انتخاب المغرب رئيساً لمجلس حقوق الإنسان يضع على عاتقه مسؤوليات كبيرة

حقوقيون يرون أن المملكة شهدت تطورات إيجابية كثيرة في مجال الحريات رغم التحديات

عبد الإله بن عبد السلام المنسق العام للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان (الشرق الأوسط)
عبد الإله بن عبد السلام المنسق العام للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان (الشرق الأوسط)
TT

انتخاب المغرب رئيساً لمجلس حقوق الإنسان يضع على عاتقه مسؤوليات كبيرة

عبد الإله بن عبد السلام المنسق العام للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان (الشرق الأوسط)
عبد الإله بن عبد السلام المنسق العام للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان (الشرق الأوسط)

شهد مجال حقوق الإنسان على مدى تاريخ المغرب تطورات كثيرة؛ وفي السنوات الأخيرة أُجريت عدة إصلاحات، حسب حقوقيين، لكن ما زالت هناك تحديات تتعلق بجوانب في هذا الملف.

ففي الوقت الذي يلاحَظ بعض التحسن في مجال حقوق المرأة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يرى بعض المراقبين أن القضايا المتعلقة بحريّة التعبير في سياق النشاط السياسي ما زالت تواجه انتقادات. في هذا السياق، رأى عبد الإله بن عبد السلام، المنسق العام للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، أن انتخاب المغرب لرئاسة الدورة الـ18 لسنة 2024 لمجلس حقوق الإنسان، عقب رئاسة التشيكي فاكلاك باليك، بمنزلة «تكليف يضع مسؤوليات على المغرب، وله عواقبه السياسية والحقوقية محلياً ودولياً». وانتُخب المغرب لرئاسة المجلس التابع للأمم المتحدة في العاشر من يناير (كانون الثاني) الجاري، بعد أن حظي بتأييد 30 عضواً من مجموع أعضاء المجلس، البالغ 47 عضواً مقابل 17 صوتاً لجنوب أفريقيا. ويعد هذا الحدث الأول من نوعه في تاريخ المغرب. وقال ابن عبد السلام في حوار مع «وكالة أنباء العالم العربي» إن هذا التكليف «يضع مسؤوليات كثيرة على المغرب، خصوصاً أمام الوضع السيئ لحالة حقوق الإنسان في البلاد، ما يستوجب توفّر إرادة فعلية لدى الحكومة لتغييرها لتكون في مستوى الانتظارات التي تفرضها المهمة التي تقع على أي دولة تتحمل مسؤولية رئاسة دورة من دورات مجلس حقوق الإنسان». وأضاف ابن عبد السلام موضحاً: «نعتقد في الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، وانطلاقاً من الأدوار التي أضطلع ويضطلع بها الائتلاف في حثّ الدولة المغربية على الانخراط في المنظومة الحقوقية الأممية، أن على المغرب أن يقدم نموذجاً في السلوك الحقوقي، الذي يتعين الالتزام به مستقبلاً من أي دولة ترغب في الحصول على ثقة بقية الدول لرئاسة دورات المجلس».

انتقادات ومطالبات

أوضح ابن عبد السلام أن على المغرب «تقديم السيرة الذاتية لحالة حقوق الإنسان بالبلاد في لحظة تولّيه المسؤولية... ليُظهر للعالم أنه الدولة التي لا تعرف خروقات أو تجاوزات أو انتكاسات في مجال حقوق الإنسان من كل أجيالها، ولتتطلع إليه أنظار شعوب العالم وهيئاته الدولية والمحلية التي ما زالت تعاني ويلات الممارسات المنافية لكرامة الإنسان وحياته ومستقبله». وقال ابن عبد السلام بهذا الخصوص: «للمغرب مهام كثيرة عليه الاضطلاع بها وبشكل مستعجَل، ليبرهن على أن له كل الإمكانات لكي يدافع عن ملف حقوق الإنسان في شتى أنحاء العالم، وأن باستطاعته التصدي بحزم لكل التجاوزات التي يتعرض لها الفاعلون والنشطاء، من دون أي اعتبار لجنسياتهم أو لغتهم أو قناعاتهم السياسية وغير السياسية». مشيراً إلى أن الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان تَقدَّم برسالة مفتوحة يوم الأحد الماضي لرئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، من أجل دعوته إلى تحسين حالة حقوق الإنسان في البلاد، «وتنفيذ الالتزامات التي أخذتها الدولة على عاتقها» في هذا المجال أمام المجتمع الدولي.

الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان تقدم برسالة إلى رئيس الحكومة المغربية لدعوته لتحسين حالة حقوق الإنسان بالبلاد (ماب)

وطلب الائتلاف من رئيس الحكومة اتخاذ المبادرات كافة، التي يتطلبها تحسين وضع حقوق الإنسان في المغرب، ومنها وقف ما وصفها بظاهرة الاعتقال «لأسباب سياسية أو حقوقية أو نقابية أو بسبب الرأي والتعبير». مشدداً على «الإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين كافة، من معتقلي الرأي والصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، والمدونين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي».

في هذا السياق قال ابن عبد السلام إن الائتلاف «يطالب أيضاً بوقف الممارسات غير المشروعة، التي يواجهها بعض المنظمات، وفرض احترام حق تأسيس الجمعيات، ومنع عرقلة أنشطتها، أو عقد مؤتمراتها، أو الامتناع عن تسليم الوصولات المفروضة قانوناً عند وضع ملفاتها لدى السلطات المحلية». مضيفاً أنه «يجب أيضاً احترام الحق في الحياة، والحق في السلامة البدنية والأمان الشخصي، من خلال إلغاء عقوبة الإعدام، وضمان الحماية من كل أشكال التعذيب، وحماية النساء من العنف والتمييز، ومن كل أشكال الاستغلال، وكذا وقف سياسة الامتيازات والإفلات من العقاب».

واستطرد ابن عبد السلام قائلاً: «يجب على الحكومة كذلك تطبيق الخطة الوطنية لمحاربة الفساد والرشوة في القطاعات والمرافق والمؤسسات كافة، وجعل التبليغ عنها واجباً على كل مواطن، ووقف التهديد بالمتابعة ضد المبلغين ومحاربة تضارب المصالح، والجمع بين السلطة وممارسة الأنشطة المالية والاقتصادية والتجارية، ومحاربة تهريب المال العام ومناهضة الاغتناء غير المشروع». كما تضمنت المطالب في الرسالة «ضمان الحق في العمل، والحق في الصحة والبيئة السليمة والمساواة المجالية والترابية، وتوزيع الثروات الوطنية».

«خطوات جبارة... وصيت كبير»

في المقابل، يرى أحمد فطري، أمين عام حزب الوحدة والديمقراطية (وسط محافظ)، أن المغرب «خطا خطوات جبارة في مجال حقوق الإنسان، والصيت المغربي على الصعيد الدولي في هذا المجال هو صيت كبير». لكنه استدرك قائلاً: «يبقى فقط انعكاس هذا الحدث على الواقع السياسي المغربي؛ الذي يجب أن يكون أكثر فاعلية، لأن الساحة السياسية المغربية ما زالت تشهد كثيراً من الهزات، التي لا تتناسب مع الحدث»، وذلك في إشارة إلى انتخاب المغرب لرئاسة مجلس حقوق الإنسان.

وينظر فطري إلى هذا الانتخاب على أنه «تكليف يجب أن ينعكس على الممارسة السياسية للمواطن المغربي، بحيث إن هذا الأخير ما زال لا يمارس السياسة، ولا يستشعر الحاجة إلى الانتماء الحزبي بالشكل المطلوب». مشيراً إلى أن هناك عوامل متعددة أدت إلى الأوضاع التي يعيشها المغرب اليوم على المستوى السياسي والحقوقي، موضحاً أن ذلك «يجب ألا ينعكس على هذا الحدث العالمي المهم، ويؤثر سلباً في الممارسة السياسية بالبلاد، وفي الانتماء الحزبي بصفة خاصة، حيث إن هناك شكوى عامة من الأحزاب السياسية في هذا الشأن».

وأضاف أمين عام حزب «الوحدة والديمقراطية» في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، أن على الدولة بمختلف مكوّناتها، من أحزاب سياسية وقطاعات فاعلة، أن تعمل جاهدة لتجعل هذا الحدث ينعكس بشكل أقوى داخلياً على مستوى حقوق الإنسان، «الذي ما زال يشكو من هزات كثيرة، وعلى الممارسة السياسية حتى تكون ممارسة نقية، تُفضي إلى انتخابات نزيهة، مع عدم التمييز بين حزب وآخر فيما يخص الدعم». موضحاً أن «المثقفين المغاربة، الذين من المفترض أن يكونوا النبراس والقادة والمنظرين، لا يلتفتون إلى العمل السياسي؛ وبالتالي فالحديث عن حقوق الإنسان في ظل هذه الأوضاع يبقى حديثاً ناقصاً مبتوراً».


مقالات ذات صلة

مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

العالم العربي سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)

مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

أعلنت السلطات المغربية، الأحد، مصرع 4 أشخاص بعدما جرفتهم سيول قوية في اليوم السابق في شمال البلاد، نتيجة هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا جانب من احتجاجات المحامين أمام مقر البرلمان المغربي في الرباط (أ.ف.ب)

محامون يتظاهرون في المغرب ضد مشروع قانون «يمس استقلالية» المهنة

تظاهر آلاف المحامين المغاربة، الجمعة، أمام مقر البرلمان في الرباط للمطالبة بسحب مشروع قانون لتحديث المهنة، يرَون أنه «يمس باستقلالية وحصانة الدفاع».

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عربية وليد الركراكي باق في تدريب المغرب (رويترز)

الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تنفي استقالة المدرب وليد الركراكي

نفت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم التقارير الصحافية التي قالت إن مدرب المنتخب الأول وليد الركراكي قدم استقالته من منصبه الجمعة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
رياضة عربية وليد الركراكي المدير الفني لمنتخب المغرب (رويترز)

«فوت ميركاتو»: الركراكي استقال من تدريب المغرب

فجَّر تقرير صحفي، الجمعة، مفاجأة من العيار الثقيل بإعلان وليد الركراكي، المدير الفني لمنتخب المغرب، تقدمه باستقالته من تدريب أسود الأطلس.

مهند علي (الرياض)
شمال افريقيا جانب من الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير شمال المغرب (إ.ب.أ)

إجلاء أكثر من مائة ألف شخص تحسباً لفيضانات شمال غربي المغرب

ارتفعت حصيلة الأشخاص الذين تم إجلاؤهم من عدة مناطق شمال غربي المغرب، تحسباً لفيضانات محتملة وشديدة الخطورة، إلى أكثر من مائة ألف شخص.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)
محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)
TT

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)
محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً، ما أفضى إلى إطلاق سراح 17 متهماً من أصل 18؛ بينما بقي القيادي السبعيني، علي بن حجر، رهن الحبس لاستكمال عقوبته التي تنتهي العام المقبل، لكونه المتهم الرئيسي والمحرك الفعلي للمبادرة المنسوبة للمجموعة.

وأصدرت محكمة الجنايات الاستئنافية بالجزائر العاصمة، الأحد، أحكاماً متفاوتة بالسجن على المتهمين؛ حيث قضت بالحبس النافذ لمدة 3 سنوات في حق بن حجر، والحبس سنتين حبساً نافذاً لكل من: الزاوي أحمد، رحماني محفوظ، قرفة بدر الدين، يوسف بوبراس، تركمان نصر الدين، سعدي مبروك، مكي سي بلحول، حشماوي بن يمينة، كانون كمال، خنشالي مرزوق، بودشيش قدور، برحال شمس الدين، شهيد محمد، بن عيسى محمد، درعي مختار، ومولود حمزي.

وقضت المحكمة ببراءة القيادي بلقاسم خنشة من كافة التهم المنسوبة إليه.

قادة «جبهة الإنقاذ» المتهمون بالمس باستقرار البلاد (حسابات ناشطين من الجبهة)

يأتي هذا بعد استئناف الحكم الابتدائي الصادر عن «محكمة الجنايات بالدار البيضاء» يوم 26 يونيو (حزيران) 2025، وبعد ما يقارب 28 شهراً من الحبس الاحتياطي. وكانت الأحكام الابتدائية تتراوح بين السجن 3 سنوات والسجن المؤبد.

وغطت أحكام محكمة الجنايات الاستئنافية الصادرة الأحد فترة السجن بالنسبة إلى 17 متهماً؛ حيث عادوا إلى بيوتهم في يوم المحاكمة نفسه، بينما يبقى علي بن حجر في السجن عاماً آخر؛ حيث يشار إليه في لائحة الاتهامات بأنه «رأس» المبادرة التي صدرت عن المجموعة، والتي كانت سبباً في المشكلات التي واجهتها مع الجهاز الأمني والقضاء.

«إغلاق ملف التسعينيات»

تعود أحداث القضية إلى أواخر سبتمبر (أيلول) 2023، حين نشر بن حجر مقطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي، قرأ فيه بياناً منسوباً إلى «أطر الجبهة الإسلامية للإنقاذ الأصيلة».

علي بن حجر (حسابات ناشطين إسلاميين)

وتضمَّن البيان انتقادات لاذعة للوضعين السياسي والاقتصادي في البلاد، ودعا إلى «رفع التضييق المفروض على الفاعلين السياسيين»، إضافة إلى المطالبة بالإفراج عن نحو 30 سجيناً من التيار الإسلامي، محكوماً عليهم بالسجن المؤبد منذ تسعينيات القرن الماضي على خلفية قضايا مرتبطة بـ«الإرهاب»، وذلك في سياق المواجهات التي اندلعت بين الجماعات الإسلامية المسلحة وقوات الأمن، عقب تدخل الجيش لإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت بها «الجبهة» أواخر عام 1991.

كما شدد البيان على ضرورة الإفراج عن علي بن حاج، نائب رئيس «الجبهة» السابق، والخاضع للإقامة الجبرية منذ نحو عامين، إلى جانب المطالبة بإطلاق سراح مائتي ناشط من الحراك الشعبي، والذين تصفهم المنظمات الحقوقية بالمعتقلين السياسيين، في حين ترفض السلطات هذا الوصف.

علي بن حاج نائب رئيس «جبهة الإنقاذ» سابقاً (الشرق الأوسط)

وتم اعتقال بن حجر وبقية الموقعين على البيان، وأحيلوا إلى النيابة ثم قاضي التحقيق الذي وجَّه لهم تهمة «المسِّ بوحدة الوطن»، وأمر بحبسهم على ذمة التحقيق.

وأثارت هذه الخطوة استياء السلطات التي عدَّتها «محاولة لإعادة بعث نشاط (الجبهة الإسلامية للإنقاذ)» المحظورة قانوناً. وذهب متابعون إلى أن توقيف المعنيين ومحاكمتهم يحملان دلالات واضحة، مفادها توجيه إنذار لبقية المنتمين أو المتعاطفين مع «جبهة الإنقاذ» من مغبة القيام بأي تحركات أو مبادرات سياسية مماثلة على أرض الواقع.

وبرأي المراقبين، تختزل هذه القضية وأحكامها سعي السلطات إلى إغلاق «ملف تسعينيات القرن الماضي» ورموزه نهائياً؛ حيث ينص «قانون المصالحة الوطنية» الصادر عام 2006 على فرض عقوبات ضد كل من يتناول - بمن فيهم الصحافيون - قضايا المجازر، أو الاغتيالات، أو حالات الاختفاء القسري التي شهدتها البلاد خلال تلك الفترة.

خطاب عسكري بمضمون سياسي

من جهة أخرى، هاجمت وزارة الدفاع بشدَّة، عبر عدد مجلة «الجيش» الصادر يوم الاثنين، ما وصفته بأنه «محاولات بائسة ويائسة لعرقلة وكبح مسيرة الجزائر» التي قالت إنها أصبحت «واحة للأمن والاستقرار والسكينة، وهي كذلك ورشة كبرى مفتوحة لمشروعات استراتيجية». ولم تذكر النشرة العسكرية الشهرية مَن تستهدفه بالتحديد.

عمود مجلة «الجيش» الذي تضمَّن هجوماً حاداً على معارضين في الخارج (مجلة الجيش)

يجيء هذا في الوقت الذي أشار فيه الرئيس عبد المجيد تبون - وهو أيضاً وزير الدفاع - خلال مقابلة بثها التلفزيون العمومي مساء السبت الماضي، إلى فرنسا، متهماً إياها بـ«ضرب» مشروع لتصدير الحديد والصلب من الجزائر إلى أوروبا.

وحمل تقرير مجلة «الجيش» تلميحاً واضحاً لمعارضين في الخارج عُرفوا بنشاطهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، حين تحدثت عمَّن وصفتهم بأنهم «عملاء لأعداء الجزائر، باعوا أوطانهم وأنفسهم بأبخس الأثمان». أما عن «الأعداء»، فقد أكدت المجلة أنهم «يُضمرون للجزائر حقداً دفيناً... وحتماً سيكون مصير مخططاتهم الخبيثة الفشل».

وقالت المجلة إن ما ينشره المعارضون من «مضامين فارغة المحتوى، هزيلة الشكل، هي مهازل سيئة الحبكة والأداء، تندرج في سياق الحملات التضليلية القذرة ضد بلادنا، والتي لن تبلغ أبداً منتهاها، ولن تحقق أهدافها الخسيسة، وستبقى مجرد رماد تذروه الرياح، وسحابات صيف عابرة، لا تعطي ظلاً ولا تمنح غيثاً».

وتعكس المجلة مواقف القيادة العليا للجيش حيال القضايا المحلية والدولية، وتتعامل الصحافة الجزائرية مع عمودها الشهري الثابت بوصفه توجيهات صادرة عن أعلى هرم في الدولة، تسمح مضامينه باستشراف الخلفيات غير المعلنة للقرار السياسي الرسمي.


السودان يعود إلى منظمة «إيغاد» بعد عامين من خروجه منها

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى منظمة «إيغاد» بعد عامين من خروجه منها

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو الذي يقاتل القوات الحكومية منذ عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس»، الاثنين: «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وجمّد السودان عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان.


محمية «السنط» الطبيعية السودانية تتعرض لاعتداء بيئي بشع

مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)
مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)
TT

محمية «السنط» الطبيعية السودانية تتعرض لاعتداء بيئي بشع

مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)
مشهد لما تبقى من أشجار السنط التي كانت تشكل محمية طبيعية للخرطوم (الشرق الأوسط)

في الأشهر الأولى لاندلاع الحرب منتصف أبريل (نيسان) 2023، شهدت «غابة السنط»، وهي محمية طبيعية تقع على ضفاف النيل الأبيض بالعاصمة الخرطوم، لعملية إبادة جماعية وقطع جائر للأشجار لإنتاج الأخشاب التي أصبحت المصدر الوحيد لطهي الطعام وتشغيل أفران الخبز بعد نفاد مصادر الطاقة وانقطاع الكهرباء وانقطاع إمداد سلاسل غاز الطبخ.

ورصدت «الشرق الأوسط«» حجم التخريب والدمار والقطع العشوائي والاحتطاب داخل الغابة، وهي واحدة من أعرق وأكبر المحميات الطبيعية داخل العاصمة الخرطوم، وقد أُدرجت رسمياً ضمن منظومة المحميات منذ عام 1939.

تُعَدُّ غابة «السنط» القريبة من مقرن النيلين، من أعرق المساحات الخضراء الطبيعية في الخرطوم؛ فهي واقعة على الضفة الشرقية للنيل الأبيض قرب ملتقى النيلين، وهي غابة مركزية محجوزة مساحتها 34.482 فدان موزعة على النحو الآتي: مساحة المرابيع المزروعة حوالي 25 مربوعاً تساوي 45.453 فدان؛ الطرق والشوارع 39.8 فدان، والحديقة الشجرية والمشتل 50.20 فدان.

وتساهم الغابة في امتصاص الغازات التي تنبعث من المصانع وعوادم السيارات والمنشآت الصناعية، والكثافة السكانية الناتجة عن عمليات النزوح والهجرات الجماعية بسبب الحروب والجفاف.

جريمة بشعة

أطلقت الأيام الماضية مبادرة رصد التعديات البيئية وتعزيز وعي المجتمع بقضايا الطبيعة، فوجهت نداءً عاجلاً لوقف الاعتداء على غابة «السنط»، والوقف الفوري لأعمال قطع الأشجار والتجريف الجارية في المنطقة.

ويقول رئيس السابق للمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية بولاية الخرطوم بشرى حامد: «ما شهدته غابة السنط يعد واحداً من أبشع الجرائم البيئية في تاريخ ولاية الخرطوم، وتحتاج إلى توثيق ودراسة شاملة وتحديد تكلفة الضرر ووضع خطة وبرنامج ومشروع عملي علمي بيئي قابل للتمويل والتنفيذ وفق خطة زمنية محددة».

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أوضح: «قطع الأشجار يؤثر سلباً على هجرة الطيور بالنسبة للعالم والبيئة، وهجرة الطيور حال توقفها فهذا يعني توقف مسألة التنوع الحيوي والإحيائي في العالم ما يؤثر على البيئة بصورة كبيرة جداً».

وتعد «الغابة» موئلاً لكثير من الكائنات الحية التي تلعب دوراً كبيراً في البيئة من خلال تفاعلها مع بعضها البعض وتشكيل البيئة الحيوية الموجودة في تلك المنطقة».

خسارة التنوع الحيوي

سبق أن نفذت الإدارة العامة للمباحث الجنائية المركزية حملة كبرى لحماية غابة السنط بالخرطوم من الأنشطة السالبة، مثل الحرق والإتلاف والقطع الجائر الذي تعرضت له الغابة خلال الفترة الماضية.

وقال خبير البيئة وتغيرات المناخ نور الدين أحمد لـ«الشرق الأوسط»: «غابة السنط تتمثل أهميتها في أنها بيئية وعلمية وثقافية وسياحية، والطيور المهاجرة من أوروبا تستريح في تلك الغابة لتميزها، وهي موئل بيئي متميز لملايين الكائنات الحية، وتعد من أعرق المساحات الخضراء في الخرطوم».

وأضاف: «بعد اشتعال الحرب وانعدام مصادر الطاقة، لجأ الناس إلى الغابة وقطع الأخشاب لطهي الطعام وتشغيل الأفران لإنتاج الخبز، فحدثت إبادة بيئية، ينتظر أن تكون لها عواقب بيئية وفقدان التنوع الحيوي للطبيعة».

وشدد الخبير البيئي على «أهمية وقف التعديات على غابة السنط، وإعادة الحياة إليها مرة أخرى للحفاظ على التوازن الطبيعي والتقليل من وتيرة التغير المناخي المحلي».

محمية محجوزة

اكتسبت الغابة اسمها من أشجار «السنط» التي كانت تنمو فيها بكثافة، وتلعب دوراً تعليمياً مهماً، فقد أنشئت مدرسة خبراء الغابات منذ عام 1946 لتدريب كوادر الغابات من الخبراء والملاحظين على تقنيات وإدارة وزراعة الغابات.

وخرجت المدرسة الرعيل الأول من فنيّ الغابات الذين كان لهم الدور العظيم في زراعة الغابات في كل مناطق السودان، من جبال وهضاب وأودية وسهول وصحارٍ.

وأوضح أستاذ الغابات والموارد الطبيعية بروفسور طلعت دفع الله أن «غابة السنط» واحدة من أكبر المساحات الطبيعية على الضفة الشرقية للنيل الأبيض، وقريبة من ملتقى النيلين وهي غابة مركزية محجوزة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الغابة مسجلة في الجريدة الرسمية (الغازيتا) بالرقم 563 بتاريخ 15 يونيو (حزيران) 1932، وهو العام الذي صادف أول سياسة للغابات في السودان، وصدور قانون الغابات المركزية وقانون غابات المديريات.

وأكد أن «الغابة تكتسب أهميتها التعليمية وأنشئت بها مدرسة خبراء الغابات عام 1946 وتدريب أول كوادر لخبراء الغابات وتخريج الرعيل الأول من فنيي الغابات والملاحظين الذين استزرعوا غابات السودان في الجبال والهضاب والأودية والسهول والصحاري في البلاد».

ووفقاً للأكاديمي المختص، فإن الغابة تعد ملاذاً للتنوع الإحيائي، تعمل عليها كل من المراكز البحثية: «مجلس الطيور العالمي، الإدارة العامة للحياة البرية، مركز الحياة البرية، كليات الموارد الطبيعية بالجامعات السودانية، جمعية الحياة البرية»، وترصد حركة الطيور المهاجرة والمستوطنة التي تغشى الغابة بأعداد كبيرة.

وأشار دفع الله إلى أن الخرطوم ازدحمت بالمصانع والسيارات ما أدى إلى تلوث بيئي، والغابة تعتبر مستودعاً لامتصاص الغازات الكربونية وتساهم في امتصاص السموم باعتبارها الغابة الطبيعية الموجودة وسط الخرطوم.

وقال: «القيمة السياحية للغابة تقدم خدمة جليلة للشعب السوداني وهي الرئة الوحيدة لتنفس الهواء بعد إزالة حزام الخرطوم الأخضر، بالتالي هي متنفس طبيعي لسكان الخرطوم والزوار أثناء قضاء الرحلات والعطلات الرسمية والأعياد، والغابة تتمتع بإطلالة مباشرة على النيل الأبيض، وتصدح الطيور فوق الأشجار وتضفي أجواء رائعة».

ودعا الجمعية السودانية لحماية البيئة لإنقاذ هذه الغابة باعتبارها إحدى المقتنيات التراثية السودانية، وبحكم تاريخها القوي في التصدي والمناصرة. ووفقاً لخبراء الغابات والبيئة، فإن تجريف وتدمير «غابة السنط» بالقطع العشوائي للأشجار إعلان موت بطيء للنظام الذي يحمي الخرطوم، وما جاورها من أخطار التلوث والغازات السامة التي تخنق رئة المنطقة الحيوية التي يسكنها ملايين المواطنين.