«سانا»... أول مذيعة «ذكاء صناعي» هندية

في نقلة تقنية وإعلامية مهمة

«سانا» في لقطة برفقة صحافي محترف (شبكة «إنديا توداي»)
«سانا» في لقطة برفقة صحافي محترف (شبكة «إنديا توداي»)
TT

«سانا»... أول مذيعة «ذكاء صناعي» هندية

«سانا» في لقطة برفقة صحافي محترف (شبكة «إنديا توداي»)
«سانا» في لقطة برفقة صحافي محترف (شبكة «إنديا توداي»)

كشفت شبكة التلفزيون الهندية «إنديا توداي» النقاب أخيراً عن «سانا»، التي غدت أول مذيعة أخبار قائمة على الذكاء الصناعي في الهند. وفي حفل إطلاقها، أظهرت مذيعة الذكاء الصناعي مهاراتها اللغوية واستقبلت الضيوف بثلاث لغات، بما في ذلك الغُجراتية.
نظم الحدث بحضور رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي - وهو من ولاية غجرات - وعدد من الشخصيات رفيعة المستوى. وخلال الحدث، قدّمت «سانا» نفسها لرئيس الوزراء الهندي، وأعربت عن رغبتها في إجراء مقابلة حصرية معه في المستقبل القريب. كذلك ذكرت «سانا» أن «خبراتها العملية قد بدأت»، وأنها ستسعى جاهدة بحلول عام 2024 لتصبح أفضل صحافية في البلاد.
جدير بالذكر أن «سانا» ظهرت لأول مرة على قناة «آج تاك» الإخبارية جنباً إلى جنب مع الصحافي سودهير تشودري في برنامج «بلاك آند وايت». وقدّم تشودري شخصيات الذكاء الصناعي إلى جمهور العرض قائلاً: «سانا معي الآن لأول مرة وستعرض الأخبار». وبعد فترة وجيزة تولّت مذيعة الذكاء الصناعي تقديم الحدث حتى نهايته. من مظهرها الخارجي، لا يمكن لأحد ملاحظة حقيقة أن «سانا» شخصية غير حقيقية، ويرجع ذلك إلى مظهرها ولغة جسدها اللذين تستطيع السيطرة عليهما تماماً. وفي ظهور آخر على الشاشة، لعبت مذيعة أخبار الذكاء الصناعي دور مراسل الطقس. وهنا بدأت في التكلم باللغة الإنجليزية التي بدت «ميكانيكية للغاية»، وكافحت لتضفي قدراً من الحيوية والإحساس بدلاً من الاكتفاء بنطق بيانات إحصائية.
ووفق المجموعة الإعلامية «إنديا توداي»، من المقرّر أن تتولّى «سانا» تحديث نشرة الأخبار عدة مرات في اليوم بلغات متعدّدة، وهي ستقدم أيضاً عرضاً يومياً تتفاعل من خلاله مع الجمهور. وهنا، نذكر أنه خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، ظهرت أول مذيعة أخبار للذكاء الصناعي في الصين لأول مرة، كذلك انضم مذيع الذكاء الصناعي المسمّى «رن شياورونغ» إلى وكالة أنباء الصين الجديدة «شينخوا» التي تديرها الدولة. وتقدم مذيعة أخبار الذكاء الصناعي الناطقة باللغة الإنجليزية الأخبار على مدار 24 ساعة، 365 يوماً في السنة.

«سانا» في لقطة بمفردها (شبكة «إنديا توداي»)

- ما هو الذكاء الصناعي؟
ينظر إلى الذكاء الصناعي على نطاق واسع باعتباره عصر الحوسبة الثالث، الذي يعرف عالمياً بأنه قدرة الآلة على تقديم عمليات معرفية مماثلة لتلك التي يؤديها البشر. وتشمل هذه الوظائف: الإدراك، والتعلم، والتفكير، وحل النزاعات، والتفكير التحليلي، وعمل التنبؤات. وتستفيد جميع الصناعات والقطاعات الآن تقريباً من قدرات الذكاء الصناعي، نظراً لأنه يعمل على تبسيط تعقيدات الأعمال، ويكتشف الاحتيال، ويعزّز إنتاجية المزارع، ويراقب سلاسل التوريد، ويوصي بالمنتجات، ويساعد حتى المطوّرين والكتّاب. كذلك يمكن للذكاء الصناعي الآن التوقّع واقتراح مستويات التوظيف، بالإضافة إلى التنبؤ بالحالة العاطفية والسلوك العاطفي للموظف لمساعدة الشركات في توقع حلول ملائمة. وبالمثل، يمكن أن يوفّر تحليل الفيديو القائم على الذكاء الصناعي رؤى مفيدة أثناء مراقبة جميع معايير البيع بالتجزئة، مثل اكتشاف الأشياء وتحليل مناطق الزحام وتحليلات حركة الناس في المتاجر واكتشاف العنف قبل حدوثه.
ومن المتوقع أن يضيف الذكاء الصناعي ما يقدّر بـ967 مليار دولار أميركي إلى الاقتصاد الهندي بحلول عام 2035، ونحو 450 أو 500 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بحلول عام 2025، وهو ما يمثل 10 بالمائة من المستهدف للبلاد البالغ 5 تريليونات دولار من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لتقرير موقع «تيم ليز». ويشير التقرير إلى أن الإيرادات الناتجة عن الذكاء الصناعي في الهند بلغت 12.3 مليار دولار في عام 2022، وأنه من المتوقع أن ينمو قطاع برمجيات الذكاء الصناعي بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 18 بالمائة في البلاد بحلول نهاية عام 2025.
وفيما يخصّ الاستثمار، ارتفعت الاستثمارات العالمية في الذكاء الصناعي إلى مستوى قياسي بلغ 77.5 مليار دولار في عام 2021، مقارنة بنحو 36 مليار دولار في عام 2020. وبلغت حصة الهند من الاستثمار العالمي في الذكاء الصناعي في عام 2022 ما نسبته 1.5 بالمائة. كذلك ذكرت نتائج التقرير أن الهند تملك نحو 45 ألف فرصة عمل في الذكاء الصناعي، بدءاً من فبراير (شباط) 2023. ويُعَد علماء البيانات (المعطيات) ومهندسو التعلم الآلي من بين المهن المطلوبة في الذكاء الصناعي بالهند. ووفقاً لتقرير «تيم ليز»، تُعد الهند اليوم ثالث أكبر مساهم في مجموعة مواهب الذكاء الصناعي، إذ إنها أنتجت وحدها نحو 400 ألف قاعدة مواهب ذكاء صناعي، أي ما يعادل 16 بالمائة من مجموع المواهب العالمية في مجال الذكاء الصناعي.

- بنغالور وحيدر آباد
أما على صعيد أفضل المدن الناشئة التي تتمتع بمجموعة مواهب في مجال الذكاء الصناعي، فقد احتلت بنغالور (جنوب الهند) المرتبة الخامسة على مستوى العالم، وفقاً لدراسة تستند إلى تنوّع المواهب والاستثمار وتطور المؤسسات الرقمية في الهند. واحتلت العاصمة نيودلهي المرتبة الثامنة عشرة، تليها حيدر آباد (في جنوب البلاد) في المرتبة التاسعة عشرة، وجاءت مومباي في المرتبة السابعة والعشرين.
ومن ناحية أخرى، أفاد تقرير بحثي آخر بأنه من المتوقع أن تنمو سوق الذكاء الصناعي في الهند، لتصبح ثاني أسرع معدل عالمي بنسبة 20 بالمائة بين الاقتصادات الكبرى على مدى السنوات الخمس المقبلة، بعد الصين. وتحت عنوان «من الضجيج إلى الواقع»، ذكر التقرير أن «الوتيرة المتسارعة للذكاء الصناعي في الهند تحققت بعد إجراء بحث على 343 مؤسسة ومنظمة نفذت الذكاء الصناعي، و148 مزوداً ومشغلاً تقنياً يقدمون حلول الذكاء الصناعي». وخلص إلى أن «التوجه لتبني الذكاء الصناعي بلغ ذروته في قطاعات مثل الاتصالات، والألعاب، والتكنولوجيا والخدمات المالية». وأردف أن ما يقرب من 64 بالمائة من مقدمي الخدمات لديهم ذكاء صناعي أو تعلم آلي كعنصر أساسي في منتجاتهم وخدماتهم، مما يجعلهم «إما متقدمين أو على قدم المساواة مع نظرائهم العالميين».
في هذا السياق، صرح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، الشركة التي أنشأت روبوت الدردشة الشهير بالذكاء الصناعي، قائلاً إن «الهند دولة متنوعة جغرافياً ولغوياً واجتماعياً واقتصادياً، وهو ما يوفر فرصة كبيرة أمام الذكاء الصناعي لسد الفجوة الرقمية وخلق مجتمع شامل. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، رسّخت الهند موقعها مركزاً للذكاء الصناعي من خلال تعزيز الشركات الناشئة ذات التكنولوجيا العميقة، وتعزيز البحث الأكاديمي، وتمكين التحول الرقمي في جميع القطاعات الرئيسية. ولأنها تمثل قوة في مجال تكنولوجيا المعلومات، وأيضاً لكونها ثاني أكبر سوق على الإنترنت في العالم، تتمتع الهند حالياً ببيئة مؤاتية لازدهار الذكاء الصناعي». وفي الوقت ذاته، فإن إضفاء الطابع «الديمقراطي» على هذه التكنولوجيا في البلاد يتسم بوضع مختلف عن بقية العالم بسبب تنوّع سكان الهند، ووفرة البيانات، وقابلية التوسع في حالات الاستخدام.
ما يستحق الإشارة هنا، أن ساتيا ناديلا، رئيس مجلس إدارة «مايكروسوفت» والرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت»، قال في وقت مبكر من العام الحالي، إن الهند ستقود استخدام الذكاء الصناعي لحل المشاكل الحقيقية. وتابع ناديلا أثناء إلقائه كلمته أمام تجمع لكبار المديرين التنفيذيين بالهند ضمن فعاليات قمة «مايكروسوفت للقيادة الجاهزة للمستقبل» في مومباي، قائلاً إن «الهند تتولى القيادة عندما يتعلق الأمر بالسلع العامة الرقمية. وهي تحتل القمة في النهج الذي تبني به بنيتها التحتية الرقمية».
وعرض ناديلا النماذج التي تعمل بالذكاء الصناعي مثل «ChatGPT» و«Dall- E» التي تعمل على مساعدة العاملين في مجال المعرفة وتعزيز إنتاجيتهم قائلاً: «سيكون كل عامل معرفي أكثر إبداعاً وأكثر تعبيراً وأكثر إنتاجية. سيكون كل عامل في الخطوط الأمامية قادراً على القيام بعمل معرفي أكثر من أي وقت مضى. كل مهمة تصميم، سواءً كانت هندسة برمجيات أو تصميماً ميكانيكياً أو هندسة معمارية، ستكون أكثر إنتاجية في المستقبل. لذلك، في رأيي الشخصي، سيتسارع الإبداع والإنتاجية البشرية عبر مجموعة من المهام».

- مبادرة حكومية
في سياق موازٍ، خصصت الموازنة الهندية 2023 - 2024 الكثير لصناعة الذكاء الصناعي وتحليل البيانات. إذ أعلنت الحكومة عن إنشاء 3 معاهد للتميز لتطوير الذكاء الصناعي لتوفير إمدادات ثابتة من المتخصصين الموهوبين في الذكاء الصناعي وإنشاء نظام بيئي بحثي قوي في البلاد. وبحسب نارين فيجاي، نائب الرئيس التنفيذي لقطاع النمو بشركة «لومينور»، فإن «رؤية صنع الذكاء الصناعي في الهند ولصالح الهند ستقطع شوطاً طويلاً في دعم نمو صناعة الذكاء الصناعي وتحليلات البيانات». وأضاف: «من المتوقع أن يلعب الذكاء الصناعي والتعلم الآلي دوراً مهماً في مستقبل كل قطاع رئيسي. إلا أنه سيحتاج إلى كمية كبيرة من البيانات لتشغيل الخوارزميات والتحقق من صحة النتائج. وبالتالي، ستساعد القدرة على الوصول إلى البيانات مجهولة المصدر في دفع نتائج أبحاث الذكاء الصناعي - التعلم الآلي وإنشاء نظام بيئي لصناعة الذكاء الصناعي - التعلم الآلي وتحليلات البيانات».
وحقاً، أثبت الذكاء الصناعي نفسه بشكل هائل في قطاعات الرعاية الصحية، والسيارات، والزراعة، والتصنيع، وتكنولوجيا المعلومات. وفي الوقت الحاضر ما يحلم به قطاع الأعمال الهندي أو الحكومة هو تنفيذ الذكاء الصناعي في كل زاوية وركن تقريباً من المجتمع، سواء كان مساحة تجارية أو استثماراً خاصاً أو عمليات قطاع عام. كذلك استفادت الحكومة من الذكاء الصناعي والبيانات لمواجهة التحديات وتعزيز إدارة الأزمات والمدن، وخدمات المواطنين الحيوية، والخدمات المالية.
في الوقت نفسه، لا تخطط الهند راهناً لتنظيم نمو الذكاء الصناعي داخل سوق جنوب آسيا، وتحديد القطاع كمنطقة «مهمة واستراتيجية» للبلاد. يأتي هذا الموقف في وقت تدعو فيه أصوات عديدة إلى زيادة التدقيق في التكنولوجيا سريعة التقدم. وبهذا الصدد، قالت وزارة الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات إنها قيّمت المخاوف الأخلاقية ومخاطر التحيز والتمييز المرتبطة بالذكاء الصناعي. وأردفت الوزارة أنها تنفذ السياسات اللازمة وتدابير البنية التحتية لتنمية قطاع قوي للذكاء الصناعي في البلاد، لكنها لا تنوي تقديم تشريع لتنظيم نموها. ومن ثم، أكدت أن توسيع الذكاء الصناعي سيكون له «تأثير حركي» على ريادة الأعمال وتطوير الأعمال في الهند... «فالذكاء الصناعي هو عامل تمكين حركي للاقتصاد الرقمي والنظام البيئي للابتكار... والحكومة تتيح إمكانات الذكاء الصناعي لتوفير خدمات شخصية وتفاعلية تتمحور حول المواطن من خلال المنصات الرقمية العامة».


مقالات ذات صلة

«نساء على خطوط المواجهة» في نسخته الـ13 يواكب التحوّلات الراهنة

يوميات الشرق أُقيم مؤتمر «نساء على خطوط المواجهة» بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام (الجهة المنظّمة)

«نساء على خطوط المواجهة» في نسخته الـ13 يواكب التحوّلات الراهنة

اختُتم المؤتمر بتلاوة توصيات شدّدت على ضرورة أن تقود الدولة عملية التعافي ضمن إطار وطني منسّق...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يشمل الإطلاق أكثر من 100 فصل من السلسلة الشهيرة (الشرق الأوسط)

«مانجا العربية» تُطلق «ون بيس» باللغة العربية رسمياً للمرة الأولى

أطلقت «مانجا العربية»، إحدى شركات «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، سلسلة «ون بيس» اليابانية باللغة العربية للمرة الأولى رسمياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي مستوطنون إسرائيليون يتجمّعون وسط اشتباكات مع الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في أبو فلاح بالقرب من رام الله بالضفة الغربية يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

مستوطنون يهاجمون قرية بالضفة الغربية... يحرقون أشجار الزيتون ويصيبون صحافية

أحرق العشرات من المستوطنين الإسرائيليين المتشددين، مرتدين ملابس سوداء وملثّمين، أشجار الزيتون ورشقوا الفلسطينيين بالحجارة في هجوم منسق على قرية بالضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)

تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

بعد 15 عاماً على الثورة التونسية، التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، تجد حرية الصحافة، إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية نفسها أمام اختبار صعب.

«الشرق الأوسط» (تونس)

«ديزني+»: قطاع الترفيه السعودي يفتح آفاقاً جديدة للشركات العالمية

الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
TT

«ديزني+»: قطاع الترفيه السعودي يفتح آفاقاً جديدة للشركات العالمية

الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)

تتجه شركة «ديزني» إلى تعزيز حضورها في السوق السعودية، مستفيدة من النمو الذي يشهده قطاع الترفيه والإعلام في المملكة، وتطوّر الكفاءات الإبداعية المحلية، في حين تسعى إلى توسيع شراكاتها الإقليمية وتطوير خدماتها الرقمية لمواكبة التحولات في سلوك المشاهدين.

تميم فارس، رئيس «ديزني» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قال خلال حوار مع «الشرق الأوسط» إن التحوّلات التي يشهدها قطاع الترفيه في المملكة العربية السعودية، ضمن «رؤية 2030»، أسهمت في إيجاد بيئة تدعم توسع الشركات العالمية، وتفتح المجال أمام مشاركة المواهب السعودية في مشاريع الإنتاج والمحتوى الترفيهي.

وأوضح فارس أن «عدد الشركات العاملة في القطاع ارتفع من نحو 10 شركات قبل عام 2016 إلى أكثر من أربعة آلاف شركة حالياً، في حين يستهدف القطاع الإسهام في توفير 450 ألف وظيفة ضمن مستهدفات (رؤية 2030). ولقد واكبت (ديزني) تطور صناعة الترفيه السعودية منذ إعادة افتتاح دور السينما، عندما كان فيلم (بلاك بانثر) Black Panther الذي أنتجته (مارفل) التابعة للشركة، أول فيلم يُعرض مع عودة النشاط السينمائي إلى المملكة».

الكفاءات

وتابع تميم فارس، أن نمو القطاع «أتاح فرصاً جديدة للتعاون مع الكفاءات المحلية»، لافتاً إلى أن الشركة «وجدت خلال إعداد أحدث مشاريعها في المملكة عدداً من المواهب يفوق توقعاتها؛ الأمر الذي يعكس تطور البيئة الإبداعية السعودية وقدرتها على المشاركة في مشاريع عالمية».

وفي هذا السياق، كشف عن أن الشركة عملت خلال الأشهر الستة الماضية مع أكثر من 40 موهبة سعودية من الممثلين والكتّاب وصنّاع المحتوى والتقنيين، لتنفيذ أول مشروع لدبلجة أحد أفلامها باللهجة السعودية، وذلك من خلال فيلم «حكاية لعبة 5» (Toy Story 5).

وذكر فارس أن «تعدد الكفاءات المحلية جعل اختيار المشاركين في المشروع من أبرز التحدّيات التي واجهت فريق العمل»، معرباً عن تطلّعه إلى أن تكون هذه التجربة بداية لمزيد من المشاريع التي تستفيد من المواهب السعودية خلال السنوات المقبلة.

الشراكات المحلية

فيما يتعلق باستراتيجية الشركة الأميركية العملاقة لتعزيز حضورها في المملكة، شدد فارس على أهمية الشراكات مع المؤسسات المحلية والإقليمية، ومن بينها «إس تي سي» و«إم بي سي»، في تسهيل وصول خدمات «ديزني» إلى الجمهور السعودي، وتوسيع انتشار المنصة في المنطقة.

وبالتوازي، أوضح أن الشركة تعمل على تطوير أساليب تقديم محتواها العالمي بما يتناسب مع اهتمامات الجمهور المحلي، مركّزاً على أن امتلاك «ديزني» تاريخاً يمتد أكثر من مائة سنة في صناعة الترفيه «لا يعفيها من ضرورة مواصلة العمل لكسب ثقة المشاهدين في ظل المنافسة المتزايدة بين منصات البث الرقمي».

ثم أشار إلى أن الشركة «تسعى إلى تحقيق ذلك من خلال توسيع مكتبة المحتوى، وتطوير تجربة المستخدم، وتقديم أعمال أكثر ارتباطاً باهتمامات الجمهور العربي، إلى جانب الاستفادة من الشراكات المحلية لتسهيل الوصول إلى المشتركين».

تجربة المشاهدة

جدير بالذكر، أن «ديزني» أطلقت منصة جديدة بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي تتضمّن توسيع مكتبة المحتوى، خصوصاً الإنتاجين التركي والكوري، إلى جانب تطوير تجربة المشاهدة وإضافة مزايا تستهدف العائلات والأطفال.

وهنا، أوضح فارس أن الشركة «تولي أهمية خاصة لملاءمة المحتوى المعروض في العالم العربي مع الثقافة والقيم المحلية»، مشيراً إلى أن «جميع الأعمال تخضع للمراجعة، بما يشمل المشاهد والحوارات والمواد المدبلجة، مع استبعاد ما لا يتناسب مع خصوصية المنطقة».

وأضاف أن المنصة الجديدة ستتضمن مساحة مخصّصة للأطفال تحت اسم «عالم الصغار»، توفّر واجهة مبسطة تسهّل عليهم التنقّل بين البرامج والأفلام، وتمنح أولياء الأمور خيارات أوسع للتحكم في طبيعة المحتوى الذي يشاهده أطفالهم.

وتوقع فارس أن تشهد المرحلة المقبلة «تركيزاً أكبر على تطوير تجربة المشاهدة، وتقديم القصص العالمية بأساليب تتناسب مع الجمهور العربي، والاستفادة من نمو صناعة الترفيه في المملكة لتوسيع التعاون مع المواهب المحلية».

تميم فارس رئيس «ديزني+» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الحفل الذي أُقيم أخيراً في الرياض (الشرق الأوسط)

«ديزني» توسّع حضورها سعودياً

وحقاً، كما سبقت الإشارة، كانت منصة «ديزني» قد أعلنت في وقت سابق تقديم أول فيلم من إنتاج شركة «ديزني» مدبلج باللهجة السعودية، عبر فيلم «حكاية لعبة 5» (Toy Story 5) بمشاركة مجموعة من الممثلين والكوميديين وصنّاع المحتوى المحليين، في خطوة تعكس اهتمام الشركة بالاستفادة من تطور صناعة الترفيه في المملكة وتنامي الكفاءات الفنية والإبداعية.

وجاء الإعلان خلال فعالية نظّمتها الشركة في حي جاكس بالرياض، وكشفت خلالها عن إطلاق تطبيق جديد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ابتداءً من 6 أكتوبر، يتضمن تحديثات لتخصيص المحتوى، وإتاحة المشاهدة خلال السفر، وتحسين أدوات الرقابة الأبوية، إلى جانب توسيع مكتبة الأعمال العالمية.

هذا، وشارك في أداء أصوات شخصيات «حكاية لعبة 5» باللهجة السعودية كل من إبراهيم الخير الله في دور «باز يطير»، وصهيب قدس في دور «وودي»، وريم الحبيب في دور «جيسي»، ومالك نجر في دور «سمارتي بانتس»، وأسيل سراج في دور «ليلي باد»، وياسر السقف في دور «أطلس»، إلى جانب مجموعة أخرى من الفنّانين وصنّاع المحتوى السعوديين. ولقد أوضحت الشركة أن إعداد النسخة السعودية راعى الخصائص اللغوية والفكاهة والسياق الثقافي المحلي، مع المحافظة على مضمون الفيلم الأصلي وشخصياته، في تجربة تستهدف تقريب المحتوى العالمي من الجمهور السعودي، وإتاحة فرص جديدة أمام المواهب المحلية للمشاركة في الإنتاجات العالمية.

تطوّر صناعة السينما

من جهة أخرى، وفي حديث سابق لـ«الشرق الأوسط»، قال الفنان السعودي إبراهيم الخير الله، الذي يؤدي صوت شخصية «باز يطير»، إن «دبلجة الفيلم باللهجة السعودية تعكس التطور الذي تشهده صناعة السينما في المملكة، وتنامي اهتمام الجمهور بالأعمال التي تعبّر عن ثقافته وتفاصيل حياته اليومية». ورأى «أن تقديم شخصيات عالمية معروفة بأصوات سعودية يمثّل خطوة مهمة للفنانين المحليين».

وعلى صعيد الخدمات الرقمية، تشمل تحديثات التطبيق الجديد تطوير نظام التوصيات ليصبح أكثر ارتباطاً بتفضيلات المشاهدة الفردية، وإتاحة مشاهدة المحتوى خلال السفر في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة ومناطق أخرى.

كذلك، تتضمن التحديثات توفير مساحة مخصصة للأطفال تحت اسم «عالم الصغار»، إلى جانب تطوير أدوات الرقابة الأبوية، وإتاحة إنشاء ملفات شخصية محمية برمز تعريف شخصي، وتحديد صلاحيات الوصول إلى المحتوى المخصص للبالغين، بما يمنح العائلات تحكماً أكبر في تجربة المشاهدة.

وفي إطار المنافسة المتزايدة بين منصات البث الرقمي، تسعى «ديزني» إلى توسيع خيارات المحتوى المتاحة للمشتركين في المنطقة، عبر تقديم مزيد من الإنتاجات التركية والكورية، إلى جانب أعمال جديدة من استوديوهات «ديزني» و«بيكسار» و«مارفل» وغيرها.

الأعمال المرتقبة

هذا، وقد استعرضت الشركة خلال فعاليتها في الرياض التي أقيمت أخيراً مجموعة من الأعمال المرتقبة، من بينها الموسم الثاني من المسلسل التركي «الخليفة»، والمسلسل الكوري «انتقام إمبراطورة»، المقرر عرضه في 4 نوفمبر (تشرين الثاني)، والموسم الثاني من «صُنِع في كوريا»، فضلاً عن النسخة الحية من فيلم «موانا»، والموسم الثالث والعشرون من المسلسل الطبي «غرايز أناتومي»، ومسلسل «مهمة فيجن» من إنتاج «مارفل».

وتأتي هذه الخطوات مع اتجاه الشركة إلى الجمع بين توسيع مكتبتها العالمية وتطوير تجربة مشاهدة تتناسب مع اهتمامات الجمهور المحلي، مستفيدة من نمو قطاع الترفيه السعودي، وتطوّر الشراكات مع المؤسسات المحلية، وتزايد الطلب على المحتوى الرقمي في المنطقة.

الشركة عملت خلال الأشهر الماضية مع أكثر من 40 موهبة محلية لدبلجة أحد أفلامها باللهجة السعودية


مواقع إخبارية تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لتجاوز أزمة «تراجع الزيارات»

مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
TT

مواقع إخبارية تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لتجاوز أزمة «تراجع الزيارات»

مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)

في ظل استمرار تراجع الزيارات واتجاه مواقع إخبارية للعمل من أجل الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي، تتجدّد التساؤلات بشأن لجوء مواقع إلى الذكاء الاصطناعي من أجل «جلب» الزيارات. وفي حين أكد خبراء استمرار أزمة «زيرو ترافيك»، شدد هؤلاء على «الحاجة لبناء علاقات قوية مع الجمهور واستغلال الذكاء الاصطناعي في بناء العلامة التجارية للمؤسسة الإعلامية».

تقرير حديث نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» رصد تجارب مؤسسات إعلامية للتعامل مع عصر «ما بعد العمل من أجل محركات البحث (SEO)». وذكر التقرير أن «زيارات المواقع الإخبارية من محرّك البحث (غوغل) تراجعت بنسبة 40 في المائة خلال الفترة بين يوليو (تموز) 2025 ويوليو 2026، مما يثير قلق الناشرين إزاء ما يعرف بـ(غوغل زيرو)، أي توقّف محرّك البحث عن إحالة المستخدمين إلى المواقع الإخبارية».

ولفت التقرير أيضاً إلى أنه «على مدى العقدين الماضيين، عملت غرف الأخبار على جعل إنتاجها الصحافي مناسباً للظهور في محرّكات البحث، لكن مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات عبر روبوتات الدردشة بدلاً من الدخول إلى المواقع الإخبارية، مما دفع المؤسسات الإعلامية إلى البحث عن وسائل للحفاظ على بقائهم في عصر الذكاء الاصطناعي».

كذلك، نقل التقرير عن عزرا إيمان، مدير الذكاء الاصطناعي في الإعلام لدى الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأخبار «وان-إيفرا»، قوله إن «منصات الذكاء الاصطناعي تعطي الآن الأولوية لمصادر مختلفة لأنها تستخدم أنظمة مختلفة للبحث واسترجاع المعلومات، وتميل إلى التركيز على عدد محدود من المصادر، مما يجعل من الصعب على المؤسسات الصغيرة اختراق هذا المجال».

الدكتورة ليلى دومة، الباحثة في علوم الإعلام والاتصال، صرحت في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «أزمة (زيرو ترافيك) ليست مجرد أزمة تقنية مرتبطة بتراجع الزيارات، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في منظومة إنتاج المحتوى الإعلامي وتوزيعه واستهلاكه، وفي طبيعة العلاقة بين المؤسسات الصحافية والمنصات الرقمية».

وأردفت أن «الانتقال من محرّكات البحث التقليدية إلى محرّكات الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يطرح إشكالية أساسية هي: كيف يُمكن للمؤسسات الإعلامية الحفاظ على القيمة الاقتصادية لمحتواها في ظل استهلاكه خارج فضاءاتها الرقمية؟». ومن ثم، أوضحت أن «الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي، قد يعزز مرئية المؤسسات الإعلامية ومصداقيتها، لكنه لا يضمن بالضرورة تحويل هذا الظهور إلى زيارات فعلية، لا سيما عندما يحصل المستخدم على المعلومة كاملة دون الحاجة إلى الرجوع إلى المصدر الأصلي».

بالتالي، تعتقد دومة أن «تجاوز هذه الأزمة يتطلب إعادة التفكير في الاستراتيجيات الاتصالية والاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، من خلال الاستثمار في المحتوى الأصلي والحصري، وتعزيز العلاقة المباشرة مع الجمهور، وتنويع قنوات التوزيع، إلى جانب تطوير استراتيجيات الظهور في محركات الذكاء الاصطناعي (GEO) من دون التخلي عن أسس محركات البحث (SEO)».


هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات