تجار أسواق دمشق يسعون للهجرة بعد «الركود غير المسبوق»

مخاوف من حلول «أثرياء الحرب» الجدد مكانهم بهدف تبييض أموالهم

شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)
شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)
TT

تجار أسواق دمشق يسعون للهجرة بعد «الركود غير المسبوق»

شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)
شارع «العدلي» المؤدي إلى سوقي «الحريقة» و«مدحت باشا» في دمشق القديمة (الشرق الأوسط)

يسعى عدد من أصحاب المحال التجارية في أسواق دمشقية شهيرة، إلى الهجرة باتجاه دول أخرى، بسبب تفاقم الانهيار الاقتصادي والركود غير المسبوق في الأسواق، وفقدان الأمل في تحسن الأوضاع في البلاد.

كما يعكف أصحاب شركات خاصة على تصفيتها والهجرة من البلاد، نتيجة حالة عدم الاستقرار والضغوط الشديدة التي تمارسها الحكومة عليهم.

الشكوى من «عدم القدرة على تحمل الوضع القائم» والبحث المستمر في سبل الخروج منه، هما الشغل الشاغل هذه الأيام لعشرات التجار في سوق «الحريقة»، التي تعد من أشهر وأعرق أسواق العاصمة السورية، والتي كان يقصدها أصحاب محال بيع الألبسة الجاهزة والأقمشة من كل المحافظات السورية لشراء حاجياتهم منها، وفق ما تحدث به لنا تاجر في السوق.

يقول التاجر: «لا أمل في انفراجة. أنظر إلى أبنائي ولا أعرف أي مستقبل ينتظرهم في هذه البلاد». ويضيف: «في كل سنة أعتقد أنها السنة الأخيرة للأزمة، وها قد مرت 13 سنة ولم تنته. أريد أن أنجو من هذا الغرق وأرحل لعلي أوفر الأمان والكرامة لأبنائي في بلد جديد».

استثمار في الخليج

غير أن التاجر الذي يملك عقارات في دمشق تزيد قيمتها على 300 مليون دولار أمريكي، يوضح أنه لن يخاطر بالإقدام على الهجرة بطرق غير شرعية، كما يفعل كثيرون باللجوء إلى عصابات تهريب البشر على متن قوارب بحرية، ويقول: «أستطيع بأموالي أن أصل إلى أي بلد. خلال جلساتنا كتجار في السوق الحديثة، أصبح الحديث يتركز على استطلاع طرق السفر إلى خارج سوريا».

العشرات من أصحاب المحال التجارية في سوق «الحريقة» يفكرون بشكل جدي في الهجرة، أيضا العشرات في الأسواق المجاورة مثل سوق «مدحت باشا» ينوون الهجرة، والسبب هو تفاقم الانهيار الاقتصادي، «والركود غير المسبوق في الأسواق»، حسبما يؤكد التاجر، الذي يلفت إلى أن بعض التجار يسعون للحصول على إقامات في دول خليجية كمستثمرين.

محل لبيع الأقمشة في سوق «مدحت باشا»

في سوق «مدحت باشا» الواقعة إلى الجنوب من سوق «الحريقة»، وبينما يخيم اليأس على وجوه أصحاب المحال التجارية، يقول أحدهم لنا: «الشمس عندما تشرق تشرق على الجميع، وعندما تغيب تغيب عن الجميع، ومنذ أشهر الشمس غائبة عن (أسواق) مدحت باشا والحريقة والحميدية». ويضيف: «الوضع يدمي القلوب، وهناك تجار نفد صبرهم ويسعون جديا إلى تصفية بضائعهم وبيع محالهم والهجرة».

وفرض الانهيار الكبير والمستمر لقيمة الليرة السورية منذ بداية يوليو (تموز) الماضي، التي لامست، اليوم الأربعاء، 15 ألف ليرة، مقابل الدولار الأميركي في السوق الموازية بدمشق، والارتفاع الخيالي للأسعار، وتزايد انعدام القوة الشرائية للمواطنين، حالة من الركود غير المسبوق على عموم أسواق مدينة دمشق، وتسببت في خسائر كبيرة لأصحاب المحال التجارية.

لوحة إعلانية في طريق بدمشق تحمل صورة الرئيس السوري بشار الأسد ونظيره الإيراني إبراهيم رئيسي (غيتي)

ضغوط حكومية

ولا يقتصر التفكير الجدي في الهجرة على أصحاب محال تجارية في أسواق وسط دمشق، إذ إن أصحاب شركات خاصة ينوون تصفية شركاتهم والهجرة، بسبب الأوضاع غير المستقرة في البلاد، وإجراءات الحكومة التي تمارس من خلالها ضغوطا كثيرة على قطاع الأعمال.

هذا الوضع يتحدث عنه صاحب شركة خاصة تعمل في مناطق الحكومة منذ سنوات، ولديها نحو 50 موظفا، يوفر لكل واحد منهم مرتبا شهريا أفضل بـ20 مرة من الراتب الذي يدفعه القطاع الحكومي.

يقول صاحب الشركة لنا: «لدينا عقود مجزية، ولكن الوضع غير المستقر في البلاد بسبب إجراءات الحكومة والضغوطات التي تمارسها على قطاع الأعمال، والتدهور الاقتصادي السريع، يعكفنا عن متابعة العمل في هذه البيئة، مع العمل على الهجرة إلى بلاد أخرى».

سوق «مدحت باشا» التي غابت عنها زحمة الزبائن (الشرق الأوسط)

ويضيف: «مؤخرا بدأت وزارة المالية تلاحق أي نشاط اقتصادي مهما كان صغيرا. حتى بائعو الرخام والألمنيوم لم يسلموا من الضرائب الباهظة، بل وصلت يدها إلى الشركات الهندسية».

ووفق حديث مصادر أهلية، فقد ساهم قدوم المغتربين من الخارج خلال موسم الصيف الحالي وأحاديثهم عن حياتهم الجيدة في بلدان الاغتراب، في تعزيز فكرة الهجرة عند كثير من ذويهم ممن ما زالوا في مناطق سيطرة الحكومة. ويقول أحد المصادر: «حديث مجموعات الشباب في (ضاحية) جرمانا (بريف دمشق الشرقي)، يتركز على الهجرة مهما كلف الأمر، ولسان حالهم يقول: البلد انتهى ولا حل إلا بالسفر».

موجات الهجرة

وشهدت سوريا عدة موجات هجرة منذ اندلاع الاحتجاجات منتصف مارس (آذار) 2011، التي تحولت بعد عدة أشهر إلى حرب طاحنة.

أولى تلك الموجات كانت بين عامي 2012 و2013، وكان معظم المغادرين من المعارضين والملاحَقين والمهددين أمنياً، وضمت أيضا تجارا وخبراء من مستوى رفيع وكفاءات علمية من أطباء وصيادلة ومهندسين ومدرسين. تلتها موجة أخرى عام 2015 مع تراجع الأمل في توقف الحرب، أُطلق عليها «موجة الهجرة الكبرى». وكان معظم المهاجرين من الشباب الرافضين للخدمة العسكرية الإلزامية، والعائلات التي فقدت مصادر رزقها وهُجِّرت من بيوتها.

كما حصلت موجة هجرة خلال عامي 2018 و2019، عندما بدأ تدهور الوضع الاقتصادي، بالترافق مع تواصل الهجرة عبر البحر رغم المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون.

قارب يحمل عشرات السوريين في البحر المتوسط باتجاه اللجوء في أوروبا (أ.ب)

ومع تفاقم الانهيار الاقتصادي وحالة العطالة وفقدان مصدر العيش، في عام 2021 الذي حصلت فيه الانتخابات الرئاسية وفاز الرئيس بشار الأسد بولاية رئاسية جديدة، حصلت موجة هجرة أواخره، عبر بيلاروسيا التي كان المهاجرون ينطلقون منها إلى الدول الأوروبية، وضمت كبار الصناعيين والتجار وصغار الحرفيين، بالترافق مع هجرة واسعة للأطباء نحو مصر والعراق واليمن والصومال.

ويمثل اللاجئون السوريون منذ عام 2014 الأغلبية العظمى من لاجئي العالم، حيث تتصدر سوريا قائمة الدول المصدرة للاجئين، حسب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. فقد وصل عدد اللاجئين السوريين حول العالم إلى ستة ملايين و600 ألف لاجئ عام 2019.

حلول أثرياء الحرب

باحثة اجتماعية توجهنا لها، توضح أن السبب الذي يدفع المواطن للهجرة إلى بلد آخر، هو البحث عن الاستقرار والأمان والحياة الطبيعية والعيش بكرامة، خصوصا إذا كانت الأوضاع في بلده غير مستقرة من كل النواحي، كما هو الحال في مناطق الحكومة السورية، حيث لا تتوفر أدنى مقومات للحياة الكريمة (كهرباء، ماء، وقود، دواء، نقل...). يضاف إلى ذلك تزايد صعوبة الوضع المعيشي نتيجة التفاوت الهائل بين الرواتب والأجور مقابل تكاليف العيش، مشيرة إلى أنه توجد «مجاعة حقيقية في البلاد، بسبب تعمق حالة الفقر لدى الأغلبية العظمى من الأسر».

سكان العاصمة السورية يهربون من انقطاع الكهرباء في الصيف الحار إلى الحدائق (غيتي)

تضيف: «مع تزايد انهيار الوضع الاقتصادي وتضخم الأزمات بشكل كبير في البلاد، والعطالة والركود القاتل في الأسواق وعدم ظهور ضوء في نهاية النفق، من الطبيعي أن يبحث الجميع عن الخلاص، وتراه معظم مكونات المجتمع المتضررة من تجار وشباب وصناعيين وخريجين جامعيين وأصحاب مهن حرة في الهجرة».

وترى الباحثة أن قيام تجار في أعرق أسواق دمشق بالهجرة، سيؤدي إلى نزف جديد بين طبقة هؤلاء التجار، متسائلة: «من سيشتري محالهم التي يقدر ثمن أصغر محل فيها بمئات آلاف الدولارات؟»، معربة عن خشيتها من أن تؤدي عملية بيع هؤلاء التجار لمحالهم إلى «حلول أثرياء الحرب» الجدد الذين جمعوا ثرواتهم بطرق غير مشروعة مكانهم في تلك الأسواق بهدف تبييض أموالهم.


مقالات ذات صلة

رغم أزمتها الاقتصادية... ألمانيا تبقى أكبر ممول صافٍ للاتحاد الأوروبي

الاقتصاد علما الاتحاد الأوروبي وألمانيا يرفرفان أمام مبنى الرايخستاغ (رويترز)

رغم أزمتها الاقتصادية... ألمانيا تبقى أكبر ممول صافٍ للاتحاد الأوروبي

أظهرت دراسة حديثة أن ألمانيا لا تزال أكبر مساهم صافٍ في ميزانية الاتحاد الأوروبي خلال عام 2024، رغم استمرار ركودها الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد صورة تُظهر مصنعاً لإنتاج الصلب في جورغسمارينهوته بألمانيا (رويترز)

ركود نشاط التصنيع بمنطقة اليورو مع استمرار ضعف الطلب والتوظيف

أظهر مسح نُشر يوم الاثنين، أن نشاط التصنيع في منطقة اليورو شهد ركوداً خلال أكتوبر؛ حيث استقرت الطلبات الجديدة وانخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد مبانٍ على ضفاف نهر شبري وبرج التلفزيون في برلين (رويترز)

الاقتصاد الألماني يسجّل ركوداً في الربع الثالث مع تراجع الصادرات

أظهرت بيانات، يوم الخميس، ركود الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا في الرُّبع الثالث، ما يبرز الصعوبات التي يواجهها أكبر اقتصاد في أوروبا لاستعادة زخمه.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد لافتة «نحن نوظف» على متجر في إنسينيتاس (رويترز)

ارتفاع البطالة طويلة الأمد يهدّد الاقتصاد الأميركي بعد الجائحة

تشهد البطالة طويلة الأمد ارتفاعاً غير مسبوق في أعقاب الجائحة، ما يلقي بظلاله الثقيلة على العمال والاقتصاد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد فلاديمير بوتين يلقي كلمة في الجلسة العامة لمنتدى الشرق الاقتصادي لعام 2025 (د.ب.أ)

بوتين ينفي ركود الاقتصاد الروسي... ويؤكد ضرورة الفائدة المرتفعة

نفى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الجمعة، أن يكون اقتصاد بلاده في حالة ركود، مؤكداً أن هذا الرأي يعكس استياءً من أسعار الفائدة المرتفعة.

«الشرق الأوسط» (فلاديفوستوك )

غارات على عمق غزة تطال «ورش حدادة»

فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
TT

غارات على عمق غزة تطال «ورش حدادة»

فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطيني يسير فوق دمار مبنى من 5 طبقات دمرته غارة إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

كثَّف الجيش الإسرائيلي غاراته على ورش حدادة (مخارط) في عمق مناطق بقطاع غزة، في تطور ربطَه بمساعيه لوقف تسلح حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية في القطاع. وخلال أقلَّ من أسبوع، استهدف الطيران الإسرائيلي 3 ورش حدادة، منها اثنتان في مدينة غزة، والثالثة في خان يونس جنوب القطاع.

وقال الجيش الإسرائيلي إن هجماته استهدفت مواقع إنتاج أسلحة، وبنى تحتية لحركة «حماس».

ولوحظ أنَّ الجيش الإسرائيلي لا يكتفي بقصف ورشة الحدادة وحدها، بل يُدمِّر كامل المبنى الذي تكون فيه، ويطلب من سكان المبنى إخلاءه، في مشهد متكرر لما يجري في لبنان بطلب إخلاء مبانٍ.

وتشير هذه التحركات الإسرائيلية الجديدة إلى خطة عمل جديدة داخل قطاع غزة؛ ما ينذر بأنَّ الهجمات المقبلة قد تشمل ليس فقط الاغتيالات، وإنَّما عمليات بحجة بدء نزع سلاح الفصائل.

وخلال التصعيد الإسرائيلي الذي وقع قبل 6 أيام، وأدَّى إلى مقتل عشرات الفلسطينيين، تم استهداف نشطاء يعملون في مجال الصناعات العسكرية مثل الصواريخ وغيرها.


تغييرات في «حزب الله» تطيح رئيسَ «أمنه السياسي»

وفيق صفا (أ.ب)
وفيق صفا (أ.ب)
TT

تغييرات في «حزب الله» تطيح رئيسَ «أمنه السياسي»

وفيق صفا (أ.ب)
وفيق صفا (أ.ب)

أطاحت التغييرات الأخيرة في لبنان مسؤولَ «وحدة التنسيق والارتباط» في «حزب الله»، وفيق صفا، الذي يُعد واحداً من رموز هيمنة الحزب على الوضع السياسي الداخلي سنوات طويلة. وأتت «استقالة» صفا تتويجاً لمسار بدأ تقليصَ صلاحياته تزامناً مع بدء العمل على تغيير في هيكليته، نهاية العام الماضي.

ونقلت وكالة «رويترز» عن «مصادر مطلعة» قولها إنَّ «قيادة (حزب الله) قبلت، الجمعة، ‌استقالة ‌المسؤول الأمني البارز فيها، ‌وفيق صفا».

وتضاربتِ المعلومات حول الشخصية التي جرى تعيينها خلفاً لصفا، الذي كان يدير المشهد الداخلي من زاوية «الأمن السياسي» سنوات، بينما أجمعت على سعي قيادة الحزب التي تُحاول ترميم هيكليتها بعد الضربات الإسرائيلية القاسية التي أودت بأمينين عامَّين للحزب، لاختيار شخصية أقل استفزازاً لبعض الأطراف واعتماد نبرة مختلفة عمَّن سبقه في تواصله مع الدولة والخارج.

وكان صفا، الذي يتولَّى مسؤولية العمل مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، قد نجا من محاولة اغتيال إسرائيلية في أكتوبر (تشرين الأول) 2024.


بارو من بيروت: دعم الجيش مدخل لحصر السلاح

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)
TT

بارو من بيروت: دعم الجيش مدخل لحصر السلاح

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)

جدّد وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، التزام بلاده الكامل باتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، مؤكّداً أنّ دعم الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة يشكّلان ركيزتَين لرؤية فرنسا للبنان بصفته دولة قوية وذات سيادة، وذلك خلال زيارة إلى بيروت شملت سلسلة لقاءات رسمية والتحضير لمؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية في باريس مطلع مارس (آذار) المقبل.

باريس تواكب وقف النار وحصر السلاح

في مؤتمر صحافي عقده في بيروت، شدّد بارو على أنّ اتفاق وقف إطلاق النار هو «ثمرة جهود مشتركة أميركية - فرنسية»، مؤكّداً أنّ باريس تتابع تطبيقه ميدانياً وسياسياً، وتقف إلى جانب لبنان «في كل القرارات الشجاعة التي تتخذها سلطاته». وأشار إلى أنّ فرنسا تواكب مسار تثبيت وقف النار وملف حصر السلاح بيد الدولة، مشيداً «بالتقدّم الذي أنجزته السلطات اللبنانية»، مع التشديد على ضرورة «بقائها واعية لحجم الأعمال التي لا تزال مطلوبة» في المرحلة المقبلة. كما أعلن أنّه سيجتمع مع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل فور عودته من واشنطن، مؤكداً أهمية التنسيق مع المؤسسة العسكرية.

دعم الجيش أساس رؤية فرنسا

وفي وقت سابق، قال بارو في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» من مطار أربيل قبيل توجهه إلى بيروت، إنّ «تزويد الجيش اللبناني بالإمكانات اللازمة لمواصلة مهامه في نزع سلاح (حزب الله)» يشكّل مدخلاً أساسياً لتحقيق رؤية فرنسا للبنان «بصفته دولة قوية وذات سيادة تمتلك احتكار السلاح»، لافتاً إلى أنّ زيارته تأتي ضمن جولة إقليمية تشمل الشرق الأدنى والأوسط وتمتد ليومَين.

عون يطالب إسرائيل بخطوات إيجابية

من جهته، شدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون على تقدير لبنان للجهود الفرنسية، ولا سيما التحضير لمؤتمر الخامس من مارس المقبل في باريس لدعم الجيش والقوى الأمنية. وأشار إلى الجهود الكبيرة التي بذلها الجيش اللبناني جنوب الليطاني، لافتاً إلى أنّ «الجانب الآخر لم يقم بأي خطوة»، ومطالباً إسرائيل بخطوات إيجابية، خصوصاً فيما يتعلق بالانسحاب وملف الأسرى. كما لفت إلى تقدّم العلاقات مع سوريا، مشيراً إلى «الاتفاق القضائي المُنجز وتشكيل لجنة لمتابعة ترسيم الحدود بانتظار تشكيل الجانب السوري لجنة مماثلة، مع التأكيد على أهمية الدور الفرنسي»، لافتاً إلى أنّ «استقرار سوريا ينعكس إيجاباً على لبنان والعكس بالعكس».

لقاء مع برّي وتحضير لمؤتمر باريس

واستهلّ بارو لقاءاته بلقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، بحضور السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو ومستشاري بري. وتناول اللقاء تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة، والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية، والعلاقات الثنائية. ورداً على سؤال عن أجواء الاجتماع، اكتفى بارو بالقول: «كان جيداً».

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رئاسة البرلمان)

بحث التحضيرات والانعكاسات الإقليمية

بعدها، انتقل بارو إلى السراي الحكومي حيث استقبله رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وبحث الجانبان التحضيرات الجارية لمؤتمر دعم الجيش، المقرر عقده في باريس في الخامس من مارس المقبل، بالإضافة إلى الأوضاع الإقليمية وانعكاساتها على لبنان.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

رجّي ومرحلة ما بعد «اليونيفيل»

كما التقى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، حيث عُرضت الخطوات التي ستسبق المؤتمر، انطلاقاً من تقرير الجيش اللبناني حول المرحلة الثانية من تنفيذ قرار حصر السلاح، والاجتماع التحضيري المتوقع قبل نحو أسبوعين من موعد المؤتمر. وأشار بارو خلال اللقاء إلى «أهمية البحث في مرحلة ما بعد انسحاب قوات (اليونيفيل)». وتناول اللقاء أيضاً نتائج زيارة بارو إلى سوريا والعراق، حيث هنّأ الجانبين اللبناني والسوري على حل قضية الموقوفين السوريين في لبنان، معرباً عن أمله في إحراز تقدّم بملف ترسيم الحدود البرية.

شكر لفرنسا وطرح الهواجس

من جهته، شكر رجّي فرنسا على وقوفها الدائم إلى جانب لبنان وسعيها للحفاظ على استقراره، مشيراً إلى مشاركتها الفاعلة في القوات الدولية العاملة في الجنوب وفي لجنة «الميكانيزم». كما تمنى أن تساعد باريس، بالتعاون مع الشركاء الدوليين والأوروبيين، في تأمين عودة النازحين السوريين، مقدّماً شرحاً لمشكلة الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة، بالإضافة إلى إشكالية سلاح «حزب الله» وتأثيره على الوضع اللبناني.

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي مستقبلاً نظيره الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

السفارة الفرنسية: دعم السيادة والتحضير للإعمار

وفي بيان، أعلنت السفارة الفرنسية أنّ زيارة بارو يومَي الجمعة والسبت تندرج في إطار التزام باريس بتحالفاتها وجهودها لتعزيز الاستقرار الإقليمي بما يحترم سيادة الدول، مؤكدة دعمها لسيادة لبنان واحترام اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والقرارات اللبنانية الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة. وأضاف البيان أنّ الزيارة ستُسهم في التحضير لمؤتمر دعم الجيش والقوى الأمنية في باريس، وفتح النقاش حول الإصلاحات المالية اللازمة لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار لبنان.