مجلس الأمن يكثّف جهوده لـ«هدنة إنسانية» مقبولة أوروبياً... وأميركياً

الدول غير الدائمة تعدّ مشروعاً في مجلس الأمن لا تعطله دول «الفيتو»

المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (أونروا) فيليب لازاريني مخاطباً أعضاء مجلس الأمن عبر دائرة تلفزيونية مغلقة (أ.ب)
المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (أونروا) فيليب لازاريني مخاطباً أعضاء مجلس الأمن عبر دائرة تلفزيونية مغلقة (أ.ب)
TT

مجلس الأمن يكثّف جهوده لـ«هدنة إنسانية» مقبولة أوروبياً... وأميركياً

المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (أونروا) فيليب لازاريني مخاطباً أعضاء مجلس الأمن عبر دائرة تلفزيونية مغلقة (أ.ب)
المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (أونروا) فيليب لازاريني مخاطباً أعضاء مجلس الأمن عبر دائرة تلفزيونية مغلقة (أ.ب)

كثّف أعضاء مجلس الأمن مداولاتهم في غرف مغلقة لاستكشاف إمكانات التوافق على نداء إنساني يرقى إلى خطورة الوضع الكارثي في غزة، حيث بات وقف النار فوراً بين إسرائيل و«حماس» بمثابة «حياة أو موت بالنسبة إلى أكثر من 2.3 مليون فلسطيني من المدنيين المحاصرين الذين يعيشون أوضاعاً بالغة الخطورة في القطاع».

وغداة جلسة علنية طارئة عُقدت الاثنين حول «الوضع في الشرق الأوسط، بما في ذلك المسألة الفلسطينية» بطلب من الإمارات العربية المتحدة والصين، واصلت الدول العشر غير الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وفي مقدمها البرازيل ومالطا، العمل لإعداد مشروع في المجلس يحاكي بعض ما جاء في القرار الذي أصدرته الجمعية العامة للمنظمة الدولية بغالبية ساحقة الأسبوع الماضي.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة المؤلفة من 193 دولة، صوّتت بأكثرية 121 صوتاً (أكثر من الثلثين) مع اعتراض 14 دولة فقط وامتناع 44 دولة عن التصويت، لمصلحة قرار يطالب بـ«هدنة فورية لأسباب إنسانية» لتوفير المياه والغذاء والوقود والكهرباء «فوراً»، و«بكميات كافية من دون عوائق»، فضلاً عن الدعوة إلى «إطلاق جميع الرهائن المدنيين من دون قيد أو شرط».

وصوّت عدد من الدول الأوروبية، مثل فرنسا، لمصلحة القرار الذي أعدته المجموعة العربية، في حين امتنعت ألمانيا، وإيطاليا، وبريطانيا وكندا عن التصويت. وصوتت النمسا والولايات المتحدة ضد القرار.

المراقب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة رياض منصور يتحدث خلال اجتماع لمجلس الأمن (أ.ف.ب)

جلسة خامسة

وفي جلسة هي الخامسة منذ الهجمات الواسعة النطاق التي نفّذتها «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) ضد إسرائيل، استمع أعضاء مجلس الأمن إلى إحاطات من المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم في الشرق الأدنى (أونروا) فيليب لازاريني، والمسؤولة الكبيرة لدى مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية ليزا دوتن، والمديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) كاثرين راسل، الذين أجمعوا على أن المدنيين في غزة يعانون «وضعاً كارثياً» يستوجب تدخل المجتمع الدولي.

المندوب الإسرائيلي الدائم لدى الأمم المتحدة جلعاد أردان يتحدث خلال اجتماع لمجلس الأمن في نيويورك (أ.ب)

حياة أو موت

ووصف لازاريني الهجمات التي شنّتها «حماس» على إسرائيل بـ«المروعة»، مضيفاً أن القصف الإسرائيلي المتواصل على غزة «يثير الصدمة». وأشار إلى أن مستوى الدمار غير مسبوق، مؤكداً أنه «لا يوجد مكان آمن» في غزة. ثم وصف أوامر الإجلاء التي تصدرها القوات الإسرائيلية للمدنيين بالتوجه جنوباً، بأنها ترقى إلى «التهجير القسري» لأكثر من مليون من الفلسطينيين الذين يعيشون هناك. وأوضح أن «الأونروا» خسرت 64 من العاملين لديها في غزة خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، في أعلى حصيلة على الإطلاق بين عاملي الإغاثة التابعين للأمم المتحدة في النزاعات خلال مثل هذه الفترة الوجيزة من الوقت. وأكد أن «الفظائع التي ارتكبتها (حماس) لا تعفي إسرائيل من التزاماتها وفق القانون الدولي الإنساني»، مشدداً على ضرورة «ضمان تدفق المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومن دون عوائق إلى غزة»، بالإضافة إلى أن «الوقف الفوري لإطلاق النار لأغراض إنسانية» بات «مسألة حياة أو موت» بالنسبة إلى أكثر من مليوني مدني يعيشون في القطاع.

المديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) كاثرين راسل (أ.ب)

حقائق

3400 طفل

قُتلوا منذ بدء الحرب في غزة قبل 3 أسابيع

كذلك، ناشدت راسل أعضاء المجلس اعتماد قرار على الفور يُذكّر الأطراف بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، ويدعو إلى «وقف إطلاق النار»، ويطالب الأطراف بـ«السماح بتوصيل المساعدات الإنسانية بشكل آمن ودون عوائق وإطلاق جميع الأطفال المختطفين والمحتجزين بشكل فوري وآمن»، موضحة أن أكثر من 3400 طفل قُتلوا في غزة، بينما أصيب 6300 طفل آخر منذ بدء الحرب؛ وهو ما يعني أن أكثر من 420 طفلاً يُقتلون أو يُصابون يومياً في غزة، في عدد «يجب أن يزلزل أعماق كل واحد منا».

وقالت دوتن: إنه من الصعب نقل «حجم الرعب» الذي يعيشه الناس في غزة، حيث أصبحوا «يائسين بشكل متزايد، بينما يبحثون عن الغذاء والماء والمأوى» وسط حملة قصف متواصلة «تمحو عائلات وأحياء بأكملها».

الموقف الأميركي

المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد (أ.ف.ب)

وعلى رغم انتقاداتها للقرار الذي اعتمدته الجمعية العامة الأسبوع الماضي بسبب عدم ذكره إسرائيل أو «حماس» بالاسم، ذكّرت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد بمشروع القرار «القوي والمتوازن» الذي قدمته الولايات المتحدة وأسقطته روسيا والصين باستخدام حق النقض (الفيتو)، مستدركة أن بلادها «مستعدة لمواصلة العمل مع أي دولة عضو بالأمم المتحدة ملتزمة باعتماد قرار قوي ومتوازن». وقالت: إن «أي قرار يُعتمد من المجلس يجب أن يدعم الجهود الدبلوماسية المباشرة التي يمكن أن تنقذ الأرواح وتعزز آفاق مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة».

همّ روسيا

المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا خلال جلسة لمجلس الأمن (أ.ف.ب)

ورأى نظيرها الروسي فاسيلي نيبينزيا، أن «أولوية المجتمع الدولي الآن يجب أن تركز على وقف إراقة الدماء والحد من الضرر اللاحق بالمدنيين ونقل الوضع إلى المسار الدبلوماسي السياسي». وشدد على ضرورة «تكريس الجهود الجماعية لإعادة إطلاق عملية التفاوض الكاملة بين الإسرائيليين والفلسطينيين بهدف تحقيق حل الدولتين المدعوم من الأمم المتحدة».

وكذلك، أكد المندوب الفرنسي نيكولا دو ريفيير، أن بلاده تدعم جهود الدول العشر غير الدائمة العضوية لإصدار قرار يركز على الجانب الإنساني وتخفيف معاناة المدنيين في قطاع غزة. وقال: «ستواصل فرنسا مشاركتها في هذا المجلس لضمان اعتماد القرار في أسرع وقت ممكن. ونحن مدينون بذلك للإسرائيليين والفلسطينيين».

المندوب الفرنسي نكولا دو ريفيير (أ.ب)

وأعلنت نظيرته البريطانية باربرا وودوارد، أن المملكة المتحدة «ملتزمة حق إسرائيل في الدفاع عن النفس ضد الإرهاب، والذي يجب أن يكون متوافقاً مع القانون الإنساني الدولي»، مضيفة أن «المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية ضمان وضع خطة لغزة توفر الأمل لسكانها». وشددت على «مبادئ التناسب والتمييز والضرورة، ووجوب اتخاذ كل خطوة ممكنة لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين».

خريطة الأصوات

ووسط هذه التلميحات الإيجابية من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، علمت «الشرق الأوسط» من دبلوماسيين، أن أعضاء المجلس شددوا في جلسة مغلقة على «أهمية احترام القانون الإنساني الدولي وحماية المدنيين». وعبّر كثيرون عن دعم «حماية المرافق الصحية والعاملين في المجال الطبي والإنساني». واستأثرت الدعوات إلى «هدنة إنسانية أو وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية» بحيز واسع من مناقشات أعضاء المجلس، بما في ذلك من ممثلي الصين والإمارات العربية المتحدة، الذين طالبوا علناً بـ«وقف إطلاق النار»، علماً أن هؤلاء الأعضاء صوّتوا إلى جانب البرازيل، والغابون وموزمبيق وسويسرا، لصالح تعديل كان من شأنه إضافة فقرة تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية، إلى مشروع القرار الذي اقترحته البرازيل في شأن الأزمة. ولم يدرج الفقرة في المشروع بسبب عدم وجود الأصوات المطلوبة. وفي التصويت على مشروع القرار البرازيلي بأكمله، صوّت 12 عضواً (ألبانيا، والبرازيل، والصين، والإكوادور، وفرنسا، والغابون، وغانا، واليابان، ومالطا، وموزمبيق، وسويسرا والإمارات العربية المتحدة) لصالح النص، الذي دعا إلى «هدنة إنسانية» للسماح بوصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق. ومع ذلك، لم يعتمد المشروع البرازيلي بسبب حق النقض (الفيتو) الذي استخدمته الولايات المتحدة.

المندوبة الأميركية ليندا توماس غرينفيلد تصافح نظيرها الصيني تشانغ جون في مجلس الأمن في نيويورك (أ.ب)

وعارضت واشنطن الدعوة إلى وقف إطلاق النار ولم تبدأ إلا في الآونة الأخيرة في تغيير موقفها تجاه الهدنة الإنسانية. وفي 27 أكتوبر (تشرين الأول)، قال منسق الاتصالات لدى مجلس الأمن القومي جون كيربي: إن فترات التوقف الإنساني، بكونها «فترات توقف محلية وموقتة ومحددة في ساحة المعركة»، هي «فكرة تستحق الاستكشاف».


مقالات ذات صلة

غزة تعيش ليلة جديدة من ليالي الحرب

المشرق العربي فلسطينيات وسط دمار مبنى استهدفته غارة جوية إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة الجمعة (د.ب.أ)

غزة تعيش ليلة جديدة من ليالي الحرب

عاش سكان قطاع غزة ليلة عصيبة، مساء الخميس وفجر الجمعة، بعد سلسلة من الغارات الجوية التي أعادت مشاهد الحرب.

المشرق العربي «الشرق الأوسط» تنشر رسالة «حماس» للوسطاء ولقاء مرتقب في القاهرة

«الشرق الأوسط» تنشر رسالة «حماس» للوسطاء ولقاء مرتقب في القاهرة

أرسلت «حماس» الوثيقة للوسطاء في مصر، ووجهت منها نسخة لقطر وتركيا، وعبر تلك الدول نقلت لجهات أخرى منها «مجلس السلام» والإدارة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو: أمرت الجيش بالسيطرة على 70 % من قطاع غزة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الخميس، إنه أمر الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على 70 في المائة من قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مقاتلَيْن رئيسيَيْن من «حماس» في غزة

قال الجيش ‌الإسرائيلي، ‌الأربعاء، ​إنه ‌استهدف ⁠اثنين ​من مقاتلي ⁠حركة ⁠«حماس» ‌الرئيسيين ​في ‌شمال قطاع ‌غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ) p-circle

بالصور: فلسطينيون يشيّعون جثمان قائد «القسام»... وإسرائيل تكثف هجماتها

حمل عشرات الفلسطينيين جثمان محمد عودة القائد الجديد لكتائب القسام الجناح المسلح لحركة «حماس» في جنازة بشوارع مدينة غزة الأربعاء

«الشرق الأوسط» (غزة)

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات إضافية على «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات إضافية على «حماس» و«الجهاد الإسلامي»

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)

أعلن ​الاتحاد الأوروبي، اليوم (الجمعة)، فرض عقوبات إضافية على حركتي ‌«حماس» ​و«الجهاد ‌الإسلامي» ⁠في ​فلسطين.

وجاء في بيان للاتحاد: «قرّر ⁠الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق إجراءاته التقييدية ⁠المتعلقة بـ(حماس) ‌وحركة (الجهاد ‌الإسلامي) ​في ‌فلسطين ‌لتشمل أيضاً أعضاء المكتب السياسي لـ(حماس)، الذين ‌يروجون لأعمال العنف ويدافعون عنها ⁠ويبررونها».

ويأتي ⁠هذا الإجراء بعد يوم من فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على بعض ​المستوطنين ​الإسرائيليين.


إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)

أحبطت إسرائيل مسار المفاوضات الأمنية مع لبنان، الذي انطلق في واشنطن الجمعة، بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مشارف الأراضي اللبنانية المحتلة، توسيع العمليات العسكرية في جنوب لبنان، وعبور قواته نهر الليطاني، فيما قال رئيس الأركان إيال زمير إن «الخط الأصفر لا يقيّدنا»، وإن جيشه سيعمل «في كل مكان نرصد فيه تهديداً».

وبالتزامن مع انطلاق المفاوضات الأمنية بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة الجمعة، تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله عرض للأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتطورات الراهنة. وأكد الرئيس عون، خلال الاتصال، ضرورة بذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، والممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة.

وقالت الرئاسة اللبنانية إن الوزير روبيو «جدّد التزام الإدارة الأميركية بالاستمرار في مساعيها لتثبيت مخرجات لقاءات واشنطن السابقة، كما دعمها استقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه، وحقّه الطبيعي والكامل في تقرير مصيره».

نتنياهو

وفيما كانت الجلسة تُعقد في واشنطن، بمطلب لبناني حاسم بوقف إطلاق النار، قال نتنياهو خلال زيارة للفرقة 36 على الحدود الشمالية إن «القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها ضد (حزب الله) في جنوب لبنان والبقاع ومحيط بيروت»، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي «يعمل دون توقف على مختلف الجبهات».

وأضاف أن القوات الإسرائيلية «عبرت نهر الليطاني وتجاوزته»، مشيراً إلى أن الجيش يواصل تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف تابعة لـ«حزب الله» ضمن ما وصفه بمنع التهديدات التي تستهدف المستوطنات الشمالية.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير خلال زيارته جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

تخطي الخط الأصفر

بالموازاة، قام رئيس الأركان، الجنرال إيال زمير، بزيارة إلى الفرقة 210، حيث أجرى تقييماً للوضع من موقع رصد في المواقع المتقدمة في هار دوف (مزارع شبعا المحتلة) داخل الأراضي اللبنانية، المطلة على وادي عيون وعلى السلاسل الجبلية المسيطرة شمالاً وغرباً في جنوب لبنان، وذلك إلى جانب القادة في الميدان. كما شاهد تشغيل النيران من قبل القوات الإسرائيلية في الميدان، حسبما قال الجيش الإسرائيلي، في بيان.

وقال زمير: «هناك ضربات تراكمية وغير مسبوقة ضد (حزب الله)، من آلاف المخربين حتى قادة كبار وطبقات قيادية متوسطة. لا يوجد مكان يشكل حصناً لـ(حزب الله)، ولا يوجد مكان يتمتع فيه بالحصانة». وتابع: «الخط الأصفر لا يقيّدنا، في كل مكان نرصد فيه تهديداً وفي كل مكان نحتاج فيه إلى إزالة تهديد، سنعمل، وفي كل مكان توجد فيه حاجة عملياتية للمناورة، سنناور. كل ضربة لـ(حزب الله) هي أيضاً ضربة للمحور الإيراني والاستثمار الإيراني في المنطقة. نحن مستعدون لأي تطور، ونحافظ على جاهزية عالية أيضاً في مواجهة إيران».

وقال زمير إن «هدفنا واضح، تعميق ضرب (حزب الله)، وإبعاد التهديد، وتعزيز الدفاع عن بلدات الشمال. هذا هو الهدف المركزي الذي يوجّه كل عمل وكل قرار. حتى في هذه اللحظات قواتنا تتقدم وتعمل. كل إنجاز إضافي على الأرض يعزز أمن السكان ويساهم في خلق ظروف أفضل لترتيبات أمنية مستقبلية محسّنة من موقع قوة».

وإذ أعلن عن قتل 7500 مقاتل في «حزب الله»، بينهم 2500 منذ بدء الحرب الحالية، قال إن «تهديد الطائرات المسيّرة هو تحدٍ، لكننا سننتصر عليه. ساحة المعركة ليست نظيفة، ولن تكون كذلك، لكننا نستثمر فيها أفضل الموارد والعقول والقدرات في جيش الدفاع»، لافتاً الى «حلول عملياتية وتكنولوجية في مراحل التطوير والتطبيق، وسنواصل إدخالها إلى ساحة المعركة بسرعة».

قلق بريطاني

ويثير التصعيد الإسرائيلي قلقاً دولياً. وقال السفير البريطاني لدى لبنان هاميش كول: «نحن قلقون جداً إزاء الوضع في جنوب لبنان»، لافتاً إلى مقتل مدنيين، بينهم مسعفون، وهدم القرى والبنى التحتية المدنية والمخاطر التي تهدد مواقع التراث الثقافي ذات الأهمية العالمية.

وقال، في تصريح: «هناك حاجة ماسة إلى خفض التصعيد، كما على الأطراف جميعهم احترام وقف إطلاق النار والالتزام بالقانون الدولي الإنساني».

وتابع: «تُشكل المحادثات بقيادة الولايات المتحدة فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق تفاوضي، وهو السبيل الوحيد الذي يُمكّن المجتمعات على جانبي الحدود من العودة بثقة إلى العيش بسلام. وستعمل المملكة المتحدة مع شركائها على دعم إنهاء هذا الصراع غير المرغوب فيه وغير الضروري بشكل دائم».

تداعيات إنسانية

ومع توسع الحرب، رفع منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، عمران ريزا، مستوى التحذير من التداعيات الإنسانية للتصعيد، معتبراً أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر للأعمال العدائية وأوامر التهجير.

وقال ريزا إن أوامر الإخلاء الواسعة وغير الواضحة في صور والنبطية ومناطق جنوب الزهراني تسببت بحالة واسعة من الذعر والمعاناة، وأجبرت أعداداً كبيرة من العائلات على النزوح مجدداً بحثاً عن الأمان.

وأشار إلى أن القطاع الصحي يتعرض لضغوط غير مسبوقة، موضحاً أن 182 هجوماً استهدفت مرافق وعاملين صحيين منذ الثاني من مارس (آذار)، وأسفرت عن مقتل 125 من العاملين في القطاع الصحي وإصابة 311 آخرين.

وأضاف أن مراكز الإيواء بلغت طاقتها القصوى، فيما لا تزال المدارس تُستخدم لاستضافة النازحين، ما يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم.

صورة مركبة لغارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

بالتوازي مع التحذيرات الإنسانية، حذّر وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة من المخاطر التي تهدد مواقع أثرية أساسية في لبنان نتيجة الغارات الإسرائيلية.

ودعا سلامة منظمة «اليونيسكو» إلى تعيين مفوض خاص، وإرسال لجنة تحقيق لتقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية، فور التوصل إلى هدنة، مشيراً إلى أن لبنان وضع إشارات الحماية الدولية الخاصة بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، إلا أن القصف استمر رغم ذلك.


مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
TT

مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يطالب فيه الجيش الإسرائيلي بإطلاق يده لتصعيد أكبر في لبنان، خرج البروفسور إيال زيسر، الذي يعدّ اليوم عميد أحزاب اليمين، بموقف سياسي علني ضده؛ يشير فيه إلى أن العمليات الحربية في لبنان باتت خطأ استراتيجياً يلحق أضراراً جسيمة في المصالح الإسرائيلية، ويظهر إخفاقاً شديداً في إدارة الحرب.

وقال زيسر، في مقابلة مع إذاعة إسرائيلية، إن هذه العمليات التي تستهدف بالأساس البيئة الشيعية في لبنان، لن تعود بأي نتيجة إيجابية لإسرائيل، مثلها كمثل المساس بالمواطنين في قطاع غزة؛ فلا هذه أثرت على قيادة «حماس»، ولا تلك أثرت على قيادة «حزب الله». كلاهما عمق الشعور بأنهما ضحية. وهي تؤدي إلى التفاف جماهيري حول «حزب الله» يسهم في إنقاذه من السقوط، بعدما تلقى ضربات قاسية، وتعدّ أيضاً نجاحاً للحزب في جرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف غبية لاصطياد جنودها. ويكلف احتلال الأراضي اللبنانية إسرائيل ثمناً باهظاً؛ فقْدها جنودها وأخْذها إلى أماكن بعيدة عن مصالحه.

انتقادات في الجبهة الإيرانية

انتقد زيسر الأداءين الأميركي والإسرائيلي في الجبهة الإيرانية أيضاً، لأنه لم يأخذ في الحسبان مفاهيم وعقائد النظام هناك؛ فقد وضعا هدفاً هو إسقاط النظام، وما دامت الحرب ستنتهي من دون إسقاطه، فإنه سيظهر لشعبه أنه صمد. وهذا الصمود بحد ذاته خطير لأنه يعيد للنظام ثقته بنفسه، رغم كل ما تعرض له من تصفيات وتدمير.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة، لأنه جاء مناقضاً بشكل صدامي مع قيادة الجيش الإسرائيلي، التي تتهم الحكومة بتقييد أيديها ومنعها من إكمال مهامها، وتطالب بمنحها فرصة القصف الجارف في بيروت، وعدم اقتصار العمليات على الاغتيالات. وينطلق الجيش في هذا الموقف من ردود الفعل التي تتسم بالنقد الحاد في الشارع الإسرائيلي، حيث يُتهم بالفشل في توفير الأمن لسكان الشمال.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نادي مارالاغو ببالم بيتش فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

التزام برؤية ترمب

يزعج هذا الموقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لأنه يعارض التصعيد الأكبر؛ ليس بإرادته بل نتيجة لالتزامه بإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وهو يقول إن هذا الرئيس، الأفضل لإسرائيل، الذي أثبت أنه يدعمها أكثر من أي رئيس قبله، ويحتاجه نتنياهو لدعمه شخصياً في معركة البقاء التي يخوضها حتى على صعيد معركته القضائية في محاكمة الفساد.

ويدل خروج البروفسور زيسر بهذا الموقف الحاد ضد خطط الجيش، على أن نتنياهو بدأ يمهد لوقف الحرب؛ ليس لأنه يريد وقفها، فهو أكثر من يريد استمرار الحرب؛ لكنه مقتنع بأن الإدارة الأميركية حسمت أمرها لوقف الحرب، على الأقل في هذه المرحلة، عشية افتتاح المونديال والاحتفالات المقبلة في يوليو (تموز) لمناسبة مرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة. وهو لا يريد إحراج الرئيس ترمب، الذي يتعرض لحملة في الشارع الأميركي تتهمه بأنه يندفع لهذه الحرب بتأثير نتنياهو، ويفكر في الالتزام بما يريده الرئيس الآن، و«يثق في أن غرور القيادة الإيرانية سيجعلها تخرب أي اتفاق يتم التوصل إليه، وعندها تنفجر الحرب من جديد بسببها، وليس بسبب إسرائيل».

وفي هذه الأثناء، عاد نتنياهو إلى «عقيدة الشك» ليتهم الجيش والدولة العميقة بالتآمر عليه ومحاولة إسقاطه في الانتخابات القريبة، التي ستجري في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويرى أنه في هذا الوقت يجب التركيز على الإنجازات التي تحققت في الحرب على كل الجبهات، وليس التورط في مزيد من العمليات الحربية. وراح يستخدم تعابير يستخدمها اليسار الراديكالي في العادة؛ مثل «توسع الحرب يورط إسرائيل في حرب استنزاف»، و«لا يحقق أهداف الحرب». ويتحدث عن ضرورة وجود نفس طويل في إسرائيل، فالمعركة طويلة ولا تحسم بضربة واحدة، وغير ذلك من المواقف غير المألوفة بقاموس نتنياهو.