تجار أسواق دمشق يسعون للهجرة بعد «الركود غير المسبوق»

مخاوف من حلول «أثرياء الحرب» الجدد مكانهم بهدف تبييض أموالهم

شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)
شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)
TT

تجار أسواق دمشق يسعون للهجرة بعد «الركود غير المسبوق»

شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)
شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)

يسعى عدد من أصحاب المحال التجارية في أسواق دمشقية شهيرة، إلى الهجرة باتجاه دول أخرى، بسبب تفاقم الانهيار الاقتصادي والركود غير المسبوق في الأسواق، وفقدان الأمل في تحسن الأوضاع في البلاد.

كما يعكف أصحاب شركات خاصة على تصفيتها والهجرة من البلاد، نتيجة حالة عدم الاستقرار والضغوط الشديدة التي تمارسها الحكومة عليهم.

الشكوى من «عدم القدرة على تحمل الوضع القائم» والبحث المستمر في سبل الخروج منه، هما الشغل الشاغل هذه الأيام لعشرات التجار في سوق «الحريقة»، التي تعد من أشهر وأعرق أسواق العاصمة السورية، والتي كان يقصدها أصحاب محال بيع الألبسة الجاهزة والأقمشة من كل المحافظات السورية لشراء حاجياتهم منها، وفق ما تحدث به لنا تاجر في السوق.

يقول التاجر: «لا أمل في انفراجة. أنظر إلى أبنائي ولا أعرف أي مستقبل ينتظرهم في هذه البلاد». ويضيف: «في كل سنة أعتقد أنها السنة الأخيرة للأزمة، وها قد مرت 13 سنة ولم تنته. أريد أن أنجو من هذا الغرق وأرحل لعلي أوفر الأمان والكرامة لأبنائي في بلد جديد».

استثمار في الخليج

غير أن التاجر الذي يملك عقارات في دمشق تزيد قيمتها على 300 مليون دولار أمريكي، يوضح أنه لن يخاطر بالإقدام على الهجرة بطرق غير شرعية، كما يفعل كثيرون باللجوء إلى عصابات تهريب البشر على متن قوارب بحرية، ويقول: «أستطيع بأموالي أن أصل إلى أي بلد. خلال جلساتنا كتجار في السوق الحديثة، أصبح الحديث يتركز على استطلاع طرق السفر إلى خارج سوريا».

العشرات من أصحاب المحال التجارية في سوق «الحريقة» يفكرون بشكل جدي في الهجرة، أيضا العشرات في الأسواق المجاورة مثل سوق «مدحت باشا» ينوون الهجرة، والسبب هو تفاقم الانهيار الاقتصادي، «والركود غير المسبوق في الأسواق»، حسبما يؤكد التاجر، الذي يلفت إلى أن بعض التجار يسعون للحصول على إقامات في دول خليجية كمستثمرين.

محل لبيع الأقمشة في سوق «مدحت باشا»

في سوق «مدحت باشا» الواقعة إلى الجنوب من سوق «الحريقة»، وبينما يخيم اليأس على وجوه أصحاب المحال التجارية، يقول أحدهم لنا: «الشمس عندما تشرق تشرق على الجميع، وعندما تغيب تغيب عن الجميع، ومنذ أشهر الشمس غائبة عن (أسواق) مدحت باشا والحريقة والحميدية». ويضيف: «الوضع يدمي القلوب، وهناك تجار نفد صبرهم ويسعون جديا إلى تصفية بضائعهم وبيع محالهم والهجرة».

وفرض الانهيار الكبير والمستمر لقيمة الليرة السورية منذ بداية يوليو (تموز) الماضي، التي لامست، اليوم الأربعاء، 15 ألف ليرة، مقابل الدولار الأميركي في السوق الموازية بدمشق، والارتفاع الخيالي للأسعار، وتزايد انعدام القوة الشرائية للمواطنين، حالة من الركود غير المسبوق على عموم أسواق مدينة دمشق، وتسببت في خسائر كبيرة لأصحاب المحال التجارية.

لوحة إعلانية في طريق بدمشق تحمل صورة الرئيس السوري بشار الأسد ونظيره الإيراني إبراهيم رئيسي (غيتي)

ضغوط حكومية

ولا يقتصر التفكير الجدي في الهجرة على أصحاب محال تجارية في أسواق وسط دمشق، إذ إن أصحاب شركات خاصة ينوون تصفية شركاتهم والهجرة، بسبب الأوضاع غير المستقرة في البلاد، وإجراءات الحكومة التي تمارس من خلالها ضغوطا كثيرة على قطاع الأعمال.

هذا الوضع يتحدث عنه صاحب شركة خاصة تعمل في مناطق الحكومة منذ سنوات، ولديها نحو 50 موظفا، يوفر لكل واحد منهم مرتبا شهريا أفضل بـ20 مرة من الراتب الذي يدفعه القطاع الحكومي.

يقول صاحب الشركة لنا: «لدينا عقود مجزية، ولكن الوضع غير المستقر في البلاد بسبب إجراءات الحكومة والضغوطات التي تمارسها على قطاع الأعمال، والتدهور الاقتصادي السريع، يعكفنا عن متابعة العمل في هذه البيئة، مع العمل على الهجرة إلى بلاد أخرى».

سوق «مدحت باشا» التي غابت عنها زحمة الزبائن (الشرق الأوسط)

ويضيف: «مؤخرا بدأت وزارة المالية تلاحق أي نشاط اقتصادي مهما كان صغيرا. حتى بائعو الرخام والألمنيوم لم يسلموا من الضرائب الباهظة، بل وصلت يدها إلى الشركات الهندسية».

ووفق حديث مصادر أهلية، فقد ساهم قدوم المغتربين من الخارج خلال موسم الصيف الحالي وأحاديثهم عن حياتهم الجيدة في بلدان الاغتراب، في تعزيز فكرة الهجرة عند كثير من ذويهم ممن ما زالوا في مناطق سيطرة الحكومة. ويقول أحد المصادر: «حديث مجموعات الشباب في (ضاحية) جرمانا (بريف دمشق الشرقي)، يتركز على الهجرة مهما كلف الأمر، ولسان حالهم يقول: البلد انتهى ولا حل إلا بالسفر».

موجات الهجرة

وشهدت سوريا عدة موجات هجرة منذ اندلاع الاحتجاجات منتصف مارس (آذار) 2011، التي تحولت بعد عدة أشهر إلى حرب طاحنة.

أولى تلك الموجات كانت بين عامي 2012 و2013، وكان معظم المغادرين من المعارضين والملاحَقين والمهددين أمنياً، وضمت أيضا تجارا وخبراء من مستوى رفيع وكفاءات علمية من أطباء وصيادلة ومهندسين ومدرسين. تلتها موجة أخرى عام 2015 مع تراجع الأمل في توقف الحرب، أُطلق عليها «موجة الهجرة الكبرى». وكان معظم المهاجرين من الشباب الرافضين للخدمة العسكرية الإلزامية، والعائلات التي فقدت مصادر رزقها وهُجِّرت من بيوتها.

كما حصلت موجة هجرة خلال عامي 2018 و2019، عندما بدأ تدهور الوضع الاقتصادي، بالترافق مع تواصل الهجرة عبر البحر رغم المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون.

قارب يحمل عشرات السوريين في البحر المتوسط باتجاه اللجوء في أوروبا (أ.ب)

ومع تفاقم الانهيار الاقتصادي وحالة العطالة وفقدان مصدر العيش، في عام 2021 الذي حصلت فيه الانتخابات الرئاسية وفاز الرئيس بشار الأسد بولاية رئاسية جديدة، حصلت موجة هجرة أواخره، عبر بيلاروسيا التي كان المهاجرون ينطلقون منها إلى الدول الأوروبية، وضمت كبار الصناعيين والتجار وصغار الحرفيين، بالترافق مع هجرة واسعة للأطباء نحو مصر والعراق واليمن والصومال.

ويمثل اللاجئون السوريون منذ عام 2014 الأغلبية العظمى من لاجئي العالم، حيث تتصدر سوريا قائمة الدول المصدرة للاجئين، حسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. فقد وصل عدد اللاجئين السوريين حول العالم إلى ستة ملايين و600 ألف لاجئ عام 2019.

حلول أثرياء الحرب

باحثة اجتماعية توجهنا لها، توضح أن السبب الذي يدفع المواطن للهجرة إلى بلد آخر، هو البحث عن الاستقرار والأمان والحياة الطبيعية والعيش بكرامة، خصوصا إذا كانت الأوضاع في بلده غير مستقرة من كل النواحي، كما هو الحال في مناطق الحكومة السورية، حيث لا تتوفر أدنى مقومات للحياة الكريمة (كهرباء، ماء، وقود، دواء، نقل...). يضاف إلى ذلك تزايد صعوبة الوضع المعيشي نتيجة التفاوت الهائل بين الرواتب والأجور مقابل تكاليف العيش، مشيرة إلى أنه توجد «مجاعة حقيقية في البلاد، بسبب تعمق حالة الفقر لدى الأغلبية العظمى من الأسر».

سكان العاصمة السورية يهربون من انقطاع الكهرباء في الصيف الحار إلى الحدائق (غيتي)

تضيف: «مع تزايد انهيار الوضع الاقتصادي وتضخم الأزمات بشكل كبير في البلاد، والعطالة والركود القاتل في الأسواق وعدم ظهور ضوء في نهاية النفق، من الطبيعي أن يبحث الجميع عن الخلاص، وتراه معظم مكونات المجتمع المتضررة من تجار وشباب وصناعيين وخريجين جامعيين وأصحاب مهن حرة في الهجرة».

وترى الباحثة أن قيام تجار في أعرق أسواق دمشق بالهجرة، سيؤدي إلى نزف جديد بين طبقة هؤلاء التجار، متسائلة: «من سيشتري محالهم التي يقدر ثمن أصغر محل فيها بمئات آلاف الدولارات؟»، معربة عن خشيتها من أن تؤدي عملية بيع هؤلاء التجار لمحالهم إلى «حلول أثرياء الحرب» الجدد الذين جمعوا ثرواتهم بطرق غير مشروعة مكانهم في تلك الأسواق بهدف تبييض أموالهم.


مقالات ذات صلة

رغم أزمتها الاقتصادية... ألمانيا تبقى أكبر ممول صافٍ للاتحاد الأوروبي

الاقتصاد علما الاتحاد الأوروبي وألمانيا يرفرفان أمام مبنى الرايخستاغ (رويترز)

رغم أزمتها الاقتصادية... ألمانيا تبقى أكبر ممول صافٍ للاتحاد الأوروبي

أظهرت دراسة حديثة أن ألمانيا لا تزال أكبر مساهم صافٍ في ميزانية الاتحاد الأوروبي خلال عام 2024، رغم استمرار ركودها الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد صورة تُظهر مصنعاً لإنتاج الصلب في جورغسمارينهوته بألمانيا (رويترز)

ركود نشاط التصنيع بمنطقة اليورو مع استمرار ضعف الطلب والتوظيف

أظهر مسح نُشر يوم الاثنين، أن نشاط التصنيع في منطقة اليورو شهد ركوداً خلال أكتوبر؛ حيث استقرت الطلبات الجديدة وانخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد مبانٍ على ضفاف نهر شبري وبرج التلفزيون في برلين (رويترز)

الاقتصاد الألماني يسجّل ركوداً في الربع الثالث مع تراجع الصادرات

أظهرت بيانات، يوم الخميس، ركود الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا في الرُّبع الثالث، ما يبرز الصعوبات التي يواجهها أكبر اقتصاد في أوروبا لاستعادة زخمه.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد لافتة «نحن نوظف» على متجر في إنسينيتاس (رويترز)

ارتفاع البطالة طويلة الأمد يهدّد الاقتصاد الأميركي بعد الجائحة

تشهد البطالة طويلة الأمد ارتفاعاً غير مسبوق في أعقاب الجائحة، ما يلقي بظلاله الثقيلة على العمال والاقتصاد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد فلاديمير بوتين يلقي كلمة في الجلسة العامة لمنتدى الشرق الاقتصادي لعام 2025 (د.ب.أ)

بوتين ينفي ركود الاقتصاد الروسي... ويؤكد ضرورة الفائدة المرتفعة

نفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الجمعة، أن يكون اقتصاد بلاده في حالة ركود، مؤكداً أن هذا الرأي يعكس استياءً من أسعار الفائدة المرتفعة.

«الشرق الأوسط» (فلاديفوستوك )

إهراءات مرفأ بيروت... خطة حكومية لحماية الأمن الغذائي وذاكرة انفجار المرفأ

وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

إهراءات مرفأ بيروت... خطة حكومية لحماية الأمن الغذائي وذاكرة انفجار المرفأ

وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)

في تطور جديد ذي أبعاد اقتصادية اجتماعية، كلّفت الحكومة اللبنانية وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط البدء بإجراءات بناء إهراءات قمح جديدة في مرفأ بيروت، وهو قرار لطالما شكّل موضع خلاف مع أهالي ضحايا انفجار الرابع من أغسطس (آب) 2020، الذين يرفضون أي خطوة تمسّ بالإهراءات القديمة قبل تحقيق العدالة والمحاسبة.

ما تبقى من إهراءات القمح بمرفأ بيروت بعد الانفجار الهائل في أغسطس 2020 (أ.ف.ب)

ومع تأكيد وزير الاقتصاد عامر البساط على أن تأمين القمح أولوية للأمن الغذائي لا تحتمل التأجيل، يؤكد أن العمل على خطة بناء الإهراءات سيكون في موازاة العمل على خطة تحويل الإهراءات القديمة إلى مَعلم سياحي بعدما قرر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 5 أغسطس 2025 التراجع عن قرار هدم ما تبقّى من صوامع القمح في إهراءات مرفأ بيروت، الذي اتخذته الحكومة السابقة، والذي سمح بهدمها.

وكان قد سبق قرار الحكومة إعلان وزير الثقافة غسان سلامة عن قرار إدراج الإهراءات على «لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية»، استجابة لطلب أهالي ضحايا تفجير المرفأ، مما يؤدّي إلى إيقاف أي قرار بهدمها، وحمايتها باعتبارها جزءاً من التراث العمراني للعاصمة بيروت.

خطة متكاملة

ويلفت وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط إلى أن قرار الحكومة إعداد خطة استراتيجية متكاملة لتأمين مخزون القمح والحبوب على المديين المتوسط والطويل، جاء بعدما نتج عن انفجار بيروت فراغ استراتيجي في قدرة الدولة على تخزين القمح.

ويقول البساط لـ«الشرق الأوسط» إن غياب الإهراءات بعد انفجار المرفأ أدّى إلى اعتماد طرق تخزين غير منظّمة، ما يعرّض البلاد لمخاطر كبيرة في حال حصول أي طارئ أمني أو لوجستي، ويجبر الدولة على استيراد القمح بشكل عاجل وبتكلفة مرتفعة، فضلاً عما يرافق ذلك من صعوبات في التوزيع.

ويلفت إلى أنّ لبنان يستهلك سنوياً أكثر من 600 ألف طن من القمح، في حين لا يتجاوز الإنتاج المحلي حدود 50 ألف طن، ما يجعل البلاد تعتمد بنسبة تتراوح بين 85 و90 في المائة على الاستيراد.

لقطة عامة لمرفأ بيروت... ويظهر في وسطها مبنى الإهراءات المعرّض لتدمير جزئي نتيجة الانفجار عام 2020 (رويترز)

ثلاثية المواقع وسعة تخزين لستة أشهر

ويوضح البساط أنه «سيتم بناء الإهراءات الجديدة في مكان منفصل عن القديمة التي سبق أن اتُّخذ قرار بعدم هدمها، ويتم العمل على خطة بشأنها لتحويل المكان إلى مَعلم سياحي»، مضيفاً أن «الإهراءات الجديدة سيتم بناؤها داخل المرفأ، ولكن في موقع مختلف، ضمن رؤية وطنية شاملة، تشمل أيضاً البقاع وطرابلس في الشمال».

وكشف البساط أنّ الحكومة أعدّت دراسة تهدف إلى تأمين مخزون استراتيجي من القمح يكفي لمدة ستة أشهر، بقدرة تخزين إجمالية تصل إلى 414 ألف طن، منها 235 ألف طن في بيروت والبقية ستتوزع بين طرابلس والبقاع.

وذكّر البساط بأنّ الإهراءات القديمة كانت تستوعب نحو 150 ألف طن فقط، ما يبرز الحاجة الملحّة إلى منشآت حديثة تتلاءم مع حجم الاستهلاك والمخاطر القائمة.

التمويل والتنفيذ

وعلى صعيد التنفيذ، أوضح وزير الاقتصاد أنّ العمل سيبدأ بالمرحلة الأولى في بيروت، حيث يُتوقّع وضع حجر الأساس خلال أشهر، في حال سارت الأمور وفق المخطط. وستكون الخطوة الأولى تقنية وهندسية، تتضمن إعداد دراسة تفصيلية بتمويل من الصندوق الكويتي عبر منحة تبلغ قيمتها نحو 1.5 مليون دولار، وتحتاج إلى عدة أشهر لإنجازها.

أما المرحلة الثانية، فتتعلق بتمويل الإهراءات؛ إذ تُقدَّر التكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 250 مليون دولار، منها نحو 125 مليون دولار لإهراءات بيروت. وأشار البساط إلى وجود وعد بتمويل مبدئي من الصندوق الكويتي، إضافة إلى العمل مع دول عربية صديقة لاستكمال تأمين التمويل، بالتوازي مع إعداد الخطة التنفيذية.

الإهراءات القديمة: بين الذاكرة والمخاطر

في ما يتعلّق بإهراءات مرفأ بيروت القديمة، شدّد البساط على أنّ التعامل معها لا يقتصر على الجانب الهندسي، بل يشمل أبعاداً اجتماعية ومعنوية وأخلاقية، نظراً لارتباطها بذاكرة انفجار المرفأ. ولفت إلى وجود توجّه لتحويلها إلى مَعلم تذكاري وسياحي، على غرار تجارب عالمية مثل «جدار برلين»، مع إنشاء حديقة لتخليد ذكرى الضحايا.

غير أنّ هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة، أبرزها التكلفة المرتفعة، والمشكلة البيئية الناتجة عن وجود نحو 40 ألف طن من القمح المتضرر داخل الإهراءات، فضلاً عن المخاوف من سلامة المبنى وإمكانية انهياره، رغم وجود تطمينات هندسية أولية حول متانته.

ويشير هنا إلى تشكيل لجنة وزارية تعمل بالتعاون مع مؤسسات متخصصة لإجراء تقييم شامل للمخاطر ودراسة الخيارات الممكنة، مع ترجيح اللجوء إلى مناقصة دولية لتنفيذ مشروع المَعلم السياحي في المكان.

ما تبقّى من الإهراءات المدمرة في مرفأ بيروت (رويترز)

وختم البساط مؤكداً أنّ الحكومة حريصة على إشراك أهالي ضحايا انفجار المرفأ في مسار النقاش، بانتظار استكمال المسار القضائي للقضية، معتبراً أنّ الحفاظ على الذاكرة لا يتعارض مع ضرورة تأمين الأمن الغذائي للبنانيين، بل يشكّل جزءاً من مسؤولية الدولة.


«قسد» تنفي منع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر شرق حلب

سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
TT

«قسد» تنفي منع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر شرق حلب

سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)

نفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مساء الخميس، اتهامات وزارة الدفاع السورية لها بمنع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر، شرق حلب.

وقالت «قسد»، في بيان: «نؤكد أن تعطل حركة المدنيين في المنطقة ناتج عن التصعيد العسكري، والتحشيد، والقصف المستمر الذي تنفذه فصائل دمشق».

وحذرت من أن «أي تهجير للمدنيين تحت التهديد باستخدام القوّة من طرف دمشق يُعد جريمة حرب»، ودعت المجتمع الدولي إلى «إدانة هذه الأساليب الخطيرة التي من شأنها أن تؤدي إلى تهجير أكثر من 170 ألف مدني، في ظل الظروف الجوية السيئة».

كان الجيش السوري قد أعلن، في وقت سابق، الخميس، تمديد مدة الممر الإنساني قرب بلدة دير حافر بشرق حلب يوماً آخر لتسهيل عبور المدنيين لينتهي غداً الجمعة، الساعة الخامسة مساء بالتوقيت المحلي.

وقالت هيئة العمليات في الجيش السوري لـ«وكالة الأنباء السورية» إن مجموعات من ميليشيات «حزب العمال الكردستاني» المتحالفة مع «قسد» تمنع المدنيين من المرور عبر الممر الإنساني قرب دير حافر.

وهدد الجيش السوري باستهداف أي موقع يقوم بعرقلة مرور المدنيين «بالطريقة المناسبة»، مشيراً إلى الانتهاء من كل التحضيرات الميدانية لتأمين المنطقة.

وأعلنت الإدارة الذاتية الكردية بشمال وشرق سوريا، اليوم، إغلاق معابر الطبقة والرقة ودير الزور حتى إشعار آخر في ظل «التطورات الأمنية الخطيرة التي تشهدها المعابر».


«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)
صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)
TT

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)
صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)

أظهر رئيس لجنة إدارة قطاع غزة، علي شعث، تفاؤلاً لافتاً بإتمام عملية إعمار القطاع الفلسطيني في غضون 7 سنوات بعد حرب إسرائيلية مدمرة استمرت لنحو عامين، وذلك في مقابل محاولات إسرائيلية للتقليل من إعلان بدء المرحلة الثانية من خطة السلام في القطاع، واعتبارها «رمزية».

وأشار شعث، الذي تم تسميته لإدارة غزة بموجب اتفاق مدعوم من الولايات المتحدة، في مقابلة مع إذاعة فلسطينية، الخميس، إلى خطة طموحة تشمل نقل ​ركام الحرب إلى البحر المتوسط وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة في غضون 3 سنوات.

وجاء تعيين المهندس المدني ونائب وزير التخطيط السابق، إيذاناً ببدء المرحلة التالية من خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لإنهاء الحرب الإسرائيلية في غزة. وسيرأس شعث مجموعة من 15 خبيراً فلسطينياً مكلفين بإدارة القطاع الفلسطيني بعد سنوات من حكم حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس).

وبموجب خطة ترمب، انسحبت إسرائيل من نصف غزة تقريباً، لكن قواتها لا تزال تسيطر على النصف الآخر، وهو عبارة عن منطقة سويت جميع المباني فيها تقريباً بالأرض. وكان ترمب قد طرح فكرة تحويل غزة إلى ما سماه «ريفييرا الشرق الأوسط».

68 مليون طن من الركام

وتنتظر شعث مهمة تكتنفها الضبابية، تتمثل في إعادة بناء البنية التحتية المدمرة في القطاع، وإزالة ما يقدر بنحو 68 مليون طن من الأنقاض والذخائر غير المنفجرة، في ظل استمرار تبادل إطلاق النار بين إسرائيل ‌و«حماس».

وبعد جولات سابقة ‌من القتال مع إسرائيل، استخدم الفلسطينيون في غزة أنقاض الحرب كمواد أساسية لبناء الميناء ‌التاريخي ⁠في ​مدينة غزة، وفي ‌مشاريع أخرى. وفي مقابلة مع إذاعة فلسطينية، الخميس، اقترح شعث نهجاً مماثلاً. وقال شعث: «لو أنا جبت جرافات وزقيت الركام في البحر وعملت في البحر جزر جديدة... أرض جديدة، بكسب أرض لغزة وبنظف الركام... مش هياخد أكتر من 3 سنين، الركام يكون رايح كله».

جانب من الدمار في جباليا شمال غزة جراء الغارات الإسرائيلية (رويترز)

وقال إن الأولوية القصوى بالنسبة له هي توفير الإغاثة العاجلة، وهو ما يشمل إقامة مساكن مؤقتة للنازحين الفلسطينيين. أما الأولوية الثانية فستكون إعادة تأهيل «البنية التحتية الأساسية والحيوية»، تليها إعادة تشييد المنازل والمباني. وقال: «ستعود غزة أفضل مما كانت عليه في غضون 7 سنوات».

https://www.facebook.com/basmaaradio/videos/في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةA6في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةB3-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةB6في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA5في المائةD8في المائةAFفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةBAفي المائةD8في المائةB2في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةAF-في المائةD8في المائةB9في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة8A-في المائةD8في المائةB4في المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةAB-في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة8A-في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB1-في المائةD8في المائةAEفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB5-في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA9/915355977618802/

وفقاً لتقرير من الأمم المتحدة عام 2024، فإن إعادة تشييد منازل غزة المدمرة ستستغرق حتى 2040 على الأقل، وقد تستمر لعدة عقود.

تحديات وعقبات

ومن شبه المؤكد أن تقييم شعث المتفائل للجدول الزمني لإعادة إعمار غزة سيواجه تحديات، فيما يسعى الوسطاء للاتفاق على شروط ‍نزع سلاح «حماس»، التي ترفض التخلي عن أسلحتها، ونشر قوات حفظ السلام في القطاع.

ومن غير الواضح كيف ستمضي لجنة شعث في إعادة الإعمار والحصول على تصاريح لاستيراد واستخدام الآليات والمعدات الثقيلة التي تحظرها إسرائيل عادة.

سائق يجلس بجوار شاحنته المحملة بمعدات إعادة الإعمار المتجهة إلى غزة أثناء انتظاره عبور معبر رفح في فبراير الماضي (إ.ب.أ)

وقال شعث إن نطاق اختصاص اللجنة الفلسطينية سيبدأ بالأراضي التي تسيطر عليها «حماس»، ويتوسع تدريجياً مع استمرار الانسحاب ​العسكري الإسرائيلي، وفق ما تنطوي عليه خطة ترمب. وقال شعث، في المقابلة الإذاعية: «بمجرد ما تبدأ المرحلة الثانية، تبدأ عملية الانسحاب التدريجي إلى شرق حدود القطاع، وبالتالي كلما تم الانسحاب تزداد مساحة صلاحيات المفوضية على الأرض الفلسطينية، تبدأ بنحو 50 في المائة الآن، إللي هي موجودة غرب الخط الأصفر، ومن ثم الخط الأصفر سينحدر تدريجياً بعد إتمام الاتفاقيات الأخرى، كل على حدة، وبالتالي صلاحياتها (اللجنة) هي كل غزة 365 كيلومتراً مربعاً من البحر إلى الحدود الشرقية».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

خطوة رمزية

وعلى الرغم من أن إعلان ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إطلاق عملية الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب على غزة، تم بالتنسيق التام مع الحكومة الإسرائيلية، حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التخفيف من أهميتها، واعتبرها «خطوة رمزية لا أكثر».

وتم تسريب ورقة توجيه للوزراء، يُطلب منهم فيها عدم التعليق، والتوضيح بأن «الطريق طويل جداً حتى يحكم على هذا المسار».

وسعت الورقة إلى التخفيف من الإعلان الأميركي، إذ تم التأكيد على أن الرئيس دونالد ترمب ليس هو من أعلن عن الانتقال إلى المرحلة الثانية، بل أرسل مستشاره ليفعل ذلك بتواضع عبر الشبكات الاجتماعية.

وأشار المعلقون الإسرائيليون إلى أن ويتكوف لم يتطرق إلى الممارسات الإسرائيلية، ولم «يتوقع» من تل أبيب أن توقف عمليات القصف اليومية التي تؤدي إلى قتل مواطنين فلسطينيين أبرياء في كل يوم في غزة (منذ وقف النار قبل 3 أشهر قتل 446 فلسطينياً وجرح أكثر من 1200).

وكان أول ردّ فعل إسرائيلي على إعلان ويتكوف هو اتصال نتنياهو مع تليك وايتسيك غوئيلي، والدي الجندي ران غفيل، الذي لا تزال جثته في غزة، وهما موجودان في واشنطن، وأجريا عدة لقاءات مع المسؤولين هناك، بمن فيهم ويتكوف، حيث يطالبان بوقف تطبيق خطة ترمب إلى حين تحرير جثة ابنهما.

وأبلغهما نتنياهو بأن إعادة ران هي في رأس اهتمامه، وأن «الخطوة الإعلامية الرمزية عن إقامة لجنة تكنوقراط لن تؤثر على جهود إعادة ران للدفن في إسرائيل».

وقال نتنياهو إن «(حماس) مطالبة اليوم بأن تستوفي متطلبات الاتفاق في بذل 100 في المائة من الجهد لإعادة المخطوفين الضحايا حتى آخرهم؛ ران غفيلي بطل إسرائيل».

وكان ردّ الفعل الثاني من تل أبيب هو منع رئيس لجنة الحكم الانتقالي في غزة، د. علي شعث، من مغادرة البلاد إلى الأردن لعقد أول اجتماع للجنة في القاهرة. وقد تدخل ويتكوف حتى تغير إسرائيل قرارها.

وكشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن حكومة نتنياهو ما زالت تتمسك بسياستها التقليدية، تجاه الخطة الأميركية. فهي تعمل كل ما بوسعها لعرقلة تقدمها، لكنها لا تجرؤ على الدخول في صدام مع الرئيس ترمب حولها.

وخرجت معظم وسائل الإعلام العبرية، الخميس، بتقارير موجهة، تؤكد فيها أن «حماس» ليست جادة في الانسحاب من المشهد الفلسطيني. وهي تتراجع خطوة إلى الوراء، بقبول لجنة المرحلة الانتقالية بقيادة شعث، من أجل خطوتين إلى الأمام.

وزعم إيال عوفر، أحد الخبراء الإسرائيليين في شؤون «حماس»، أن العملية التي تجري في قطاع غزة تشكل ركناً أساسياً في خطة «حماس» الاستراتيجية. فهي ترمي إلى السيطرة على السلطة الفلسطينية برمتها، في غزة وفي الضفة الغربية، خلال 5 أو 10 سنوات. وكل ما يجري اليوم يخدم هذا الهدف.

وترى الصحيفتان؛ «يديعوت أحرونوت» و«معاريف» أن «حماس» ستقع في مطب عندما يحين الحديث عن تسليم أسلحتها، «فهي لن تسلم هذه الأسلحة، وعندها سيكون على إسرائيل أن تتدخل وتستأنف الحرب».

وبحسب تلك المصادر، فإن «الجيش الإسرائيلي وضع خطة عسكرية شاملة لاستئناف الحرب على غزة، عندما يتلقى الأمر بذلك من الحكومة».