افتتاح حافل لـ«مهرجانات بعلبك الدولية» مع نجم الباليه الإيطالي روبرتو بولّي، في معبد باخوس المهاب، في القلعة الرومانية، حيث قدم لوحات خلاّبة بمفرده، ومع نجوم شاركوه الرقص اختارهم كعادته من بين الأمهر، والأكثر تألقاً لهذا الحفل اللبناني المنتظر.
وحده على المسرح النجم بولّي أو مع أصدقائه، جاءت اللوحات أخّاذة، كلٌ ذهب في مهاراته إلى منتهاها. من لوحة «ألما بورتينا» التي قدمها الراقص الساندرو كارتا منفرداً مروراً بـ«دونكيشوت» مع ليودميلا كونوفالوفا ورفيقها باختيار أدامزهان، وصولاً إلى «سفير» أو «الكرة» التي أداها بولّي وحده، للمرة الأولى وخصّ بها بعلبك، كان الحفل لحظات من المتعة التي يحب المتفرج ألا يغلق عينيه عنها، ولو للحظة، كي لا يفوّت هذه الأعمال الراقصة التي رسمت بعناية من قِبل مصممين متعددين، وقدمها الفنانون بتطويع أجسادهم حتى الإدهاش.

قال بولّي لـ«الشرق الأوسط» في مقابلة معه بهذه المناسبة، حيث يرقص للمرة الأولى في لبنان: إنه سعيد جداً بالفنانين الذين يرافقونه إلى بعلبك؛ لأن بينهم «الكثير من الراقصين الرئيسيين القادمين من شركات مرموقة مثل Het National Ballet في أمستردام، وWiener Staatsoper، وAstana Opera Ballet Norwegian Ballet، بالإضافة إلى فنانين دوليين آخرين».
ويؤكد لنا بولّي أنه حريص على أن يكون دائماً مع أفضل الراقصين وأمهرهم؛ كي يتمكن من الوصول إلى هدفه الفني الذي يتوق إليه.

هذا الراقص الإيطالي الشهير، بدأ مهنته في سنّ صغيرة ولفت نظر أسطورة الرقص رودولف نورييف وهو في الخامسة عشرة، فاختاره لأداء دور في رائعة تشايكوفسكي «كسارة البندق»؛ مما أعطاه دفعاً كبيراً بعد ذلك.
منذ عشرين عاماً وبولّي مع أصدقائه الذين يختارهم في كل مرّة بعناية، يرقصون في أماكن تضفي على لوحاتهم من روحها «رقصنا في جميع أنحاء العالم» يقول لنا: «وليس فقط في إيطاليا. ويسعدني جداً أنني أقدم عرضي الآن في لبنان. إنها دولة سمعت عنها كثيراً، وتحمست حقاً للقدوم وتقديم عرضي، للمرة الأولى، في بعلبك».

لا يخفي بولّي أنه تفرّج على صور قلعة بعلبك الرومانية بعدما وصلته الدعوة ووجدها «رائعة». لذلك؛ «يجب أن أقول إنها كانت أحد الأسباب التي دفعتني على الفور إلى المجيء والعمل هنا». ويستدرك «عندما أقدم عرضاً، أحاول الجمع بين جمال الباليه وجمال الموقع الذي نرقص فيه. وأنا محظوظ جداً لأن لدينا في إيطاليا الكثير من الأماكن الجميلة. لهذا السبب تمكنت؛ بمرور الوقت، من الأداء في مواقع مثل بومبي أو أرينا أوف فيرونا، أو حتى في الكولوسيوم في روما». ويكمل نجم «لاسكالا» في ميلانو بالقول: «أعرف كم هو مميز الأداء في مثل هذه الأماكن الرائعة، وكم هو مؤثر في الجمهور أن يرى الراقصين يقدمون أداءهم الحي متناعماً مع الأزمنة السحرية لهذه الأماكن».

ولا لحظة ملل مع روبرتو النجم اللامع القادم من بلاد الرومان إلى قلعة بناها أجداده ولا تزال تشكل مفخرة للشعب اللبناني لضخامتها وجمالية هندستها. فالباليه مع هذا النجم اللامع ليس كلاسيكياً وفيه هِجَانَة وطرافة وحداثة. «أحب الموازنة بين الرقص المعاصر والكلاسيكي. أعتقد أنه من المهم جداً تقديم لوحات مختلفة للجمهور؛ لأن بعض الناس يفضّلون الباليه الكلاسيكي القادم من القرن التاسع عشر، والبعض الآخر يفضّل الباليه المعاصر. لهذا قدمنا (دونكيشوت) و(إزميرالدا) و(ثي داينغ سوان) و(سينترا سويت)، إضافة إلى أخرى معاصرة، وبينها رقص على موسيقى تانغو».
ويلفت بولّي إلى لوحة راقصة قدمت على موسيقى فيليب كراتز «المعاصرة جداً»، حيث شاهدنا رقصاً يذكرنا بأننا دخلنا زمن الروبوتات، والحسابات الرقمية والأزرار، وهو عمل يخلط بين رقي ورهافة الباليه وجمالية الرقص المعاصر التعبيرية. وبمعونة مصمم الرقص الإيطالي ماورو بيغونزيتي شاهد جمهور مهرجانات بعلبك، في نهاية السهرة، عرضاً خلاباً يقدم للمرة الأولى خصيصاً لهم، حيث راقص بولّي كرة ضخمة، بدت وكأنها الأرض، وقد تكون كرة أطلس، أو حجر سيزيف الذي لا يكف عن محاولة رفعه. ولكل أن يرى في هذا العرض الرائع؛ ما يجعله يحلّق بعيداً، بينما عازف الكمان الذي رافق الراقصين ويضفي على اللوحات رومانسية خاصة، يجعل سماء مدينة الشمس شفافة للغاية ذلك المساء.

بولّي ورفاقه على دراية تامة بالوضع السياسي في لبنان: «لكن عندما دُعيت للحضور وإقامة حفل، لم أتردد في القبول؛ لأنني أعتقد أن الفن والفنانين يمكن لهم أن يلعبوا دوراً مهماً. أنا مقتنع بأن الفن يوحّد الناس ويجب أن يتجاوز الحدود، كما أنني كنت واثقاً من أن كل شيء سيكون على ما يرام». الإيطاليون في لبنان ليسوا قلة كما بدا من حضورهم في حفل بعلبك، وقد جاءوا يحتفون بضيفهم، ولبولّي بعض الأصدقاء هنا: «لذلك سمعت الكثير من الأشياء الجيدة عن البلد: الطاقة، والهندسة المعمارية، والناس، والطعام، وجمال أماكنها. أنا فضولي للغاية، وتطلعت حقاً لهذه الزيارة».
لا يخفي روبرتو، أن بعض الموسيقى والرقصات، اختيرت لتنسجم مع ثقافة البلد، هذا أمر يأخذه في الحسبان، خاصة وأنه يعرض في بلدان مختلفة في عاداتها وأمزجتها «لهذا فضلنا عدم إحضار بعض القطع المعاصرة وعدّلنا الأزياء في البعض الآخر: علينا أن نأتي بثقافتنا وأسلوبنا الفنيين، ولكن في الوقت نفسه علينا احترام ثقافة الدولة التي تستضيف العرض».
جدير بالذكر أن إيطاليا موّلت ورمّمت جزءاً من القلعة الرومانية في بعلبك خلال السنوات الماضية، وهذا العرض الراقص الذي دعمته إيطاليا والسفارة الإيطالية لدى لبنان، وواكبته حتى اللحظة الأخيرة مع لجنة مرجانات بعلبك هو ثمرة نضيج لهذا التعاون. وهو ما أشارت إليه رئيسة المهرجانات نايلة دوفريج في كلمتها الافتتاحية للحفل، مشيرة إلى أنه حفل يعيد إلى مهرجانات بعلبك بُعدها الدولي بعد أزمات طويلة ومتشعبة.






