ارتفاع البطالة طويلة الأمد يهدّد الاقتصاد الأميركي بعد الجائحة

أكثر من 1.9 مليون بلا عمل 27 أسبوعاً أو أكثر

لافتة «نحن نوظف» على متجر في إنسينيتاس (رويترز)
لافتة «نحن نوظف» على متجر في إنسينيتاس (رويترز)
TT

ارتفاع البطالة طويلة الأمد يهدّد الاقتصاد الأميركي بعد الجائحة

لافتة «نحن نوظف» على متجر في إنسينيتاس (رويترز)
لافتة «نحن نوظف» على متجر في إنسينيتاس (رويترز)

تشهد البطالة طويلة الأمد ارتفاعاً غير مسبوق في أعقاب الجائحة، مما يلقي بظلاله الثقيلة على العمال والاقتصاد الأميركي. ويواجه عدد متزايد من الأميركيين فترات بطالة تمتد لستة أشهر أو أكثر، وهو مؤشر مقلق على استمرار الضغوط والتحديات في سوق العمل.

بيانات صادمة عن البطالة الطويلة

وتكشف بيانات حديثة أن أكثر من واحد من كل أربعة عاطلين عن العمل ظل بلا وظيفة لمدة نصف عام على الأقل، وهو أعلى معدل منذ الجائحة، ويُلاحظ عادة فقط في أوقات الاضطراب الاقتصادي، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

إجمالاً، بلغ عدد الأميركيين الذين يعانون من البطالة «طويلة الأمد» في أغسطس (آب) أكثر من 1.9 مليون شخص، أي أنهم ظلوا بلا عمل لمدة 27 أسبوعاً أو أكثر، وهي مرحلة حرجة جداً بالنسبة إلى إيجاد وظيفة جديدة. ويعادل هذا الرقم نحو ضعف عدد الأشخاص الذين كانوا في وضع مماثل في أوائل عام 2023.

تحديات سوق العمل الحالية

وقالت مديرة الأبحاث الاقتصادية في موقع التوظيف «إنديد»، لورا أولريش: «نحن نواجه سوق عمل منخفضة التوظيف وقليلة التسريحات، وهذا الركود يعني أن عدد الوظائف الجديدة المتاحة قليل جداً». وأضافت: «على الرغم من أن احتمالية البطالة لم ترتفع كثيراً، فإن من يُصبح عاطلاً عن العمل يجد صعوبة كبيرة في إيجاد وظيفة مناسبة».

ويشير الاقتصاديون إلى أن ستة أشهر من البطالة غالباً ما تمثّل نقطة تحول في رحلة البحث عن العمل، إذ من المحتمل أن تكون إعانات التأمين ضد البطالة وتعويضات نهاية الخدمة قد نفدت، مما يضع العاطل عن العمل في وضع مالي هشّ. كما أن من ظلوا بلا وظيفة لأكثر من ستة أشهر يصبحون أكثر عرضة للإحباط، بل للتخلي عن البحث تماماً.

وتُظهر البيانات مدى تباطؤ سوق العمل على نطاق واسع، في وقت يترقب فيه المستثمرون اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» هذا الأسبوع، حيث من المتوقع أن يخفّض صانعو السياسات أسعار الفائدة لأول مرة هذا العام. وقد دفعت أرقام الوظائف الأضعف من المتوقع خلال الشهرَيْن الماضيَيْن، بما في ذلك المراجعات الواسعة، صانعي السياسات إلى التعبير عن مخاوفهم من استمرار تدهور سوق العمل.

معدلات تاريخية للبطالة طويلة الأمد

منذ عام 1950، تجاوز معدل البطالة طويلة الأمد 25 في المائة في حالات نادرة فقط، ودائماً بعد فترات الركود: مرة واحدة لمدة شهر في يونيو (حزيران) 1983 بعد ركود ناجم عن التضخم، وثماني سنوات بعد الركود الكبير في 2009، ولمدة عام ونصف تقريباً خلال «جائحة كورونا».

ويأتي ارتفاع معدلات البطالة طويلة الأمد بالتزامن مع تباطؤ أوسع في سوق العمل. وعلى الرغم من أن معدل البطالة الإجمالي، البالغ 4.3 في المائة، يقترب من أدنى مستوياته منذ عقود، فإن الكثير من أصحاب العمل جمّدوا التوظيف في انتظار معرفة تأثير الرسوم الجمركية والسياسات الاقتصادية الأخرى على أعمالهم. كما ارتفعت حالات التسريح؛ إذ بلغت المطالبات الأسبوعية للتأمين ضد البطالة أعلى مستوى لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

وبالنسبة إلى العاطلين عن العمل، يزداد العثور على وظيفة جديدة صعوبة؛ إذ يستغرق الآن في المتوسط ستة أشهر، أي شهراً أطول مما كان قبل الجائحة، وفق بيانات وزارة العمل. ولأول مرة منذ أربع سنوات، يفوق عدد العاطلين عن العمل عدد الوظائف الشاغرة في الولايات المتحدة.

قصص حقيقية للبطالة الطويلة

تجربة ستيف بيل: قال ستيف بيل، 47 عاماً، الذي فقد وظيفته في مارس (آذار) 2024 بعد أن كان يعمل في المكتب الرئيسي لشركة «بيست باي» في مينيسوتا: «لديّ خبرة تزيد على 15 عاماً في تكنولوجيا المعلومات، وكنت أعتقد أنني أستطيع العمل في أي وظيفة. لكن تقدمت إلى ما لا يقل عن 300 وظيفة، وكلها رُفضت. حتى مع الإحالات وخدمات كتابة السيرة الذاتية، لم أصل إلى أي مكان».

تجربة فيليشيا إنريكيز: مساعدة قانونية في لوس أنجليس، قالت إنها فقدت وظيفتها في يوليو (تموز) 2024، ومنذ ذلك الحين تقدمت إلى مئات الوظائف دون جدوى. وأوضحت أن فرص العمل في الحكومة المحلية قد نفدت، حتى إن وكالات التوظيف المؤقت أصبحت خالية من الوظائف أيضاً. انتهت إعانات البطالة الخاصة بها، التي تبلغ 400 دولار أسبوعياً، في فبراير (شباط)، وهي متأخرة عن دفع الإيجار منذ ستة أشهر، وتعتمد حالياً على كوبونات الطعام لتغطية مصاريف البقالة. وقالت: «تزداد الأمور صعوبة كلما طال أمدها. في البداية، تكون لديك بعض المدخرات، لكن عندما ينفد الدعم، يصبح القلق أمراً حتمياً».

تجربة نيلسون إي. كاباليرو: يبلغ من العمر 27 عاماً، تخرج في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بشهادة في الاتصالات من جامعة ماريماونت في فرجينيا، وأرسل سيرته الذاتية إلى جميع شركات العلاقات العامة في منطقة العاصمة واشنطن، لكنه تلقّى ثلاثة ردود فقط خلال تسعة أشهر، جميعها تفيد بعدم وجود وظائف شاغرة. وقال: «أشعر بالعجز. الانتقال، وشراء سيارة، والزواج؛ كل هذا يبدو الآن حلماً بعيد المنال».

تجربة جيسيكا هوارد: وفي غرانتسفيل بيوتا، فقدت جيسيكا هوارد وظيفتها قبل سبعة أشهر في شركة متخصصة بتكنولوجيا الرعاية الصحية بعد 17 عاماً من العمل هناك. ومنذ ذلك الحين، تقدمت إلى نحو 400 وظيفة دون جدوى. وقالت: «يقولون ألا تأخذ الأمر على محمل شخصي، لكن بعد فترة، يؤثر الرفض عليك بشدة. يُضعف ثقتك بنفسك، فتبدأ التساؤل عن مهاراتك، ويبدأ هذا بتدميرك عاطفياً».

آثار البطالة الطويلة على العمال

تُظهر الدراسات أن العمال العاطلين لفترات طويلة أقل حظاً في العثور على وظائف، وأكثر عرضة للانقطاع النهائي عن سوق العمل. وقد وجدت دراسة جامعة برينستون عام 2014 أن نحو نصف العاطلين لمدة سبعة أشهر أو أكثر بعد الركود الكبير تركوا سوق العمل نهائياً.

وقالت خبيرة اقتصادات العمل والأستاذة الفخرية في جامعة كورنيل، فرانسين بلاو: «كلما طالت فترة البطالة، زاد احتمال فقدانهم جهات الاتصال والخبرات، وقد تنخفض مهاراتهم مع الوقت. وقد ينظر أصحاب العمل إلى البطالة طويلة الأمد كعلامة سلبية على العامل».

وكان العثور على عمل صعباً بشكل خاص على العمال الأصغر سناً وخريجي الجامعات الجدد، حيث لا يزال سوق العمل يفتقر للفرص. وتظل نسبة العاطلين الجدد مرتفعة بعد أن سجلت أعلى مستوى لها في 37 عاماً هذا الصيف.


مقالات ذات صلة

«وول ستريت»: أرباح الشركات الأميركية في اختبار «صدمة النفط»

الاقتصاد امرأة تسير تحت المطر في شارع «وول ستريت» بنيويورك (رويترز)

«وول ستريت»: أرباح الشركات الأميركية في اختبار «صدمة النفط»

تتأهب أسواق الأسهم الأميركية خلال الأسبوع الجاري لاختبار حقيقي مع انطلاق موسم أرباح الربع الأول.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد شعار «أنثروبيك» (رويترز)

«ميثوس»... «ثقب أسود» يهدد بنوك العالم

خلف الأبواب المغلقة في واشنطن، لم يكن التضخم هو ما استدعى الاجتماع الطارئ بين وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» ورؤساء «وول ستريت»، في نهاية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار «أنثروبيك» (رويترز)

«كلود ميثوس»... سلاح رقمي فتاك قد يُطفئ أنوار البنوك العالمية في ساعات

أثار نموذج ذكاء اصطناعي جديد وقوي من شركة «أنثروبيك» اجتماعات طارئة بين كبار المنظمين الماليين ولا سيما في أميركا لمناقشة مخاوف الأمن السيبراني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يترجل من طائرة الرئاسة في مطار شارلوتسفيل-ألبيمارل، بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

ترمب يروج لـ«طفرة» الطاقة: نحن بانتظار العالم في موانئنا

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن موجة جديدة من الزخم في صادرات الطاقة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفين وورش مشاركاً في أحد المؤتمرات (أرشيفية - رويترز)

خطر التأجيل يلاحق تعيين كيفن وورش رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»

يواجه تعيين كيفن وورش رئيساً لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» خطر التأجيل إلى ما بعد انتهاء ولاية جيروم باول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.