الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

مبنى المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن (رويترز)
مبنى المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن (رويترز)
TT

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

مبنى المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن (رويترز)
مبنى المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن (رويترز)

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء.
وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ.
ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال.
ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الكونغرس، مشيراً إلى «مخاوف بشأن فصل السلطات وأهمية الحفاظ على استقلال القضاء».
وتتولى أعلى هيئة قضائية أميركية، تتمثّل مهمّتها الأساسية في ضمان دستورية القوانين، حسم نقاشات اجتماعية مهمّة في الولايات المتحدة، منها قضايا تتعلق بالإجهاض، والزواج من الجنس نفسه، والتمييز العنصري، وعقوبة الإعدام، والنزاعات الانتخابية، وحمل السلاح، وما إلى ذلك.
ويعيَّن هؤلاء القضاة في مواقعهم مدى الحياة، كما يتمتّعون بنوع من الحصانة، وبناء عليه، لن يكونوا حاضرين أثناء جلسة الاستماع التي تبدأ عند الساعة العاشرة صباحاً (14:00 بتوقيت غرينيتش).
لكن قائمة الشهود الخمسة الذين تمّ استدعاؤهم تضمّ قضاة فيدراليين سابقين، كان أحدهم وزيراً للعدل في عهد الرئيس جورج بوش الابن، وأستاذ قانون واختصاصياً في الأخلاقيات.
وأصبح كلارنس توماس، الذي يعدّ من القضاة الأكثر محافظة في المحكمة العليا، وسط جدل كبير عندما كشف موقع «بروبابليكا»، أنّه قبِل هدايا باهظة الثمن من دون الإعلان عنها، بما في ذلك رحلات طيران خاصّة أو رحلات بحرية على متن يخت ضخم من الملياردير الجمهوري هارلن كرو.
ودافع توماس عن نفسه مؤكداً أنّ القواعد التي تحكم التصريح عن هذا النوع من الرحلات تغيّرت، مشيراً إلى أنّ كرو لم تكن لديه أي قضية عالقة أمام المحكمة العليا.
وكان هارلن كرو قد تبرّع بأكثر من 10 ملايين دولار لمنظمات جمهورية، وفقاً لـ«بروبابليكا»، بما في ذلك 500 ألف دولار لمجموعة محافِظة، أسّستها جيني توماس زوجة القاضي كلارنس توماس.
وكانت هذه الأخيرة، وهي ناشطة ضمن جماعات ضغط، قد أثارت جدلاً بسبب مشاركتها في حملة دونالد ترمب لإثبات أنّ الانتخابات الرئاسية للعام 2020 كانت قد سُرقت منه.
غير أنّ كلارنس توماس ليس القاضي الوحيد الذي أُلقي الضوء على سلوكياته.
فقد باع زميله المحافظ نيل غورسوش، مباشرة بعد التصديق على تعيينه في المحكمة العليا في العام 2017، عقاراً كبيراً في كولورادو إلى المدير التنفيذي لشركة المحاماة «غرينبرغ توريغ»، التي تترافع بانتظام في قضايا أمام المحكمة العليا، وفقاً لصحيفة «بوليتيكو».
ويحلّ كلّ هذا الجدل بعد عام مليء بالاضطرابات بالنسبة إلى المحكمة العليا. فقد ألغت المحكمة الحماية الدستورية للإجهاض، وحدّت من وسائل الحكومة الفيدرالية لمكافحة الاحتباس الحراري، كما عزّزت الحق في حمل السلاح.
كذلك، طالت المؤسسة تسريبات غير مسبوقة، فقد حصلت «بوليتيكو» على قرارها بشأن الإجهاض الذي سمح لـ15 ولاية بحظره، قبل نشره.
وبينما تعدّ جلسة استماع برلمانية بشأن أخلاقيات المحكمة العليا أمراً غير مسبوق، فإنّه من النادر أيضاً أن تكون في قلب الجدل الذي يطول «هذا العدد من القضاة وهذا العدد من الموضوعات»، حسبما يقول ستيفن شوين، أستاذ القانون في جامعة إيلينوي في شيكاغو.
وأضاف شوين أنّ ذلك ينسحب أيضاً على «مستويات الثقة والشعبية» المنخفضة تاريخياً، كما يقوّض صورة المحكمة التي يُفترض أن تكون «فريدة» و«مستقلّة».
وقال رئيس اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ ديك دوربن، في رسالته التي دعا فيها رئيس المحكمة العليا للإدلاء بشهادته، إنّ «عمليات الكشف التي طالت قضاة لا يحترمون المعايير الأخلاقية المتوقّعة في ازدياد».
وأرفق جون روبرتس ردّه على الدعوة بنسخة من المبادئ التوجيهية الأخلاقية للمحكمة العليا وبيان موقّع من القضاة التسعة، يعيدون فيه التأكيد على «المبادئ والممارسات الأخلاقية الأساسية».


مقالات ذات صلة

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الولايات المتحدة​ زعيم المعارضة الفنزويلية: كولومبيا هددت بترحيلي

زعيم المعارضة الفنزويلية: كولومبيا هددت بترحيلي

قال رئيس المعارضة الفنزويلية، خوان غوايدو، إن كولومبيا هددت بترحيله بعدما فرَّ من الملاحقة إلى بوغوتا، حسبما ذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء، أمس (الخميس). وذكر غوايدو أن صوته «لم يكن مسموحاً بسماعه» في كولومبيا، حيث استضاف الرئيس جوستافو بيترو قمة دولية الأسبوع الحالي، في محاولة لحل الأزمة السياسية الفنزويلية. وقال غوايدو للصحافيين في ميامي إنه كان يأمل في مقابلة بعض مَن حضروا فعالية بيترو، لكن بدلاً من ذلك رافقه مسؤولو الهجرة إلى «مطار بوغوتا»، حيث استقل طائرة إلى الولايات المتحدة. وقامت كولومبيا بدور كمقرّ غير رسمي لسنوات لرموز المعارضة الفنزويلية الذين خشوا من قمع حكومة الرئيس نيكولاس مادورو

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

أوسع عقوبات أميركية تضرب مؤسسات «حزب الله» المالية

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في إحياء ذكرى عاشوراء بالضاحية الجنوبية لبيروت يوم الجمعة الماضي (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في إحياء ذكرى عاشوراء بالضاحية الجنوبية لبيروت يوم الجمعة الماضي (رويترز)
TT

أوسع عقوبات أميركية تضرب مؤسسات «حزب الله» المالية

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في إحياء ذكرى عاشوراء بالضاحية الجنوبية لبيروت يوم الجمعة الماضي (رويترز)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في إحياء ذكرى عاشوراء بالضاحية الجنوبية لبيروت يوم الجمعة الماضي (رويترز)

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الثلاثاء، فرض عقوبات على 5 كيانات مالية، و16 مسؤولاً وشخصية على صلة بالبنية المالية لـ«حزب الله»، في خطوة تأتي ضمن تصعيد واسع يستهدف شلّ مصادر التمويل التي يعتمد عليها «الحزب».

وشملت العقوبات جمعية «القرض الحسن» و«بيت المال»، وهما مؤسستان مركزيتان في البنية المالية لـ«حزب الله». ووصفت «الخزانة» الأميركية مؤسسة «القرض الحسن» بأنها مؤسسة تعمل تحت غطاء جمعية غير حكومية؛ «لكنها تقدم خدمات مالية مماثلة للخدمات المصرفية، وتتلقى الأموال عبر حسابات شكلية ووسطاء، وتستخدم الأموال لتسهيل أنشطة (حزب الله) العسكرية والسياسية».

أما «بيت المال»، فتصفه الوزارة بأنه الخزانة غير الرسمية لـ«حزب الله»، «حيث يدير أصول (الحزب)، ويستثمر أمواله، ويعمل حلقةَ وصل بين (حزب الله) والمصارف التقليدية». وتخضع عمليات «بيت المال» المالية للإشراف المباشر من الأمين العام لـ«الحزب». واتهمت وزارة الخزانة الأميركية هذه المؤسسات بـ«امتصاص النقد الأجنبي من الاقتصاد اللبناني؛ بما يفاقم أزمة السيولة ويحول ما تحتاجه البلاد إلى دعم مباشر لشبكة (الحزب)».

الأفراد المستهدفون

وذكر بيان وزارة الخزانة توقيع العقوبات على 16 مسؤولاً؛ بينهم أسماء بارزة، مثل إبراهيم علي ضاهر، الذي يدير وحدة التمويل المركزية في «الحزب»، وهي الوحدة التي تشرف على الميزانية العامة لـ«الحزب» ونفقاته، بما في ذلك تمويل الجماعة عملياتها الإرهابية داخل لبنان وخارجه. وتتلقى الوحدة المالية المركزية إيرادات «حزب الله» من جميع أنحاء العالم، وتتولى مسؤولية إدارة وتدقيق ميزانيات كل وحدات وأقسام «الحزب»، بما في ذلك تنسيق دفع المستحقات المالية لجميع أعضاء «حزب الله».

ركام أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لقصف إسرائيلي خلال أكتوبر 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

وامتدت العقوبات الأميركية إلى مسؤولين في «القرض الحسن»، مثل عادل محمد منصور، المدير التنفيذي للمؤسسة، وأحمد محمد يزبك، إلى جانب كل من: عباس حسن غريب، ومصطفى حبيب حرب، وعزت يوسف عَكَر، وحسن شحاتة عثمان، وسامر حسن فواز، وعلي محمد كرنيب، ونعمة أحمد جميل، وعيسى حسين قصير، إضافة إلى مسؤولين في «بيت المال» نفذوا تحويلات بمئات الملايين داخل النظام المالي الرسمي، واستخدموا حسابات مشتركة في مصارف لبنانية ومصارف أميركية؛ مما سمح بتحريك أكثر من 500 مليون دولار على مدى أكثر من عقد رغم العقوبات الأميركية السابقة.

تعطيل أساليب الالتفاف

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان، إن العقوبات لا تقتصر على تجميد أصول الكيانات والأشخاص المستهدفين داخل الولايات المتحدة فقط؛ بل تمتد إلى تعطيل القنوات التي دأب «حزب الله» على استخدامها للالتفاف على النظام المالي الرسمي، «خصوصاً عبر مراكز الصرافة والذهب والشبكات التجارية غير الرسمية التي وفرت لـ(حزب الله) طيلة السنوات الماضية متنفساً مالياً في ظل العقوبات».

ويأتي هذا الإجراء بعد سلسلة من الخطوات الأميركية المشابهة التي استهدفت أفراداً وشبكات تابعة لـ«حزب الله» تعمل «تحت غطاء تجاري أو تحت غطاء القيام بأعمال خيرية»، في خطوة تصفها واشنطن بـ«قطع الأكسجين المالي» عن «الحزب».

لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان أولاً» على طريق مطار بيروت وقد أُضرمت النار في إحداها (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه العقوبات الجديدة وزناً سياسياً؛ حيث تأتي بعد «الاتفاق الإطاري» الذي جرى التوصل إليه بين إسرائيل ولبنان، والذي يستهدف وضع مسار لاستعادة سيادة لبنان، ونزع سلاح «حزب الله»، وتفكيك بنيته التحتية. وقد أشار مسؤولو الإدارة الأميركية إلى أن حماية الاتفاق «تتطلب ليس فقط ترتيبات أمنية على الأرض؛ بل اتباع استراتيجية مزدوجة؛ تعتمد على الجانب الأمني، إلى جانب تشديد الضغوط على الشبكات التي توجه الأموال وتستخدم الواجهات المدنية لإعادة تمكين (الحزب) أو محاولة تعطيل تنفيذ الاتفاق».

وأشار مصدر مسؤول في الإدارة الأميركية لـ«الشرق الأوسط»؛ تعليقاً على هذه العقوبات الجديدة، إلى أن «هذه العقوبات ترسل رسالة قوية إلى (حزب الله) بأن زمن الاستفادة من التمويل غير الرسمي قد ولي، وتوجّه أيضاً رسالة أخرى إلى السلطات اللبنانية بأن أي تهاون مع الشبكات المالية الموازية سيقابل بضغوط أميركية أشد قوة».


«العليا» الأميركية تؤيد حق الجنسية بالولادة وترفض قيود ترمب

صحافي ينتظر صدور أحكام المحكمة العليا الأميركية في واشنطن الثلاثاء (رويترز)
صحافي ينتظر صدور أحكام المحكمة العليا الأميركية في واشنطن الثلاثاء (رويترز)
TT

«العليا» الأميركية تؤيد حق الجنسية بالولادة وترفض قيود ترمب

صحافي ينتظر صدور أحكام المحكمة العليا الأميركية في واشنطن الثلاثاء (رويترز)
صحافي ينتظر صدور أحكام المحكمة العليا الأميركية في واشنطن الثلاثاء (رويترز)

أيدت المحكمة العليا الأميركية، الثلاثاء، مفهوماً واسعاً لـ«المواطنة القائمة على حق الميلاد»، رافضةً بذلك الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترمب، والذي نص على أن الأطفال المولودين لأبوين يقيمان في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني أو مؤقت لا يُعدّون مواطنين أميركيين. وفي الوقت نفسه أصدرت المحكمة العليا حكماً بتأييد حظر مشاركة الرياضيين المتحولين جنسياً في منافسات السيدات والفتيات؛ في انتصار لجهود ترمب والجمهوريين.

وقد أيدت المحكمة العليا مفهوم «المواطنة بحكم الولادة»، مستندة إلى فهم راسخ ومستقر للتعديل الـ14 للدستور الأميركي (الذي أُقر بعد الحرب الأهلية) وإلى قوانين فيدرالية أحدث عهداً.

نساء يحملن لافتات احتفالاً بالأحكام النهائية التي أصدرتها المحكمة العليا الأميركية في ختام دورتها القضائية التي استمرت 9 أشهر بواشنطن الثلاثاء (رويترز)

وقد أثار الأمر التنفيذي، الذي أصدره ترمب فور توليه منصبه في يناير (كانون الثاني) 2025، لتقييد منح الجنسية بموجب حق الميلاد على الأراضي الأميركية، كثيراً من النقاشات، وبدا أن قضاة المحكمة العليا متشككون في الحجج التي قدمتها إدارة ترمب خلال المداولات في أبريل (نيسان) الماضي. وقد حضر ترمب بنفسه جلسات المرافعات في المحكمة العليا بصفة مستمعاً، ليصبح أول رئيس في المنصب يحضر هذه الجلسات، في دلالة واضحة على الأهمية التي يوليها لهذا القضية. واستمع ترمب إلى نقاش رئيس المحكمة جون روبرتس، والقاضيتين إيمي كوني باريت وكيتانجي براون جاكسون، بشأن مدى توافق الأمر التنفيذي للرئيس مع بند «المواطنة» الوارد في التعديل الـ14 للدستور.

وينص التعديل الـ14 للدستور على أن «جميع الأشخاص المولودين أو المتجنسين في الولايات المتحدة، والخاضعين لولايتها القضائية، هم مواطنون بالولايات المتحدة وفي الولاية التي يقيمون فيها». ويدعو أمر ترمب التنفيذي إلى قصر هذا الحق على الأطفال المولودين على الأراضي الأميركية ممن لديهم والد واحد على الأقل يحمل الجنسية أو صفة مقيمٍ دائم قانوني.

وطالبت إدارة ترمب المحكمة بإعادة تفسير جوهرية لهذا التعديل الراسخ منذ عقود. وجادلت بأن «منح الجنسية بحق الميلاد» قد خلق حوافز للهجرة غير الشرعية، وتعرض للاستغلال من قبل ما تُعرف بعمليات «سياحة الولادة»، حيث يسافر مواطنون أجانب إلى الولايات المتحدة للولادة حتى يتمكن أطفالهم من الحصول على الجنسية الأميركية. وقال ترمب: «لم يكن المقصود من ذلك أن يحصل المليارديرات الصينيون، أو غيرهم من الأغنياء أو الفقراء، على الجنسية الأميركية لأطفالهم؛ بل كان المقصود منه أطفال العبيد». أضاف: «لقد أُقرَّ هذا الأمر... مباشرة بعد الحرب الأهلية. إذا نظرت إلى التواريخ؛ التواريخ وحدها، فستجد أنه جاء مباشرة بعد الحرب، وكان يتعلق بأطفال العبيد، لكن الناس استغلوه. وإذا سُمح لهذا الوضع بالاستمرار، فسيكون كارثة اقتصادية على بلادنا».

ويبدو أن الرئيس ترمب استعد لصدور حكمة المحكمة ضده في قضية «المواطنة بحكم الولادة»، حيث أشار للصحافيين في المكتب البيضاوي، يوم الخميس الماضي، إلى أنه يتوقع حكماً ضده. وقبل أسابيع عدة قال في تصريحات صحافية إن «قرار المحكمة العليا هذا قرار بالغ الأهمية. من المرجح أن يصدروا حكماً ضدي؛ لأنهم يبدون كأنهم يحبون فعل ذلك. بصراحة؛ أنا لست راضياً عن بعض القرارات».

حظر المتحولين جنسياً

شابات يتظاهرن أمام المحكمة العليا تزامناً مع تأييد المحكمة «قوانين الولاية» التي تحظر على الرياضيين المتحولين جنسياً المنافسة في الرياضات المدرسية المخصصة للفتيات والنساء بواشنطن الثلاثاء (أ.ف.ب)

رغم هذه الهزيمة في رفض قيود ترمب على منح الجنسية للمولودين على الأراضي الأميركية، فإن المحكمة منحت ترمب انتصاراً في مجال آخر، حيث أصدرت حكماً بتأييد حظر مشاركة الرياضيين المتحولين جنسياً في منافسات السيدات والفتيات. وصدر القرار بأغلبية 6 قضاة مقابل 3. وأعطت المحكمة العليا للولايات الحق في تطبيق هذا الحظر، بما عُدّ تتويجاً لجهود قادها ترمب والجمهوريون سنوات، وانتصاراً للرئيس ترمب المعارض الشديد لحقوق المتحولين جنسياً، وتأييداً للأمر التنفيذي الذي أصدره العالم الماضي وحمل عنوان: «إبقاء الرجال خارج الرياضات النسائية». ومنح الحكمُ إدارةَ ترمب والجمهوريين المحافظين سلاحاً قوياً في معارك أخرى بشأن بطاقات الهوية، والرعاية الطبية للهوية الجنسية، ودورات المياه.

وقد أثارت هذه القضية كثيراً من الجدل بشأن «حقوق مجتمع الميم (LGPTQ)»، وأظهرت الغالبية المحافظة من قضاة المحكمة انفتاحاً على الحجج التي قدمتها ولايتا إيداهو وويست فيرجينا خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، وأبدت شكوكاً في مزاعم أن حظر المتحولين جنسياً في الرياضيات النسائية يعدّ تمييزاً واسع النطاق على أساس الجنس أو الجندر، وقد أقرت بالفعل 27 ولاية أميركية قوانين تمنع الرياضيين المتحولين جنسياً من المنافسة في فرق تتوافق مع هويتهم الجديدة.

مظاهرة لمؤيدي حقوق المتحولين جنسياً أمام المحكمة العليا في واشنطن (أرشيفية - رويترز)

قرارات الاقتراع بالبريد

ووصفت وسائل الإعلام الأميركية قرارات المحكمة العليا يوم الاثنين بأنها منحت ترمب انتصاراً واحداً وألحقت به 3 هزائم.

فقد أصدرت المحكمة العليا حكماً يوم الاثنين باحتساب بطاقات الاقتراع عبر البريد التي تصل متأخرة؛ شرط أن تحمل ختم البريد بحلول موعد إغلاق مراكز الاقتراع يوم الانتخابات، في غضون 5 أيام. وهو ما عُدّ هزيمة لمحاولات ترمب وقف الاقتراع عبر البريد، الذي يعدّه وسيلة للتزوير والتلاعب في الأصوات. ومن المتوقع أن تكون لهذا القرار تداعيات كبيرة على انتخابات التجديد النصفي في ظل الصراع المحتدم بين الديمقراطيين والجمهوريين للسيطرة على الكونغرس.

ومن دون تقديم مزيد من التوضيح، رفضت المحكمة مراجعة الحكم المدني القاضي بتغريم ترمب 5 ملايين دولار؛ وهو حكم صدر بناءً على قرار هيئة محلفين عام 2023 أدان ترمب بالتشهير بـ«كارول»؛ وهي كاتبة سابقة في إحدى المجلات اتهمت ترمب بالاعتداء عليها جنسياً في غرفة قياس ملابس داخل متجر كبير في التسعينات، مما أثار غضب ترمب، الذي كتب على منصة «تروث سوشيال»: «سأواصل القتال بكل ما أوتيت من قوة في وجه هذه القضية التي تُستخدم فيها الإجراءات القانونية سلاحاً ضدي، بما في ذلك مزاعم التشهير السخيفة». وأضاف: «لا يمكن السماح لهذا الظلم بأن يستمر!».

وفي خطوة أراحت الأسواق المالية، منعت المحكمة العليا دونالد ترمب من إقالة ليزا كوك، عضو «مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي». لكنها في الوقت نفسه وسّعت صلاحيات الرئيس في إقالة مسؤولين بهيئات مستقلة أخرى. وقال رئيس المحكمة، جون روبرتس، إن السماح لترمب بإقالة ليزا كوك سيفتح الباب أمام إقالة أي عضو في «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» في أي وقت ولأي سبب دون سابق إنذار ودون أي رقابة قضائية لاحقة.

ومع ذلك أصدرت المحكمة العليا قراراً منفصلاً بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 لتأييد صلاحية ترمب في إقالة ربيكا سلوتر؛ العضو الديمقراطية في «لجنة التجارة الفيدرالية»، دون الحاجة إلى سبب وجيه؛ مما وسّع صلاحيات الرئيس ونقض سابقة قضائية عمرها 90 عاماً كانت تحمي أعضاء «المفوضية» من الإقالة التعسفية (أي دون سبب محدد). وقد منح هذا القرار البيت الأبيض سيطرة أكبر بكثير على الهيئات المستقلة؛ بدءاً من «هيئة الأوراق المالية» والبورصات؛ ووصولاً إلى الوكالات التي تجمع الإحصاءات الاقتصادية، ومن المتوقع أن يُضعف موقف الدعاوى القضائية التي رفعها مسؤولون آخرون أقالهم ترمب رغم تمتعهم بحماية قانونية تشترط وجود «سبب وجيه» للإقالة.

وقد عدّ ترمب هذا اليوم حافلاً بالانتصارات، حيث احتفى بقرار المحكمة بشأن الهيئات المستقلة، واصفاً إياه بأنه «انتصار كبير» للسلطة الرئاسية، بينما قلل من شأن القرار المتعلق بليزا كوك، واصفاً إياه بأنه انتكاسة إجرائية محدودة لن تمنعه ​​من المضي قدماً في القضية.


المحكمة الأميركية العليا تؤيد حق المواطنة بالولادة رافضة قيود ترمب

مقر المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن 29 يونيو 2026 (أ.ب)
مقر المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن 29 يونيو 2026 (أ.ب)
TT

المحكمة الأميركية العليا تؤيد حق المواطنة بالولادة رافضة قيود ترمب

مقر المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن 29 يونيو 2026 (أ.ب)
مقر المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن 29 يونيو 2026 (أ.ب)

أيدت المحكمة الأميركية العليا، الثلاثاء، مفهوماً واسعاً للمواطنة بالولادة، رافضةً الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس دونالد ترمب والذي ينص على أن الأطفال المولودين لآباء يقيمون في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني أو مؤقت لا يُعتبرون مواطنين أميركيين، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

يأتي هذا القرار، المتوافق مع التفسير القضائي الراسخ للتعديل الرابع عشر للدستور، في اليوم الأخير من دورة المحكمة العليا التي تمحورت حول مزاعم ترمب الواسعة النطاق بشأن صلاحياته الرئاسية، والتي صدرت في معظمها لصالحه.

على عكس معظم دول العالم، يُعدّ مفهوم المواطنة بالولادة شائعاً في أميركا الشمالية والوسطى والجنوبية. ويعتقد العديد من المؤرخين القانونيين أن جذور هذا التقسيم الجغرافي تعود إلى أكثر من 500 عام، عندما بدأت الدول الأوروبية بإرسال مستوطنين إلى مستعمراتها الأميركية. أراد حكام أوروبا الأرستقراطيون في ذاك الوقت، تشجيع الناس على الانتقال إلى المستعمرات، لكن هؤلاء المستوطنين أرادوا أن يحتفظ أبناؤهم - حتى لو وُلدوا في الخارج - بجنسيتهم الأوروبية. وظل هذا النهج قائماً مع بدء تشكّل حركات الاستقلال وظهور الدول المستقلة.

يقول سيزار كواوتيموك غارسيا هيرنانديز، أستاذ القانون في جامعة ولاية أوهايو الأميركية: «بحلول ذلك الوقت، كانت تقاليدهم (دول القارة الأميركية) القانونية قد بدأت تتشكل بالفعل. لذا، وبشكل عام، استمروا في بعض الممارسات القانونية الرئيسية للحكومات الأوروبية الاستعمارية التي قطعوا علاقاتهم معها للتو».