«أصوات الريف» تشعل معركة جديدة بين إردوغان وكليتشدار أوغلو

الانشقاقات تتوسع في حزب أكشنار... ومصير إمام أوغلو على المحك

إردوغان لدى وصوله إلى الجزء التركي من جزيرة قبرص الاثنين (أ.ب)
إردوغان لدى وصوله إلى الجزء التركي من جزيرة قبرص الاثنين (أ.ب)
TT

«أصوات الريف» تشعل معركة جديدة بين إردوغان وكليتشدار أوغلو

إردوغان لدى وصوله إلى الجزء التركي من جزيرة قبرص الاثنين (أ.ب)
إردوغان لدى وصوله إلى الجزء التركي من جزيرة قبرص الاثنين (أ.ب)

تركت الانتخابات البرلمانية والرئاسية تداعيات على الساحة السياسية على الرغم من انتهائها، تتجسد في حالة الاستقطاب والتراشق والتصدعات في صفوف المعارضة على ضوء قراءة النتائج.

وواصل الرئيس رجب طيب إردوغان، هجومه على مرشح المعارضة الخاسر في انتخابات الرئاسة رئيس حزب «الشعب الجمهوري» كمال كليتشدار أوغلو، الذي يتعرض لضغوط داخل حزبه للاستقالة من جانب تيار يسعى للتغيير يقوده رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو. في الوقت ذاته، توسعت الانشقاقات في صفوف حزب «الجيد» بقيادة ميرال أكشنار، وشملت أعضاء مؤسسين للحزب، اعتراضاً على نهجها في إدارته، وعلى عدم القدرة على رسم خريطة طريق واضحة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مايو (أيار) الماضي.

وشنّ إردوغان هجوماً حاداً على كليتشدار أوغلو، بعد تصريحات الأخير التي قال فيها إن إردوغان حصل على غالبية أصواته من المناطق الريفية، وإنه فاز في المدن الكبرى، مرجعاً ذلك إلى عدم شعور سكان هذه المناطق وكذلك مناطق الزلزال بالأزمة الاقتصادية بسبب الإعانات والمساعدات المقدمة من الحكومة.

أنصار الرئيس إردوغان لدى حضورهم تجمعاً انتخابياً في ديار بكر 14 أبريل (رويترز)

وقال إردوغان، في كلمة خلال فعالية بمركز أتاتورك الثقافي في إسطنبول، ليل الأحد - الاثنين: «لن يجرؤ أحد على إهانة أبناء هذه الأمة بعد الآن، ولن يتمكن (كليتشدار أوغلو) من إهانة شعب الأناضول أو توجيه التهديدات، ماذا يقول؟ ألم يقل مؤسس حزبكم مصطفى كمال أتاتورك، إن الفلاح هو سيد هذه الأمة؟... بدلاً من احترام الإرادة التي خرجت من صناديق الاقتراع، لا يزال يقول إنهم يبيعون أصواتهم مقابل 500 ليرة، بدلاً من البحث عن أخطائه... شخص خسر 12 استحقاقاً انتخابياً في السنوات الـ13 الماضية ويلوم الناخبين... لم يعد لوم الناخب مسألة سياسية، بل مسألة نفسية. هذا الشخص الآن يعيش هذه الحالة النفسية، شعرت أمتنا بذلك وفعلت ما هو ضروري. أنا أتحدث بوضوح شديد ودقة. طالما أن حزب الشعب الجمهوري يمارس السياسة بهذه الطريقة، فإنه لا يستطيع رؤية وجه القوة في هذا البلد».

أضاف إردوغان: «نأمل بصدق أن تجدد المعارضة في بلادنا نفسها وتتأقلم مع رؤيتنا الجديدة (قرن تركيا)، وأن تدعمنا في الأعمال التي تخدم مصلحة الوطن والأمة، وتمهيد الطريق بالنقد البناء عند الضرورة. سنكرس وقتنا وطاقتنا للاحتفال بمرور 100 عام على جمهوريتنا. لا نريد أن نقضيها مع سياسيين جهلاء يكررون الشيء نفسه مثل الأسطوانة المشروخة».

كان كليتشدار أوغلو، قال في مقابلة تلفزيونية في أول ظهور له بعد الانتخابات منذ أيام، إن نسبة التصويت له في المدن بلغت 51 في المائة، و«هذا يخبرنا بأن حزب الشعب الجمهوري لم يتمكن من ممارسة التأثير اللازم في المناطق الريفية، وشرح أنفسنا بما فيه الكفاية... غالبية الناس هناك يشاهدون قناة (تي آر تي) (التلفزيون الرسمي) فقط، تعرفون ما هي (تي آر تي)، لقد بحثنا أيضاً في ما يلي؛ أتساءل لماذا لم يتأثر سكان الريف بالدمار الاقتصادي في البلاد، الأمر بسيط جداً، فعندما تدفع 500 ليرة شهرياً، لا يوجد مكان للصرف. على أي حال، أين ستنفق الأموال في القرية، مناطق الزلزال أيضاً، هناك أموال توزع... لا أوافق أبداً على من يعتبرون أننا واجهنا هزيمة ثقيلة، ولا أجد أنه من المناسب لك أيضاً قبولها. صحيح أننا لم ننتصر، لكن لن يكون من الممكن وضع ذلك أمام الجمهور باعتباره هزيمة ثقيلة».

ويواجه كليتشدار أوغلو ضغوطاً للاستقالة بعد خسارة الانتخابات الرئاسية، لا سيما من جانب «تيار التغيير» الذي يتزعمه رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.

مرشح المعارضة التركية كمال كليتشدار أوغلو (أرشيفية: د.ب.أ)

واعترض كليتشدار أوغلو على ترك إمام أوغلو موقعه رئيساً لبلدية إسطنبول، مشدداً على أن الحزب لا يمكن أن يترك البلدية لحزب آخر. وبشأن ترشحه مجدداً لرئاسة الحزب، قال: «لم أقل قط أنا مرشح حتى الآن، الهيئات المخولة بالحزب هي التي ستقرر، هذه ليست حفلة لشخص واحد، يمكن لأي شخص أن يأتي ويترشح للرئاسة، هذا الحزب لديه الفطرة السليمة. لم أقل لأي مندوب في حياتي أبداً تعال وصوّت لي، لقد اتخذت قرار عقد المؤتمر، وسيعمل المرشحون. أنا أمد يد المساعدة، لما لا؟».

في الوقت ذاته، أعلن رئيس حزب «التغيير»، الذي فاز بمقعد بالبرلمان عن مدينة أرزينجان (شرق تركيا) في الانتخابات الأخيرة، مصطفى صاري غول، بعد ترشحه عن حزب «الشعب الجمهوري»، أن حزبه سيعلن في 23 يونيو (حزيران) الحالي الاندماج في حزب «الشعب الجمهوري».

وكان صاري غول انشق من قبل عن «الشعب الجمهوري»، وأسس حزب «التغيير» قبل أن يعلن دعمه لكليتشدار أوغلو في انتخابات الرئاسة ويترشح على قائمة الحزب بالانتخابات البرلمانية.

وقرأ مراقبون خطوة الاندماج على أنها تحضير لصاري غول لخوض الانتخابات المحلية على رئاسة بلدية إسطنبول، في حال وصول الخلاف بين كليتشدار أوغلو وإمام أوغلو إلى طريق مسدود، أو إعلان الأخير انشقاقه عن الحزب.

في الوقت ذاته، تواصلت الانشقاقات في حزب «الجيد» برئاسة ميرال أكشينار. وأعلن العضو المؤسس للحزب، آحاد أنديجان، استقالته بسبب عدم الانسجام مع قيادة الحزب.

كما وجه انتقادات إلى إردوغان، في بيان على مواقع التواصل الاجتماعي، قائلاً: «هذه العقلية التي لا تتردد في استخدام كل مؤسسات وموارد الدولة للحصول على الأصوات، وتوظف الدين، وتبيع الجنسية وتجلب أعداء الجمهورية إلى البرلمان، عبر خداع الجمهور بشعارات كاذبة وفيديوهات مفبركة فازت بالانتخابات، ولو بهامش ضئيل، ويحافظ على سلطته، لذلك يجب أن يستمر النضال... من الآن فصاعداً أنضم إلى صفوف المعارضة (غير الحزبية)، كمواطن بسيط، سأستمر في محاربة تلك العقلية بكل الوسائل المتاحة».

وسبقت استقالة أنديجان استقالة نائب إزمير السابق كبير مستشاري رئيس الحزب آيتون تشراي، ونائب إسطنبول السابق ياووز أغيرالي أوغلو.


مقالات ذات صلة

تركيا: جدل ونقاش حاد حول الانتخابات المبكرة

شؤون إقليمية متظاهرون مؤيدون للمعارضة في مدينة تشوروم وسط البلاد في 1 فبراير الحالي يطالبون بالانتخابات المبكرة (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: جدل ونقاش حاد حول الانتخابات المبكرة

أشعلت دعوات المعارضة التركية المتكررة للانتخابات المبكرة جدلاً واسعاً في ظل رفض الحكومة وحلفائها التوجه إليها وتأييد غالبية الأتراك لإجرائها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا أكد أن الرئيس رجب طيب إردوغان سيكون مرشحاً للرئاسة في 2028 (الرئاسة التركية)

تركيا: حزب إردوغان يؤكد ترشيحه للرئاسة في 2028

أكد حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا ترشيح الرئيس رجب طيب إردوغان لخوض انتخابات الرئاسة عام 2028.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وحليفه رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي خلال اجتماع بالقصر الرئاسي في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)

تركيا: تكهنات حول تعديل في حكومة إردوغان وصراع على خلافته

تصاعدت تكهنات حول تعديل وزاري قريب في حكومة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد يطيح بوزير الداخلية علي يرلي كايا من منصبه

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في 7 يناير (الرئاسة التركية)

تركيا: معركة «شد وجذب» بين الحزب الحاكم وخصومه حول الدستور الجديد

اختتمت لجنة شكلها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لوضع مشروع الدستور الجديد لتركيا أعمالها تمهيداً لرفع تقريرها النهائي إليه.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس رجب طيب إردوغان يسعى إلى دستور جديد لتركيا يفتح طريق ترشحه للرئاسة مجدداً (الرئاسة التركية)

تجدد النقاشات في تركيا حول مشروع الدستور الجديد

تجددت النقاشات حول الدستور الجديد لتركيا وسط جدل حول جدواه في ظل انتقادات حادّة من المعارضة

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
TT

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار والبدء في إعادة إعمار القطاع، والحفاظ على وصول مستدام للمساعدات الإنسانية لسكان القطاع.

وقالت مصادر تركية إن إردوغان والملك عبد الله بحثا، خلال لقائهما في المكتب الرئاسي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول، السبت، العلاقات بين بلديهما وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، وتناولا القضايا والتطورات الإقليمية والدولية.

وعقد إردوغان والملك عبد الله جلسة مباحثات ثنائية، أعقبها جلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، بعد وصول العاهل الأردني في زيارة قصيرة تلبية لدعوة من الرئيس التركي.

وتناولت المباحثات بالتفصيل تطورات الأوضاع في قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، وشددا على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار ورفض الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واستدامة وصول المساعدات الإنسانية ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.

كما تناولت المباحثات التطورات في سوريا، وأكد إردوغان والملك عبد الله ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وسيادتها ورفض أي محاولات لهز استقرارها، وضمان عودة السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.

جانب من المباحثات الموسعة بين إردوغان وعاهل الأردن بحضور وفدي البلدين (الرئاسة التركية)

وبحسب المصادر، ناقشت المباحثات الثنائية والموسعة مختلف التطورات في المنطقة وأكد الجانبان استمرار التعاون والعمل معاً لضمان الاستقرار في المنطقة.

وشارك في المباحثات من الجانب التركي وزيرا الخارجية هاكان فيدان، والدفاع يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية والأمنية عاكف تشاغطاي كيليتش، ونظراؤهم من الجانب الأردني.

وجاءت زيارة العاهل الأردني لتركيا، غداة استئناف حركة الشحن البري باتجاه تركيا واليونان عبر بوابة «جيلوه غوزو» (باب الهوى) الحدودية بين تركيا وسوريا، بعد توقف استمر 15 عاماً.

وجاءت الخطوة نتيجة جهود وتنسيق مشترك بين وزارتي النقل في البلدين أدت إلى إزالة جميع العقبات الجمركية والإجرائية، حيث دخلت 3 شاحنات الأراضي التركية، الجمعة، في خطوة تجريبية عبر البوابة الحدودية.

وينتظر أن تشكل هذه الخطوة قفزة نوعية في خريطة النقل البري الإقليمي وإحياء لشريان تجاري مهم يربط الأردن بالقارة الأوروبية عبر الأراضي السورية والتركية، من خلال معبري جيلوه غوزو (باب الهوى) وأونجو بينار (باب السلامة).


صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات مسقط بأنها «جيدة جداً»، ومع كسر الشكل التفاوضي لمجرد حصول لقاء مباشر بين الوفدين الإيراني والأميركي، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

والسبب ليس ما قيل داخل الغرف بقدر ما لم يتغير خارجها: طبيعة الفجوة الاستراتيجية، وتناقض «الخطوط الحمراء»، وسقف التوقعات الذي ترفعه التهديدات العسكرية والعقوبات، ثم يعود ليصطدم بواقع نظامٍ يتقن كسب الوقت وإدارة التفاوض كأداة لتخفيف الضغط لا كطريقٍ لإنهائه.

المحادثات التي جرت في مسقط بوساطة سلطنة عمان استمرت ساعات طويلة وانتهت بتصريحات عامة من الطرفين عن «أجواء إيجابية» و«بداية جيدة»، مع توقع جولة تالية الأسبوع المقبل، بحسب ما أعلنه ترمب. وقال إن إيران «تريد إبرام صفقة»، وإن المباحثات ستُستكمل «مطلع الأسبوع المقبل».

وأشار «أكسيوس» إلى أن لقاءً مباشراً حصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. لكن هذا «التقدم الشكلي» لم يبدد الشكوك حول أن الجولة قد تكون افتتاحاً لمسار طويل من الجولات، أي ما تخشاه واشنطن وحلفاؤها تحديداً.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم استقباله ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

عقدة «الصفر»

جوهر التشاؤم يبدأ من سؤال واحد: ما الحد الأدنى الذي سيعتبره الطرفان «صفقة»؟ في المقاربة الأميركية التي يكررها ترمب، هناك مطلب مُبسط ومطلق: «لا سلاح نووي» ويُترجم عملياً لدى فريقه إلى خط أحمر على التخصيب.

في المقابل، ترى طهران أن التخصيب جزء من السيادة ورمز للاستقلال، وتعتبر التنازل عنه هزيمة سياسية داخلية لا تقل كلفة عن العقوبات نفسها. هذه الثنائية (صفر مقابل حق) تجعل مساحات التسوية ضيقة بطبيعتها: حتى لو وجد حل تقني وسط (نسب وسقوف ورقابة)، فإن الغلاف السياسي لكل طرف يدفعه إلى التصلب.

الصحف الأميركية تناولت هذه المعضلة، ولخص تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» المعضلة برقم واحد: «صفر»، بوصفه التعريف العملي لمطلب «صفر تخصيب»، محذّراً من أن الإصرار عليه قد يتحول إلى «جرعة سم» قد تقتل التفاوض مهما كانت الأجواء الإيجابية.

السبب الثاني للتشاؤم مؤسسي بحت: مَن يملك القرار النهائي في طهران؟ حتى لو تفاوض عباس عراقجي بمرونة، يبقى اختبار أي تفاهم هو قدرته على عبور مراكز القوة وصولاً إلى المرشد علي خامنئي. وهذا ليس تفصيلاً؛ إنه ما يجعل الدبلوماسية مع إيران بطيئة بطبيعتها، وأحياناً «مجزّأة» إلى رسائل متناقضة بين ما يقوله المفاوض وما تسمح به دوائر القرار.

هذا المعنى ظهر حتى في الخطاب الأميركي الداخلي: افتتاح التفاوض لا يُعامل كإنجاز بحد ذاته، بل كمرحلة لاختبار «النية» و«القدرة على الالتزام». وفي مثل هذه البيئة، أي تنازلٍ يُقرأ داخل إيران على أنه رضوخ تحت التهديد، خصوصاً مع الحشد العسكري، الذي قد يدفع النظام إلى التصلب بدل المرونة.

شراء الوقت؟

يُفترض أن الجمع بين «الجزرة والعصا» يُسرّع التفاهم. لكن في الحالة الإيرانية غالباً ما ينتج أثراً مزدوجاً: يرفع ضغطاً اقتصادياً ونفسياً قد يدفع طهران للعودة إلى الطاولة. وفي الوقت نفسه يمنحها حافزاً لاستخدام الطاولة لتخفيف الضغط دون حسم الملفات، أي استراتيجية «إدارة الأزمة» لا حلّها.

هنا يتقاطع تشاؤم المنتقدين مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، في افتتاحية تتهم إيران بالعودة إلى أسلوب «المماطلة التفاوضية»: جولات متتابعة من دون تنازلات جوهرية، مع رفضٍ لإنهاء التخصيب أو نقلِه للخارج، ورفضٍ، بحسب الافتتاحية، لمنح ضمانات أو عمليات تحقق كافية بعد الضربات السابقة على منشآت نووية.

وفي يوم المحادثات نفسه، تزامن المسار الدبلوماسي مع مزيد من ضغط «العصا»: عقوبات أميركية جديدة مرتبطة بـ«أسطول الظل» النفطي الإيراني. هذا التزامن قد يكون رسالة تفاوضية، لكنه أيضاً يسهّل على طهران تسويق روايتها بأن واشنطن تفاوض «تحت التهديد»، ما يبرر تشدداً داخلياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

«نطاق» الملفات

حتى لو انحصرت الجولة على الملف النووي، فإن التناقض البنيوي قائم: واشنطن، وفق ما نُقل، كانت تميل إلى مسارين، نووي و«أوسع» يشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما أعلن عراقجي أن النقاش يقتصر على النووي فقط. هذا يعني أن أي «تقدم» نووي، إن حصل، قد يُستهلك سياسياً داخل واشنطن إذا بدا أنه يتجاهل ملفات يعتبرها صقور الإدارة والكونغرس جزءاً من «السلوك الإيراني» لا يمكن فصله عن النووي. لذلك يأتي التشاؤم أيضاً من داخل واشنطن: حتى لو تحقق اتفاق تقني، قد لا يملك الغطاء السياسي الكافي ليصمد، هذا من دون الحديث عن إسرائيل.

ومن دون الغرق في تفاصيل مسقط، يمكن تلخيص معيار النجاح في الجولة المقبلة بـ3 إشارات لا تحتاج إلى بيانات مطولة: لغة واضحة حول التخصيب، تتجاوز مفردات «الحق» أو «الصفر» كشعارات، بل صيغة عملية قابلة للقياس والتحقق والجدولة. إطار تحقق عبر عودة جدية للرقابة والوصول، لأن أي اتفاق بلا تحقق سيُعامل كهدنة مؤقتة لا كصفقة. تسلسل العقوبات مقابل الخطوات، بحيث إذا لم تُحسم آلية رفع أو تعليق العقوبات مقابل خطوات نووية محددة، ستبقى كل جولة مجرد «استماع متبادل».

لهذا، تبدو مفارقة مسقط منطقية: يمكن لترمب أن يصف المحادثات بـ«الجيدة» لأنها فتحت باباً مباشراً وأعادت اختبار الدبلوماسية تحت سقف التهديد. لكن التشاؤم يسود لأن الاختبار الحقيقي ليس الجوّ، بل القدرة على كسر عقدة الصفر، وتأمين التحقق، ومنع إيران من تحويل التفاوض إلى مساحة زمنية آمنة لإعادة التموضع، وهي مهارة راكمتها طهران تاريخياً، وتخشى واشنطن اليوم أن تعود إليها بحلتها المعتادة.


رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.