نوستالجيا إنديانا جونز الجديد ليست في مكانها الصحيح

الجزء الخامس ينطلق للعروض هذا الشهر

فورد ووولر- بريدج في لقطة من «إنديانا جونز وقرص القدر» (ديزني)
فورد ووولر- بريدج في لقطة من «إنديانا جونز وقرص القدر» (ديزني)
TT

نوستالجيا إنديانا جونز الجديد ليست في مكانها الصحيح

فورد ووولر- بريدج في لقطة من «إنديانا جونز وقرص القدر» (ديزني)
فورد ووولر- بريدج في لقطة من «إنديانا جونز وقرص القدر» (ديزني)

عندما قرر المدير العام لمهرجان «كان» تييري فريمو عرض الجزء الجديد والخامس من سلسلة «إنديانا جونز»، سرت بين «النوستالجيين» همسات الإعجاب بهذا القرار. فبمنأى عن قيمة الفيلم الفنية وبصرف النظر عن هاريسون فورد (81 سنة) الذي كان في التاسعة والثلاثين عندما قام ببطولة الفيلم الأول سنة 1981، طغت الحماسة لمشاهدة مغامرة أخرى من تلك المنتمية إلى صاحب السوط والمعادي العنيد للنازية الألمانية (ومن وقف معها) على حسابات العمر وتعداد السنوات، وتوجه لفيف كبير من الصحافيين والنقاد إلى العرض الوحيد الذي أقيم للفيلم في الدورة المنصرمة في الشهر الماضي.

المفاجأة هي أن الحماس لم ينجب إعجاباً بالضرورة حتى مع الأخذ بعين الاعتبار ذلك التصفيق العفوي الذي تبع عرض الفيلم وقبله الاستقبال الحافل لممثله الأول هاريسون فورد. شيء ما نال من ذلك الحماس وانجلى عن مقارنة غير موفقة بين مغامرات إنديانا جونز في تلك الأعوام السابقة وبين مغامراته اليوم.

هكذا وُلد «إنديانا جونز»

الفيلم الخامس من السلسلة يحمل عنواناً يدل على بعض حبكته: «إنديانا جونز وقرص القدر» (Indiana Jones and the Dial of Destiny) وهو عنوان يماثل عناوين الأفلام الأربعة السابقة في إيحاءاته بأنه إنما ينتمي إلى تلك الحقبة الزمنية من الأفلام التي كانت تسودها عناوين مشبعة بالبطولة والتشويق مثل «زورو يعود» و«المبارزة الأخيرة» و«طرزن الكبرى» أو «غزاة ناهشو الجسد»... إلخ.

فكرة مسلسل «إنديانا جونز» لم تكن بالمرّة بعيدة عن أفلام الثلاثينات والأربعينات ومن بينها تلك المسلسلات الأسبوعية التي كانت تعرض في عشرات آلاف الصالات الأميركية حينها. مسلسلات مثل «قانون الغابة» و«الجبل الغامض» و«عودة فو مانشو» و«مغامرات وايلد هيكوك» والمئات غيرها (بداية هذه المسلسلات تعود إلى عام 1910 بفيلم فرنسي عنوانه «أرسين لوبين ضد شرلوك هولمز»).

لم تكن فكرة العودة إلى إطار تلك المسلسلات (كل حلقة من نحو 12 دقيقة يتم تكملتها في حلقة جديدة تعرض في الأسبوع المقبل وصولاً إلى الخامسة عشرة والأخيرة) من بنات أفكار المخرج ستيفن سبيلبرغ، الذي قام بإخراج الأجزاء الأربعة من «إنديانا جونز» جميعاً، بل خطرت على بال المنتج والمخرج جورج لوكاس أولاً. صاحب «ستار وورز» تحدّث مع المخرج والكاتب فيليب كوفمان ومعاً وضعا لبنة مشروع فيلم واحد بعنوان «مغامرات إنديانا سميث» وذلك في سنة 1973.

عمل الاثنان معاً لفترة من الوقت قبل أن يهجر كوفمان المشروع. في عام 1977 التقى لوكاس بسبيلبرغ والأخير أعرب عن رغبته في أن يكون الاختيار المقبل لإخراج فيلم من سلسلة جيمس بوند. آنذاك لم يكن في بال منتج أفلام بوند (ألبرت بروكولي) الاستعانة بمخرج «لقاء قريب من النوع الثالث» لتحقيق أحد أفلامه.

الجزء الأول من «إنديانا جونز» (باراماونت)

اقترح لوكاس على سبيلبرغ إخراج سلسلة «إنديانا سميث» بعد تغيير الاسم إلى «إنديانا جونز». سنة 1981 تحت عنوانه الكامل «إنديانا جونز وغزاة الفلك المفقود» (ّIndiana Jones and the Raiders of the Lost Ark).

الفيلم حمل اسم جورج لوكاس منتجاً وكأحد كاتبي القصة (لجانب فيليب كوفمن) واسم لورنس كاسدان ككاتب سيناريو. جيء بهاريسون فورد الذي كان بدأ يضع قدميه على أرض الشهرة بعد أن ظهر في «ستار وورز» كأحد أبطال الفيلم الثلاثة (لجانب كاري فيشر ومارك هاميل الذي بدوره صُنع للتماثل مع تلك المسلسلات القصيرة).

* فارس عربي

مثل تلك المسلسلات كان لابد من البحث عن أشرار الفيلم الذي على عالم الآثار إنديانا جونز مجابهتهم. في الثلاثينات كانت النازية الألمانية في ارتقاء وكانت هوليوود في الأربعينات وجدت أن أفضل شرير ممكن تضعه في أفلام الجاسوسية والمغامرات والأكشن هو ذلك المرتبط بجهة خارجية. في البداية كانت تلك الجهة صينية، لاحقاً أمست ألمانية وعندما انتهى الوئام بين الولايات المتحدة وروسيا انتقل الشر إلى الروس الذين يريدون هدم الديمقراطية الأميركية.

حقيقة أن الحلقة الأولى من «إنديانا جونز» دارت في رحى منتصف الثلاثينات وضع النازيين في بؤرة الشر لجانب المصريين الذين تعاونوا مع النازيين على استخراج تلك الأيقونة التي ستكون محط صراع جونز والنازيين.

المشهد الذي نرى فيه إنديانا جونز يواجه فارساً بلباس عربي كلاسيكي يتحداه بسلاح أبيض لخّص النية في وضع العرب كأعداء. هاريسون فورد يتطلع إلى السماء بضجر ثم يسحب مسدسه ويطلق النار على الفارس قبل أن يتحرك ذاك من مكانه، بذلك توجهت الرصاصة إلى النموذج الكلاسيكي للفارس العربي.

لا يهم كثيراً الآن. لاحقاً ما حطّم سبيلبرغ مدينة عربية بكاملها في فيلم «مغامرات ران تان تان» (1981) وهو الفيلم الكرتوني الذي كان من المفترض أن يكون الجزء الأول من جزأين على أساس قيام صاحب سلسلة «ذَ لورد أوف ذَ رينغ» بيتر جاكسون بإخراج الجزء الثاني وهو الأمر الذي لم يتم إما لانصراف جاكسون عن الفكرة أو لأن الجزء الأول لم ينجز أطناناً من المال أو للسببين معاً.

بناء على نجاح إنديانا الأول الذي أثمر عن 390 مليون دولار (يساوي نحو مليار و300 مليون دولار حالياً) تم إطلاق «إنديانا جونز ومعبد الهلاك» (Indiana Jones and the Temple of Doom) سنة 1984، ثم «إنديانا جونز والحملة الأخيرة» (Indiana Jones and the Last Crusade في عام 1989 ثم «إنديانا جونز ومملكة الجمجمة الكريستال» (Indiana Jones and the Kingdom of the Crystal Skull). أحداث هذا الأخير تقع في الخمسينات (على خلفية الحرب الباردة آنذاك) في حين أن الأجزاء الثلاثة السابقة تعاطت مع أحداث تقع في الثلاثينات وحدها.

* استيحاءات

أحداث الجزء الحالي، «إنديانا جونز وقرص القدر» (Indiana Jones and the Dial of Destiny) هو الوحيد الذي لم يخرجه سبيلبرغ بل تم إسناد المهمة إلى جيمس مانغولد. أحداث الفيلم الجديد تجد جذورها في عام 1944 عندما عثر جونز على قرص من شأنه إعادة الزمن إلى الوراء. بعد أكثر من 20 سنة ها هو جونز يحاول إقناع المسؤولين الأميركيين بأن تعاونهم مع نازي سابق (ماس ميكلسن) يريد استحواذ ذلك القرص هو خطر على أميركا والعالم. ثم نتعرّف على إنديانا في الزمن الحالي وحيداً بعدما كان خسر زوجته (طلّقته) وابنه (مات في الحرب الفيتنامية). تنتهي وحدته عندما تلتقي به حفيدته (فوبي وولر- بردج) وتستدرجه لمغامرة جديدة محورها امتلاك ذلك القرص من جديد.

* اعتبارات تجارية

تحقيق هذا الفيلم على النحو الذي جاء عليه ليس أكثر من جشع تجاري ربما له نتائج إيجابية لأسبوع أو أسبوعين في شباك التذاكر حين إطلاق الفيلم قبل نهاية هذا الشهر. هاريسون لا يستطيع خداع أحد عبر الظهور في بطولة فيلم يسعى فيه (ويسعى الفيلم عبره) إلى استعادة صلاحيّته كبطل أكشن. شخصية إنديانا جونز تتبدى كما لو كانت ثقلاً أكثر منها استعادة لبطولة.

الأفلام الثلاثة الأولى من إنديانا جونز دارت في رحى استيحاءات من الشخصيات والأحداث المسيحية واليهودية. الفيلم الرابع كسر هذا الالتزام أما هذا الفيلم فيبدو كما لو وضع قدماً في الماضي وآخر في الحاضر وبقي خارج القدرة على إيجاد مربّعه الخاص.

فكرة القرص الذي يستطيع الانتقال بصاحبه إلى الماضي لتغيير معالم الحاضر وردت في عشرات الأفلام من بينها «العودة إلى المستقبل» (Back to the Future) سنة 1985. على الأقل كان فيلم روبرت زيميكس كوميدياً خلط المغامرة بالخيال العلمي ونجح، وهذا بالتحديد ما يفتقر إليه إنديانا الجديد.


مقالات ذات صلة

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)

«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

تنطلق النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي يومي 28 و29 أكتوبر في استوديوهات جاكس للأفلام بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

تتنقّل في الفيلم بين الذاكرة العائلية الحميمة وتاريخ البلاد، ساعيةً إلى فهم مأساة لم تنتهِ بانتهاء الحرب.

فيفيان حداد (بيروت)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.