بينما نستعد للعيش في عالم يتسم بالحرارة مع تزايد الظواهر الجوية الشديدة، قد يكون الوقت قد حان للنظر في تكيفات مثل العيش تحت الأرض.
ومحاطة بكتل من الصخور والتربة التي تمتص الحرارة وتحتفظ بها، يمكن أن تظل درجات الحرارة أكثر استقرارًا دون الحاجة إلى الاعتماد على تكييف الهواء أو التدفئة كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ليس من الممكن فقط عيش حياة هناك؛ فقد عاش الناس (والحيوانات!) بشكل مريح تحت الأرض عبر التاريخ. لكن هل هو حل قابل للتطبيق للتعامل مع أزمة مناخية ناشئة؟ خاصة إذا علمنا ان هذا العام 2023 هو الأكثر حرارة على الإطلاق. وتعد بلدة التعدين الأسترالية كوبر بيدي معروفة كنموذج لهذه الاستراتيجية، حيث يعيش 60 في المائة من سكانها تحت الأرض خلال فصول الصيف الحارة 52 درجة مئوية (126 درجة فهرنهايت) والشتاء المتجمد 2 درجة مئوية (36 درجة فهرنهايت)؛ إذ تبقى مخابئهم بدرجة حرارة ثابتة تبلغ 23 درجة مئوية (73 درجة فهرنهايت). حيث يتمتع العديد من السكان بأماكن إقامة فاخرة للغاية، مع غرف وصالات مريحة وحمامات سباحة ومساحة كبيرة. يجب أن تكون المنازل على مسافة 2.5 متر على الأقل تحت سطح الأرض لمنع انهيار السقوف.
وتحفر هذه الكهوف من حين لآخر؛ ففي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي صنعها السكان المحليون عن طريق حفر الأرض باستخدام الفؤوس والمتفجرات. أما اليوم فيستخدمون أدوات الحفر الصناعية؛ رغم أن العمل لا يزال يتم يدويًا في بعض الأحيان، وذلك وفق تقرير نشره موقع «ساينس إليرت» العلمي.
لا يستغرق قطع أجزاء كبيرة من الصخور وقتًا طويلاً لأن الحجر الرملي والحجر الطيني ناعم جدًا بحيث يمكن خدشه بسكين.
مدينة ديرينكويو المفقودة
في عام 1963، أخذ رجل تركي مطرقة ثقيلة فضرب بها جدار قبو منزله أثناء تجديده في كابادوك. حيث حيرّه اختفاء دجاجته داخل حفرة. وبعد ان قام بالتحقيق أكثر اكتشف متاهة شاسعة من الأنفاق تحت الأرض. لقد وجد مدينة ديرينكويو المفقودة. حيث تم بناء شبكة من الأنفاق مكونة من 18 طابقًا في وقت مبكر من عام 2000 قبل الميلاد، ويصل عمقها إلى 76 مترًا تحت السطح، مع 15000 عمود لإضاءة وتهوية متاهة الكنائس والإسطبلات والمستودعات والمنازل التي تم تشييدها لإيواء ما يصل إلى 20000 شخص .
ويعتقد أنه تم استخدام كهف ديرينكويو بشكل مستمر تقريبًا لآلاف السنين كمأوى خلال زمن الحرب. لكن تم التخلي عنه فجأة في عشرينيات القرن الماضي في أعقاب «الإبادة الجماعية والطرد القسري للمسيحيين الأرثوذكس من البلاد».
وبينما تتأرجح درجات الحرارة الخارجية في كابادوكيا بين 0 درجة مئوية (32 درجة فهرنهايت) في الشتاء و 30 درجة مئوية (86 درجة فهرنهايت) في الصيف، تظل درجة حرارة المدينة تحت الأرض باردة 13 درجة مئوية (55 درجة فهرنهايت). كابادوكيا. وهذا ما يجعلها مثالية لحفظ الفاكهة والخضروات.
واليوم، تُستخدم بعض الأنفاق لتخزين صناديق الكمثرى والبطاطا والليمون والبرتقال والتفاح والملفوف والقرنبيط.
اقرأ أيضاً
ملجأ أم جحيم؟
وفي حين أن معظم الناس على استعداد للعيش تحت الأرض لفترات وجيزة من الوقت، فإن فكرة العيش تحت الأرض بشكل دائم يصعب على الناس تحملها. فالعالم السفلي مرادف للموت في العديد من الثقافات. ويمكن أن يؤدي الوجود تحت الأرض في أماكن ضيقة إلى إثارة الخوف من الأماكن المغلقة والمخاوف من سوء التهوية.
بدوره، يقول ويل هانت مؤلف كتاب «تحت الأرض: تاريخ بشري للعوالم الواقعة تحت أقدامنا» «نحن لا ننتمي إلى هناك ... أجسادنا بيولوجيًا وفسيولوجيًا ليست مصممة للحياة تحت الأرض».
وفي هذا الاطار، يمكن للإنسان الذي يعيش تحت الأرض لفترة طويلة جدًا دون التعرض لضوء النهار، النوم لمدة تصل إلى 30 ساعة في المرة الواحدة. كما يمكن أن تؤدي الاضطرابات في إيقاع الساعة البيولوجية إلى مجموعة من المشكلات الصحية.
هناك خطر آخر في الحياة تحت الأرض هو الفيضانات المفاجئة؛ والتي تشكل مصدر قلق، خاصة أن تغير المناخ يؤدي لإحداث المزيد من الظواهر الجوية المتطرفة كالأعاصير؛ فلقد غرق الأشخاص الذين عانوا من التشرد في عدة مناسبات في الأنفاق تحت لاس فيغاس. إذ يسكن هذه الأنفاق حوالى 1500 شخص وهي مبنية لنقل مياه الأمطار التي قد تملأها بغضون دقائق معدودة؛ ما لا يترك للناس وقتًا للإخلاء.
جدير بالذكر، يتطلب البناء تحت الأرض عادة مواد أثقل وأغلى ثمناً يمكنها تحمل الضغوط. كما يجب أيضًا قياس هذه القوى من خلال المسوحات الجيولوجية المكثفة قبل بدء الحفريات.
وتتأثر درجة الحرارة تحت الأرض أيضًا بما يحدث فوق السطح؛ فقد وجدت دراسة لمنطقة شيكاغو لوب التجارية أن درجات الحرارة ارتفعت بشكل كبير منذ الخمسينيات من القرن الماضي حيث تم بناء المزيد من البنية التحتية لتوليد الحرارة في نفس المنطقة، مثل محطات وقوف السيارات والقطارات والطوابق السفلية. ودرجات حرارة الأرض في المنطقة الآن أعلى مما كانت عليه عام 1951، ومن المتوقع أن تزداد أكثر بحلول عام 2051.
يمكن أن تتسبب الزيادة بدرجة الحرارة في تمدد الأرض حتى 12 ملم، ما قد يؤدي ببطء إلى إحداث أضرار هيكلية في المباني. فلكي تكون البيئات تحت الأرض مقبولة للناس، يجب أن تكون آمنة ومأمونة ولديها ضوء طبيعي وتهوية جيدة وتوفر إحساسًا بالاتصال بالعالم العلوي.
وتجسد مدينة مونتريال التي يبلغ طولها 20 ميلاً تحت الأرض والتي تسمى RÉSO هذا النموذج المثالي؛ إذ يربط المجمع المباني بحيث يمكن للناس تجنب درجات الحرارة دون الصفر في الخارج؛ فتحتوي المساحة على مزيج من المكاتب والفنادق والمدارس التي تمتزج بسلاسة مع البيئة فوق الأرض.
لقد تسبب تغير المناخ بالفعل في جعل بعض أجزاء من إيران وباكستان والهند شديدة الحرارة بشكل خطير. فإذا استمر الكوكب في الغليان، فربما سننظر في بناء ناطحات أرضية بدلاً من ناطحات السحاب؟





