حرب الجنرالين دعائية بامتياز... وتكتم على الخسائر

خبير: طرفا القتال فقدا التواصل مع الميدان منذ الأيام الأولى للحرب

أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش (رويترز)
أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش (رويترز)
TT

حرب الجنرالين دعائية بامتياز... وتكتم على الخسائر

أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش (رويترز)
أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش (رويترز)

أيام قليلة وتدخل الحرب بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» شهرها السابع، حيث يستمر خلالها القتال العنيف بين الطرفين، دون أن يحقق أحدهما «نصراً حاسماً» على الآخر. والمثير للدهشة وسط هذا القتال أن كلا الطرفين لم يهتم بـ«الخسائر» البشرية أو المادية، كأنما الضباط وضباط الصف والجنود الذين قتلوا في الحرب مجرد بيادق في رقعة شطرنج، تتم التضحية بهم لـ«يعيش الزعيم».

في الأيام الأولى للحرب، قال «الدعم السريع» إنه «أسر» عدداً من كبار الضباط، بينهم «المفتش العام» للجيش ومدير معهد الاستخبارات، فيما قال الجيش إن أكثر من 30 ضابطاً وصف ضابط قتلوا دفاعاً عن «القائد العام» عبد الفتاح البرهان. وفي عملية خروج البرهان من الحصار داخل القيادة العامة، أعلن عن مقتل «اثنين» من رجال البحرية، أحدهما ضابط، والآخر صف ضابط. عدا هؤلاء، لا يعرف أحد كم خسر الجيش السوداني من الضباط أو الجنود، سوى ما تناقلته وسائط التواصل من تعازٍ بضباط «كبار» يقال إنهم «استشهدوا» في المعركة.

قوات من «الدعم السريع» خلال عملية عسكرية سابقة في ضاحية مايو، جنوب الخرطوم (أ.ب)

«الدعم السريع» يتكتم هو الآخر على خسائره البشرية، ولم يعلن أبداً مقتل أي من قادته أو جنوده في المعركة، عدا تصريحات خجولة تخرج من قادته، تترحم على من تسميهم «شهداء»، وعدا ما تتناقله وسائط التواصل من تعازٍ أيضاً، أو ما يتم تناقله من «إشاعات» أو تلميحات إلى مقتل آلاف من أفراده، وعدد من قادته، بما فيها تلك «الإشاعة» التي تناقلها قادة سياسيون كبار عن مقتل قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي).

انقطاع التواصل بين القيادات والميدان

البيانات الرسمية للطرفين لم تذكر أرقاماً قط، وعادة يكتفي مكتب الناطق الرسمي باسم الجيش ببيانات عامة عن سير المعارك وخسائر الطرف الآخر. ففي آخر إيجاز، قال إن قواته كبّدت العدو «عدداً من القتلى»، وأسرت عدداً منهم في معركة مع قوات «الحركة الشعبية»، وإنها دحرت هجوماً شنه «الدعم السريع» على قواته في مدينة الأبيض، وكبّدتهم خسائر فادحة «جارٍ حصرها». لكن هذه العبارة ظلت لازمة في كل البيانات، من دون تقديم حصر فعلي. وفي تفسيره لتكتم الطرفين على إعلان خسائرهما، قال المقدم معاش الطيب المالكابي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمر يرجع إلى أن الطرفين فقدا مراكز القيادة والسيطرة منذ الأسبوع الأول للحرب، وبذلك لم تعد لديهما معلومات كافية عن تحركات القوات في المدن المختلفة، ما أدى إلى انقطاع التواصل بين القيادات والميدان، مع «اتساع» أرض المعارك بين الطرفين.

وأوضح المالكابي أن الطرفين يخشيان إعلان خسائرهما البشرية حتى لا يؤثر ذلك على التحشيد والتحشيد المضاد. وقال: «الحرب أخذت طابع الحواضن المجتمعية، ودخلتها عناصر جديدة، إلى جانب الرسميين في القوات المسلحة و(الدعم السريع)». وتابع: «(الدعم السريع) استهدف حواضنه الاجتماعية، واستعان الجيش بالمستنفرين، وظهر إلى جانبه منذ بداية المعارك مقاتلون لهم علاقة بـ(الدفاع الشعبي) والإسلاميين».

واستطرد المقدم مالكابي: «عندما تقدم معلومات عن عدد القتلى، فإنك تقلل قدرتك على الحشد». وأضاف: «لا يمكن حصر الخسائر أثناء استمرار الحرب. فهناك من شاركوا في القتال ولم يعودوا، ويصعب تحديد مصيرهم، أو تصنيفهم بين قتيل أو جريح أو أسير أو هارب، وأصبحت الإعلانات الشخصية هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة القتلى الذين لديهم أقارب أو معارف في الجيش. لكن العدد المعلن من الخسائر لا يتعدى 5 بالمائة من الخسائر الفعلية لكلا الطرفين».

حرب دعائية بامتياز

أما المحلل السياسي الجميل الفاضل، فيرى أن التكتم على أرقام الخسائر «أمر طبيعي»، لأن إعلانها يؤثر سلباً على معنويات جنود ومقاتلي الطرفين. ويضيف: «كان لافتاً منذ اندلاع الحرب أن رهان كلٍ من الطرفين يتركز على رسم صورة ذهنية تؤكد تفوقه على خصمه ميدانياً، وتقديم مبررات تقرب هذا الطرف أو ذاك من الجمهور إليه».

ووصف الفاضل الحرب في السودان بأنها «حرب دعائية بامتياز، يحاول كل طرف فيها حصد نقاط لصالحه على حساب الطرف الآخر». ويتابع: «هناك معركة حول العقول تدور بالتزامن مع معارك الأرض، ما يجعل الخسائر البشرية والمادية تبدو كبيرة للغاية، رغم محاولات التقليل منها أو سترها وإخفائها».

بيد أن الفاضل يرى أن «كتائب الإسلاميين الجهادية»، التي تعدّ الطرف الرئيس في الحرب، هي الطرف الوحيد الذي دأب على الكشف عن قتلاه، وإصدار نعي رسمي موثق بأسمائهم. وتابع أنه «لعلّة قديمة عند الإسلاميين، فهم لا يكترثون للعواقب المحتملة، طالما أن الفاتورة يدفعها معهم آخرون على قدم سواء».

أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش (رويترز)

ويؤيد المحلل السياسي أشرف عبد العزيز، ما ذهب إليه الفاضل، من أن الطرفين يخشيان إعلان خسائرهما، خاصة البشرية منها، «لأن طبيعة السودانيين تميل إلى أن حسم الحرب يحدده عدد خسائر الطرفين من الأرواح». ويتابع: «لذلك يهتم نشطاء وسائط التواصل بإحصاء الخسائر في الأرواح، باعتبارها إشارات للنصر أو الهزيمة، ما يضطر الطرفين لإخفاء أعداد قتلاهما».

جثث كثيرة لا يتم نعي أصحابها

ويرى عبد العزيز أن تكتم الطرفين على خسائرهما يعني أن كل طرف منهما «يصر» على حسم المعركة عسكرياً، وبالتالي يحرص على إخفاء أي معلومات قد تؤثر على معنويات جنوده. ويضيف: «في تقديري أن القتلى وسط قوات (الدعم السريع) أكبر بحكم طرقهم القتالية، أما الجيش فأكبر خسائره بين المستنفرين». وأرجع عبد العزيز مقتل أعداد كبيرة من كبار ضباط الجيش إلى أنهم أصبحوا جزءاً من المعركة، يشاركون في القتال المباشر، ولا يعتمدون على «الصندوق القتالي». ويقول: «مقتل الضباط خسارة كبيرة للمؤسسة العسكرية التي تصرف كثيراً على تأهيل ضباطها، بمن فيهم ضباط المخابرات، الذين بلغ ببعضهم الحال اتهام الجيش بأنه أوقعهم في أفخاخ». وأضاف: «هناك عدد كبير من ضباط المخابرات وشرطة الاحتياطي المركزي على علاقة وثيقة بالتنظيم الإسلامي، لأنهم يقاتلون بدافع غير دافع الجندية وحده، فهم يقاتلون باعتبارهم (مجاهدين)».


مقالات ذات صلة

بريطانيا تعاقب 15 قائداً سودانياً ضالعاً في «اغتصابات الفاشر»

شمال افريقيا سودانية هاربة من مدينة الفاشر متأثرة خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» بمعسكر للاجئين شرق تشاد 27 نوفمبر 2025 (رويترز) p-circle

بريطانيا تعاقب 15 قائداً سودانياً ضالعاً في «اغتصابات الفاشر»

أعلنت المملكة المتحدة فرض عقوبات ضد 15 قائداً عسكرياً من طرفَي النزاع في السودان يشتبه بـ«ارتكابهم فظائع، من بينها عنف جنسي مرتبط بالنزاع»، في وقت سقوط الفاشر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عربية احتفالية لاعبي المغرب الفاسي بالفوز الثمين على أسيك ميموزا العاجي (نادي المغرب الفاسي)

«أبطال أفريقيا»: المغرب الفاسي والهلال السوداني إلى دور المجموعات

حجز فريق المغرب الفاسي مقعده في دور المجموعات لأمجد الكؤوس الأفريقية، دوري أبطال أفريقيا، بعد تجاوزه لخصمه أسيك ميموزا العاجي.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان (ساحل العاج))
شمال افريقيا جنود في مطار الخرطوم الدولي يوم 3 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

الجيش السوداني يتصدّى لمسيّرات في ولاية الجزيرة

أسقطت الدفاعات الجوية للجيش السوداني، صباح الأحد، طائرات مُسيّرة يرجح أنها كانت تحاول استهداف مستودعات «أم عليلة» للوقود بولاية الجزيرة وسط البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري جانب من الاجتماع التشاوري بشأن السودان في جنيف 21 أكتوبر 2026 (الخارجية السعودية) p-circle

تحليل إخباري السودان... «الهدنة» تسابق «المسيرات»

بين قاعات الاجتماعات الدولية وسماء المدن السودانية، يتسارع سباق غير متكافئ... وساطات تحاول انتزاع هدنة... ومسيّرات توسّع رقعة القصف.

عيدروس عبد العزيز (لندن)
شمال افريقيا قوات حفظ السلام الأممية (يونيسفا) في أثناء محاولات إطفاء النيران في سوق النعام بمنطقة أبيي (الأمم المتحدة - «فيسبوك»)

الخرطوم تنفي مسؤولية الجيش عن «مجزرة أبيي»

نفت الحكومة السودانية أي صلة للجيش بهجوم الطائرة المسّيرة الذي استهدف سوق النعام بمنطقة أبيي الحدودية مع دولة جنوب السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

الجامعة العربية تجدد من الخرطوم دعمها للحوار السوداني

وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني محيي الدين سالم أحمد مستقبلاً الأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي في الخرطوم الاثنين (إكس)
وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني محيي الدين سالم أحمد مستقبلاً الأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي في الخرطوم الاثنين (إكس)
TT

الجامعة العربية تجدد من الخرطوم دعمها للحوار السوداني

وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني محيي الدين سالم أحمد مستقبلاً الأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي في الخرطوم الاثنين (إكس)
وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني محيي الدين سالم أحمد مستقبلاً الأمين العام للجامعة العربية نبيل فهمي في الخرطوم الاثنين (إكس)

أعلنت جامعة الدول العربية مجدداً دعمها للحوار السوداني - السوداني، مؤكدة استعدادها لتقديم المساندة المطلوبة، وضرورة أن يكون بقيادة سودانية.

هذا ما أعلنه الأمين العام للجامعة، نبيل فهمي، خلال زيارته الخرطوم، الاثنين، وذلك بعد أيام قليلة من اجتماعات جنيف لتنسيق مبادرات السلام في السودان.

وقال فهمي، في تصريحات صحافية بمقر لجنة الحوار الوطني، إن «الجامعة العربية منفتحة على تقديم الدعم في مراحل محددة، على أن يظل الحوار سودانياً، ولصالح السودان»، مبدياً قناعته بـ«أهمية إجرائه داخل البلاد، في الخرطوم، أو غيرها من المدن السودانية».

الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي يخاطب الصحافيين في الخرطوم الاثنين (إعلام لجنة الحوار الوطني)

وشدد على «ضرورة إعداد خطة عمل جادة، تتضمن خطوات وموضوعات محددة لإنجاز الحوار تدريجياً، بما يعزز ثقة المواطنين والقوى السياسية في استيعاب آرائهم»، مؤكداً «التمسك بالدولة السودانية، وسيادتها، ومؤسساتها».

ووصل فهمي إلى مطار الخرطوم الدولي برفقة عدد من مسؤولي الجامعة، وكان في استقباله وزير الخارجية والتعاون الدولي محيي الدين سالم أحمد، وذلك وفقاً لبيان للخارجية السودانية.

وقالت الوزارة إن زيارة فهمي ووفده «تستهدف تعزيز التواصل والتشاور مع الجامعة، وبحث تطورات الأوضاع، وسبل دعم الأمن، والاستقرار، ودعم صون وحدة السودان، وسيادته، وسلامة أراضيه».

لجنة الحوار

من جانبه، قال الناطق باسم لجنة الحوار السوداني - السوداني، عثمان ميرغني، إن اللجنة طلبت من فهمي أن «تكون الجامعة إحدى الجهات الإقليمية والدولية الداعمة للحوار، وأن تسهم عبر اتصالاتها الخارجية في تهيئة البيئة المساندة له».

وأضاف أن الأمين العام قدم مقترحات لتعزيز دعم الحوار، وستنظر فيها لجنة تهيئة الحوار، وأعرب عن أمله في أن تسهم الجامعة في معالجة القضايا السودانية.

وكان رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان قد أعلن، في مايو (أيار) الماضي، موافقته على انطلاق الحوار، ووصفه بأنه مبادرة وطنية تقدم بها سودانيون.

«تحالف صمود»

في المقابل، أعلن «تحالف صمود» الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك رفضه المشاركة، معتبراً أن عقد الحوار في مناطق سيطرة الجيش يكرس انقسام البلاد.

وتشارك الجامعة العربية في الآلية الخماسية المعنية بالسودان، إلى جانب الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد»، وتعمل ضمنها لتنسيق الوساطات، ودفع مسار التسوية السياسية.

وجاءت زيارة فهمي عقب اجتماعات جنيف الأخيرة، التي شاركت فيها الخماسية إلى جانب الرباعية، المؤلفة من السعودية، ومصر، والإمارات، والولايات المتحدة، ودول ومنظمات أخرى.

وتناولت اجتماعات جنيف التشاورية يومي 20 و21 أكتوبر الجاري الأوضاع الإنسانية، وخفض التصعيد، والمسار السياسي، في إطار الاجتماع التشاوري السادس لتنسيق مبادرات السلام، بغياب طرفي الحرب.

ومنذ اندلاع القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، دعت الجامعة إلى وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين؛ ووجه أمينها العام آنذاك، أحمد أبو الغيط، في 20 أبريل -من ذلك العام- نداء إلى الطرفين لوقف القتال خلال عيد الفطر، وإتاحة التعامل مع الحالات الإنسانية العاجلة.

وفي مايو من ذات العام رحب أبو الغيط باتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد الذي توصل إليه الطرفان في جدة بوساطة سعودية - أميركية، وفي

ديسمبر (كانون الأول) 2024، زار أبو الغيط بورتسودان، والتقى البرهان، ومسؤولين سودانيين، وبحث دور الجامعة في وقف الاقتتال، ودعم الانتقال السياسي، والتوصل إلى توافق وطني، مؤكداً مساندته لمؤسسات الدولة، ووحدة السودان، وسيادته، وسلامة أراضيه، ورفض التدخلات الخارجية.

وواصل فهمي تأكيد هذه المواقف، مشدداً في يوليو (تموز) الماضي على الحفاظ على المؤسسات الوطنية، واستقلال القرار السوداني، ورفض التدخل الخارجي.

وفي سبتمبر (أيلول)، بحث مع المبعوث الأممي إلى السودان بيكا هافيستو جهود وقف الحرب، مؤكداً أولوية وقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات، بالتوازي مع عملية سياسية بقيادة وملكية سودانيتين.


قرار نشر قوات خارج الحدود يفجّر جدلاً في الجزائر

علم الجزائر على مقر البرلمان في العاصمة يوم الأحد (أ.ب)
علم الجزائر على مقر البرلمان في العاصمة يوم الأحد (أ.ب)
TT

قرار نشر قوات خارج الحدود يفجّر جدلاً في الجزائر

علم الجزائر على مقر البرلمان في العاصمة يوم الأحد (أ.ب)
علم الجزائر على مقر البرلمان في العاصمة يوم الأحد (أ.ب)

بينما أيّدت الأحزاب الداعمة للسلطة في الجزائر قرارَ البرلمان الموافقة على إيفاد وحدة عسكرية إلى النيجر «حمايةً لمصالح الجزائر»، أظهرت أحزاب معارضة تحفظاً شديداً عن هذه الخطوة بذريعة أنها تفتح الباب أمام تورّط عسكري غير واضح المعالم دون ضوابط ولا آجال زمنية محددة.

وصوّتت غرفتا البرلمان الجزائري، الأحد، بالإجماع، خلال جلستين طارئتين منفصلتين، على الموافقة على إخطار وجّهه الرئيس عبد المجيد تبون بشأن إرسال قوة عسكرية إلى النيجر؛ بهدف حماية مصالح الطاقة الجزائرية، وفق ما أورده بيان من «المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى للبرلمان)»، من دون الكشف عن طبيعة هذه المصالح. وفي هذا السياق، نقل برلمانيون إلى صحافيين أن وزير الخارجية، أحمد عطاف، أوضح، خلال جلسة التصويت، أن الخطوة تهدف إلى تأمين مشروعات تابعة لـ«شركة المحروقات الوطنية (سوناطراك)» داخل النيجر، مشيرين إلى أن طلب إرسال القوة العسكرية جاء من الحكومة النيجرية.

وعبّرت التشكيلات السياسية الجزائرية، في معظمها، عن دعمها الكامل للقرار، في حين أبدت أحزاب المعارضة؛ «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و«جيل جديد» و«جبهة القوى الاشتراكية»، تحفظات بشأن الخطوة.

انقسام الطبقة السياسية بشأن التدخل العسكري

ورحّب حزب «جبهة التحرير الوطني» المؤيد سياسات رئيس الجمهورية، بتفعيل «المادة91» من الدستور، التي تخول رئيس البلاد إرسال وحدات من الجيش خارج الحدود بعد موافقة ثلثي أعضاء البرلمان. وأكد الحزب، في بيان، أن الإخطار الرئاسي جاء لحماية حقل «كافرا» النفطي في النيجر، الواقع على بعد 85 كيلومتراً من الحدود الجزائرية، مبرزاً أن القرار «يستند إلى ضرورة حماية المصالح الحيوية للبلاد في ظل اتساع نطاق التهديدات والنزاعات في منطقة الساحل»، ومشيراً إلى أن الخطوة اتُخذت وفق الدستور وفي إطار بروتوكول اتفاق وقعته الجزائر ونيامي، خلال زيارة وزير دفاع النيجر الجزائر في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

من جهته، أبدى «التجمع الوطني الديمقراطي» تأييده القرار الرئاسي؛ حيث كشف عن موقفه عشية انعقاد الدورة الاستثنائية للبرلمان، إذ دعا أمينُه العام، منذر بودن، خلال تجمع شعبي بشرق البلاد، برلمانيي حزبه إلى «دعم هذه اللحظة التاريخية بقوة»، مشيراً إلى أنه إذا كانت «قواتنا المسلحة مُطالبة في المقام الأول بحماية الحدود، فإنها تحمي أيضاً المصالح الحيوية للبلاد من التهديدات كافة».

من جلسة التصويت يوم الأحد على طلب رئيس الجمهورية الموافقة على إرسال قوة عسكرية إلى النيجر (البرلمان الجزائري)

كما أكدت «حركة البناء الوطني»، بقيادة عبد القادر بن قرينة، في بيان، دعمها تفعيل الأحكام الدستورية التي تتيح للرئيس إرسال وحدات عسكرية خارج الحدود عند الضرورة القصوى، «ضمن مقاربة واعية تجمع بين حماية المصالح الحيوية للجزائر وشركائها، وفي إطار التضامن الدولي والإقليمي».

وتشكل الأحزاب الثلاثة، إلى جانب «جبهة المستقبل» ما تُعرف بـ«الغالبية الرئاسية» التي تسيطر على مقاعد البرلمان.

في المقابل، ذكر حزب «جيل جديد» المعارض، في بيان، أن إرسال عسكريين جزائريين خارج الحدود لأهداف محددة يعدّ أمراً مشروعاً، موضحاً أن «حماية المصالح الاستراتيجية للجزائر، لا سيما استثماراتها في مجال الطاقة ومشروعات التعاون مع النيجر، تُشكل رهاناً مشروعاً للسيادة الوطنية. واستقرار النيجر يكتسي أهمية خاصة لأمن الحدود والتعاون الإقليمي وحفظ المصالح الاقتصادية الجزائرية»؛ غير أنه شدد على أن حماية المصالح الاقتصادية «ينبغي ألا تُفضي إلى انخراط عسكري مفتوح ودون حدود».

واختارت «جبهة القوى الاشتراكية»، وهي أقدم حزب معارض أسسه رجل الثورة الراحل حسين آيت أحمد، أن يمتنع نوابها عن التصويت على الإخطار الرئاسي. وانتقدت، في بيان، «الظروف التي تم فيها استدعاء النواب»؛ موضحة أنها «من حيث المبدأ» تدعم «هذا القرار الاستراتيجي الرامي إلى الدفاع عن المصالح الحيوية للبلاد»، وأن لجوء نوابها إلى الامتناع جاء «احتجاجاً على التعامل مع البرلمانيين كمنفذين للتعليمات ومجرد واجهة مؤسساتية يُستدعون وفقاً لطوارئ السلطة».

مخاوف أمنية وحسابات استراتيجية

دراجات تنتظر عند محطة وقود وسط نقص في إمدادات الطاقة بعاصمة النيجر نيامي يوم 18 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، الذي اختار نوابه الامتناع عن التصويت أيضاً، في بيان، أن إقحام قوات عسكرية بالخارج «قد ينطوي على تبعات طويلة المدى على أمن الجزائر، ويُعرّض الجنود لمخاطر جسيمة ويُؤثر على العلاقات مع دول المنطقة». وعدّ الحزب أنه «كان ينبغي أن تسبق القرار مشاورات مع القوى السياسية ومداولات برلمانية جادة، تتيح فحص الأهداف المرجوة والمخاطر المحتملة والبدائل المتاحة».

وفي قراءة لحدث إرسال قوات من الجيش الجزائري إلى النيجر، ذكر موقع «ميناديفانس» المتخصص، أن «الانخراط العسكري الجزائري في النيجر يستجيب لمشكلات عدة تراكمت خلال السنوات الأخيرة»، لافتاً إلى أن نيامي «مطالبة بمكافحة التنظيمات الجهادية في غرب البلاد وجنوبها الشرقي، بالتوازي مع مراقبة الشمال؛ حيث تنشط جماعات مسلحة أخرى».

وفي ليبيا، يثير نفوذ القوات التابعة لقائد الجيش الوطني، خليفة حفتر، في المناطق الحدودية «قلق الجزائر»، وفق التقرير. أما في مالي، فقد أشار موقع «ميناديفانس» إلى أن التعاون القائم بين حركات «أزواد» المعارضة لباماكو و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، «يجعل من الصعب الحفاظ على العلاقات التاريخية التي تربط الجزائر بقيادات الطوارق». ووفق الموقع؛ «يتمثل الرهان في تأمين ما يطلق عليه في المصطلح العسكري والأمني (الحزام الأول)، مع الحفاظ على القدرة على الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية في هذه المنطقة». وأضاف: «لفهم هذا القرار؛ ينبغي التمييز بين ما تسعى النيجر إلى تحقيقه وما تطمح الجزائر إلى ضمانه. فمصالح البلدين تلتقي في شمال النيجر؛ إذ تسعى نيامي إلى الحد من مواطن الضعف الأمني في هذه المنطقة، بينما تريد الجزائر منع تحوّلها إلى قاعدة للتحضير لتهديدات تستهدف حدودها».


البرلمان المصري يوافق على تقديم دعم دفاعي إلى السعودية

جلسة سابقة في مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (صفحة مجلس النواب على فيسبوك)
جلسة سابقة في مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (صفحة مجلس النواب على فيسبوك)
TT

البرلمان المصري يوافق على تقديم دعم دفاعي إلى السعودية

جلسة سابقة في مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (صفحة مجلس النواب على فيسبوك)
جلسة سابقة في مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (صفحة مجلس النواب على فيسبوك)

وافق البرلمان المصري، الاثنين، على تقديم دعم دفاعي إلى السعودية، بناء على طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي.

والأسبوع الماضي، مد المجلس المناقشات بشأن تفويض الرئيس المصري في دعم المملكة العربية السعودية عسكرياً إلى الاثنين.

الرئيس عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

وكان الرئيس المصري طلب من البرلمان عقد جلسة طارئة للتفويض في الدفاع عن دول الخليج «إذا طُلب من القاهرة ذلك»، مؤكداً أن بلاده «مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية لحماية أمنها»، وأعقبت ذلك جلستان لمجلس النواب على مدار يومي الأحد والاثنين الماضيين، لمناقشة الموضوع.