مصرع ضابط سوداني كبير في قصف لـ«الدعم السريع»

صورة من صفحة رئيس تحرير جريدة الجيش في «فيسبوك» للواء أيوب عبد القادر الذي صُرع بقصف لـ«الدعم السريع»
صورة من صفحة رئيس تحرير جريدة الجيش في «فيسبوك» للواء أيوب عبد القادر الذي صُرع بقصف لـ«الدعم السريع»
TT

مصرع ضابط سوداني كبير في قصف لـ«الدعم السريع»

صورة من صفحة رئيس تحرير جريدة الجيش في «فيسبوك» للواء أيوب عبد القادر الذي صُرع بقصف لـ«الدعم السريع»
صورة من صفحة رئيس تحرير جريدة الجيش في «فيسبوك» للواء أيوب عبد القادر الذي صُرع بقصف لـ«الدعم السريع»

لقي ضابط كبير في الجيش السوداني مصرعه، بقصف مدفعي من قوات «الدعم السريع»، استهدف مقر قيادة قوات المدرَّعات في منطقة الشجرة بالخرطوم. وبمقتله يرتفع عدد ضباط الجيش القتلى بنيران «الدعم السريع» إلى 5 ضباط كبار، ثلاثة منهم برتبة اللواء، واثنان برتبة فريق، وذلك وفقاً لرصد غير رسمي، في حين لا يزال «الدعم السريع» يحتفظ بعدد من الأسرى؛ بينهم ضابط برتبة فريق، على الأقل.

وقال العقيد إبراهيم الحوري، رئيس تحرير جريدة القوات المسلّحة، الناطقة باسم الجيش السوداني، على «فيسبوك»، في تغريدة على صفحته، إن اللواء أيوب عبد القادر استُشهد، صباح الأحد، على أثر «تدوين مدفعي من الجنجويد».

واللواء أيوب عبد القادر، قائد «الفرقة 17»، ومقرّها مدينة سنجة في ولاية النيل الأزرق. وبعد اندلاع القتال بين الجيش و«الدعم السريع»، قاد قوة أطلق عليها «متحرك أسود النيل الأزرق»؛ لفك حصار قوات «الدعم السريع» عن منطقة الشجرة العسكرية المعروفة بـ«سلاح المدرعات». ويتردد أنه كان يشغل منصب نائب سلاح المدرّعات عند مقتله.

ونَعَت صفحات عدة تابعة لمناصري الجيش، والمُوالين للإسلاميين، اللواء أيوب، وأشار بعضها إلى أن مقتله ربما يكون ناتجاً عن «خيانة» من داخل السلاح، بإرسال إحداثيات مكتبه. وعادةً لا يكشف الجيش السوداني عن خسائره في الحرب.

وأثار مقتل اللواء أيوب غضباً واسعاً بين أنصار نظام الرئيس المعزول عمر البشير، وأعضاء «حزب المؤتمر الوطني» والإسلاميين، وغصّت صفحاتهم على مواقع التواصل بحزن عميق. ووفقاً لمصدر، فإن الرجل أحد القادة العكسريين الإسلاميين المهمّين داخل الجيش، ويتردد أنهم كانوا يرغبون في ترشيحه بديلاً لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وأن خلافات دارت بينه وبين قائد الجيش على أداء القوات، أثناء هجمات قوات «الدعم السريع»، على قيادة قوات المدرّعات.

وأيوب ليس الوحيد من بين كبار الضباط السودانيين الذين لقوا مصرعهم أثناء الحرب ضد قوات «الدعم السريع»، ففي 21 أغسطس (آب) الماضي، أعلن الجيش السوداني، في نعي رسمي، ما سمّاه «اغتيال» اللواء الركن ياسر فضل الله الخضر الصائم، قائد الفرقة 16 مشاة، بمنطقة نيالا العسكرية في ولاية جنوب دارفور، من قِبل عساكر تابعين له.

وأعلن الجيش السوداني، في أبريل (نيسان) الماضي، مقتل الفريق متقاعد أحمد عبد القيوم من قِبل قوات «الدعم السريع»، في حين نقلت تقارير صادرة عن «الدعم السريع»، في 13 يوليو (تموز) الماضي، في معركة مع قوة متحركة من منطقة حطاب العسكرية شمال مدينة الخرطوم بحري، مقتل قائد القوة برتبة لواء، وقائد ثاني القوة برتبة لواء أيضاً، لكن الجيش السوداني لم يعلّق على الخبر، في حين تناقلت صفحات النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي الصور والتعازي لمقتل أعداد أخرى من الضباط برتبة عميد وما دونها.

ولا تزال قوات «الدعم السريع» تحتفظ بالمفتش العام للجيش السوداني، الفريق الركن مبارك كجو، ومدير «معهد الاستخبارات العسكرية»، العميد الركن حيدر محمد المختار، واللواء بالقضاء العسكري وجدي محمد فضل الله، منذ اليوم الأول لاندلاع القتال، وما زالوا قيد الأَسر لدى قوات «الدعم السريع». وأعلنت عن أَسر قائد برتبة عميد في معارك شمال بحري، يتردد أنه أطلق سراحه أخيراً.

وفي فيديو بثّته قوات «الدعم السريع» على مواقع التواصل الاجتماعي، قال المفتش العام للجيش، الفريق الركن مبارك كجو، إنه اقتيد لقيادة «الدعم السريع»، صبيحة اندلاع القتال 15 أبريل الماضي. وأشار إلى أن قائد قوات «الدعم السريع» أوصى بمعاملته معاملة طيبة حسب رتبته. ووصف الأحداث بأنها «فتنة» تريد عودة «المؤتمر الوطني» للحكم مجدداً، ودعا لتحكيم العقل معترفاً بأن «الدعم السريع» قوات نظامية مُنشأة بقانون. في حين قال مدير «معهد الاستخبارات العسكرية» العميد الركن حيدر محمد المختار إنه لا يزال لدى قوات «الدعم السريع»، ويجد معاملة طيبة، ولم يمسَّه سوء.


مقالات ذات صلة

الاستخبارات العسكرية السويدية: روسيا تصعّد التهديدات الهجينة في محيط البلاد

أوروبا علم السويد (أرشيفية - رويترز)

الاستخبارات العسكرية السويدية: روسيا تصعّد التهديدات الهجينة في محيط البلاد

صعدت روسيا تهديداتها الهجينة، ويبدو أنها مستعدة للمجازفة بشكل أكبر في المنطقة المحيطة بالسويد، حسبما صرح رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية السويدي.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
أوروبا مشاة يسيرون في أحد شوارع البلدة القديمة في استوكهولم عاصمة السويد يوم 17 أكتوبر 2024 (رويترز)

وسط مساعٍ لخفض الهجرة... السويد تشدد قواعد الحصول على الجنسية

قالت حكومة يمين الوسط في السويد، اليوم (الاثنين)، إن البلاد تعتزم تشديد قواعد الحصول على الجنسية.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن العراقية (أ.ف.ب - أرشيفية)

العراق يفكك شبكة إجرامية متهمة بضرب مصالح إسرائيلية

أعلنت السلطات العراقية القبض على «قيادات» في شبكة «فوكستروت» التي تتخذ من السويد مقرّاً، وهي متهمة بأعمال إجرامية بينها هجمات ضدّ مصالح إسرائيلية في أوروبا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق السويد واحدة من أقل دول أوروبا كثافة سكانية (رويترز)

السويد تشجع السياح على زيارتها بهدف «الشعور بالملل»

تشجع السويد الزوار على السفر إليها بحثاً عن الراحة والهدوء.

«الشرق الأوسط» (ستوكلهوم)
المشرق العربي أفراد من الجالية السورية بالسويد يحملون الأعلام السورية أثناء تجمعهم في 8 ديسمبر 2024 في ساحة سيرغيل في استوكهولم للاحتفال بنهاية حكم نظام الأسد (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفد سويدي يزور دمشق من دون إعلان

الوفد دخل إلى سوريا عبر لبنان وبموكب مستأجر من سفارة أجنبية أخرى في بيروت.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)
عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)
عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)

مع دخول الحرب السودانية تدخل عامها الرابع، لقي 35 صحافياً مصرعهم، وتعرض 500 من الصحافيين والمؤسسات الإعلامية لانتهاكات، ودُمرت أو نُهبت أكثر من 60 مؤسسة صحافية، واضطر نحو 14 مليون سوداني للنزوح أو اللجوء، وحُرم أكثر من 17 مليون تلميذ من حقه في التعليم، ودُمرت 80 في المائة من المؤسسات الصحية، وتحوَّل قرابة نصف سكان البلاد إلى «جوعى».

وقالت نقابة الصحافيين السودانيين، في بيان، الأربعاء، في ذكرى انطلاق شرارة الحرب يوم 15 أبريل (نيسان) 2023، إن الأطراف المتحاربة استهدفت الصحافة؛ لأنها ظلت في قلب الحدث منذ الوهلة الأولى، وأدى ذلك لمقتل 35 صحافياً، وتعرُّض أكثر من 500 مؤسسة إعلامية والعاملين بها لانتهاكات جسيمة، وتدمير أو نهب 60 مؤسسة إعلامية، وإخضاع أعداد من الصحافيين للاعتقال أو الإخفاء القسري.

وقطعت النقابة بعدم وجود «بوادر حقيقية لسلام يلوح في الأفق القريب»، مع استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاق الحرب، وتفاقم معاناة المواطنين.

الصحافي معمر إبراهيم الذي تقول نقابة الصحافيين إنه معتقل لدى «قوات الدعم السريع» منذ سيطرتها على مدينة الفاشر (النقابة)

ووفقاً لنقابة الصحافيين، بلغ عدد النازحين خلال السنوات الثلاث الماضية نحو 14 مليوناً، بينهم 9 ملايين نزحوا داخلياً، وعبر 4.4 مليون شخص الحدود نحو الدول المجاورة، ما أدى لحدوث «واحدة من أكبر وأسوأ أزمات النزوح في العالم، وأكثرها كارثية».

وعدَّت النقابة الحرب انحرافاً وارتداداً عن أهداف ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وأنها ليست نتيجة حدث معزول، بل ثمرة مباشرة لما أطلقت عليه «مساراً سياسياً مختلاً أعقب الثورة».

وأضافت: «فتحت ثورة ديسمبر الأفق واسعاً أمام التحول المدني والدولة الديمقراطية، غير أن تعثّر الانتقال بفعل قوى مدنية وعسكرية على السواء أسهم في إنتاج الشروط التي قادت إلى اندلاع الحرب».

وأحدثت الحرب تداعيات إنسانية بالغة أخرى، فقد حرمت أكثر من 17 مليون طفل من التعليم، وتركت ما يزيد على 25 مليون شخص - أي أكثر من نصف السكان تقريباً - ليواجهوا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع تسجيل حالات مجاعة فعلية في عدد من المناطق.

الصحافية هاجر سليمان التي تقول نقابة الصحافيين إن النيابة رحَّلتها من الخرطوم إلى مدينة دنقلا قبل أن تطلق سراحها (النقابة)

وذكر البيان أن نحو 80 في المائة من المرافق الصحية في مناطق النزاع بات خارج نطاق الخدمة، مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، واستمرار استهداف الكوادر الصحية، وانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة بمعدلات مخيفة.

ودعت النقابة الصحافيين والإعلاميين للعمل على مواجهة «خطاب الكراهية» قائلة: «شهدت الساحة السودانية تفشياً مقلقاً وغير مسبوق لخطاب الكراهية، الذي اتخذ أبعاداً خطيرة تهدد السلم المجتمعي وتغذي الانقسامات على أسس عرقية وجهوية وسياسية».

وأرجعت تفشي خطاب الكراهية إلى غياب المؤسسات الإعلامية المهنية، وحالة الاستقطاب الحاد، والبيئة الخصبة لتداول المعلومات غير الموثوقة، ما فتح الباب لانتشار الأخبار الكاذبة والمضللة بشكل واسع، لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي التي قالت إنها حلت محل المؤسسات الإعلامية لتصبح المصدر الأساسي للأخبار.

وحذرت النقابة من «التوظيف الممنهج للمعلومات المضللة»، لإدارة الصراع بالتأثير على الرأي العام، وقالت: «في ظل غياب آليات فعالة للتحقق، وتراجع دور الصحافة المهنية المستقلة، والاستهداف المباشر للصحافيين والمؤسسات الإعلامية، ينتشر خطاب الكراهية، باعتباره خطراً حقيقياً على وحدة البلاد، وتقويض فرص السلام والاستقرار، وليس مجرد تهديد لحرية التعبير».

كما أدت الحرب وسياسات الإفقار الممنهجة إلى زيادة معدلات الفقر وسط الصحافيين، الأمر الذي يُفضي إلى نتائج خطيرة، على رأسها هجر المهنة والعزوف عنها.

الصحافية مياه النيل مبارك التي تقول نقابة الصحافيين إن السلطات في الخرطوم اعتقلتها في أثناء تغطيتها امتحانات المتوسطة بدعوى انتحال شخصية صحافي (النقابة)

واعتبرت النقابة استهداف الصحافيين وتقييد العمل الإعلامي «انتهاكاً مباشراً لحرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة»، يتيح المجال لانتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، وقالت: «استهداف الصحافيين ليس عرضاً جانبياً، بل جزءاً أساسياً في معركة السيطرة على الرواية، فالحرب كما تعلمون تدار إعلامياً كما تدور في ميادين القتال».

وطالبت النقابة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين جميعاً، وإنهاء حالات الإخفاء القسري، وضمان حرية الوصول إلى المعلومات في مناطق النزاع كافة، وقالت: «في ظل غياب أو تغييب الصحافة الحرة عمداً، تتناقص فرص توثيق الجرائم والانتهاكات، وتُخفى الأدلة والقرائن، ما يسمح بتقليل مساحة المساءلة وزيادة معدلات الإفلات من العقاب».

وأكدت النقابة موقفها الرافض للحرب كوسيلة لحل النزاعات، ورأت أن الحل يكمن في «مسار مدني سلمي» يقوم على «مبادئ الحرية والسلام والعدالة»، كما أكدت تمسكها بوحدة السودان، ورفضها لمحاولات التقسيم والتفكيك، وأعلنت دعمها للمبادرات الهادفة لحماية حق التعليم، خصوصاً مبادرة معالجة أزمة «امتحانات الشهادة السودانية لعام 2026»، وأشارت إلى أهمية تمكين جميع الطلاب من أداء امتحاناتهم في ظروف عادلة ومنصفة.


شرق الكونغو... اجتماعات جنيف بين آمال التهدئة وواقع التعثر

قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
TT

شرق الكونغو... اجتماعات جنيف بين آمال التهدئة وواقع التعثر

قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)
قوات جيش الكونغو الديمقراطية تتمركز في مواقعها بعد تجدد القتال في كليمانيوكا خارج غوما شمال كيفو (رويترز)

غداة أشهر من التعثر في تطبيق مسار السلام بشرق الكونغو وتصاعد العنف في 2026، احتضنت جنيف محادثات بين الحكومة وحركة «23 مارس» المتمردة بعد عام من الاتفاقات برعاية أميركية - قطرية، لم تصمد منذ مطلع العام الحالي.

تلك المحادثات التي تشارك فيها الدوحة وواشنطن، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» قادرة على فتح الباب للعودة لمسار التهدئة، غير أن واقع التعثر سيظل قائماً طالما لم يقم على 3 عوامل رئيسية، تشمل المصالحة الشاملة والتنمية.

وأفادت «إذاعة فرنسا الدولية» بأن حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية ومندوبي حركة «23 مارس» اجتمعوا بجنيف، الثلاثاء، في محاولة لإنهاء الحرب التي دمرت شرق البلاد، غداة انطلاق الجولة التاسعة من المحادثات التي تختتم الجمعة، بمشاركة مندوب قطري ومبعوث الولايات المتحدة، مسعد بولس، بينما حضر ممثل عن بعثة الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية (مونوسكو) بصفة مراقب، وسط مناقشات أولية كانت «صعبة».

وتجرى المحادثات وسط استمرار المواجهات، حيث تتركز المعارك حالياً في مقاطعتي كيفو الشمالية، وكيفو الجنوبية، الشرقيتين.

وأكّد متحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، استمرار جهود الوساطة بين الكونغو الديمقراطية وحركة «23 مارس» ورواندا، والتمسك بالمسار القائم، رغم التحديات المرتبطة بتنفيذ الاتفاقات، التي يجري متابعتها بشكل مستمر.

وباليوم ذاته، بحث رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، مع الممثل الخاص الجديد للأمين العام للأمم المتحدة في البلاد، ورئيس بعثة الأمم المتحدة، لتثبيت الاستقرار هناك، جيمس سوان، دعم عمل البعثة في مراقبة وقف إطلاق النار المتفق عليه في واشنطن وقطر، وفق بيان للرئاسة الكونغولية عبر منصة «إكس».

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، لـ«الشرق الأوسط»، إن انطلاق المحادثات بين الحكومة الكونغولية و«23 مارس» بسويسرا يأتي في سياق المحاولات الحثيثة والمقدرة التي تبذلها قطر والولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الأطراف الإقليمية الفاعلة، بهدف إعادة الأمن والاستقرار في شرق الكونغو، بما يسهم في تحقيق الاستقرار المنشود في منطقة البحيرات العظمى بأكملها.

وشدّد على أن هذه الخطوة تعدّ في غاية الأهمية، كونها تأتي ضمن سلسلة من التعقيدات والمحاولات الحثيثة لتحقيق الاستقرار في شرق الكونغو، وهي المحاولات التي واجهت في فترات سابقة عثرات عدة، وباءت بالفشل.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما شرق الكونغو (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن المسار الحالي في سويسرا «يمكن أن يفتح الباب أمام حوار جادّ، ويتوصل إلى نتائج ملموسة، لكن التحدي الحقيقي يظل دائماً في كيفية تنفيذ هذه النتائج على أرض الواقع»، بحسب تورتشين.

وقبيل المحادثات، اتهم الزعيم السياسي للحركة، برتراند بيسيموا، القوات الحكومية «بتصعيد الهجمات»، قائلاً: «اختار نظام كينشاسا توقيت استئناف المفاوضات السياسية لقصف عدة قرى».

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى تورشين أن التعقيدات الإثنية والعرقية المتجذرة في منطقة البحيرات العظمى تفرض ضرورة تبني مقاربات غير تقليدية تختلف عن النتائج التي تم التوصل إليها في الجولات السابقة. ويضيف: «هناك حاجة إلى واقع جديد يبدأ بتحقيق السلم المجتمعي أولاً، كمدخل أساسي قبل الولوج في الأبعاد السياسية، خاصة أن آثار وتبعات الصراعات التاريخية بين قوميتي الهوتو والتوتسي لا تزال حاضرة ومؤثرة، سواء في الكونغو أو رواندا أو بوروندي».

ويؤكد أن مسألة المصالحات الوطنية هي أمر جوهري، ولا غنى عنه، حيث إن البعد المجتمعي يعدّ المدخل الحقيقي للاستقرار السياسي، والسلم المجتمعي يتطلب مصالحات حقيقية وعدالة انتقالية فاعلة، وكذلك تلعب التنمية دوراً محورياً في تحقيق الأمن، ويلفت إلى أنه على الرغم مما تتمتع به مناطق شرق الكونغو من ثروات هائلة وإمكانات ضخمة، فإن الفقر والبؤس يسيطران على الواقع السياسي والاقتصادي، ما يجعل من استمرارية الحرب واقعاً معاشاً.

وخلص الخبير في الشؤون الأفريقية إلى تأكيد ضرورة التركيز على 3 عوامل أساسية لتحقيق السلام في شرق الكونغو ومنطقة البحيرات العظمى، أولها البعد الاقتصادي والتنموي، بجانب تعزيز المشاركة السياسية على كافة المستويات المحلية والإقليمية والوطنية للمجموعات التي تشعر بالاضطهاد والتهميش، وأخيراً تطبيق العدالة الانتقالية والمصالحات الوطنية الشاملة.