العطش يحاصر سكان الخرطوم في عام الحرب الرابع

انقطاع الكهرباء وانهيار الخدمات يحوِّلان الحصول على المياه إلى معركة يومية تثقل كاهل الناس

تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)
تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)
TT

العطش يحاصر سكان الخرطوم في عام الحرب الرابع

تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)
تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتفاقم معاناة المواطنين بصورة غير مسبوقة، في ظل الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي والانهيار الواسع للخدمات الأساسية، لتتحول أزمة المياه إلى واحدة من أكثر التحديات قسوة في الحياة اليومية. ولم يعد الحصول على مياه الشرب أمراً عادياً، بل أصبح معركة يومية لا تقل قسوة عن أصوات المدافع والقذائف، وتستنزف الوقت والجهد والمال، وسط ظروف إنسانية واقتصادية خانقة.

ومنذ اندلاع الحرب، تحولت مياه الشرب من خدمة أساسية متاحة إلى عبء ثقيل يرهق الأسر السودانية، حيث يقضي السكان ساعات طويلة في طوابير ممتدة للحصول على براميل مياه تكفي احتياجاتهم اليومية، وتبقي الحياة ممكنة في البيوت والأسواق والمطاعم الصغيرة، التي تعطلت بسبب انعدام الإمداد المائي.

أحد مراكز المياه حيث يتجمع الباعة على عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

وفي عدد من الأحياء الطرفية بالعاصمة الخرطوم، تبدو آثار الأزمة واضحة في تفاصيل الحياة اليومية؛ أطفال ونساء يحملون الأواني لمسافات بعيدة، وعربات الكارو التي تجرها الدواب أصبحت الوسيلة الرئيسية لنقل المياه إلى المنازل، في وقت يشكو فيه السكان من ارتفاع الأسعار وتراجع جودة المياه المتوفرة، وسط مخاوف متزايدة من انتشار الأمراض المرتبطة بالتلوث وانعدام البدائل الصحية، ومطالبات متزايدة بضرورة التدخل العاجل للسلطات لإعادة الخدمات الأساسية وتخفيف معاناة السكان.

معاناة يومية مستمرة

يقول الطيب بلال، صاحب عربة كارو لنقل المياه، إن الأزمة تفاقمت بصورة كبيرة نتيجة الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، الأمر الذي أدى إلى تعطل محطات المياه في كثير من المناطق. وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أنه يقضي أحياناً أكثر من عشر ساعات في انتظار الحصول على برميل مياه يشتريه بخمسة آلاف جنيه سوداني، (نحو دولار) قبل أن يبيعه بنحو عشرين ألف جنيه (4 دولارات) وفق أسعار السوق الموازية، لتغطية تكاليف النقل والمجهود اليومي.

الطيب بلال بائع مياه قال إنه يقضي ساعات طويلة في انتظار تعبئة برميل الماء (الشرق الأوسط)

أما المواطنة زينب التوم، فتصف معاناة السكان بأنها «قاسية ومستمرة»، مشيرة إلى أن الأسر باتت مضطرة منذ أكثر من عام إلى شراء المياه بشكل يومي رغم تدهور الأوضاع المعيشية. وأوضحت أن بعض المياه التي تصل إلى المواطنين تكون ملوثة أو غير صالحة للاستخدام الكامل، إلا أن السكان يضطرون لاستخدامها بسبب غياب أي بدائل أخرى.

وتتحدث مكة عبد الله، وهي بائعة شاي، عن الأعباء المتزايدة التي فرضها انقطاع الكهرباء على أصحاب الأعمال الصغيرة، مؤكدة أنها تضطر يومياً إلى شراء عبوتي مياه سعة 24 رطلاً، إلى جانب الفحم وبقية المستلزمات، ما يستهلك معظم دخلها المحدود. وناشدت السلطات التدخل العاجل لإعادة خدمات الكهرباء والمياه، مؤكدة أن استمرار الأزمة فاقم معاناة المواطنين بصورة كبيرة.

بائعة الشاي مكة عبد الله تقول إن انقطاع الكهرباء زاد من أعباء أصحاب الأعمال الصغيرة (الشرق الأوسط)

وفي السياق نفسه، تقول فاطمة حسن، صاحبة مطعم، إن الارتفاع المتواصل في أسعار المياه والثلج أثر بشكل مباشر على عملها، موضحة أن معظم الإيرادات تذهب لتغطية تكاليف التشغيل دون تحقيق أي أرباح حقيقية. وأضافت أنها تعمل في ظروف شاقة لإعالة أسرتها، في وقت يعاني فيه زوجها من المرض والشلل النصفي، بينما يواصل أطفالها الخمسة دراستهم وسط مصروفات متزايدة.

ويرى محمد النور، وهو جزار، أن أزمة المياه أصبحت من أخطر الأزمات التي تواجه المواطنين حالياً، لما لها من تأثير مباشر على الحياة اليومية والأنشطة المهنية، مطالباً الجهات المعنية بالتحرك العاجل لإيجاد حلول جذرية ومستدامة تضمن وصول المياه بصورة منتظمة إلى الأحياء السكنية.

كما أشار المواطن عباس محجوب إلى أن نحو 60 ألف نسمة في مناطق شرق النيل والوادي الأخضر، شرقي الخرطوم، لا يزالون يعانون من أزمة عطش حادة، في ظل ضعف الاستجابة الرسمية واعتماد بعض المناطق على الجهود الذاتية لصيانة آبار المياه الجوفية.

زيادة كبيرة في الاستهلاك

من جانبها، أرجعت الجهات المختصة تفاقم الأزمة إلى الانقطاعات المتكررة للكهرباء وتذبذب التيار المغذي لمحطات المياه، إضافة إلى تراجع إنتاج الكهرباء وارتفاع معدلات الاستهلاك خلال فصل الصيف.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، أن السلطات لجأت إلى تشغيل بعض محطات المياه عبر مولدات تعمل بالجازولين لضمان استمرار الإمداد المائي، مشيراً إلى أن محطة مياه المنارة في مدينة أم درمان تحتاج وحدها إلى نحو ثمانين برميلاً من الجازولين يومياً حتى تواصل عملها بصورة طبيعية.

تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

وأكد سعد الدين تنفيذ تدخلات عاجلة خلال الأيام الماضية لمعالجة أزمة المياه في محلية أم بدة غربي الخرطوم، شملت حفر عشر آبار عالية الإنتاجية لتغطية مناطق أم بدة السبيل ودار السلام، معرباً عن توقعاته بحدوث انفراج تدريجي في الأزمة مع اكتمال التشغيل الكامل لمحطة مياه المنارة.

وفي بلد أنهكته الحرب وأثقلته الأزمات المتلاحقة، لم تعد معاناة السودانيين تقتصر على الخوف والنزوح وفقدان الأمن، بل امتدت إلى أبسط مقومات الحياة. وبين طوابير الانتظار والأسعار المرتفعة والانقطاع المستمر للخدمات، يواصل المواطنون صراعهم اليومي من أجل البقاء، في مشهد يعكس حجم التدهور الإنساني الذي تعيشه البلاد.


مقالات ذات صلة

العطا يتفقد جبهة النيل الأزرق وسط تصاعد هجمات «الدعم السريع»

شمال افريقيا الفريق ياسر العطا خلال لقائه في وقت سابق حاكم إقليم النيل الأزرق (فيسبوك) p-circle

العطا يتفقد جبهة النيل الأزرق وسط تصاعد هجمات «الدعم السريع»

جدد عضو مجلس السيادة السوداني رئيس هيئة أركان الجيش، الفريق أول ياسر العطا، تعهده بمواصلة دعم العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق بجنوب شرقي البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)

خاص اتهامات وتحشيد عسكري... هل يقترب السودان وإثيوبيا من المواجهة؟

تشهد العلاقات بين السودان وإثيوبيا تصعيداً غير مسبوق، بعد تبادل الاتهامات السياسية والعسكرية بين البلدين بشأن دعم جماعات مسلحة وشن هجمات بطائرات مسيرة.

خاص رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي (الشرق الأوسط)

خاص مناوي: حملنا السلاح «مجبرين»... والسودان ينهار تحت وطأة الحرب

وصف رئيس «حركة تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور، مشاركة قواته في الحرب إلى جانب الجيش بأنها «ضرورة»، وقال إن الاستهداف طال أرواح السودانيين وتاريخهم.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم سابق لقوات «الدعم السريع» في السودان (رويترز)

6 قتلى و15 مصاباً في قصف لـ«الدعم السريع» بجنوب كردفان

أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل ستة أشخاص وإصابة 15 آخرين بينهم ست نساء من جراء القصف المدفعي لـ«قوات الدعم السريع» وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا 
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان مستقبلاً اللواء النور القبة المنشق من «قوات الدعم السريع» (مجلس السيادة)

«الهويرة»... منشق رابع من «الدعم السريع»

تشهد «قوات الدعم السريع» في السودان تصاعداً لافتاً في موجة الانشقاقات داخل صفوفها، في تطور يثير تساؤلات متزايدة حول مستقبل تماسكها العسكري وتحالفاتها القبلية.

أحمد يونس (كمبالا) محمد أمين ياسين (نيروبي)

مصر تنشد دفع التعاون مع روسيا في «الضبعة» و«اقتصادية قناة السويس»

وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الروسي في نيودلهي الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الروسي في نيودلهي الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تنشد دفع التعاون مع روسيا في «الضبعة» و«اقتصادية قناة السويس»

وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الروسي في نيودلهي الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري خلال لقائه نظيره الروسي في نيودلهي الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)

تنشد مصر دفع التعاون مع روسيا للإسراع في تنفيذ مشروعات مشتركة، من بينها «محطة الضبعة» و«المنطقة الاقتصادية الروسية» بقناة السويس.

وبحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف يوم الجمعة «تطوير مسار الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وموسكو»، وأكد الوزيران «مواصلة الدفع بأوجه التعاون الثنائي في مختلف المجالات».

ويرى خبراء أن «القاهرة تعوّل على الخبرات الروسية في عدد من المجالات لتنفيذ مشروعات تنموية»، وقالوا إن «التنسيق المصري - الروسي تجاه التوترات في الشرق الأوسط ضروري في هذا التوقيت».

والتقى عبد العاطي بلافروف على هامش اجتماع وزراء خارجية دول «مجموعة البريكس» في نيودلهي بالهند، مؤكداً «أهمية الإسراع في تفعيل التعاون المصري - الروسي في المشروعات المشتركة، ومن بينها (محطة الضبعة النووية)، و(المنطقة الاقتصادية الروسية) بقناة السويس».

وشدد على «أهمية جذب مزيد من الاستثمارات الروسية في القطاعات ذات الأولوية لمصر»، حسب بيان لـ«الخارجية المصرية».

جانب من «محطة الضبعة النووية» (وزارة الكهرباء المصرية)

وتقيم روسيا عدداً من المشروعات التنموية الكبرى في مصر، من بينها «محطة الضبعة النووية» (شمال البلاد) لإنتاج طاقة كهربائية بقدرة 4800 ميغاواط، إلى جانب «المنطقة الاقتصادية الروسية» بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ووقّع البلدان اتفاقاً لإقامتها في عام 2018 باستثمارات تبلغ 4.6 مليار دولار.

وأشاد عبد العاطي بالتعاون القائم بين بلاده وموسكو في عدد من المشروعات، ومن بينها مجال استيراد الحبوب، لافتاً إلى «تطلع بلاده لتعزيز تداول الحبوب مع روسيا، ودراسة إنشاء (مركز لوجستي للحبوب) بمساهمة الجانب الروسي»، ومؤكداً «أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدين».

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أبريل (نيسان) الماضي إن بلاده «تدرس إنشاء مركز للحبوب والطاقة داخل مصر»، وأشار حينها إلى أن «روسيا ستؤمّن إمدادات الحبوب للجانب المصري».

وأكد لافروف يوم الجمعة «تقدير بلاده لمسار التعاون مع مصر»، وشدد على «مواصلة التشاور والتنسيق بين بلاده والقاهرة إزاء القضايا محل الاهتمام المشترك»، وفق «الخارجية المصرية».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال استقبال نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في أكتوبر 2024 (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف الشرقاوي، أن «مصر تعمل على تطوير علاقات الشراكة مع روسيا دون أن تتأثر علاقاتها بأي أطراف دولية أخرى».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تعوّل على الخبرات الروسية في عدد من المجالات لتنفيذ مشروعات تنموية»، ويشير إلى أن «مصر تعمل على تشجيع وتنويع الاستثمارات الروسية، كما تحرص على التشاور والتنسيق مع موسكو في عدد من الملفات الإقليمية». ويلفت إلى أنه «من المهم مناقشة تطورات ملفات المنطقة في هذا التوقيت، ولا سيما الأوضاع في غزة، وتداعيات الحرب الإيرانية، والأوضاع في القرن الأفريقي».

وتناولت المحادثات المصرية - الروسية، الجمعة، تطورات الأوضاع الإقليمية. وحسب «الخارجية المصرية»، شدد عبد العاطي على «أهمية التمسك بالمسار الدبلوماسي والتفاوضي بين أميركا وإيران لدعم الأمن والاستقرار الإقليمي».

كما أكد «ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ودعم مؤسساته الوطنية»، وأشار إلى «أهمية توحيد المؤسسات الوطنية الليبية، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تمهد لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن».

محادثات مصرية - روسية في نيودلهي الجمعة (وزارة الخارجية المصرية)

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، طارق فهمي، أن «هناك تقارباً في مواقف القاهرة وموسكو تجاه عدد من الملفات الإقليمية، من بينها الأوضاع في القرن الأفريقي وفي ليبيا». ويشير إلى أن «الجانب الروسي يمكن التعويل عليه في تسوية الحرب الإقليمية الأخيرة بإيران».

كما تناول وزيرا خارجية مصر وروسيا، الجمعة، تطورات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي، وأكد عبد العاطي «دعم بلاده للجهود الرامية لتحقيق الاستقرار في الصومال»، وشدد على أن «أمن البحر الأحمر يظل مسؤولية الدول المشاطئة له».

ويرى فهمي أن «مصر تعوّل على سرعة إنجاز الاستثمارات الروسية على أراضيها». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك مشروعات كبرى مثل (محطة الضبعة النووية)، تستهدف القاهرة سرعة بدء تشغيلها من أجل توفير مصادر متجددة للطاقة الكهربائية»، إلى جانب تسريع وتيرة العمل بـ«المنطقة الاقتصادية الروسية» بقناة السويس.


ترقب في مصر لمراجعة «صندوق النقد» وتقييم تأثيرات «الحرب الإيرانية»

مصر تترقب شريحة دعم جديدة من صندوق النقد الدولي (الشرق الأوسط)
مصر تترقب شريحة دعم جديدة من صندوق النقد الدولي (الشرق الأوسط)
TT

ترقب في مصر لمراجعة «صندوق النقد» وتقييم تأثيرات «الحرب الإيرانية»

مصر تترقب شريحة دعم جديدة من صندوق النقد الدولي (الشرق الأوسط)
مصر تترقب شريحة دعم جديدة من صندوق النقد الدولي (الشرق الأوسط)

تترقّب الحكومة المصرية الحصول على شريحة دعم بقيمة 1.65 مليار دولار (الدولار نحو 53 جنيهاً) من صندوق النقد الدولي، ضمن خطة إصلاحها الاقتصادي.

وتتجه الأنظار خلال الأيام المقبلة إلى ما ستسفر عنه المراجعة السابعة التي يُجريها خبراء الصندوق في مصر، والتي تأتي وسط أوضاع إقليمية مضطربة، وتتضمّن «تقييم تأثيرات الحرب الإيرانية على الاقتصاد المصري».

وقالت مديرة إدارة الاتصالات في الصندوق، جولي كوزاك، خلال مؤتمر صحافي عُقد في واشنطن، الخميس، إن وفد الصندوق وصل إلى القاهرة تمهيداً لإجراء المراجعة، لافتة إلى أن «المناقشات الجارية مع الحكومة المصرية تركز على تقييم تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد المصري، ومراجعة السياسات المطلوبة لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي».

وبدأت مصر برنامجاً للإصلاح الاقتصادي تحت إشراف صندوق النقد الدولي، تضمن حصولها على عدة قروض بمليارات الدولارات، مقابل اتباع خطة وضعها الصندوق للإصلاح، تضمنت عدة محاور؛ من بينها: تقليص الدعم، وتحرير سعر الصرف، وتخارج الحكومة من الاقتصاد.

ويعتقد أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، عاطف وليم، أن الحكومة المصرية ستحصل على الشريحة النقدية بعد المراجعة، رغم الملاحظات التي قد تكون لدى خبراء الصندوق في اتباع الحكومة برنامجه، وفي مقدمتها محور التخارج من الاقتصاد.

ويشير وليم، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى ظاهرة «التزاحم» في الاقتصاد التي تعبّر عن وضع السوق في حال منافسة المؤسسات الرسمية للمستثمرين في الاقتصاد الحر، مما يخلق بيئة تنافسية غير متكافئة، ويجعل التخارج من الاقتصاد أحد شروط الصندوق للإصلاح في مصر، متوقعاً أن تحققه الحكومة حتى لو بعد فترة.

مارة في أحد شوارع وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويستمر تنفيذ مسار الطروحات الذي يستهدف قيد نحو 20 شركة تابعة للشركات القابضة بوزارة قطاع الأعمال العام سابقاً في البورصة، حيث تم قيد 12 شركة حتى الآن، فيما يجري حالياً تجهيز 8 شركات أخرى لاستكمال إجراءات القيد، إلى جانب العمل على إعداد نحو 10 شركات بقطاع البترول للقيد في البورصة، وفق تقديرات حكومية.

ويرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه رغم عقبة التخارج، فمن المتوقع صرف الشريحة، بالنظر إلى الأوضاع الإقليمية، وتأثر الاقتصاد المصري بها، مستدلاً على ذلك بصرف الشريحة السادسة لمصر العام الماضي، رغم أن الملاحظات نفسها الخاصة بالتخارج، وتحويل الدعم العيني إلى نقدي، لم يتحقق أغلبها بعد، في المقابل دفعت حرب غزة وتداعياتها إلى الحصول على الشريحة.

وعلى العكس يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية أن الحرب الإيرانية لن تكون عاملاً مؤثراً عند مراجعة الصندوق، باعتبار أن التأثر بالأوضاع الإقليمية بات من الأمور المتكررة.

وكانت مديرة الاتصالات في صندوق النقد الدولي قد قالت، خلال المؤتمر الصحافي الأخير، إن «تأثير التوترات الإقليمية على الاقتصاد المصري لا يزال محدوداً نسبياً، في ظل الإجراءات الحاسمة التي اتخذتها الحكومة، والتي أسهمت في احتواء الضغوط الخارجية والمالية».

وقررت الحكومة المصرية في مارس (آذار) الماضي، رفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 و30 في المائة، بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب الإيرانية، لاحتواء آثارها. كما قررت في وقت لاحق تبكير غلق المحال التجارية لترشيد الكهرباء، قبل أن تتراجع عنه بعد وقف إطلاق النار.

وتستهدف بعثة الصندوق الانتهاء من المراجعة بحلول 15 يونيو (حزيران) المقبل، حسب جولي كوزاك، مشيرة إلى أنه في حال التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، فمن المتوقع عرض نتائج المراجعة على المجلس التنفيذي للصندوق خلال الصيف.

ويقلّل الخبيران من أثر الحصول على الشريحة في احتواء آثار الحرب، أو تحسين وضع الاقتصاد، في ظل أوضاع إقليمية غير مستقرة، تُنذر بالانفجار في أي وقت.

Your Premium trial has ended


مباراة لكرة القدم تتحول إلى أزمة سياسية واشتباكات في العاصمة الليبية

عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)
TT

مباراة لكرة القدم تتحول إلى أزمة سياسية واشتباكات في العاصمة الليبية

عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)

حوّل التعصّب الكروي بعض مناطق العاصمة الليبية إلى ملعب كبير، تم فيه تبادل إطلاق الرصاص وإضرام النيران في المنشآت واندلاع الاشتباكات، وسط أجواء متوترة لا تخلو من انعكاسات سياسية نمّت شعور فريق بـ«الانحياز» والافتقار إلى «العدل الكروي».

القصة بدأت عندما شهدت طرابلس، التي تلتقط أنفاسها من اشتباكات التشكيلات المسلحة، توتراً جديداً اندلع مساء الخميس، بعد قرار الحكم في مباراة كرة قدم جرت بين فريقي الاتحاد الطرابلسي والسويحلي المصراتي على أرضية ملعب مدينة ترهونة (65 كيلومتراً جنوب شرقي طرابلس).

آلية عسكرية في الطرق المؤدية إلى مقر الحكومة بطرابلس (حسابات موثوقة)

المباراة التي جرت ضمن منافسات سداسي التتويج بالدوري الليبي الممتاز، توقفت في الدقيقة 87 إثر احتجاجات لاعبي الاتحاد على القرار التحكيمي، الذي عدّوه «تجاهل احتساب ركلة جزاء»، فاقتحم مشجعوه أرضية الملعب، ما أدى إلى اندلاع أعمال شغب أسفرت عن أضرار مادية، وإصابة عدد من حراس الملعب.

وفي تلك الأثناء، كانت جماهير أخرى لفريق اتحاد طرابلس، تتابع المباراة في مقر ناديهم بطرابلس، فتوجهوا نحو مبنى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وألقوا باتجاهه عبوات حارقة، ما أدى إلى اشتعال النيران في جزء من واجهة المبنى.

ومع تصاعد أعمال الشغب والعنف في ملعب ترهونة، وإضرام الجماهير الغاضبة النار في سيارة البث المباشر، توترت الأوضاع في طرابلس، خصوصاً بعد وقوع عدد من الجرحى في صفوف العسكريين والمدنيين. وعبّر المجلس الرئاسي عن أسفه لـ«انحراف المباراة عن مسارها الرياضي، لتصل إلى حد استهداف ديوان الحكومة بأعمال تخريب وحرق»، وعدّ الأحداث «مساساً خطيراً بهيبة الدولة».

وأمام تصاعد النيران في واجهة مبنى مجلس الوزراء بطريق السكة، وارتفاع أعمدة الدخان، سارعت سيارات الإطفاء إلى إخماد النيران، وراجت صور ومقاطع فيديو لعناصر تابعة لـ«اللواء 444» وهو يطلقون النار على الجماهير عقب المباراة، في ظل حالة كرّ وفرّ بين المواطنين.

جانب من النيران التي اندلعت في مبنى حكومة «الوحدة» (حسابات موثوقة)

ويرى كثير من الليبيين أن هذه الأزمة «تصبّ في حجر عائلة الدبيبة»، بالنظر إلى أن محمد، نجل عبد الحميد الدبيبة، يترأس نادي اتحاد طرابلس، فيما يتولى إبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي للدبيبة، رئاسة مجلس إدارة نادي السويحلي المصراتي، معتبرين أن «السياسة أفسدت المسار الرياضي في ليبيا».

ودعا المجلس الرئاسي، في بيان، الجمعة، الجماهير والروابط الرياضية، إلى ضبط النفس والتحلي بالروح الوطنية، والحفاظ على المنشآت العامة، وتغليب صوت العقل لقطع الطريق أمام دعوات التحريض والتفرقة بين أبناء الوطن الواحد، بينما هدأت الأوضاع بطرابلس في الساعات الأولى من صباح الجمعة، لافتاً إلى «تفهمه الكامل لمطالب الجماهير الرياضية في الحصول على منافسة شريفة، تُحترم فيها حقوق الجميع وتُرسخ فيها مبادئ العدالة والمساواة».

ووجّه المجلس الرئاسي، مكتب النائب العام، الصديق الصور، ببدء «التحقيقات الفورية لمحاسبة المسؤولين عن الإهمال الجسيم، الذي أدى إلى الفشل في تأمين المرافق الحيوية، والكشف عن المتورطين في أعمال الشغب».

محمد الدبيبة (إلى اليسار) محتفلاً مع جماهير نادي الاتحاد أبريل الماضي (حسابات موالية للنادي)

واعتبر المجلس أن «أي شعور بالغبن أو القصور في الإجراءات الرياضية، يجب أن يُعالج عبر الأطر القانونية واللوائح المنظمة، بعيداً عن العنف الذي يضر بالمصلحة الوطنية»، متوعداً بأن «يد القانون ستطول كل من تسول له نفسه العبث بمؤسسات الدولة، أو ترويع المواطنين».

ومع بزوغ نهار الجمعة، كانت المدرعات والآليات المسلحة تغلق جميع المداخل المؤدية إلى مقر الحكومة، وسط تساؤلات عن أسباب تمكن جماهير الكرة الغاضبة من الوصول إلى مقر الحكومة، وإضرام النار فيه بهذه السهولة، في ظل وجود حراسة مشددة، بينما لم يتمكن متظاهرون بأعداد ضخمة في مرات سابقة، من الاقتراب منه.

واستغرب الإعلامي الليبي محمد القرج ما حدث، قائلاً: «نادٍ رئيسه محمد الدبيبة خسر مباراة أمام نادٍ رئيسه إبراهيم علي الدبيبة، يتم حرق مقر الحكومة؟... نريد فهم الخريطة الرياضية السياسية!».

وهذه ليست المرة الأولى التي تندلع فيها أعمال شغب مرتبطة بكرة القدم بليبيا؛ ففي أبريل (نيسان) 2025، دهست سيارة مسلحة، تحمل شعار وزارة الداخلية بالحكومة، عدداً من الجماهير خارج أسوار ملعب طرابلس الدولي، عقب انتهاء مباراة أهلي طرابلس والسويحلي، ما أدى إلى إصابة عدد من المشجعين.

وأمام انتقادات محلية واسعة، وجّهت وزارة الداخلية بفتح تحقيق «فوري وشامل» في الحادثة.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، توقفت مباراة أهلي طرابلس والاتحاد في الدوري الليبي الممتاز، بعد أن اقتحم لاعبو الأهلي البدلاء والجماهير الملعب، اعتراضاً على احتفال لاعبي الاتحاد بتسجيل الهدف الأول، في أحداث تسببت في إصابة حكم برتغالي وعدد من المشجعين.

جانب من النيران التي أشعلها متفرجون غاضبون (حسابات موثوقة)

وأعرب فريق السويحلي - الذي كان متقدماً بهدف سجله اللاعب أيوب عياد - عن «بالغ استنكاره ورفضه القاطع للأحداث المؤسفة والخطيرة التي شهدتها المباراة، في مشهد لا يمت للرياضة ولا لقيم التنافس الشريف بأي صلة»، وقال إن فريقه كان في طريقه للعودة إلى مصراتة «متوجاً بالفوز».

وأضاف الفريق في بيان، الجمعة: «كانت المباراة تسير بصورة طبيعية، وسط أفضلية واضحة لفريقنا، وشهدت الدقائق الأخيرة محاولات مرفوضة للتأثير على مجريات اللقاء، عبر تدخلات واحتجاجات صدرت من دكة البدلاء والطاقم الفني، الأمر الذي أسهم في تأجيج الأجواء وإخراج المباراة عن إطارها الرياضي».

وفي موازاة ذلك، طالب نادي الاتحاد بفتح «تحقيق شامل» في جميع الحالات التحكيمية التي رافقت اللقاء، ومراجعة القرارات التي أثرت بشكل مباشر على مجريات المباراة ونتيجتها، معرباً عن «بالغ استغرابه واستيائه من المستوى التحكيمي»، وداعياً إلى «اتخاذ ما يلزم من إجراءات تحفظ حقوق النادي، وتصون نزاهة وعدالة المنافسة».