الليدو... أشهر سوق لبيع الكتب المستعملة في المغرب وزوّارها طلبة وأساتذة وباحثون

رجل يتصفح كتاباً بسوق الليدو في فاس المغربية (وكالة أنباء العالم العربي)
رجل يتصفح كتاباً بسوق الليدو في فاس المغربية (وكالة أنباء العالم العربي)
TT

الليدو... أشهر سوق لبيع الكتب المستعملة في المغرب وزوّارها طلبة وأساتذة وباحثون

رجل يتصفح كتاباً بسوق الليدو في فاس المغربية (وكالة أنباء العالم العربي)
رجل يتصفح كتاباً بسوق الليدو في فاس المغربية (وكالة أنباء العالم العربي)

في قلب مدينة فاس، العاصمة العلمية للمغرب، توجد سوق لبيع الكتب المستعملة، ذاع صيتها داخل المدن المغربية وأيضاً في بعض الدول العربية، ويُطلق عليها اسم «سوق الليدو» أو «الحُفرة».

أنشئت السوق على منحدر شبيه بحفرة؛ وتبدو من الخارج وعن بعد كأحد الأحياء المهمشة، ذلك لأن جميع محالها أُنشئت من صفائح القصدير وبعشوائية كبيرة، وفقاً لما ذكرته وكالة أنباء العالم العربي.

لا يمكن للزائر أن يتخيل أن هذا المكان تُباع فيه أندر الكتب وأثمنها، وأن في تلك المحال توجد كتب في الفلسفة والطب والأدب والعلوم والرياضيات وأشهر الروايات العالمية.

توجد سوق الليدو في مكان غير بعيد عن جامعة محمد بن عبد الله، وهي من أشهر الجامعات المغربية؛ وتعد السوق ملاذ الطلاب والأساتذة والباحثين من جميع المدن المغربية، حيث توفر مقررات جميع المستويات الدراسية، فضلاً عن الكتب المتخصصة في العلوم والفلسفة والأدب والدين والقانون وبجميع اللغات الحية.

نشأة السوق

وعن نشأة السوق، يقول حسن بن عدادة، وهو صاحب مكتبة بمدينة فاس لديه إلمام جيد بمجال بيع الكتب في المدينة، إن سوق الليدو أُنشئت في بداية ثمانينات القرن الماضي عندما كان بعض بائعي الكتب المستعملة يفترشون الساحات المجاورة لجامعة محمد بن عبد الله بالمدينة ويبيعون الكتب القديمة للطلبة.

جانب من المعروضات في سوق الليدو بالمغرب (وكالة أنباء العالم العربي)

وذكر أنه في تلك الفترة كان أكثر بائع كتب متميز وشهير يُسمى محمد الحلوي، وكان يملك محلاً على شكل كرفان أو عربة متنقلة، وكان يوفر الكتب للطلاب بشتى تخصصاتهم. وفي أحد الأيام، فوجئ الحلوي ومعه الطلبة كافة باحتراق محله دون معرفة سبب الحريق أو المتسبب فيه.

وقال بن عدادة إن الطلبة والعارفين بالشأن الجامعي في تلك الفترة رجّحوا أن يكون الحريق بفعل فاعل، بحكم أن الجامعات المغربية، وعلى وجه الخصوص جامعة محمد بن عبد الله، كانت تعيش على وقع توترات سياسية، وكان هناك بعض الكتب المحظور تداولها بين الطلاب، بينما كان الحلوي يتميز بتوفير جميع الكتب للطلاب وبأسعار مناسبة.

وأكد بن عدادة في حوار مع وكالة أنباء العالم العربي، أنه بعد حادث احتراق عربة الحلوي، قامت السلطات الأمنية في المدينة بمنح جميع باعة الكتب الموجودين على مقربة من الجامعة مساحة طولية بحي اسمه الليدو غير بعيد عن الجامعة ليبيعوا كتبهم.

وقال بن عدادة: «البائعون أنشأوا براريك (أكشاك) من القصدير في المساحة المخصصة لهم، حتى يتمكنوا من مواصلة تجارتهم؛ وكان الليدو غير بعيد عن الجامعة؛ حيث يمر طلبة جامعة محمد بن عبد الله بجواره وهم في طريقهم إلى الجامعة أو منها». وأوضح أنه، بالإضافة إلى الكتب المستعملة والبالية، تُباع في سوق الليدو أيضاً الكتب ذات الإصدار أو الطبعة الجديدة.

وهناك حتى نُسخ بعض الكتب الجديدة، خاصة بعض الكتب التي تباع بأثمان باهظة في طبعتها الأصلية، كمقررات كليات الطب وكتب الأقسام التحضيرية التي قد يبلغ ثمن بعض الكتب فيها 800 درهم (نحو 204.6 دولار أميركي)؛ «فباعة الكتب بالليدو ينسخون الكتاب ويبيعونه مقابل 100 درهم فقط... ومع أنها قرصنة، فإنها أمر يساعد الطلبة نسبياً»، وفق بن عدادة.

مصدر الكتب البالية

وحول مصدر الكتب البالية التي تباع في سوق الليدو، قال بن عدادة: «هي في الغالب لأناس توفوا، وأراد أبناؤهم التخلص من مكتباتهم، وكذلك كتب بعض الطلاب الذين استغنوا عنها، في حين أن الكتب الجديدة تُقتنى من دور النشر بالدار البيضاء وأحياناً قد يصادف الزائر ذخائر الكتب وكتباً ذات طبعات قديمة جداً أو انتهت طبعتها قبل سنوات عدة».

كتب تعرض في سوق الليدو للكتب المستعملة في المغرب (وكالة أنباء العالم العربي)

ومعظم بائعي الكتب في سوق الليدو مثقفون؛ فقد اكتسبوا العديد من المعرفة خلال تعاملهم اليومي مع الكتب والطلاب والأساتذة. فكل واحد من هؤلاء يعرف على الأقل ما يحتويه محله من كتب ومراجع وروايات، وغالباً ما يقدمون النصح والتوجيه للطلبة والباحثين.

نور الدين الحساني، وهو أحد بائعي الكتب في سوق الليدو، قال في حوار مع وكالة أنباء العالم العربي، إن السوق كانت تضم نحو 180 محلاً صفيحياً «غير أن أغلبها أغلق أبوابه لعدم نجاح تجربة التجارة فيها، التي كانت في الغالب تجارة أخرى غير الكتب، بينما بقيت محال الكتب صامدة منذ ذلك الوقت إلى اليوم ويبلغ عددها بالتقريب 20 محلاً، تبلغ مساحة كل محل منها متراً ونصف المتر المربع».

وقال إن مهنة بيع الكتب كانت في البداية جيدة؛ حيث كانت جميع الكتب متوفرة، سواء الثقافية أو الفلسفية أو الأدبية أو العلمية، بالإضافة إلى الكتاب المدرسي؛ لكن مهنة بيع الكتب أخيراً بدأت في التراجع، حتى إن بعض مكتبات المدينة أغلقت أبوابها أمام اجتياح الكتاب الرقمي والتطور التكنولوجي الذي طال حتى الصحف الورقية والمجلات، ما أدى إلى إغلاق معظم الأكشاك أبوابها.

واستطرد قائلاً: «بالنسبة للمكتبات المتبقية بالمدينة، فهي مختصة فقط ببيع الكتب المدرسية وبعض الروايات التي طغت على السوق، خاصة الروايات المزورة التي تدخل إلى المغرب بطرق غير شرعية وكتب التنمية الذاتية».

صفوف من الكتب المستعملة في سوق الليدو بفاس المغربية (وكالة أنباء العالم العربي)

وأكد الحساني أن سوق الليدو اكتسب شهرة محلية وعالمية، حيث إن زوّاره ليسوا فقط مغاربة من جميع المدن المغربية، بل له بعض الزوار أيضا من دول عدة كالجزائر وتونس وتركيا والعراق وبعض دول الخليج.

وقال: «أنا متخصص في بيع الكتب ذات الإصدارات الجديدة، خاصة كتب التراث والمجلدات وكتب تفسير القرآن والكتب الفلسفية والأدبية ومعظم زبائني طلبة التعليم العتيق والشريعة والأساتذة الجامعيون وأساتذة السلك الثانوي».

الروايات وكتب التنمية الذاتية

وأشار إلى أن من بين زبائن سوق الليدو شباباً يأتون من أجل شراء الروايات وكتب التنمية الذاتية من قبيل «أنتيخريستوس» لمؤلفه أحمد خالد مصطفى و«في قلبي أنثى عبرية» لكاتبته خولة حمدي، و«كن خائناً تكن أجمل» لمؤلفه عبد الرحمن مروان حمدان، وهي الروايات الشائعة بين الشباب اليوم.

وبحسب الحساني، فإن هناك نخبة من المثقفين لهم نوعية خاصة من الكتب، إذ يقول إن أعمال الروائي السوري حنا مينا والروائي السعودي عبد الرحمن منيف مثلاً «لا يشتريها الشباب، لأنها في اعتقاده تفوق مستوى وعيهم وثقافتهم».

ومضى يقول إنه على الرغم من التطور التكنولوجي، فإن هناك فئة من القراء ممن لا يستطيعون مفارقة الكتاب الورقي ويفضلون القراءة فيه بدلاً من القراءة على الهاتف، خاصة كبار السن لعلاقتهم الوطيدة بالكتاب. هؤلاء، بحسب قوله، يأتون إلى السوق.

سوق الليدو «الحفرة» في المغرب (وكالة أنباء العالم العربي)

وتتراوح أسعار الكتب، حسب الحساني، بين 5 دراهم و200 درهم، حسب نوعية الكتاب ومدى توفره في السوق وتاريخ طبعته وغير ذلك من المعايير التي تحدد ثمن البيع. وذكر أن هناك كتباً قد تباع حتى بأكثر من ثمنها الأصلي لندرتها أو أهميتها.

وتحدث الحساني عن أحد الكتب الذي كان ضمن المقررات الدراسية في التعليم الابتدائي الأولي خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وهو كتاب (القراءة) ذو الغلاف الأزرق؛ حيث كان ثمنه لا يتعدى 12 درهماً، وهو اليوم يباع على بعض الصفحات الإلكترونية مقابل 200 درهم. ومع أنه لم يعد ضمن المقررات الدراسية، فإن هناك من يشترونه للذكرى.


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة تتطلع إلى حل «سلمي وسريع» لنزاع الصحراء

شمال افريقيا نائب وزير الخارجية الأميركي خلال مباحثاته في الرباط مع الوزير ناصر بوريطة (أ.ب)

الولايات المتحدة تتطلع إلى حل «سلمي وسريع» لنزاع الصحراء

أكد نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لانداو الأربعاء في الرباط أن بلاده تريد حلاً سلمياً وسريعاً للنزاع حول الصحراء استناداً لآخر قرار لمجلس الأمن بشأنها

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)

الهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب محور مباحثات مغربية - ألمانية

أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن رغبته في تكثيف التعاون مع المغرب في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
شمال افريقيا المستشار الفيدرالي السويسري بيث جانس مستقبلاً وزير الشؤون الخارجية المغربية ناصر بوريطة (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة ترى «زخماً حقيقياً» لحل نزاع الصحراء

رأى دي ميستورا، في كلمة أمام مجلس الأمن الدولي، أنَّ ثمة «زخماً حقيقياً»، و«فرصة» لحل نزاع الصحراء.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة (الولايات المتحدة))
شمال افريقيا رئيس مجلس الشيوخ البلجيكي فنسنت بلونديل (من حسابه بوسائل التواصل الاجتماعي)

بلجيكا تجدد دعمها «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية»

جدد رئيس مجلس الشيوخ بمملكة بلجيكا، فنسنت بلونديل، مساء الجمعة، في إسطنبول، التأكيد على دعم بلاده الواضح والثابت لمبادرة «الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية».

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شمال افريقيا الوزير ناصر بوريطة مستقبلاً الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال زيارتها للرباط (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يؤكد دعمه «مخطط الحكم الذاتي» تحت السيادة المغربية

الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية تؤكد أن الاتحاد الأوروبي يدعم مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.