كيف توحدت التيارات الإسلاموية حول خيار الحرب؟

(تحليل إخباري) مجموعة «كوبر» بقيادة البشير تراهن على «انقلاب»... ومجموعة «قوش ـ كرتي» تناصر الجيش

دخان المعارك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
دخان المعارك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

كيف توحدت التيارات الإسلاموية حول خيار الحرب؟

دخان المعارك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
دخان المعارك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

صباح السبت، الخامس عشر من شهر أبريل (نيسان) 2023، يشكل علامة مفصلية في تاريخ السودان السياسي المعاصر، إذ إن وقوع المواجهة المسلَّحة بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتي»، ليس مجرد تنافس تقليدي على السلطة بين جنرالين، بل هو المرحلة الأخيرة في مشروع «الثورة المضادة» الذي عكف عليه الإسلامويون، منذ سقوط نظامهم بقيادة عمر البشير، في الثورة الشعبية في 11 أبريل 2019.
هذا لا ينفي، طبعاً، أن لكل من البرهان وحميدتي رغبة حقيقية في الانفراد بالحكم، ولكن، وفق فرضية هذه المقالة، فإن الحرب الدائرة حالياً صنَعها ما يسمى «التيار الإسلامي العريض» الذي يضم القيادات الرئيسة في نظام البشير، مضافاً إليها جماعات متطرفة حليفة.
- الإسلامويون والرهان العسكري
منذ أن صوَّت مجلس شورى «الجبهة الإسلامية القومية» لصالح الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري ضد حكومة رئيس الوزراء الراحل الصادق المهدي، وتنفيذه بقيادة عمر البشير، في 30 يونيو (حزيران) 1989، أصبحت الأجهزة العسكرية والأمنية الخاصة هي النواة الصلبة للتنظيم الإسلاموي، والعقل المتحكم في مصيره، والمركز الذي يدير صراعاته وانقساماته. ومع بلوغ النفوذ الإسلاموي ذروته في الجيش والشرطة عبر سياسة التمكين، وتنامي التشكيلات العسكرية الموازية، كـ«الدفاع الشعبي»، و«الشرطة الشعبية»، و«الأمن الشعبي»، و«كتائب الظل»، وتطور جهاز الأمن إلى دولة داخل الدولة، تحولت هذه الترسانة الأمنية والعسكرية، بعد أن أكملت قمع وإقصاء خصوم النظام، إلى آلية ترجيح وحسم في صراع السلطة، حتى داخل التنظيم الإسلاموي نفسه.
وتأسيساً على ذلك، انتصر تيار البشير على تيار الدكتور حسن عبد الله الترابي، ثم انتصر البشير مجدداً على المجموعة التي اصطفّت معه ضد الترابي، ممثَّلة بقيادات المؤتمر الوطني البارزة، وعلى رأسها علي عثمان محمد طه، ونافع علي نافع. وفي سياق تثبيت البشير حكمه، وردع أي تحرك ضده من الضباط الإسلامويين في الجيش، أسس قوات «الدعم السريع» في أغسطس (آب) عام 2013، وأصبحت تابعة لجهاز الأمن والمخابرات.
وفي يناير (كانون الثاني) 2017، صدر قرار بإلحاق «الدعم السريع» بالجيش السوداني، ما اقتضى خضوعها لقانون القوات المسلَّحة، إلا أنها ظلت تتمتع باستقلال مالي وإداري وعسكري؛ بسبب تبعيتها، بشكل مباشر، للقائد الأعلى للجيش «عمر البشير» حينها، الذي كان يردد، في خطاباته العامة، عبارة «حميدتي حمايتي» بوصفه تهديداً لأي تحرك ضده من إسلاميي الجيش.

عمر البشير (أ.ف.ب)  -  علي عثمان طه  -  أحمد هارون

- تيارات الإسلامويين بعد الثورة
لكن، بعد الثورة السلمية، التي بدأت في ديسمبر (كانون الأول) 2018، وأطاحت بالبشير في 11 أبريل 2019، هل ظلت فكرة السيطرة على الحكم باستخدام القوة العسكرية، مسيطرة على الإسلامويين؟
طرحتُ هذا السؤال على الكاتب الصحافي «أبو ذر علي الأمين»، وهو جزء من التيار التجديدي في حركة الإسلام السياسي، وكان مشاركاً وشاهداً على جانب مهم من انقسام «حزب المؤتمر الوطني» في 1999، فيما عُرف بالمفاصلة، فأجاب: «لا توجد الآن حركة إسلامية في السودان يوحّدها فكر أو برنامج سياسي، بل توجد تيارات متصارعة على السلطة، تشترك في كونها مرتبطة بالجهاز الخاص (الأمني العسكري)، الذي نجح في عسكرة الحركة تماماً، ويسعى للسلطة بالاعتماد على الوسائل العسكرية التي خبَرها على مدى ثلاثين عاماً».
في هذا السياق، يؤكد أبو ذر أن الجيش، الذي يراهن عليه الإسلاميون، الآن، في إعادتهم إلى السلطة، ويدعمونه في حربه على «الدعم السريع»، لن يحقق لهم هذا الهدف؛ لأن لديه - أي الجيش - طموحه الخاص في الانفراد بالحكم، ومن ثم فلا بد أن يتوحد جميع المدنيين، بمن فيهم الإسلاميون، لانتزاع الحكم المدني.
- مجموعتان خلف الجيش وتيار على الرصيف
بعد تشكيل المجلس العسكري الانتقالي، في 13 أبريل 2019، برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان، انقسم الإسلامويون إلى مجموعتين إزاء الوضع السياسي الجديد، ممثلاً في الفترة الانتقالية التي جرى الاتفاق على أن يستبعد منها «حزب المؤتمر الوطني»، والأحزاب التي ظلت مشارِكة في حكومة البشير حتى تاريخ سقوطه.
المجموعة الأولى هي «مجموعة كوبر» (نسبة إلى سجن كوبر الشهير الذي يقبع فيه رموز النظام البائد)، تتبنى موقفاً راديكالياً يهدف إلى الإطاحة عسكرياً بالنظام الذي تَشكَّل بعد الثورة، وتضم أهم قيادات «حزب المؤتمر الوطني»، وعلى رأسهم الرئيس المخلوع عمر البشير، ونائبه الأول علي عثمان محمد طه، ومساعده نافع علي نافع، ومعهم أحمد هارون، وعبد الرحيم محمد حسين، وعوض أحمد الجاز، ومدير جهاز الأمن السابق محمد عطا. وتمكنت هذه المجموعة، رغم وجودها في سجن «كوبر»، من إجراء الاتصالات، وتدبير أول انقلاب عسكري بعد الثورة، في يوليو (تموز) 2019، بقيادة الفريق أول هاشم عبد المطلب، رئيس هيئة أركان الجيش. وقد فشلت المحاولة وحُكم على منفّذيها بالسجن، بعد محاكمة عسكرية.

علي كرتي  -  عوض بن عوف  -  صلاح قوش

كما أعلنت القوات المسلحة إحباط محاولة انقلابية، في سبتمبر (أيلول) 2021، بقيادة اللواء عبد الباقي حسن بكراوي، الذي شغل عدداً من المناصب في صفوف الجيش السوداني، خلال فترة حكم البشير.
مجموعة «كوبر» ذات أفق سياسي مسدود، إذ إنها تراهن على الانقلاب وعلى تحالف دولي مع روسيا والصين، وتحالف إقليمي مع إيران، وتتجاهل عدم صلاحية البشير، المطلوب لـ«محكمة الجنايات الدولية»، والذي كان يشكل عبئاً سياسياً، حتى على الإسلامويين قبل الثورة، إذ تعالت أصوات بعضهم بضرورة عدم ترشحه لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2015، وتكرر الأمر في انتخابات 2020.
أما المجموعة الثانية فيقودها علي كرتي، قائد قوات «الدفاع الشعبي»، وأبرز عناصرها مدير جهاز الأمن والمخابرات السابق صلاح قوش، ووزير الدفاع في عهد البشير عوض ابن عوف، والضابط عماد عدوي، وتتبنى فكرة التحالف مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وإضعاف الفترة الانتقالية بعمل منهجي لتقسيم قوى الثورة، وعلى رأسها «تحالف الحرية والتغيير»، و«لجان المقاومة»، ومحاربة «لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو»، وعرقلة أي إصلاحات للجهاز العدلي، واستعادة النفوذ الإسلاموي في مفاصل الدولة، والدفع باتجاه خيار الانتخابات المبكرة، دون إصلاحات تضمن نزاهتها.
وقد ارتفعت أسهم هذه المجموعة، واتسعت قاعدتها وسط الإسلامويين، بعد الانقلاب العسكري على حكومة «الحرية والتغيير»، برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، إذ ألغى هذا الانقلاب قرارات «لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو»، وأعاد عناصرَ نظام البشير إلى مواقع مهمة في القضاء والخدمة المدنية، وأعاد إليهم الأموال المصادَرة منهم، في إطار عملية إزالة التمكين.
خارج هاتين المجموعتين، يوجد تيار من المثقفين والأكاديميين والقوى الشبابية والحزبية ذات التوجه الإسلامي، بعضهم يطلق عليه اسم «تيار الرصيف»، والبعض الآخر منخرط فيما يسمى «التيار الإسلامي العريض»، الذي يضم إلى جانب مجموعة «كوبر»، ومجموعة «كرتي»، حركة «الإصلاح الآن»، وجماعات سلفية بعضها متطرف؛ مثل حركة محمد علي الجزولي.
- الاتفاق الإطاري يوحد المجموعتين
وتتبنى كلتا المجموعتين موقفاً معادياً لقوى الثورة، وتعمل على تدمير الفترة الانتقالية، كما ترغب كلتاهما في التخلص من «الدعم السريع» نهائياً. وكان الاختلاف الرئيس بينهما حول وسيلة تحقيق ذلك: هل عبْر انقلاب عسكري، أم عبر دعم انقلاب البرهان، وتحييده لصالح الأجندة الإسلاموية؟ وبعد نجاح الاحتجاجات الشعبية والضعوط الدولية في إفشال انقلاب 25 أكتوبر، وتدشين عملية سياسية جديدة أسفرت عن توقيع القوى السياسية الرئيسية وقيادتي الجيش و«الدعم السريع»، الاتفاق الإطاري، في 5 ديسمبر 2022، الذي ينص على خروج المؤسسة العسكرية من العمل السياسي، وكان من المفترض أن يتطور إلى اتفاق نهائي يتضمن تفاصيل حول العدالة الانتقالية، والإصلاح الأمني والعسكري، وإزالة التمكين، وقضايا السلام وشرق السودان، توحدت المجموعتان في رفض «الاتفاق الإطاري»، وقامت بالتعبئة ضده، واستنفار العناصر الإسلاموية في الجيش ضد العملية السياسية، ورجحت كفة خيار مجموعة «كوبر» في الانقلاب العسكري، وفي هذا الإطار ضغطت العناصر الإسلاموية في الجيش على البرهان في اتجاه اشتراط دمج «الدعم السريع» في الجيش، في مدى زمني قصير، لقبول التوقيع على الاتفاق، وبرزت، بقوة، خلافات البرهان وحميدتي الذي انحاز للاتفاق الإطاري بقوة.
معطيات الواقع السوداني تؤكد، حتى الآن، أن التيار الغالب وسط الإسلامويين هو التيار الانقلابي العنيف الذي لعب دوراً مفتاحياً في إشعال الحرب الدائرة حالياً.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الحرب في السودان تخلّف جروحاً نفسية عميقة... وأزمة صامتة تهدد المجتمع

مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)
مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)
TT

الحرب في السودان تخلّف جروحاً نفسية عميقة... وأزمة صامتة تهدد المجتمع

مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)
مستشفى النور بأم درمان أحد المشافي التي صمدت أيام الحرب يضم وحدة نفسية (الشرق الأوسط)

مع استمرار الحرب في السودان، وتفاقم تداعياتها الأمنية والإنسانية والاقتصادية، لم تعد مأساة السودانيين تقتصر على سقوط القتلى أو معاناة الجرحى والجوعى والنازحين، بل امتدت آثارها إلى الصحة النفسية للسكان، في ظل تصاعد مقلق لمعدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة.

وتشير تقديرات منظمات دولية وخبراء محليين إلى أن البلاد تواجه أزمة نفسية متنامية، قد تترك آثاراً طويلة الأمد على المجتمع إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتوسيع خدمات الدعم النفسي والعلاج المتخصص. وكشفت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، في تقرير لها، عن انتشار واسع لحالات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة في العاصمة الخرطوم. وبلغت نسبة انتشار هذه الاضطرابات نحو 12 في المائة بين طلاب المرحلة الثانوية، فيما تجاوزت 59 في المائة بين السكان النازحين.

وأشار التقرير إلى أن النزاعات الممتدة في السودان خلّفت عبئاً متزايداً من اضطرابات الصحة النفسية، لافتاً إلى أن الأطفال يُعدّون الفئة الأكثر عرضة للخطر، إذ يواجهون مخاطر متعددة تشمل الاختطاف والعنف الجنسي والتجنيد القسري وزواج الأطفال، وهي عوامل قد تترك آثاراً نفسية عميقة وممتدة.

واجهة مستشفى د. التجاني الماحي للأمراض النفسية أشهر وأعرق المشافي النفسية في السودان (الشرق الأوسط)

وأوضحت المنظمة أن الاضطرابات الذهانية الكبرى تظل نادرة نسبياً، في حين تفتقر البيانات المتعلقة بالانتحار وتعاطي المخدرات إلى الدقة بسبب نقص المعلومات. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن أكثر من شخص واحد من كل خمسة أشخاص يعيشون في مناطق النزاع يعاني أحد اضطرابات الصحة النفسية. ويعاني السودان في الوقت ذاته نقصاً حاداً في الكوادر المتخصصة في هذا المجال، إذ لا يتجاوز عدد اختصاصيي الصحة النفسية 899 متخصصاً في مختلف أنحاء البلاد، وفق إحصائية صادرة عام 2020.

ارتفاع معدلات الأمراض النفسية

في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلنت وزارة الصحة الاتحادية في السودان عن ارتفاع ملحوظ في معدلات الأمراض النفسية، مؤكدة أن تداعيات الحرب والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون ضاعفت الحاجة إلى تدخلات عاجلة. وكشفت الوزارة عن خطة اتحادية لإعادة تأهيل مستشفيات الطب النفسي ومراكز علاج الإدمان، بهدف تعزيز قدرة النظام الصحي على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في هذا المجال. وقال وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، إن الاضطرابات النفسية تشهد تزايداً على مستوى العالم، غير أن الوضع في السودان أكثر تعقيداً في ظل الظروف الراهنة التي فرضتها الحرب.

وأشار إلى أن الوزارة تعمل على تعزيز الوعي المجتمعي بالصحة النفسية، وتوسيع خدمات الاكتشاف المبكر، وتسهيل الوصول إلى العلاج، داعياً إلى تبني رؤية شاملة للصحة النفسية وتخصيص ميزانيات كافية لتطوير خدماتها ضمن النظام الصحي.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أجرى الوزير زيارة تفقدية لمستشفى «التيجاني الماحي» للأمراض النفسية والعصبية في أم درمان، للاطلاع على حجم الأضرار التي لحقت بالمستشفى نتيجة الحرب، حيث استأنفت بعض العنابر والعيادات عملها بطاقة تشغيلية تستقبل أكثر من 50 مريضاً يومياً.

جانب من محاضرة عن الحالات النفسية والاجتماعية في السودان بمستشفى التجاني الماحي (الشرق الأوسط)

وترى الاستشارية النفسية ابتسام محمود، أن السودان كان يعاني بالفعل من تحديات اجتماعية واقتصادية عدة قبل اندلاع الحرب، من بينها الفقر والبطالة والعنف الأسري وارتفاع معدلات الطلاق، وهي عوامل انعكست سلباً على الصحة النفسية للمجتمع. وأضافت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن الحرب فاقمت هذه الأوضاع، بما خلّفته من مشاهد خوف ورعب وانتهاكات وتدمير للممتلكات، فضلاً عن موجات النزوح واللجوء المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات. وشددت على ضرورة تصميم برامج شاملة لتقديم خدمات الدعم النفسي لجميع فئات المجتمع، بالتعاون بين وزارات الرعاية الاجتماعية والصحة والتربية والموارد البشرية والشؤون الدينية. كما دعت إلى تفعيل خدمات الإرشاد الأسري في المدارس والأندية الرياضية والمساجد، لما لها من دور في تعزيز التماسك الأسري والاستقرار المجتمعي.

دعم نفسي للمتأثرين بالحرب

من جانبها، قالت اختصاصية علم النفس الدكتورة خديجة محمد الحبيب، إنه تم افتتاح وحدة للطب النفسي في مستشفى النور التعليمي بأم درمان في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بهدف تقديم الدعم النفسي للمتأثرين بالحرب.

اختصاصية علم النفس خديجة محمد الحبيب (الشرق الأوسط)

وأوضحت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن الوحدة تقدم خدمات الإرشاد والعلاج النفسي للمرضى الذين يعانون اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق، إلى جانب برامج تأهيل للأطفال المتأثرين بالألغام لدعمهم نفسياً واجتماعياً. وأضافت أن العيادة تستقبل أسبوعياً ما بين 60 و90 مريضاً، كما تقدم خدمات الدعم النفسي في دور الإيواء وتعالج حالات الإدمان، إضافة إلى تنظيم محاضرات توعوية حول مخاطر المخدرات وسبل الوقاية منها.

بدورها أكدت اختصاصية علم الاجتماع الدكتورة تقوى محمد البشرى أن وحدة الطب النفسي في مستشفى النور التعليمي لا تقتصر على تقديم العلاج النفسي فحسب، بل تنفذ أيضاً مبادرات تطوعية لدعم المتضررين من الحرب. وأشارت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن هذه المبادرات تشمل توفير الوجبات اليومية والملابس للأطفال، خصوصاً خلال الأعياد، إضافة إلى دعم تركيب الأطراف الصناعية وإجراء العمليات الجراحية للمصابين.

الاختصاصية الاجتماعية د. تقوى محمد البشرى (الشرق الأوسط)

وأضافت الدكتورة تقوى أن الفريق يعمل كذلك على تقديم الدعم للحالات مجهولة الهوية بالتنسيق مع إدارة المستشفى، والمشاركة في برامج الإطعام بالتعاون مع المتطوعين وقسم التغذية.

تزايد الحالات في الجزيرة

وفي ولاية الجزيرة بوسط السودان، شهدت الاضطرابات النفسية تزايداً ملحوظاً نتيجة تداعيات الحرب. وقال مدير مستشفى الصحة النفسية في ود مدني، الدكتور الأمين دياب، إنه تم افتتاح عنبر جديد للطب النفسي لتعزيز خدمات الرعاية في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها الولاية. وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن أبرز الحالات التي يستقبلها المستشفى تشمل الاكتئاب والذهان ونوبات الهوس واكتئاب ما بعد الولادة، مشيراً إلى استقبال ما بين 15 و20 حالة أسبوعياً تحتاج إلى التنويم، مع توقعات بارتفاع الأعداد خلال الفترة المقبلة. وأكد أن المستشفى يوفر العلاج والأدوية مجاناً بدعم من منظمات إنسانية وهيئات رسمية، بهدف تخفيف العبء عن الأسر المتضررة.

ويرى مختصون أن الحرب في السودان أفرزت أزمة نفسية صامتة لا تقل خطورة عن الدمار الاقتصادي والإنساني الذي خلفته. فقد ارتفعت معدلات القلق والإدمان واضطراب ما بعد الصدمة والوسواس القهري والاكتئاب والرهاب الاجتماعي بين قطاعات واسعة من المجتمع. ويحذر خبراء من أن تجاهل ملف الصحة النفسية في هذه المرحلة قد يقود إلى تداعيات خطيرة على مستقبل المجتمع السوداني، مؤكدين أن توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي بات ضرورة إنسانية ووطنية ملحة لا تحتمل التأجيل.


ليبيا: حفتر يدعو «الجيش الوطني» لليقظة على وقع توترات المنطقة

حفتر أثناء الإفطار في مقر رئاسة أركان الجيش الليبي (القياة العامة)
حفتر أثناء الإفطار في مقر رئاسة أركان الجيش الليبي (القياة العامة)
TT

ليبيا: حفتر يدعو «الجيش الوطني» لليقظة على وقع توترات المنطقة

حفتر أثناء الإفطار في مقر رئاسة أركان الجيش الليبي (القياة العامة)
حفتر أثناء الإفطار في مقر رئاسة أركان الجيش الليبي (القياة العامة)

دعا قائد «الجيش الوطني» الليبي، المشير خليفة حفتر، لليقظة العسكرية على وقع التوترات الراهنة في المنطقة، فيما بدا أنه يتحسب لتأثيرات ارتدادية قد تطال بلاده، وفي غضون ذلك، تجاهلت حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مظاهرات متفرقة في طرابلس ومصراتة بغرب البلاد، تطالب بإسقاط الأجسام السياسية الموجودة، ومحاربة الفساد.

واعتبر حفتر خلال مأدبة إفطار جماعي لضباط الجيش بمقر رئاسة أركانه، مساء الجمعة، في مدينة بنغازي بشرق البلاد، أن «المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة من تحديات عسكرية تتطلب يقظة مستمرة للحفاظ على استقرار الدولة»، مؤكداً أن «قوات الجيش ستظل الدرع الحصين لحماية ليبيا، وصون سيادتها». وقال إن «مسؤولية الجيش لا تقتصر فقط على حماية الحدود، وصون السيادة، بل تمتد أيضاً إلى دعم مؤسسات الدولة، والحفاظ على وحدة التراب الليبي، والمساهمة في ترسيخ الأمن، والاستقرار، اللذين يمثلان الأساس لأي عملية تنمية، أو بناء للدولة».

كما شدد قائد «الجيش الوطني» الليبي على أهمية الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية، وتعزيز برامج التدريب، والتأهيل، ومواكبة التطورات العسكرية الحديثة، بما يضمن قدرة القوات على مواجهة مختلف التهديدات الأمنية، والحفاظ على أمن البلاد، واستقرارها.

وبحسب مسؤول عسكري، فإن تأكيد حفتر على الجاهزية والتدريب يعكس ما وصفه بـ«خطة طوارئ» لمواجهة تداعيات الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران.

الدبيبة خلال حضور إفطار كبار السن بطرابلس (حكومة الوحدة)

من جهة أخرى، عاد الهدوء إلى العاصمة طرابلس ومدينة مصراتة بالغرب الليبي، بعد وقفات احتجاجية تنديداً بتردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد، والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الفساد.

ورفع المتظاهرون في طرابلس، مساء الجمعة، شعارات تطالب بإنهاء ما وصفوه بـ«حالة الفساد المستمرة في مؤسسات الدولة»، داعين إلى رحيل الأجسام السياسية التي تدير المرحلة الحالية، كما انتقدوا إجراءات المصرف المركزي بفرض ضرائب ورسوم جديدة، معتبرين أنها تزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين.

وفي مصراتة، نظم عدد من المحتجين وقفة مماثلة، عبّروا خلالها عن استيائهم من تدهور الأوضاع الاقتصادية، واستمرار المراحل الانتقالية، دون الوصول إلى تسوية سياسية نهائية. كما تضمنت الهتافات انتقادات لبعض التعيينات السياسية الأخيرة، بينها تعيين علي الصلابي مستشاراً لشؤون المصالحة لدى محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي.

وتجاهل الدبيبة هذه المظاهرات، لكنه أكد خلال حضوره مأدبة إفطار نزلاء دار الوفاء لرعاية العجزة والمسنين استمرار حكومته في دعم مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وتعزيز الخدمات المقدمة لكبار السن، بما يضمن لهم حياة كريمة، تقديراً لما قدموه للمجتمع.

إلى ذلك، تلقى رئيس صربيا ألكسندر فوتشيتش رسالة من الدبيبة، إلى جانب دعوة رسمية لزيارة ليبيا، لدى اجتماعه مساء الجمعة في العاصمة بلغراد مع الطاهر الباعور، المكلف تسيير وزارة الخارجية بحكومة الوحدة. ونقل بيان حكومي عن ألكسندر حرصه على تعزيز وتطوير العلاقات مع ليبيا في مختلف المجالات، مشدداً على أهمية عقد اللجنة المشتركة بين البلدين، وتفعيلها بما يتيح توسيع فرص التعاون.


تفاؤل حذر يلف مسار «الحوار الأممي» في تفكيك الأزمة الليبية

المبعوثة الأممية هانا تيتيه خلال جلسات «الحوار المهيكل» (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية هانا تيتيه خلال جلسات «الحوار المهيكل» (البعثة الأممية)
TT

تفاؤل حذر يلف مسار «الحوار الأممي» في تفكيك الأزمة الليبية

المبعوثة الأممية هانا تيتيه خلال جلسات «الحوار المهيكل» (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية هانا تيتيه خلال جلسات «الحوار المهيكل» (البعثة الأممية)

عبّر أعضاء بـ«الحوار المهيكل» عن تفاؤل حذر حيال المرحلة المقبلة من عمر مسارهم السياسي، الذي ترعاه الأمم المتحدة لحل الأزمة الليبية، وحذروا في الوقت نفسه من خطورة التدخلات الخارجية على هذا المسار، الذي من المقرر أن يستأنف جولاته بعد عيد الفطر.

ويمثل «الحوار المهيكل»، الذي انطلق منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أحد المسارات الأساسية ضمن «الخريطة الأممية»، التي عرضتها المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، لمعالجة الانقسام بين حكومتي شرق وغرب البلاد.

* معالجة جذور الانقسام

أعرب عضو «لجنة الحوار» عن مسار المصالحة، الدكتور أبو عجيلة سيف النصر، عن تفاؤل حذر بإمكانية أن يسفر الحوار عن مخرجات إيجابية، مشيراً إلى أن «الجهد المبذول داخله يستند إلى مشاركة شخصيات وطنية من خلفيات سياسية وأكاديمية، وممثلين عن مكونات اجتماعية، وليسوا أطرافاً مباشرة في الصراع، ما يمنحه قدراً من الاستقلالية عن الضغوط السياسية».

لكنه عاد ليقول لـ«الشرق الأوسط» إن الحوار المهيكل «لن يغير المشهد السياسي الليبي بشكل مباشر، لكنه قد ينتج توصيات ذات قيمة سياسية ووطنية تعكس تطلعات الليبيين».

ويركز الحوار على أربعة ملفات رئيسية: الحوكمة، الاقتصاد، المصالحة الوطنية، والأمن، بوصفها مفاتيح العبور نحو تسوية شاملة ومستدامة.

جانب من جلسات «الحوار المهيكل» (البعثة الأممية)

من جانبه، أكد عضو الحوار، أسعد زهيو، أن التفاؤل بالحوار المهيكل في ليبيا «يستند إلى طبيعته التي تركز على معالجة جذور الانقسام لا مجرد إدارة الأزمة، وذلك من خلال نقاش نخب وشخصيات وطنية متوازنة القضايا العميقة، التي تجاوزتها المسارات السياسية السابقة».

ومع ذلك، شدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن نجاح هذا المسار «مرتبط باستمرار التركيز على الملفات الجوهرية، وبدور النخب المشاركة القادرة على تفكيك أسباب النزاع، وتغليب مصلحة الاستقرار طويل الأمد على المكاسب السياسية الضيقة».

من جهته، يميل عضو الحوار المهيكل، أشرف بودوارة، إلى التفاؤل الحذر أيضاً، عاداً أن «عودة الحوار تمثل فرصة مهمة للانتقال من إدارة الانقسام إلى معالجته، إذا توفرت إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف الليبية». واقترح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عدة شروط، أهمها «الالتزام بمسار وطني جامع تحت مظلة الأمم المتحدة، والتركيز على معالجة جذور الأزمة»، وفي مقدمتها الإشكالية الدستورية، التي تعتبر «المدخل الأساسي لبناء مؤسسات شرعية مستقرة».

* مبدأ الشمولية

في فبراير (شباط) الماضي، طرحت تيتيه أمام مجلس الأمن تشكيل لجنة مصغرة تتجاوز مجلسي النواب والدولة لوضع حلول نهائية للأزمة، أو لبنة تنفيذ «خريطة الطريق». وفي حال فشل هذه المجموعة، ستكون هناك حاجة لتوسيع الدائرة لضمان تنفيذ الخطة.

وفي هذا السياق، يؤكد زهيو أهمية أن يكون للحوار المهيكل ومخرجاته دور فاعل في صياغة مهام أي لجنة، لضمان عدم انحرافها عن مسار الحل الجذري، رافضاً «اختزال الأزمة الليبية في أطراف محددة أو سلطات الواقع التي كانت جزءاً من المشكلة». وشدد على أن أي آلية لمعالجة الانسداد السياسي يجب أن تقوم على مبدأ الشمولية، لضمان مشاركة القوى الفاعلة خارج السلطة، بما في ذلك الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والقوى الاجتماعية، والشباب، والمرأة، والمكونات الثقافية، وأنصار النظام السابق.

أما سيف النصر فقد رأى أن «من الأفضل أن يُختار أعضاء أي لجنة من المشاركين في الحوار المهيكل لابتعادهم عن الاصطفافات والضغوط السياسية»، واعتبر أن بعض المقترحات المتداولة، مثل تمثيل أربعة أعضاء من شرق البلاد ومثلهم من غربها، «غير مقبولة». فيما شدد بودوارة على أن أي آلية داعمة للحوار يجب أن تكون منسجمة مع المسار القائم، وألا تتحول إلى بديل عنه، مشيراً إلى أن أعضاء الحوار يمثلون خلاصة مشاورات واسعة مع مختلف المكونات الليبية.

* مخاوف من «المسارات الموازية»

تزداد المخاوف من تأثير التدخلات الخارجية على مسار الأزمة الليبية، إذ حذرت 81 شخصية ليبية مشاركة في «الحوار المهيكل»، في رسالة موجهة إلى تيتيه، من «المسارات الموازية» لحل الأزمة، وذلك على خلفية تقارير تتحدث عن رعاية أميركية لتفاهمات نحو دمج الحكومتين المنقسمتين في ليبيا.

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي والمبعوثة الأممية في لقاء بطرابلس (المجلس الرئاسي)

وأوضح زهيو، أحد الموقعين على الرسالة، أنها حظيت بتوقيع نحو 75 في المائة من الأعضاء، مما يعكس ثقلاً سياسياً لا يمكن تجاهله في أي مسار، يتعلق بمستقبل العملية السياسية في ليبيا، معبراً عن استغرابه من الانتقادات التي طالت الرسالة، ووصف تبرؤ بعض الشخصيات منها، رغم عدم توقيعهم عليها، بأنه «ارتباك غير مبرر قد يعكس ضغوطاً أو محاولات لاسترضاء أطراف معينة».

وأعاد زهيو التأكيد على أن الرسالة «تتمسك بمسار وطني تراكمي وشامل»، مجدداً التحذير من خطورة الانزلاق إلى «مسارات موازية»، أو صفقات ضيقة تُدار خلف الأبواب المغلقة». وذهب إلى القول إن «الموقعين على الرسالة تحركوا بإرادة وطنية حرة دفاعاً عن مسار شامل وشفاف»، مشدداً على أن الهدف ليس المحاصصة بل الوصول إلى حل ليبي-ليبي مستدام يضمن بناء دولة مستقرة.

أما سيف النصر، فقد حذر من أن «التدخلات الخارجية والخلافات بين اللاعبين الدوليين في الملف الليبي، خصوصاً داخل مجموعة برلين، قد تشكل معوقاً جدياً أمام تقدم الحوار»، مشيراً إلى «اعتقاد مزداد بأن تلك الخلافات قد تحول دون تطويره إلى إطار أوسع يشبه المجلس التأسيسي لوضع البلاد على مسار سياسي أكثر استقراراً».

ونبه سيف النصر إلى أن «أي مسار يتجاوز التراكم الذي تحقق ضمن الحوار الوطني قد يبعث برسالة صادمة إلى الليبيين، مفادها أن مشاركتهم الواسعة في صياغة العملية السياسية يمكن استبدال تفاهمات مغلقة بها لتقاسم السلطة والنفوذ»، وهو ما يعني عملياً «إمكانية اختطاف العملية السياسية مجدداً داخل الغرف المغلقة».