تجار أسواق دمشق يسعون للهجرة بعد «الركود غير المسبوق»

مخاوف من حلول «أثرياء الحرب» الجدد مكانهم بهدف تبييض أموالهم

شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)
شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)
TT

تجار أسواق دمشق يسعون للهجرة بعد «الركود غير المسبوق»

شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)
شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)

يسعى عدد من أصحاب المحال التجارية في أسواق دمشقية شهيرة، إلى الهجرة باتجاه دول أخرى، بسبب تفاقم الانهيار الاقتصادي والركود غير المسبوق في الأسواق، وفقدان الأمل في تحسن الأوضاع في البلاد.

كما يعكف أصحاب شركات خاصة على تصفيتها والهجرة من البلاد، نتيجة حالة عدم الاستقرار والضغوط الشديدة التي تمارسها الحكومة عليهم.

الشكوى من «عدم القدرة على تحمل الوضع القائم» والبحث المستمر في سبل الخروج منه، هما الشغل الشاغل هذه الأيام لعشرات التجار في سوق «الحريقة»، التي تعد من أشهر وأعرق أسواق العاصمة السورية، والتي كان يقصدها أصحاب محال بيع الألبسة الجاهزة والأقمشة من كل المحافظات السورية لشراء حاجياتهم منها، وفق ما تحدث به لنا تاجر في السوق.

يقول التاجر: «لا أمل في انفراجة. أنظر إلى أبنائي ولا أعرف أي مستقبل ينتظرهم في هذه البلاد». ويضيف: «في كل سنة أعتقد أنها السنة الأخيرة للأزمة، وها قد مرت 13 سنة ولم تنته. أريد أن أنجو من هذا الغرق وأرحل لعلي أوفر الأمان والكرامة لأبنائي في بلد جديد».

استثمار في الخليج

غير أن التاجر الذي يملك عقارات في دمشق تزيد قيمتها على 300 مليون دولار أمريكي، يوضح أنه لن يخاطر بالإقدام على الهجرة بطرق غير شرعية، كما يفعل كثيرون باللجوء إلى عصابات تهريب البشر على متن قوارب بحرية، ويقول: «أستطيع بأموالي أن أصل إلى أي بلد. خلال جلساتنا كتجار في السوق الحديثة، أصبح الحديث يتركز على استطلاع طرق السفر إلى خارج سوريا».

العشرات من أصحاب المحال التجارية في سوق «الحريقة» يفكرون بشكل جدي في الهجرة، أيضا العشرات في الأسواق المجاورة مثل سوق «مدحت باشا» ينوون الهجرة، والسبب هو تفاقم الانهيار الاقتصادي، «والركود غير المسبوق في الأسواق»، حسبما يؤكد التاجر، الذي يلفت إلى أن بعض التجار يسعون للحصول على إقامات في دول خليجية كمستثمرين.

محل لبيع الأقمشة في سوق «مدحت باشا»

في سوق «مدحت باشا» الواقعة إلى الجنوب من سوق «الحريقة»، وبينما يخيم اليأس على وجوه أصحاب المحال التجارية، يقول أحدهم لنا: «الشمس عندما تشرق تشرق على الجميع، وعندما تغيب تغيب عن الجميع، ومنذ أشهر الشمس غائبة عن (أسواق) مدحت باشا والحريقة والحميدية». ويضيف: «الوضع يدمي القلوب، وهناك تجار نفد صبرهم ويسعون جديا إلى تصفية بضائعهم وبيع محالهم والهجرة».

وفرض الانهيار الكبير والمستمر لقيمة الليرة السورية منذ بداية يوليو (تموز) الماضي، التي لامست، اليوم الأربعاء، 15 ألف ليرة، مقابل الدولار الأميركي في السوق الموازية بدمشق، والارتفاع الخيالي للأسعار، وتزايد انعدام القوة الشرائية للمواطنين، حالة من الركود غير المسبوق على عموم أسواق مدينة دمشق، وتسببت في خسائر كبيرة لأصحاب المحال التجارية.

لوحة إعلانية في طريق بدمشق تحمل صورة الرئيس السوري بشار الأسد ونظيره الإيراني إبراهيم رئيسي (غيتي)

ضغوط حكومية

ولا يقتصر التفكير الجدي في الهجرة على أصحاب محال تجارية في أسواق وسط دمشق، إذ إن أصحاب شركات خاصة ينوون تصفية شركاتهم والهجرة، بسبب الأوضاع غير المستقرة في البلاد، وإجراءات الحكومة التي تمارس من خلالها ضغوطا كثيرة على قطاع الأعمال.

هذا الوضع يتحدث عنه صاحب شركة خاصة تعمل في مناطق الحكومة منذ سنوات، ولديها نحو 50 موظفا، يوفر لكل واحد منهم مرتبا شهريا أفضل بـ20 مرة من الراتب الذي يدفعه القطاع الحكومي.

يقول صاحب الشركة لنا: «لدينا عقود مجزية، ولكن الوضع غير المستقر في البلاد بسبب إجراءات الحكومة والضغوطات التي تمارسها على قطاع الأعمال، والتدهور الاقتصادي السريع، يعكفنا عن متابعة العمل في هذه البيئة، مع العمل على الهجرة إلى بلاد أخرى».

سوق «مدحت باشا» التي غابت عنها زحمة الزبائن (الشرق الأوسط)

ويضيف: «مؤخرا بدأت وزارة المالية تلاحق أي نشاط اقتصادي مهما كان صغيرا. حتى بائعو الرخام والألمنيوم لم يسلموا من الضرائب الباهظة، بل وصلت يدها إلى الشركات الهندسية».

ووفق حديث مصادر أهلية، فقد ساهم قدوم المغتربين من الخارج خلال موسم الصيف الحالي وأحاديثهم عن حياتهم الجيدة في بلدان الاغتراب، في تعزيز فكرة الهجرة عند كثير من ذويهم ممن ما زالوا في مناطق سيطرة الحكومة. ويقول أحد المصادر: «حديث مجموعات الشباب في (ضاحية) جرمانا (بريف دمشق الشرقي)، يتركز على الهجرة مهما كلف الأمر، ولسان حالهم يقول: البلد انتهى ولا حل إلا بالسفر».

موجات الهجرة

وشهدت سوريا عدة موجات هجرة منذ اندلاع الاحتجاجات منتصف مارس (آذار) 2011، التي تحولت بعد عدة أشهر إلى حرب طاحنة.

أولى تلك الموجات كانت بين عامي 2012 و2013، وكان معظم المغادرين من المعارضين والملاحَقين والمهددين أمنياً، وضمت أيضا تجارا وخبراء من مستوى رفيع وكفاءات علمية من أطباء وصيادلة ومهندسين ومدرسين. تلتها موجة أخرى عام 2015 مع تراجع الأمل في توقف الحرب، أُطلق عليها «موجة الهجرة الكبرى». وكان معظم المهاجرين من الشباب الرافضين للخدمة العسكرية الإلزامية، والعائلات التي فقدت مصادر رزقها وهُجِّرت من بيوتها.

كما حصلت موجة هجرة خلال عامي 2018 و2019، عندما بدأ تدهور الوضع الاقتصادي، بالترافق مع تواصل الهجرة عبر البحر رغم المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون.

قارب يحمل عشرات السوريين في البحر المتوسط باتجاه اللجوء في أوروبا (أ.ب)

ومع تفاقم الانهيار الاقتصادي وحالة العطالة وفقدان مصدر العيش، في عام 2021 الذي حصلت فيه الانتخابات الرئاسية وفاز الرئيس بشار الأسد بولاية رئاسية جديدة، حصلت موجة هجرة أواخره، عبر بيلاروسيا التي كان المهاجرون ينطلقون منها إلى الدول الأوروبية، وضمت كبار الصناعيين والتجار وصغار الحرفيين، بالترافق مع هجرة واسعة للأطباء نحو مصر والعراق واليمن والصومال.

ويمثل اللاجئون السوريون منذ عام 2014 الأغلبية العظمى من لاجئي العالم، حيث تتصدر سوريا قائمة الدول المصدرة للاجئين، حسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. فقد وصل عدد اللاجئين السوريين حول العالم إلى ستة ملايين و600 ألف لاجئ عام 2019.

حلول أثرياء الحرب

باحثة اجتماعية توجهنا لها، توضح أن السبب الذي يدفع المواطن للهجرة إلى بلد آخر، هو البحث عن الاستقرار والأمان والحياة الطبيعية والعيش بكرامة، خصوصا إذا كانت الأوضاع في بلده غير مستقرة من كل النواحي، كما هو الحال في مناطق الحكومة السورية، حيث لا تتوفر أدنى مقومات للحياة الكريمة (كهرباء، ماء، وقود، دواء، نقل...). يضاف إلى ذلك تزايد صعوبة الوضع المعيشي نتيجة التفاوت الهائل بين الرواتب والأجور مقابل تكاليف العيش، مشيرة إلى أنه توجد «مجاعة حقيقية في البلاد، بسبب تعمق حالة الفقر لدى الأغلبية العظمى من الأسر».

سكان العاصمة السورية يهربون من انقطاع الكهرباء في الصيف الحار إلى الحدائق (غيتي)

تضيف: «مع تزايد انهيار الوضع الاقتصادي وتضخم الأزمات بشكل كبير في البلاد، والعطالة والركود القاتل في الأسواق وعدم ظهور ضوء في نهاية النفق، من الطبيعي أن يبحث الجميع عن الخلاص، وتراه معظم مكونات المجتمع المتضررة من تجار وشباب وصناعيين وخريجين جامعيين وأصحاب مهن حرة في الهجرة».

وترى الباحثة أن قيام تجار في أعرق أسواق دمشق بالهجرة، سيؤدي إلى نزف جديد بين طبقة هؤلاء التجار، متسائلة: «من سيشتري محالهم التي يقدر ثمن أصغر محل فيها بمئات آلاف الدولارات؟»، معربة عن خشيتها من أن تؤدي عملية بيع هؤلاء التجار لمحالهم إلى «حلول أثرياء الحرب» الجدد الذين جمعوا ثرواتهم بطرق غير مشروعة مكانهم في تلك الأسواق بهدف تبييض أموالهم.


مقالات ذات صلة

ألمانيا: توقعات بركود اقتصادي وموجة تضخم جديدة رغم قفزة معنويات المستثمرين

الاقتصاد وسط مدينة دريسدن التاريخي (رويترز)

ألمانيا: توقعات بركود اقتصادي وموجة تضخم جديدة رغم قفزة معنويات المستثمرين

خفض معهد «آر دبليو آي» الاقتصادي الألماني توقعاته لتعافي الاقتصاد الألماني، متوقعاً نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.8 في المائة في عامي 2026 و2027.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

بنك إنجلترا يتجه لتثبيت الفائدة الخميس وسط مخاوف التضخم وضغوط الركود

يُتوقع أن يُبقي بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير عند 3.75 في المائة، يوم الخميس، مع تبنِّي صناع السياسة النقدية نهج الترقب والانتظار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد جانب من أفق الحي المالي بمدينة فرنكفورت الألمانية (رويترز)

بسبب الحرب... صدمة أسعار الطاقة تهدد الاقتصاد الألماني بركود تقني في 2026

أفاد «معهد البحوث الاقتصادية» الألماني، الأربعاء، بأن الاقتصاد الألماني من المرجح أن ينزلق إلى ركود تقني هذا العام؛ بسبب صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب...

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد لقطة جوية بطائرة مسيّرة لسفن راسية في مضيق هرمز كما يُرى من مسندم في سلطنة عُمان (رويترز)

منظمة التعاون الاقتصادي: تعثّر حل أزمة الطاقة يهدد العالم بـ«سيناريو مظلم»

حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يوم الأربعاء، من أن الحرب في الشرق الأوسط تلقي بظلالها على آفاق النمو الاقتصادي العالمي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد متداولون يتابعون حركة الأسهم والمؤشرات الاقتصادية في بورصة طوكيو بالعاصمة اليابانية (أ.ف.ب)

اليابان تُخاطر بالعودة إلى الركود الاقتصادي ما لم ترفع الفائدة مبكراً

قال ماكوتو ساكوراي، العضو السابق في مجلس إدارة بنك اليابان، يوم الاثنين، إن اليابان على وشك تكرار الخطأ السياسي الذي أدى إلى عقود من الركود الاقتصادي

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

نعيم قاسم: سقف المفاوضات مع إسرائيل يجب أن يكون «الأمن المتبادَل»

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (أرشيفية - رويترز)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (أرشيفية - رويترز)
TT

نعيم قاسم: سقف المفاوضات مع إسرائيل يجب أن يكون «الأمن المتبادَل»

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (أرشيفية - رويترز)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (أرشيفية - رويترز)

عدّ الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، الأربعاء، أن سقف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل ينبغي أن يكون «الأمن المتبادَل»، مشدداً في الوقت نفسه على أن المطلب الأساسي للبنان يجب أن يكون استعادة سيادته.

وقال قاسم، في كلمة خلال افتتاح مجلس عاشورائي: «سقف المفاوضات مع العدو الإسرائيلي هو (الأمن المتبادَل). ليس هناك سقف آخر. وأي مشروع تحت سقف (نزع السلاح) لن يمر، فهو وصفة إسرائيل لتأخذ كل شيء وتُخرّب البلد».

وأضاف قاسم: «كل ما له علاقة بترتيب وضعنا الداخلي؛ سواء أكان موضوع السلاح، أم كان موضوع الاقتصاد، أم كان موضوع استراتيجية الأمن الوطني، أم الاستراتيجية الدفاعية... كله يجب أن يكون خارج المفاوضات بالكامل، هذا نُناقشه داخلياً. ولذلك؛ في أي تفاوض يجب أن يكون المطلب الأساس استعادة سيادة لبنان».


ترمب تحدث مع الشرع بشأن مواجهة «حزب الله»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
TT

ترمب تحدث مع الشرع بشأن مواجهة «حزب الله»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الأربعاء، إنه تحدث مع نظيره السوري أحمد الشرع حول محاربة جماعة «حزب الله» في لبنان، وذلك بعد يوم من انتقاده لإسرائيل لـ«قتلها عدداً كبيراً جداً من المدنيين وعدم إنجاز المهمة».

ورداً على سؤال وُجه إليه خلال قمة مجموعة السبع في «إيفيان-ليه-بان» بفرنسا عما إذا كان قد تحدث مع الشرع بشأن «حزب الله»، أومأ ترمب برأسه وقال «نعم». وعندما سُئل عما إذا كان الشرع مستعداً لمواجهة الجماعة المسلحة، قال ترمب إنه سيتحدث عن ذلك لاحقاً، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاءت هذه التصريحات بعد أن انتقد ترمب تكتيكات إسرائيل في محاربة «حزب الله»، بينما أشاد بالشرع، الذي تولى السلطة في سوريا عام 2025 بعد سنوات من الحرب الأهلية.

وقال ترمب للصحافيين، أمس الثلاثاء، على هامش القمة: «اعتبر أن (لبنان) يمثل حرباً صغيرة، وإيران حرباً كبيرة، لكن لدينا تلك المشكلة الصغيرة التي تطل برأسها باستمرار، وهي جماعة (حزب الله)».

وأبدى ترمب دعماً قوياً للشرع. وقال عنه: «قام بعمل مذهل في توحيد الصفوف. إنه ليس فتى كشافة، لكنه قام بعمل كبير في توحيد الصفوف، ولديه قدرة كبيرة على التعامل مع (حزب الله). إنه لا يحبهم».

كانت «رويترز» قد أفادت في مارس (آذار) بأن الولايات المتحدة شجعت سوريا على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح «حزب الله»، لكن دمشق كانت مترددة في الشروع في مثل هذه المهمة؛ خوفاً من الانجرار إلى الحرب في الشرق الأوسط وتأجيج التوتر الطائفي في سوريا ولبنان.

ووفقاً لتصريحات نشرتها وسائل إعلام حكومية سورية، نفى الشرع، يوم السبت، صحة ما تردد بشأن دخول سوريا إلى لبنان واصفاً ذلك بأنه ليس له أساس.

وعبّر ترمب في الأيام القليلة الماضية عن استيائه من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب الهجمات الإسرائيلية في بيروت التي قال إنها كان من الممكن أن تعرض الاتفاق الذي أبرمه مع إيران للخطر.

وأضاف أمس أن إسرائيل تُقاتل الجماعات المسلحة اللبنانية لفترة طويلة جداً وقتلت عدداً كبيراً جداً من المدنيين. وتابع: «ليس عليكم هدم مبنى سكني في كل مرة تبحثون فيها عن شخص ما. لأن هناك الكثير من الناس في تلك المباني السكنية، وليسوا جميعهم من (حزب الله)، وهذا ما أستطيع أن أؤكده لكم».

وأوضح: «اقترحت على إسرائيل أن تترك سوريا تتولى أمر (حزب الله)، لأنني، لأكون صريحاً معكم، أعتقد أنها تقوم بهذه المهمة بشكل أفضل».


«جبهة الضفة ساخنة»: مستوطنون يضرمون النار في مسجدين... واستعدادات لبناء مدرسة يهودية

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه ترفع أعلام إسرائيلية يوم الأربعاء (رويترز)
المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه ترفع أعلام إسرائيلية يوم الأربعاء (رويترز)
TT

«جبهة الضفة ساخنة»: مستوطنون يضرمون النار في مسجدين... واستعدادات لبناء مدرسة يهودية

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه ترفع أعلام إسرائيلية يوم الأربعاء (رويترز)
المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه ترفع أعلام إسرائيلية يوم الأربعاء (رويترز)

سخّنت إسرائيل جبهة الضفة الغربية على مستويات عدة، أمس، وفيما هاجم مستوطنون مناطق مختلفة وأضرموا النار في مسجدين في رام الله، صادق ما يسمى «المجلس الأعلى للتخطيط والبناء الاستيطاني» على إنشاء 576 وحدة سكنية جديدة في الضفة، وشمل ذلك الموافقة على بناء مبنى ضخم بمساحة 1000 متر مربع لصالح مدرسة «شفيه حبرون» الدينية اليهودية في البلدة القديمة في مدينة الخليل.

وهاجم المستوطنون على نحو واسع قرى فلسطينية في الضفة الغربية، في شمال الضفة ووسطها وجنوبها، وأشعلوا النيران في منازل وحقول وخربوا أراضي وجرارات زراعية وخطوط مياه في أكثر من منطقة، وطالت الهجمات «المسجد الكبير» في قرية جلجليا شمال رام الله، بعدما خط المستوطنون على جدرانه شعارات من بينها «انتقام» و«ليلة المساجد».

رجل يزيل الأنقاض من أمام مسجد في قرية جلجلية في رام الله بعد أن تعرض للتخريب والحرق على يد مستوطنين إسرائيليين (أسوشييتد برس)

وقالت مصادر أمنية فلسطينية إن مجموعة من المستوطنين تسللوا إلى بلدة جلجليا، وأشعلوا النيران في المسجد الكبير، ما أدى إلى اندلاع حريق وإلحاق أضرار مادية فيه، قبل أن يتصدى لهم أهالي البلدة، ثم اقتحمت قوات الاحتلال البلدة وأطلقت قنابل الغاز السام المسيل للدموع وقنابل الصوت.

ووصف إمام المسجد، محمد عبد الرحيم، في حديث مع موقع «واي نت» الإخباري الإسرائيلي. ما حدث بأنه «لحظات مرعبة وسريعة» وقال: «فجأةً رأينا حريقاً هائلاً داخل المسجد. أحضر المستوطنون مواد قابلة للاشتعال مثل الإطارات وغيرها، مما تسبب في اشتعال النيران بسرعة وكاد أن يدمر المسجد بالكامل. قد نضطر إلى إعادة بنائه». وتابع: «سمعنا انفجارات صغيرة، ظننا في البداية أنها حرب».

وتكرر الأمر نفسه لاحقاً في مزارع النوباني القريبة، التي اقتحمها مستوطنون، مستهدفين إحراق مسجد «الفاروق» ما أدى إلى أضرار مادية واضحة قبل أن تتم السيطرة على الحريق.

هجمات متكررة على المساجد

ويركز المستوطنون أكثر على المساجد في هجماتهم الأخيرة، وقبل أيام قليلة حاولوا إحراق مسجد في قرية برقا في رام الله، وفي قرى أخرى.

ويصعد المستوطنون في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وراحت هجماتهم تأخذ منحىً دموياً واضحاً، وقد نفذوا خلال الشهر الماضي وحده 551 اعتداءً شملت العنف الجسدي المباشر، وحرق البيوت والحقول واقتلاع الأشجار، والاستيلاء على الممتلكات. وحسب هيئة مقاومة الاستيطان، فقد قتل المستوطنون هذا العام فقط 17 فلسطينياً.

وقال الجيش الإسرائيلي، حسب هيئة البث الإسرائيلية، إن قواته وصلت إلى موقع الحادث (جلجليا) بعد أن فر المشتبه بهم من المكان. وأضاف الجيش أنه سيواصل التحقيق في الحادث. وقالت «كان» إن هذا الحادث يعد الثالث من نوعه خلال الأسبوع الأخير.

فلسطيني يتفقد الأضرار التي ألحقها مستوطنون إسرائيليون بمسجد في قرية جلجلية بالضفة الغربية شمال رام الله يوم الأربعاء (د.ب.أ)

ودانت السلطة تصعيد المستوطنين واستهداف الفلسطينيين وبيوتهم وحقولهم إلى جانب استهداف دور العبادة.

وقال قاضي قضاة فلسطين، مستشار الرئيس للشؤون الدينية، محمود الهباش، إن «جرائم إحراق المساجد تمثل إرهاباً منظماً وجريمة حرب مكتملة الأركان وفق أحكام القانون الدولي».

وحذر الهباش من خطورة تصاعد الاعتداءات على دور العبادة، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، واستمرار «محاولات إشعال حرب دينية في المنطقة»، مؤكداً أن تداعيات هذه السياسات ستكون خطيرة وغير قابلة للاحتواء، أو التنبؤ بنتائجها.

تغيير الوضع القائم في الأقصى

ويتعرض الأقصى منذ سنوات لحرب ممنهجة تهدف إلى تغيير الوضع القائم هناك، وقد تمكن وزراء المستوطنين في الحكومة وقادتهم مثل إيتمار بن غفير والسياسي اليميني موشيه فيجلين في فرض أمر واقع جديد هناك نجحوا من خلاله في تمكين مستوطنين من أداء الصلاة في المكان.

وصلى بن غفير وفيجلين وآخرون عدة مرات في الأقصى وهتفوا «المكان لنا»، في أكبر تغيير للوضع القائم في المسجد، وهو الترتيب السائد منذ عقود بالاتفاق بين إسرائيل والمملكة الأردنية، والذي يُسمح فيه لليهود وغيرهم من غير المسلمين بالتجول في الأقصى خلال ساعات معينة، شريطة أن يكون العدد محدداً، ودون أداء أي طقوس دينية أو صلوات.

الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير يحمل علماً أمام المسجد الأقصى في القدس القديمة الخميس (رويترز)

واقتحم بن غفير الأقصى عدة مرات وصلى هناك علانية فيما صرح فيجلين بأنهم سيبنون في المكان هيكلاً جديداً.

ويخشى الفلسطينيون من أن ينجح «اليمين المتطرف» في تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً على غرار الحرم الإبراهيمي في الخليل.

مدرسة يهودية في الخليل

وبعد يوم واحد فقط من إعلان وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش ما سماه «إلغاء اتفاقيات الخليل» وسحبه لصلاحيات السلطة الفلسطينية من مواقع بينها الحرم الإبراهيمي، تمت الموافقة على مشروع بناء كبير لصالح مدرسة دينية يهودية في قلب المدينة وقرب الحرم.

فلسطينيون ينتظرون يوم الأربعاء عند حاجز إسرائيلي من أجل أداء الصلاة في المسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

ووافق «المجلس الأعلى للتخطيط»، الأربعاء، على إنشاء 576 وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية و456 وحدة سكنية في مستوطنة «مِتسبيه يريحو» القريبة من أريحا شرق الضفة الغربية، و120 في مستوطنة «كارني شومرون» قرب (قلقيلية)، إلى جانب الموافقة على بناء مبنى بمساحة 1000 متر مربع تابع لمدرسة «شافيه حبرون» الدينية في البلدة القديمة في الخليل.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الموافقة على بناء المدرسة الدينية تم دون الحاجة إلى موافقة البلدية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

وقال سموتريتش: «نحن مستمرون في بناء أرض إسرائيل قولاً وفعلاً، وتطبيق السيادة العملية على الاستيطان. إن جلب الآلاف إلى (متسبيه يريحو)، وإقامة مبنى جديد للمعهد الديني (شفيه حبرون) في مدينة الآباء، تحرك وطني يرسخ قبضتنا على الأرض، ويعزز أمن إسرائيل، ويضع حقائق واضحة تمنع إقامة دولة إرهاب عربية».

وكان سموتريتش قد أعلن الثلاثاء إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، وهي جزء من اتفاق أوسلو، قبل أن تقول السلطة الفلسطينية إن ذلك يهدد عملية السلام، ثم تعلن الخارجية الإسرائيلية، أن الاتفاقيات لم تلغَ وإنما تم اتخاذ قرار يتعلق تحديداً بصلاحيات التخطيط والبناء فيما يخص «المجتمع اليهودي» (المستوطنين) في الخليل و«المواقع التراثية» اليهودية هناك، على حد زعمها.