الخريف لـ«الشرق الأوسط»: نسعى لإنشاء تجمّع متكامل لصناعة السيارات الكهربائية في السعودية

وزير الصناعة أكّد رهان المملكة على صناعات المستقبل... وحدّد 3 ركائز لدعم سلاسل الإمداد

TT

الخريف لـ«الشرق الأوسط»: نسعى لإنشاء تجمّع متكامل لصناعة السيارات الكهربائية في السعودية

الوزير الخريف خلال مشاركته في إحدى الجلسات في منتدى دافوس (من موقع المنتدى)
الوزير الخريف خلال مشاركته في إحدى الجلسات في منتدى دافوس (من موقع المنتدى)

قال وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر بن إبراهيم الخريف، إن بلاده تسعى إلى إنشاء تجمّع متكامل لصناعة السيارات الكهربائية.

وعدّ الخريف، في حوار مع «الشرق الأوسط» على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، ما حققته المملكة في السنوات القليلة الماضية في مجال صناعة السيارات «دليلاً على رهانها على صناعات المستقبل».

كما أكّد الوزير السعودي أن بلاده ستلعب «بلا شكّ» دوراً أكبر في تعزيز سلاسل الإمداد العالمية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي المتميّز، والثروات الطبيعية التي تزخر بها، وتعزيزها للبنى التحتية الأساسية لدعم سلاسل الإمداد وفق «رؤية 2030».

وكشف المسؤول السعودي دخول الاستراتيجية الصناعية الجديدة مرحلة التنفيذ، مشدداً على دور القطاع الخاص في بناء صناعات على أسس اقتصادية وتجارية بحتة.

 

وفيما يلي نصّ الحوار:

 

أطلقتم الاستراتيجية الوطنية للصناعة قبل أكثر من عام، حدثونا عن أبرز ما حققته حتى الآن؟ وما هي أهم القطاعات (النفطية وغير النفطية) التي تدفع النمو الصناعي في السعودية؟

- نستطيع أن نقول اليوم، وبكل ثقة، إن الاستراتيجية أصبحت في مراحل التنفيذ. وهي تشمل شقين، يتعلق الأول بالتنفيذ من خلال الحكومة، ويتمثل في البنية التحتية، والمدن الصناعية، وشبكات الغاز والكهرباء، وكل ما يتعلق بتطوير القدرات البشرية وغيرها. وهي اليوم في الاتجاه الصحيح. ففي الأسبوع الأول من عام 2024، توفرت الميزانية، وبدأنا في إرساء بعض المشاريع.

أما الشق الثاني، وهو الأهم، فيتمثل في القطاع الخاص. إذ إن هناك عملاً كبيراً مع المستثمرين في المملكة وخارجها. ونقوم في هذا الإطار برصد رغبة (واحتياجات) المستثمرين. و(أسّسنا) فرقاً على أكثر من مستوى؛ (يتّصل بعضها) بالمشاريع المليارية الكبرى التي تحتاج إلى العمل عن قرب مع المستثمرين لفهم احتياجاتهم وتحديد متطلباتهم. كما نعمل من جانبنا مع شركائنا في الجهات الحكومية الأخرى، مثل وزارة الطاقة ووزارة الاستثمار وهيئة الغذاء والدواء وغيرها، لتذليل أي عقبات وتسهيل رحلة المستثمر.

ويبشر عدد المشاريع (المندرجة) اليوم على قائمة التنفيذ بالخير، ونبقى حريصين على تسريع تحقيق هذه المشاريع.

 

ما الدور الذي تلعبه السعودية في تعزيز سلاسل الإمداد العالمية، خاصة مع استمرار تعثرها بعد جائحة كورونا؟ وهل تتوقعون أن تلعب السعودية دوراً أكبر في سلاسل الإمداد الصناعية إقليمياً وعالمياً؟

- الإجابة السريعة على هذا السؤال هي «دون شك». إذ إن جزءاً أساسياً من استراتيجيتنا في الصناعة والتعدين وفي الخدمات اللوجيستية وفي الصادرات، هو أن تكون المملكة لاعباً مهماً.

شاركت «في دافوس» بجلسة حوار حول موضوع سلاسل الإمداد. وقد يغفل البعض، اليوم، الفرص المتاحة أمام بلد مثل المملكة للمشاركة في حل مشاكل سلاسل الإمداد.

فمن جانب، تتمتع المملكة بموقع جغرافي متميز جداً، وبالثروات الطبيعية الموجودة فيها. كما مكّن العمل، منذ إطلاق رؤية 2030، على تعزيز القدرات في البنية التحتية؛ سواء في الموانئ أو الطرق أو في السكة الحديد، من وضع المملكة في موقف جيد (يتيح لها) تقديم الكثير من الحلول.

أما فيما يتعلّق بالشق الصناعي، فإن الاستراتيجية الصناعية ستفتح المجال دون شك لدخول صناعات كثيرة لم تكن موجودة في المملكة، وذلك استجابةً للطلب المحلي والعالمي.

آخر شيء أودّ قوله في هذا الصدد، هو أن التطورات التقنية التي حصلت في السنوات الـ15 الماضية، في القطاع الصناعي تحديداً، تُمكّن من بناء قدرات صناعية بإنتاج أقل من السابق. ففي السابق، كانت بعض القدرات تُحتّم إنتاج مائة وحدة من شيء معين. أما اليوم، فيمكن إنتاج عشرات الوحدات فقط لتكون منافساً. (تشمل هذه التقنيات) الثورة الصناعية الرابعة، والذكاء الاصطناعي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والطباعة بالإضافة.

كل هذه التقنيات تشكّل فرصة مهمة. ويعوّل جزء أساسي من استراتيجيتنا على تبنّي هذه التقنيات والإسراع فيها. لذلك، (أنشأنا) في الوزارة برنامج مصانع المستقبل لمساعدة المصانع على التحول بشكل سريع.

الوزير الخريف خلال مشاركته في إحدى الجلسات في منتدى دافوس (من موقع المنتدى)

 

بالحديث عن التقنيات الحديثة، تعمل السعودية على إنشاء قطاع متكامل لصناعة السيارات الكهربائية. حدثونا عن الشراكات المبرمة والمتوقعة في هذا المجال؟ وهل ستنجح هذه الشراكات في تلبية الطلب المحلي؟

- ميزة قطاع السيارات أنه يخلق قاعدة صناعية عريضة، ويساعد على بناء القدرات التي يحتاجها القطاع نفسه، والتي يمكن كذلك استخدامها في قطاعات أخرى. هنا تبرز أهمية هذا القطاع في أثره على القطاع الصناعي بشكل عام، وبناء القدرات الصناعية. فضلاً عن أن المملكة تعدّ أكبر دولة مستوردة للسيارات، ليس بها صناعة السيارات.

قد نكون تأخّرنا في صناعة السيارات، لكن ما تحقق خلال السنوات الماضية دليل على أن المملكة تراهن على صناعات المستقبل، خاصة بالنظر إلى أن الشركات الثلاث (لصناعة السيارات في السعودية) ستنتج سيارات كهربائية.

نعمل مع هذه الشركات لمساعدتها في تنفيذ المشاريع بشكل جيد. فقد افتتحت «لوسيد» قبل عدة أشهر، المرحلة الأولى في التصنيع من خلال التجميع. والخطة تسير في الاتجاه الصحيح في المصانع الأخرى.

لكننا نعمل مع الشركات أيضاً لجذب الموردين، وبناء «تجمّع متكامل» لصناعة السيارات الكهربائية في المملكة. ويتم هذا الجهد بالتعاون بين وزارة الاستثمار ووزارة الطاقة ووزارة الصناعة، لضمان وجود الموردين بالقرب من هذه الشركات، لتكون منافِسة.

 

كيف تقيمون جهود تنويع قطاع الصناعة ودعم الصناعات غير النفطية منذ إعلان «رؤية 2030»؟

- يمكن اعتبار ذلك من أهم أهداف رؤية المملكة 2030، وأهم أهداف الاستراتيجية الصناعية. بنيت هذه الاستراتيجية في الحقيقة على ثلاثة مسارات مهمة، ونهدف إلى أن نكون منافسين في جل هذه المسارات. وألا تكون أي من الصناعات مبنية على دعم حكومي أو غيره، وإنما على أسس اقتصادية وتجارية بحتة.

الشق الأول من استراتيجيتنا الصناعية هي الصناعات المرتبطة بأمننا الصحي والغذائي والعسكري والمائي. هذه هي الصناعات التي نحاول أن نهيئ لها الظروف لأن تنشأ، وتقوم بشكل سريع من خلال مجموعة من الأدوات، من أهمها المحتوى المحلي.

أما الشق الثاني من الصناعات، وهي صناعات رفع القيمة المضافة من الموارد الطبيعية، سواء النفط أو الغاز أو البتروكيماويات أو الصناعات التعدينية، (فيركّز على) سبل مشاركة المملكة في الصناعات المرتبطة بالصناعات التحويلية في قطاع البتروكيماويات، وإنتاج منتجات ذات قيمة مضافة في قطاع التعدين.

لدينا تجربة ممتازة مثلاً في صناعة الألومنيوم. فقد أصبح اليوم جزءاً لا يستهان به من صادراتنا في قطاع الألومنيوم يتعلق بتصدير منتجات عالية القيمة تدخل في صناعة السيارات والتغليف.

كما نعمل مع شركات الطيران لتأهيل منتجاتنا لهذا القطاع.

الشق الثالث من الاستراتيجية، يركز على المستقبل. أي كيف نجعل المملكة جاهزة لصناعات المستقبل وتستفيد من التوجهات العالمية الجديدة، مثل الطاقة المتجددة والصناعات المرتبطة بالفضاء وصناعة الطائرات. فضلاً عن عدد من الصناعات التي قد لا تكون اليوم معروفة، ولكننا نودّ أن نكون جاهزين «لاعتمادها» من خلال «تعزيز» قدرات البحث والتطوير والابتكار والقدرات البشرية.

 

في إطار جهود مكافحة التغير المناخي، التزمت الوزارة بتعزيز جهود حماية البيئة. حدّثونا عن جهود إزالة الكربون من القطاعات الصناعية.

- لدينا مشروع بالتعاون مع وزارة الطاقة، بحكم أنها الوزارة التي تقود هذا الملف. وكنا قد أعلنا بداية العام عن برنامج لإزاحة ما يعادل قرابة مليون برميل تُستخدم لتوليد الطاقة في الصناعات واستبدالها.

هناك عمل كبير جداً أيضاً لمساعدة المستثمرين، وبالذات المستثمرين الجدد، الذين تتطلب طبيعة استثماراتهم طاقة كثيفة لبناء هذه القدرات وفق خطة واضحة للتحول إلى الطاقة المتجددة.

إلى ذلك، أعطتنا المشاريع الثلاثة التي أطلقت مؤخراً في مجال الطاقة الشمسية، قناعة بأن المملكة ستكون منافساً (في هذا المجال). إذ إن الأسعار التي حصلنا عليها من خلال هذه المشاريع مشجّعة جداً، وتجعلنا نتفاءل بتحقيق أهدافنا.

 

تحدّثتم أخيراً عن أهمية إعادة هيكلة كاملة لعدد من القطاعات الصناعية. ما أهم القطاعات التي تستهدفونها؟ ولماذا؟

- ينبغي أن تستجيب الصناعات لديناميكية السوق. اليوم، هناك حاجة إلى أن تقوم الجهات التشريعية، مثل وزارة الصناعة وغيرها، بمساعدة هذه الديناميكية إلى الاتجاه المناسب. أعطي هنا مثالاً قطاع الحديد. فقد وجدنا أنه قطاع لا يقدم المنتجات التي تحتاجها الصناعة. إذ إن معظم صناعة الحديد الموجودة في المملكة تتجه لإنتاج منتجات مرتبطة بالبناء والتشييد.

رأينا أن هذا القطاع بحاجة إلى إعادة هيكلة، بحيث يساهم في الصناعة بشكل عام، من خلال توفير المنتجات من الحديد التي تدخل في صناعة السفن والمعدات، وفي الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة وفي التوسع في البنية التحتية وغيرها.

عليه، عملنا مع القطاع الخاص والشركات الكبرى التي لها رغبة في العمل في المملكة، وأعدنا هيكلة القطاع ليكون مشاركاً حقيقياً. وجزء مما حصل في إعادة الهيكلة دفع الشركتين الكبيرتين إلى الاندماج؛ شركة حديد «سابك» مع «الراجحي» لإنشاء شركة جديدة.

لذلك، يركّز جانب السياسات في الاستراتيجية الصناعية على إعادة هيكلة بعض القطاعات، وكيف نستطيع كحكومة المشاركة دون إرباك هذه القطاعات.

قطاع الأدوية هو كذلك مثال على القطاعات التي عملنا عليها، وساهمت التغييرات الهيكلية التي خلقت في القطاع في نمو كبير جداً لقدرات تصنيع الأدوية. وأعلنا قبل فترة قريبة عن توطين الإنسولين في المملكة. ولم يكن من الممكن لهذه الإنجازات أن تتحقق في غياب هيكلة تسمح للشركات أن تستثمر وتطمئن على استثماراتها.


مقالات ذات صلة

تحليل إخباري من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

يضع هذا التناقض الجذري صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

أنطوان الحاج
الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا الرئيس والمدير التنفيذي لمنتدى دافوس بورغ بريندي في مؤتمر صحافي عشية المنتدى (إ.ب.أ)

منتدى دافوس يحقق في علاقة رئيسه بجيفري إبستين

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، الخميس، أنه سيحقق في علاقة رئيسه التنفيذي مع المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.


اقتصاد مصر يتخطى الصعاب... و«وثيقة ملكية الدولة» قد تدفع لنمو 7 %

استطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران بشكل إيجابي نوعاً ما (إكس)
استطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران بشكل إيجابي نوعاً ما (إكس)
TT

اقتصاد مصر يتخطى الصعاب... و«وثيقة ملكية الدولة» قد تدفع لنمو 7 %

استطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران بشكل إيجابي نوعاً ما (إكس)
استطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران بشكل إيجابي نوعاً ما (إكس)

تخطَّى اقتصاد مصر، تداعيات حرب إيران، في سابقة شكَّلت مفاجأةً للمؤسسات الدولية، بعد أن أظهر أداءً متماسكاً لحد بعيد، وسجَّل نمواً بنسبة 5 في المائة في الرُّبع الثالث من العام المالي - من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار) -، ليصل النمو خلال أول 3 أرباع من العام المالي - من يوليو (تموز) 2025 إلى مارس 2026 - إلى 5.2 في المائة.

تبدأ السنة المالية في مصر في الأول من يوليو من كل عام.

فمع بداية حرب إيران، في 28 من فبراير (شباط) الماضي، والذي توقَّع البعض استمرارها على الأقل لنهاية العام الحالي، ازدادت الضغوط على الاقتصاد المصري، خصوصاً بعد أن تمَّ إغلاق مضيق «هرمز»، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة لمستويات قياسية.

فقرَّرت الحكومة المصرية، رفع أسعار المحروقات بنسبة كبيرة استثنائية، وكذلك الكهرباء المنزلية، مما رفع من الضغوط التضخمية على موازنات الأسر، وأيضاً الاقتصاد الكلي. وارتفعت المخاوف من نقص حاد في السلع قد تواجهها السوق المصرية نتيجة ارتفاع تكلفة شحن السفن والتأمين عليها، وبالفعل رفعت بعض الشركات أسعارها على الفور مع استمرار الضبابية السياسية حول أمد الحرب.

تزامن مع كل ذلك هبوط كبير بأكثر من 10 في المائة تقريباً للعملة المصرية أمام الدولار، وذلك بعد أن خرج نحو 18 مليار دولار استثمارات أجنبية من أدوات الدين المصرية.

ويرى صندوق النقد الدولي، أنَّ الإجراءات السريعة والحاسمة التي اتخذتها السلطات المصرية، ومن بينها تعديلات أسعار الوقود والكهرباء، وترشيد استهلاك الطاقة في الجهات الحكومية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق لتخفيف الضغوط الخارجية والمالية، إلى جانب زيادة الإنفاق الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر ضعفاً، جعلت تأثير الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد المصري «محدوداً نسبياً».

استفادة من الأزمة

رغم كل ذلك، فإنَّ الحكومة المصرية تتبنى خططاً اقتصادية طموحة للوصول بمعدل النمو الاقتصادي إلى أكثر من 7 في المائة خلال العام المالي 2029 - 2030، حيث تستهدف الحكومة التركيز على قيادة القطاع الخاص لعجلة النمو، والذي يتوقع أن يُشكِّل مساهمة تتجاوز 65 في المائة من إجمالي الاستثمارات، وذلك من خلال «وثيقة ملكية الدولة»، عبر التخارج من بعض القطاعات وتركها للقطاع الخاص.

وقد يرى البعض أنَّ الحكومة المصرية متفائلة جداً في هذه التقديرات، غير أنَّ بنك «إتش إس بي سي» توقَّع بالفعل منتصف يونيو (حزيران) الماضي، نمواً بنحو 7 في المائة خلال عام 2029 - 2030، وعدَّل البنك معدل النمو للعام 2028 - 2029 بنحو 6 في المائة، مقابل 5.5 في المائة توقعات نمو للعام المالي 2027 - 2028. بينما توقع أن تصل معدلات النمو للعام المالي الحالي عند 4.7 في المائة، و5.4 في المائة في العام المالي المقبل.

واستطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران، بشكل إيجابي نوعاً ما، ففي قطاع الطاقة، ظهر خط أنابيب «سوميد»، الذي يربط البحر الأحمر والبحر المتوسط، ويعد ممراً استراتيجياً حيوياً لنقل النفط السعودي ودول الخليج إلى الأسواق العالمية. كما قامت مصر بتأجير صهاريج عملاقة للنفط لبعض دول الخليج، في الموانئ المصرية.

وأعلنت مصر مؤخراً، تسديد كامل المديونيات المتأخرة المستحقة للشركات الأجنبية بقطاع الغاز والنفط في البلاد، مما يجذب من جديد استثمارات جديدة قد ترفع معها معدلات الإنتاج في القطاع، لمستويات «الاكتفاء الذاتي» من الغاز والزيت الخام.

وعادت قناة السويس، التي كانت قد تأثرت عائداتها بشدة جراء الأوضاع الإقليمية المضطربة، إلى المشهد من جديد، لتمر بعض السفن من خلالها بعد إغلاق مضيق «هرمز».

كما حافظت السياحة المصرية، على معدلها الطبيعي، في ظلِّ هذه الأوضاع، رغم أنَّ القطاع شهد إلغاءات للحجوزات بشكل كبير في بداية حرب إيران.

المالية العامة

يرى تقرير صادر عن مؤسسة «BMI» التابعة لـ«فيتش سولوشنز»، السبت، أنَّ المالية العامة في مصر، تتجه إلى تحقيق تحسُّن أسرع من المتوقع خلال السنة المالية 2026 - 2027، مع تقلص عجز الميزانية إلى أدنى مستوى منذ سنوات، مدعوماً بانخفاض تكلفة الدين، وتراجع أسعار النفط، وتعافي الجنيه المصري.

ورفعت المؤسسة نظرتها الإيجابية لأداء المالية العامة، متوقعة تراجع العجز الكلي للميزانية إلى 6.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026 - 2027، مُقارنةً بتقدير يبلغ 7 في المائة في السنة المالية 2025 - 2026، بعدما كانت تتوقَّع سابقاً تسجيل عجز عند 7.6 و7.9 في المائة على التوالي.

كان صندوق النقد الدولي، قد وصف أداء مصر المالي بأنَّه قوي، مشيراً إلى تجاوز مستهدفَي الفائض الأولي والإيرادات الضريبية بنهاية مارس 2026، بفضل تعبئة الإيرادات المحلية وبقاء الإنفاق ضمن سقف الموازنة.

ويتوقَّع الصندوق ارتفاع الفائض الأولي من 4.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025 - 2026 إلى 5 في المائة في السنة المالية 2026 - 2027، مع زيادة نسبة الضرائب إلى الناتج بنحو 1.2 نقطة مئوية هذا العام.

وتتوقَّع مؤسسة «BMI» أنْ يؤدي خفض أسعار الفائدة بنحو 400 نقطة أساس خلال عام 2027 إلى تقليص تكلفة خدمة الدين بشكل أكبر، خصوصاً أنَّ معظم الدين العام في مصر مُقوَّم بالجنيه المصري وقصير الأجل، إذ يُمثِّل الدين المحلي نحو 75 في المائة من إجمالي الدين العام، بينما يستحق نحو 40 في المائة منه خلال عام واحد، ما يجعل تكلفة الاقتراض تستجيب سريعاً لتراجع أسعار الفائدة.

الدين العام من الناتج المحلي

وعلى صعيد الدين العام، تتوقَّع المؤسسة انخفاضه إلى 72.2 في المائة من الناتج المحلي في 2026 - 2027، مقارنةً بنحو 78.3 في المائة في العام المالي السابق، مواصلاً مساره النزولي منذ بلوغه ذروة بلغت 95.4 في المائة في نهاية السنة المالية 2022 - 2023. ويُعزى ذلك إلى تحسُّن النمو الاقتصادي وتراجع العجز، إلى جانب جهود الحكومة لإطالة آجال استحقاق الدين والحد من مخاطر إعادة التمويل.

ورغم النظرة الإيجابية، فإنَّ التقرير يُحذِّر من أنَّ المخاطر لا تزال تميل نحو اتساع العجز المالي إذا ارتفعت أسعار النفط أو بقيت أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو تعرض الجنيه المصري لضغوط جديدة، وهو ما قد يزيد من أعباء الدعم وخدمة الدين.

في المقابل، فإنَّ تسريع برنامج الطروحات الحكومية أو بيع الأصول الاستراتيجية قد يوفِّر إيرادات إضافية تعزِّز وضع المالية العامة وتتجاوز التوقعات الحالية.

وأضاف التقرير أن «تخفيف الضغوط المتعلقة بالحرب من شأنه أن يدعم طلب المستثمرين على الأصول المصرية، في حين أنَّ ارتفاع سعر الصرف من شأنه أن يحسِّن الظروف لتنفيذ عمليات التخارج بشروط أكثر ملاءمة».

تجدر الإشارة إلى أنَّ فريق «صندوق النقد الدولي» والسلطات المصرية توصلا إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة في إطار برنامج «التسهيل الممدد»، والمراجعة الثانية ضمن «تسهيل الصمود والاستدامة»، بما يمهِّد لصرف نحو 1.6 مليار دولار بعد موافقة المجلس التنفيذي للصندوق.

وقال الصندوق، في بيان، إنَّ إتمام المراجعتين سيتيح لمصر الحصول على نحو 1.5 مليار دولار، ضمن برنامج «التسهيل الممدد»، إضافة إلى نحو 136 مليون دولار، ضمن «تسهيل الصمود والاستدامة». وبذلك يرتفع إجمالي التمويلات المصروفة لمصر بموجب الترتيبين إلى نحو 7.2 مليار دولار.

يأتي الاتفاق الجديد بعد توصُّل الصندوق والسلطات المصرية في ديسمبر (كانون الأول) إلى اتفاق بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج «التسهيل الممدد»، والمراجعة الأولى ضمن «تسهيل الصمود والاستدامة»، ما مهَّد حينها للحصول على تمويلات بقيمة 2.7 مليار دولار.

كانت مصر اتفقت في مارس 2024 على رفع قيمة برنامج التمويل القائم مع الصندوق من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات دولار، ضمن حزمة دعم أوسع شملت تمويلاً واستثمارات من شركاء دوليِّين، وذلك مع تفاقم الأزمة الاقتصادية بفعل تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة.

وتحظى المراجعات الدورية التي يجريها الصندوق بمتابعة وثيقة من المستثمرين الأجانب. وتُعدُّ المراجعة السابعة قبل الأخيرة ضمن برنامج مصر مع الصندوق، وعادة ما يتبع الاتفاق على مستوى الخبراء اجتماع للمجلس التنفيذي بعد أسابيع قليلة، للإفراج عن شريحة القرض.

الصناعة المصرية... ودور الدولة

أمام هذه المعطيات، يتبقى للاقتصاد المصري، كثير من الإجراءات الإصلاحية والهيكلية، حتى يترسَّخ دور القطاعات الصناعية والإنتاجية في الاقتصاد الكلي، مما قد يسهم في توفير الاحتياجات الأولية للسلع الضرورية، وبالتالي تقليل الضغط على فاتورة الاستيراد والنقد الأجنبي.

وفي هذا الصدد، ظهر وزير الصناعة المصري خالد هاشم، من خلال بعض التصريحات غير الاعتيادية، ليضع يده على النقاط المسكوت عنها في القطاع، والتي أبرزها أن الميزان التجاري لنحو 12 مجلساً تصديرياً من 13 مجلساً «سلبي».

ووعد الوزير بتعديل هذا الوضع، قبل إطلاق التصريحات الرنانة حول الوصول بالصادرات المصرية إلى 100 مليار دولار سنوياً، من نحو 48 ملياراً سجَّلتها في عام 2025.

وجدَّد صندوق النقد، التأكيد على أنَّ التَّقدُّم الحاسم في الإصلاحات الهيكلية لا يزال ضرورياً لدعم النمو بقيادة القطاع الخاص وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود. ويشمل ذلك تسريع إصلاحات بيئة الأعمال، وضمان تكافؤ الفرص، وتعزيز الحوكمة والشفافية.

وشدَّد على أنَّ التنفيذ السريع والحاسم لوثيقة سياسة ملكية الدولة، وتسريع برنامج التخارج في القطاعات التي التزمت الدولة بتقليص وجودها فيها، سيكونان عاملَين أساسيَّين لتكافؤ الفرص، ودعم خلق الوظائف، وتوسيع الفرص أمام المصريين.

وكانت «بلومبرغ» أشارت في يونيو الماضي، إلى أنَّ مبيعات مصر الأخيرة لأصول مملوكة للدولة قد استوفت أهداف مراجعة صندوق النقد، ما مهَّد الطريق للإفراج عن 1.6 مليار دولار. وأضافت أنَّ القاهرة استوفت أيضاً معايير أخرى ضمن اتفاقها مع الصندوق، من بينها تطبيق نظام سعر صرف مرن.


الهند تعتزم التوسع في بناء مصافي نفط جديدة

صهاريج لتخزين النفط داخل مصفاة تابعة لشركة «إيسار أويل» الهندية في فادنار بالهند (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط داخل مصفاة تابعة لشركة «إيسار أويل» الهندية في فادنار بالهند (رويترز)
TT

الهند تعتزم التوسع في بناء مصافي نفط جديدة

صهاريج لتخزين النفط داخل مصفاة تابعة لشركة «إيسار أويل» الهندية في فادنار بالهند (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط داخل مصفاة تابعة لشركة «إيسار أويل» الهندية في فادنار بالهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، السبت، إن بلاده سوف تواصل بناء مصافي نفط جديدة لضمان أمن سلاسل الإمداد حتى رغم غلق الدول الغربية وحدات المعالجة.

وأضاف مودي: «لم يتم إنشاء مصفاة نفط جديدة في الولايات المتحدة خلال العقود الخمس الماضية، كما أن الطاقة الإنتاجية في أوروبا تتراجع باستمرار»، حسب وكالة «بلومبرغ».

وجاءت تصريحات مودي خلال مراسم تدشين أول مصفاة جديدة في الهند خلال عقد. وقال إن الهند سوف تواصل تعزيز قدرتها الإنتاجية.

وأفاد تحليل لـ«بلومبرغ إن إيه إف» بأن من المرجح أن تكون مصفاة الحقل الأخضر التي تنتج 180 ألف برميل يومياً، في قلب صحراء ثار بولاية راجستان الهندية، المصفاة الجديدة الوحيدة عالمياً التي يتم تشغيلها العام الحالي.

وتبلغ طاقتها الإنتاجية السنوية من البتروكيماويات 2.4 مليون طن، وبلغت تكاليفها 8.3 مليار دولار.

ولجأت روسيا مؤخراً إلى الهند لشراء البنزين بحراً، في محاولة للتخفيف من حدة نقص الوقود الناجم عن الهجمات الأوكرانية على بنيتها التحتية للطاقة، وفقاً لـ«رويترز».

وأفاد مصدر في قطاع النفط والغاز، بأنه تم شحن ما لا يقل عن 60 ألف طن متري من البنزين من الهند إلى روسيا. وذكر مصدر آخر أنه تم إرسال ناقلتين، تحمل كل منهما شحنة تتراوح حمولتها بين 30 و40 ألف طن.

وأفاد مصدر ثالث بأن روسيا تخطط لاستيراد 400 ألف طن من البنزين شهرياً من دول مختلفة، بما في ذلك بيلاروسيا المجاورة، التي تصدّر الوقود إلى روسيا بالفعل، حسبما ذكرت «رويترز».

ويبلغ استهلاك البنزين في روسيا 110 آلاف طن يومياً على الأقل خلال فصل الصيف، إذ يرتفع الطلب على الوقود. ولم يتضح بعد أي مصفاة هندية ستزود ​​روسيا بالبنزين.

وأظهرت بيانات تتبع السفن من مجموعة بورصات لندن وشركة «كبلر»، أن واردات الهند من النفط الخام الروسي ارتفعت إلى مستوى قياسي في يونيو (حزيران)، إذ سارعت مصافي التكرير إلى شراء النفط الروسي للتخفيف من تأثير إغلاق مضيق هرمز على مصادر الإمداد الأخرى.

وشكل النفط الروسي أكثر من نصف إجمالي واردات الهند في يونيو، ارتفاعاً من 36.5 في المائة في مايو (أيار)، وفق بيانات «كبلر».

واستوردت الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، نحو 2.7 مليون برميل يومياً من النفط الروسي في يونيو، وفق بيانات أولية صادرة عن شركة «كبلر».


مصر تتوقع تلقي 1.7 مليار دولار من الاتحاد الأوروبي خلال أيام

بنايات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
بنايات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

مصر تتوقع تلقي 1.7 مليار دولار من الاتحاد الأوروبي خلال أيام

بنايات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
بنايات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، إن مصر تتوقع تلقي 1.5 مليار يورو (1.72 مليار دولار) من الاتحاد الأوروبي خلال الأيام المقبلة، وهي الشريحة الأولى من اثنتين متبقيتين من حزمة المساعدة المالية لدعم الاقتصاد الكلي البالغة 5 مليارات يورو.

وفي مؤتمر صحافي عقد في العاصمة الإدارية الجديدة لمصر مع المفوضة الأوروبية لشؤون البحر المتوسط دوبرافكا شويتسا، قال عبد العاطي إن المبلغ المتبقي البالغ 3 مليارات يورو سيصرف على شريحتين متساويتين تبلغ كل منهما 1.5 مليار يورو.

وأضاف أن القاهرة تأمل في تحويل الدفعة الأخيرة بحلول بداية فصل الخريف.

وصرف الاتحاد الأوروبي حتى الآن ملياري يورو من الحزمة، إذ حول شريحة أولية بمليار يورو في يناير (كانون الثاني) 2025 وشريحة ثانية بمليار يورو في وقت سابق من العام الحالي.

والمساعدة المالية لدعم الاقتصاد الكلي جزءٌ من اتفاق تمويل أوسع نطاقاً بقيمة 7.4 مليار يورو أعلن عنه الاتحاد الأوروبي في عام 2024، الذي يتضمن أيضاً قروضاً ميسرة بخمسة مليارات يورو.