رجلاً سورياً يلوّح بعَلم الاستقلال السوري في ساحة الأمويين بوسط دمشق (أ.ف.ب)
TT

كيف حمت دمشق نفسها ليلة هروب الأسد؟

لقطة جوية تُظهر رجلاً سورياً يلوّح بعَلم الاستقلال السوري في ساحة الأمويين بوسط دمشق (أ.ف.ب)
لقطة جوية تُظهر رجلاً سورياً يلوّح بعَلم الاستقلال السوري في ساحة الأمويين بوسط دمشق (أ.ف.ب)

«في تلك الليلة لم يُكسر قفل محل واحد في حينا»، يقول وائل، طبيب في الأربعين من عمره، وهو يقف أمام عيادته الصغيرة في شارع بغداد وسط دمشق. يروي لحظة لن ينساها من يوم 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024: «شاهدنا لصوصاً في طريقهم لاقتحام البنك المركزي في ساحة السبع بحرات. كنا بين صدمة وخوف وفرح، ثم أدركنا أن أحداً لن يحمينا... فبدأنا نحمي أحياءنا بأنفسنا».

كانت تلك الساعات الأولى بعد انهيار نظام بشار الأسد، حين عم الخوف وبات شبح الفوضى يخيم على المدينة. لكن دمشق، بطريقة ما، حمت نفسها.

نور الدين ترجمان، المعروف بـ«أبو جبريل»، أحد أبرز المتطوعين في لجنة حماية الجسر الأبيض والروضة القريبين من المقرات الأمنية والقصر الرئاسي، يتذكر ما حدث عند الثانية بعد منتصف الليل: «شاهدنا عناصر من النظام السابق يخلعون بزاتهم ويرمونها في حاويات القمامة قبل أن يفروا». بعد دقائق، وصلت مجموعات مسلحة على متن سيارات وشاحنات ودخلت المقر الأمني المعروف بـ«قسم الأربعين».

نهبوا كل شيء؛ السلاح، الحواسيب، الأقراص الصلبة، الوثائق، وحتى خزانات الوقود. لكن رغم موقع القسم وسط السوق التجارية والفوضى التي غمرتها، لم تُقتحم أي من المحال.

يقول أبو جبريل لـ«الشرق الأوسط»: «إن أطفالاً كانوا يلعبون بالسلاح والقذائف وسط إطلاق نار. الأهالي عاجزون عن التدخل. لكن عندما اندلع حريق داخل القسم، هرع الناس لإخماده خوفاً من انفجار أكبر». لم تهدأ المنطقة إلا مع وصول عناصر من «هيئة تحرير الشام» بعد الظهر.

حارس أمام علم في ساحة باب توما (رويترز)

قناص في «واتساب»

مع اتساع حوادث السرقة، خصوصاً السيارات، بدأ شباب الحي، وبينهم أطباء ومهندسون وأصحاب محلات وطلاب جامعيون، يتجمعون. يقول أبو جبريل: «بعد عشرين يوماً من سقوط النظام بدأ العمل ينتظم». وارتفع عدد المتطوعين من 75 إلى نحو 300. اشتروا أجهزة اتصال، وقسموا إلى مجموعات، وزودتهم السلطة الجديدة بقطعتي سلاح لكل مجموعة مع كلمة سر للتعريف.

واعتمدت اللجان على مجموعات «واتساب» للتواصل بين أفراد اللجان أنفسهم، وبين اللجان والأهالي. في بعض الأحياء تجاوز عدد المشتركين الآلاف. كانت المشاركة شخصية ومباشرة للإبلاغ عن تحركات مريبة، تصوير السلوكيات الخطرة، والمراقبة المستمرة.

ولا تخلو تلك المجموعات من خروقات، كما حصل لدى اكتشاف قناص من النظام السابق ضمن لجان الحماية نفسها.

القصاع وباب توما

في حي القصاع ذي الغالبية المسيحية، بقي الخوف من التجييش الطائفي حاضراً، خاصة بعد كتابة عبارات طائفية على جدار كنيسة القديس كيرلس. يوسف، أحد شبان «الفزعات» في باب توما والقصاع، يقول إن المتطوعين لعبوا دوراً حاسماً في احتواء الانفلات الأمني منذ اللحظة الأولى: «بدأت الفوضى عند الخامسة فجراً واستمرت حتى الثانية ظهراً. كانت المؤسسات الأمنية والحكومية تُنهب بالكامل، بعضها تعرض للحرق مثل مبنى الهجرة والجوازات في الزبلطاني». ويضيف: «رأيت أطفالاً يعرضون أسلحة للبيع ولصوصاً يسرقون السيارات».

أغلق شباب الحي الحارات بالسيارات حتى وصول «هيئة تحرير الشام» بعد الظهر. الخوف الأكبر كان من احتمال وقوع مجازر. يقول يوسف: «فجأة وجدنا أنفسنا أمام مسلحين (...) ذهبنا إليهم وطلبنا وضع حد للفوضى. وكانوا متعاونين».

وبحسب شهادة يوسف، فإن أعمال العنف لم تحدث بالمعنى المنظم في الأشهر الأولى، بل كانت هناك حوادث بالفعل واستفزازات، بسبب الخوف المسبق وسوء الفهم والجهل المتبادل بالآخر.

رفض أهالي الأحياء المسيحية تسلم السلاح من السلطة الجديدة خشية أن يجر ذلك إلى «خراب»، مفضلين الاعتماد على «الكثرة العددية» في حال حدوث طارئ، واللجوء إلى قوى الأمن لمواجهة الخطر عند الحاجة. وقد ساعد ذلك في إحباط هجوم مسلح والتصدي لسيارات رفعت شعارات طائفية.

سيدة سورية تُلوِّح بعلامة النصر حاملة باقة ورد في «ساحة الأمويين» بدمشق احتفالاً بإعلان إطاحة الأسد (أرشيفية - أ.ف.ب)

«أوقفنا 200 لص»

بعد عام على سقوط النظام، يقول سكان من الجسر الأبيض إن لجان المجتمع الأهلي التي تشكلت لعبت دوراً أساسياً في سد الفراغ الأمني إلى حد ما، خاصة في الأشهر الثلاثة الأولى، مشيرين إلى أن أكثر من 200 لص أُوقفوا في ذلك الحي وحده.

محمد الفقي يروي: «في تلك الأشهر عملنا في كل شيء؛ تنظيم السير، الحراسة، ملاحقة العصابات، الإسعاف، تأمين ذهاب الأطفال للمدارس. لم يكن هناك خيار آخر لحماية أهلنا».

ويضيف الفقي أن التحدي الأكبر كان غياب القدرة على التمييز بين رجال السلطة الحقيقيين ومنتحلي الصفة.

يضحك أبو جبريل وهو يستعيد ذكريات الأسبوع الأول: «كنا مجانين. نحمي الحي بلا سلاح ولا تدريب. تعرضنا لإطلاق نار مرات عدة، ومع ذلك واصلنا السهر كل ليلة على أمن الحارات».

هكذا، في تلك الليلة الرهيبة التي سقط فيها نظام بشار الأسد وعمت الفوضى، لم تنزلق دمشق إلى الهاوية التي خاف منها الجميع. وقام أهلها بحمايتها عبر ارتجال قرار جماعي.


السوريون يحتفلون بـ«حق العودة»... والمغيبون قسراً أبرز الحاضرين

امرأة تمرّ بجانب عرضٍ لجوارب تحمل رسومات ساخرة من بشار الأسد وحافظ الأسد في إحدى أسواق دمشق (د.ب.أ)
امرأة تمرّ بجانب عرضٍ لجوارب تحمل رسومات ساخرة من بشار الأسد وحافظ الأسد في إحدى أسواق دمشق (د.ب.أ)
TT

السوريون يحتفلون بـ«حق العودة»... والمغيبون قسراً أبرز الحاضرين

امرأة تمرّ بجانب عرضٍ لجوارب تحمل رسومات ساخرة من بشار الأسد وحافظ الأسد في إحدى أسواق دمشق (د.ب.أ)
امرأة تمرّ بجانب عرضٍ لجوارب تحمل رسومات ساخرة من بشار الأسد وحافظ الأسد في إحدى أسواق دمشق (د.ب.أ)

أن تزور دمشق بعد عام على سقوط نظام الأسدين، وعشية استعداد البلاد لإحياء الذكرى الأولى لـ«التحرير» في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2025، فأنت تعايش أياماً أقرب إلى «وقفة عيد»، وتمشي حاملاً مجهراً يغرقك في تفاصيل ومقارنات لا تنتهي. مقارنات لا تقتصر على ما عاينته وشهدته بعين خارجية قبل عام فحسب، بل بما تختزنه 15 عاماً من أثقال وأهوال، وما تتفتح عنه ذاكرة محدثيك من تجارب شخصية وعامة و«تروما» متراكمة باختلاف الأجيال.

«وقفة عيد» عبارة قد تختصر المشهد العام في وسط العاصمة السورية في الأيام القليلة الماضية، بكل ما تحمله من تجهيزات وزينة وفرح، كما وغصّة وتعطيل للعمل وتسيير الأمور، حيث يقابل أي ترتيب بسيط بعبارة «إن شالله لبعد الاحتفالات».

فتاة تحمل العلم السوري خلال الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى للإطاحة بنظام الأسد في دمشق (أ.ب)

حقبة سوداء انتهت

وأجواء الاحتفالات تلك تبدأ منذ نقطة العبور الحدودية من لبنان لجهة معبر المصنع؛ لافتات كبيرة على طول الطريق المؤدي إلى دمشق ترفع شعارات «انتهت الحقبة السوداء... وأشرق وجه البلاد» و«كتف بكتف، يد بيد، نبني الوطن»، و«وطن واحد... شعب واحد» وغيرها من الملصقات الحديثة التي صممت كلها بحسب «الهوية البصرية» الجديدة ذات العقاب الذهبي.

تلك الشعارات والعلم الجديد كما وشعار النسر، خطّت على أسوار المواقع العسكرية التي أخلاها النظام السابق، وعند مدخل البلدات ومركز الفرقة الرابعة على طريق بيروت - دمشق فحلّت محل شعارات «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» و«قائدنا إلى الأبد» وغير ذلك من صور وعبارات انطبعت في اللاوعي الجمعي السوري.

ولئن لاقت الهوية البصرية الجديدة التي أعلن عنها صيف 2024 انتقادات واسعة لجهة أنها «ليست من الأولويات» في بلد منهك ومدمر، لكن الواقع على الأرض يجانب تلك الحقيقة وقد لا يصيبها تماماً. ذاك أن «الهوية البصرية» في النظام السابق كانت عملاً ممنهجاً ودؤوباً وجزءاً أساسياً من تركيز النفوذ وتثبيته في النفوس، يبدأ من دفاتر تلامذة الروضات وصبورات الصفوف المدرسية ولا ينتهي عند صور وتماثيل هائلة احتلت الساحات والفضاءات العامة.

لذا ليس من قبيل الصدفة أن يكون أول ما بدأ تهشيمه وتكسيره وتمزيقه لحظة سقوط النظام السابق هو «أيقوناته» ورموزه البصرية، فكان لا بد من إشغال ذلك الفراغ البصري بما يعكس طبيعة السلطة الجديدة عوضاً عن تركه عرضة لعشوائية فصائلية ومناطقية كانت بدأت تظهر مطلع العام الماضي. وبشيء من السخرية يقول قائل إنه لولا الحاجة للتعامل بالأوراق النقدية والعملة السابقة لعمد كثيرون إلى إحراق الأموال التي تحمل رموز النظام السابق.

لكن، وفي سياق نبذ كل ما له صلة بما مضى وتجذير ما حضر، ذهب كثيرون خطوات أبعد في تبني «الهوية البصرية» الجديدة في الملبس والمظهر والسلوك الاجتماعي. ففي حين «تشذبت» اللحى وقصر طولها وخف إلى حد بعيد مظهر مقاتلي «هيئة تحرير الشام» بشعورهم الطويلة وأزيائهم الغريبة، كما كان الحال قبل عام من اليوم في دمشق، باتت اللحية عموماً خفيفة منمقة أو شبه محفوفة الشوارب، هي السمة الطاغية للشباب والرجال.

وتحوّل النسر الذهبي إلى أزرار تعلق على الأكمام والياقات لألبسة رسمية تغلب عليها التصاميم التركية، ولا تقتصر على الموظفين الحكوميين، وإنما امتدت إلى أي شاب مدني يعمل في القطاع الخاص وراغب بأن يشبه عصره.

وإذ صهرت أجهزة الدولة الناشئة المقاتلين السابقين في قنواتها الرسمية وأبرزها جهازي الشرطة والأمن العام، تبدلت أزياء العسكريين السابقين أيضاً من قميص وشروال أو بزّات مموهة بحسب الفصيل العسكري، وانسحبت من المشهد العام ليحل محلها لباس أسود موحد وأوجه مكشوفة وسلاح غير ظاهر ولا محتفى به. وهؤلاء هم «موضة» المراهقين واليافعين الذين شاع بينهم اللون الأسود، وباتوا غير صابرين على نمو لحاهم، تطبعاً بنموذج رجل السلطة الجديد.

هذا التغيير المشهدي، البسيط ربما في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها سوريا اليوم، امتص جزءاً كبيراً من غضب الدمشقيين المكبوت وتوجسهم حيال حكامهم الجدد القادمين من أرياف ومحافظات بعيدة. فمعلوم أنه في بلد شديد المركزية كسوريا، لا نجاح في امتحان عام قبل اجتياز اختبار دمشق. ودمشق اليوم، وعلى رغم التحديات والانتظارات الكثيرة... في وقفة عيد.

ذهب سوريون خطوات أبعد في تبني «الهوية البصرية» الجديدة في الملبس والمظهر والسلوك الاجتماعي (أ.ب)

رايات بيض

ازدحامات خانقة تحيل الوصول إلى أي مكان أشبه بمعجزة، ومواكب جوالة بالأعلام ورايات التوحيد البيضاء، وشوارع تغلق عصراً في محيط ساحة الأمويين، فتزيد اختناق الشوارع الداخلية. شبكة الهاتف مثقلة. الفنادق متخمة. حجوزاتها مغلقة بأسعار صاروخية حتى تلك التي كانت عريقة وفاخرة ذات يوم وتوقف بها الزمن في نهاية الثمانينيات فبقيت اليوم مجرد أطلال شاهدة على العصر.

رواد الفنادق يتراوحون بين مغتربين سوريين، ومشاركين في ندوات وورشات عمل لناشطين في المجتمع المدني، ووفود أجنبية ودبلوماسية على أرفع المستويات، وصحافة محلية وعالمية، وتجار ومقاولون وعناصر أمن وفدوا من المحافظات والمناطق البعيدة، ومجرد فضوليين يتسكعون في البهو ما أتيح لهم ذلك.

أحد القواسم المشتركة بين هؤلاء كلهم وغيرهم ممن غصّت بهم دمشق، أنهم كانوا قطعوا الأمل بالعودة يوماً إلى بلدهم، واليوم يغرفون منها ما استطاعوا. عائلات بأكملها أتيح لها خلال العام الماضي احتضان أبناء وبنات منفيين منذ أكثر من عقد، ولقاء أحفاد لم يشهد الأجداد على ولادتهم، وفي أحسن الأحوال تعرفوا إليهم عبر شاشات الهواتف. شباب وشابات غادروا يافعين هرباً من اعتقال وموت محتم، وعادوا اليوم رجالاً ونساء في منتصف العمر يحاولون حشر أجسادهم الكهلة في أسرّة الصبا.

وكما في وقفة كل عيد، فإن مشاعر البهجة والحبور لا تطرق بعض الأبواب إلا محمّلة بدمع كثير. ولعل سكان المناطق المدمرة سواء في المخيمات البعيدة أو في الأحياء المحاذية لمنصة الاحتفالات في ساحة الأمويين، وأهالي المفقودين والمخفيين قسراً أكثر من تبتلع الغصة فرحتهم اليوم وهم مدركون أن طريقهم طويل وعسير. إنهم أبرز الحاضرين في هذه الذكرى، إذ لا تخلو عائلة من فقيد أو مفقود لا تزال تبحث له عن أثر أو رفاة لإتمام مراسم الدفن والعزاء.

لكن أيضاً فإن تجمعات الأهلية سواء لأهالي المفقودين أو المنظمات الحقوقية كما وأصحاب الأعمال وغيرهم من التجمعات، عادوا ونقلوا نشاطهم إلى داخل بلدهم وعقدوا اللقاءات ورفعوا المطالب من وسط عاصمتهم. وفي ذلك لا شك كسب كبير.

صورة عامة لمئات الأشخاص في ساحة العاصي خلال الاحتفالات في مدينة حماة (إ.ب.أ)

غلبني الشوق

أكثر من أي شيء، هو احتفاء بـ«حق العودة» الذي حرم منه السوريون لعقود مضت وسبقت أحياناً ثورة 2011. يقول رجل أربعيني عاد واستقر في دمشق بعد 13 عاماً قضاها في إسطنبول: «أنا عائد لأنني ببساطة مشتاق. مشتاق لأهلي وحارتي وحياتي التي وإن كرهتها آنذاك، تركتها مرغماً ومطروداً».

وفي معرض حديثه عن بعض من يحاولون تأطير خيارات الأفراد في سياقات سياسية عامة كـ«المساهمة في بناء سوريا الجديدة» وغيره من عناوين برّاقة يقول: «أعتقد أنني كنت أساعد بلدي وناسي بأشكال كثيرة حتى وأنا في الخارج. ولكني اليوم عدت لأنه غلبني الحنين. ويجب أن يكون الحق بالشوق حجة كافية للعودة. الحق في أن أختار عودتي بمعزل عن درجة الرضا أو عدم الرضا عن شكل الحكم وأداء السلطة الوليدة».

تلك عبارة تختصر الكثير من حال السوريين اليوم، داخل دمشق وخارجها ممن التقيناهم حتى في المحافظات البعيدة. كأن الناس يحتفلون عملياً باستعادة حقهم في تقرير مصائرهم.

وفيما يبدو أنه ليس للسياسة حيّز كبير اليوم، غير أن الفيل الحاضر في كل مجلس قرارات الحكومة والأداء الإعلامي والحقوقي وسلوك الشرطة وأحداث الساحل والسويداء والعلاقة بـ«قسد» وارتفاع الأسعار وتجاور الفقر والثروة وإغفال ملفات المغيبين والمخفيين في السجون، ذلك كله وغيره الكثير يجري تشريحه ويوضع تحت المجهر بصوت عالٍ، في الشارع والمقهى والمطعم كما لو أنه فعلاً لم يعد للجدران آذاناً. يضحك محدثي من هذا التشبيه ويقول: «بالفعل، لم يعد للجدران آذان... ولكن لغير الجدران أيضاً. كل يفعل ما يشاء. الأفراد والجمعيات والوزارات والمحافظون ورجل الشرطة في سوق الحميدية... كأن الجميع استعاد لسانه وقطع أذنيه».