شح المياه... كابوس يهدد دول المغرب العربي بالعطش

توقعات بانخفاض كبير في المحاصيل الزراعية بسبب قلة تساقط المطر وتراجع الاقتصاد

صورة تبين حجم الجفاف الكبير الذي ضرب منطقة نابل التونسية على امتداد عدة سنوات (إ.ب.أ)
صورة تبين حجم الجفاف الكبير الذي ضرب منطقة نابل التونسية على امتداد عدة سنوات (إ.ب.أ)
TT

شح المياه... كابوس يهدد دول المغرب العربي بالعطش

صورة تبين حجم الجفاف الكبير الذي ضرب منطقة نابل التونسية على امتداد عدة سنوات (إ.ب.أ)
صورة تبين حجم الجفاف الكبير الذي ضرب منطقة نابل التونسية على امتداد عدة سنوات (إ.ب.أ)

لن يكون الصيف المقبل، داخل تونس والجزائر وليبيا والمغرب، مثل بقية السنوات الماضية، فبسبب شح المياه، وقلة التساقطات، اتخذت حكومات هذه الدول إجراءات عاجلة لمواجهة شبح العطش، الذي بات يهدد السكان، واضطرت السلطات التونسية، قبل بضعة أيام، لقطع مياه الشرب عن السكان لـ7 ساعات كل يوم، بعد أن تقلص مخزون السدود إلى مستويات غير مسبوقة، كما حظرت أيضاً استخدام المياه الصالحة للشرب لغسيل السيارات، وريّ المساحات الخضراء، وتنظيف الشوارع والأماكن العامة، وملء المسابح الخاصة، وأصدرت قراراً بمعاقبة المخالفين، وهو ما أدى لظهور احتجاجات. في حين قررت الحكومة الجزائرية إنجاز مزيد من المحطات لتحلية مياه البحر؛ للتخفيف من حّدة الأزمة، وبالخصوص تزويد المدن الكبرى بالماء الصالح للشرب، خصوصاً أن شبح الندرة بات يهدد الاقتصاد والزراعة بشكل مقلق. أما في المغرب فقد عرفت الواردات المائية تراجعاً وصل إلى 14 مليار متر مكعب، خلال السنوات الـ10 الأخيرة؛ بسبب انخفاض التساقطات المطرية والثلجية بنسبة 85 في المائة.
فكيف ستتعامل حكومات هذه الدولة مع أزمة شح المياه، التي تتفاقم حِدتها، خصوصاً في موسم الصيف الذي يعرف ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة، وما يرافق ذلك من إقبال الناس على استهلاك المياه بشكل مضاعف، وما تأثيرها على الاقتصاد والقطاع الفلاحي، وإلى أي حد سيتقبل المواطنون التعايش مع فكرة تقليص مياه الشرب، إذا اضطرت الحكومات لهذا الإجراء القاسي بسبب تواصل قلة التساقطات.
يرفع جل التونسيين أكفهم، كل يوم، وأعينهم متجهة إلى السماء الشحيحة، وإلى السحب التي تمر دون أن تنزل قطراتها على الأرض المتشققة، راجين أن تجود عليهم، ولو بالقليل، خلال شهر أبريل (نيسان) الحالي، باعتباره أهم شهر لضمان غلة جيدة من الحبوب والأشجار المثمرة والخضراوات، وأيضاً لسد النقص الكبير في مخزون السدود، التي تزوِّد السكان بمياه الشرب.
- تونس تقطع المياه عن المواطنين 7 ساعات يومياً
بعد أن أصبحت الخزانات والسدود فارغة بسبب أسوأ جفاف تشهده تونس على الإطلاق، اضطرت السلطات لقطع المياه عن السكان لمدة 7 ساعات في الليل، وهو القرار الذي يهدد بتأجيج التوتر الاجتماعي في بلد يعاني ضعف الخدمات العامة، وارتفاع معدلات التضخم، وضعف الاقتصاد. كما أدخلت وزارة الزراعة نظام حصص لمياه الشرب، وحظرت استخدامها في الزراعة، حتى 30 من سبتمبر (أيلول) المقبل، مع استمرار الجفاف الذي دخل عامه الرابع الآن. وقالت إنها حظرت أيضاً استخدام المياه الصالحة للشرب لغسيل السيارات، وريّ المساحات الخضراء، وتنظيف الشوارع والأماكن العامة، وملء المسابح الخاصة، مضيفة أنه ستجري معاقبة المخالفين.
ووفقاً لقانون المياه، يعاقَب المخالفون بغرامة مالية، وبالسجن من 6 أيام إلى 6 أشهر، كما يمنح القانون السلطات الحق في تعليق الربط بالماء الصالح للشرب، والذي توفره شركة توزيع المياه الحكومية، في خطوة أثارت غضباً واحتجاجاً في مدينة صفاقس (جنوب). لكن خبراء يُجمعون على أنه لم يعد أمام السلطات أي حل سوى ترشيد المياه لتفادي الأسوأ، في ظل واحدة من أسوأ موجات الجفاف.

تونسية من منطقة نابل تملأ حاوية بلاستيكية بالماء، بعد أن قررت السلطات قطع ماء الشرب عن السكان لـ7 ساعات كل يوم (رويترز)

تقول سميرة عثمان، البالغة من العمر 54 عاماً، وهي أم لـ4 أطفال، لوكالة «رويترز»: «نحن في معاناة بسبب غياب الماء، ففي الكثير من الأوقات، لا نقوم بغسل ثيابنا فتبقى متسخة لمدة شهر. هناك جيران قريبون منا، لديهم الماء، في كثير من الأوقات، ولذلك نأخذ قواريرنا ونذهب إليهم ليقوموا بتعبئتها لنا».
وفي حي دار فضال الشعبي، على بُعد كيلومترات قليلة من مطار تونس قرطاج الدولي، يفتح شفيق اليعقوبي صنبور الماء، لكن لا شيء يخرج منه، ولذلك يعتمد باستمرار على جيرانه، للتزود بالماء. يقول اليعقوبي: «هذه الحنفية ليس بها ماء، لذلك نقوم بتعبئته من الجيران لنستعمله».
وفي ظل استمرار الجفاف وندرة التساقطات، أكد محمد رجايبية، المسؤول بـ«اتحاد الفلاحة التونسي»، لوكالة «رويترز»، أنه يتوقع موسم حبوب «كارثياً»، بتراجع نحو 75 بالمائة في المحصول بسبب الجفاف الحادّ، وهو ما من شأنه أن يعمق مصاعب المالية العامة التي توشك على الانهيار، وسط مساع للحصول على حزمة إنقاذ دولية. وأضاف رجايبية أنه يتوقع أن يجري حصاد ما بين 200 ألف و250 ألف طن، هذا الموسم، مقابل 750 ألف طن في العام الماضي.
من جهته، أكد حمادي الحبيب، مدير عام مكتب التخطيط والتوازنات المائية بوزارة الفلاحة، أن مناسيب السدود التونسية سجلت انخفاضاً مليار متر مكعب؛ بسبب ندرة الأمطار، من سبتمبر 2022، إلى منتصف مارس (آذار) الماضي. في حين قال علاء مرزوقي، وهو خبير في الموارد المائية بـ«المرصد التونسي للمياه»، إن «تسارع وتيرة التغيرات المناخية وتطرفها، خصوصاً من خلال الظواهر الطبيعية المتطرفة؛ من جفاف، وموجات برد، وفيضانات، ومن رياح عاتية، أصبح واضحاً، لذا يجب علينا أن نتجهز جيداً، وألا نترك أنفسنا لآخر ثانية لمواجهة هذه الظواهر الطبيعية المتطرفة»، موضحاً أن «انقطاعات المياه متواصلة، منذ سنوات، في عدد من المناطق، بحيث تصل لأشهر، وفي بعض المناطق هناك عائلات قُطع عنهم الماء لسنوات، وليس فقط لأشهر، وهذا التقسيط ليس بالجديد عليهم.. التقسيط، اليوم، محاولة لتخفيض استعمالات المياه، ويجعلنا ندخل، هذا الصيف، بنتائج أقل حِدة».
وأظهرت بيانات رسمية أن منسوب سد سيدي سالم في شمال البلاد، المزوِّد الرئيسي لمياه الشرب لعدة مناطق، انخفض إلى 16 بالمائة فقط، من طاقته القصوى البالغة 580 مليون متر مكعب، وأن بقية السدود التونسية باتت تشهد مستويات غير مسبوقة في حجم المخزون، بحيث لا تتعدى 30 في المائة من طاقة استيعابها، وفق آخر تحديث.
بدوره، قال أنيس خرباشي، مساعد رئيس «الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري»: «اليوم، أصبح عدد من المناطق السقوية مغلقة، والتغيرات المناخية أثّرت بشكل كبير على القطاع الفلاحي، وبالأخص موسم الحبوب، ولذلك قمنا بالدعوة، داخل الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، إلى إعلان حالة الطوارئ المائية، وإعلان حالة الجفاف، التي تكون مصحوبة بعدد من الإجراءات، لنقف بجانب الفلاحين والبحّارة»، مضيفاً أن موسم الحبوب، اليوم، «لن يتعدى 2.5 مليون قنطار، مقابل السنة الماضية، والتي كانت 11 مليون قنطار... اليوم نحن مهددون، حتى بعدم القدرة على توفير البذور التي سنزرعها، السنة المقبلة، ونحن نعرف أن تونس تحتاج، كل سنة، إلى 2 مليون قنطار من البذور».
ومن خلال الصور، التي بثّتها تقارير إعلامية، بدت المساحات الشاسعة التي تشملها السدود التونسية الكبرى، على غرار سيدي سالم، وسيدي البراق، وسد ملاق، وقد تحولت إلى تجاويف مخيفة، بعد أن جفّت عنها مياه الأمطار، وهي التي كانت، بالأمس القريب، المزوِّد الأساسي بمياه الشرب، مما ينذر بصيف مُقلق لسكان معظم ولايات تونس، خصوصاً أن جل مدن تونس تشهد، عادةً، ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة.
يقول مصباح الهلالي، الرئيس والمدير العام لـ«الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه التونسية (الصوناد)»: «هناك عجز في تغطية الحاجيّات من المياه، ففي فترات سابقة كان الجفاف بمعدل سنة أو سنتين، ثم يعود المناخ، بعد ذلك، إلى سالف وضعه، لكن تونس، اليوم، تعيش على وقع 4 سنوات من الجفاف المتواصل».
وبشأن الحلول البديلة، التي يمكن أن تلجأ إليها تونس، للتعامل مع هذه المعضلة، قال الهلالي إن «الاعتماد على خطة حكومية لتحلية المياه الجوفية أو مياه البحر، لا يمثل حلاً سحرياً لمعضلة نقص مياه الشرب؛ لأن التكلفة باهظة جداً». جاء ذلك بعد أن أقرّ رضا قبوج، وزير الدولة المكلف بالمياه، بأن «وضعية المياه في تونس باتت حرجة جداً، بعد أن أصبح مخزون السدود لا يتجاوز 31 بالمائة، وهو مستوى غير مسبوق»، مؤكداً تراجع مخزون السدود التونسية، المقدَّر عددها بـ37 سدّاً، إلى حوالي 390 مليون متر مكعب في مارس الماضي، مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، كما قدَّرت مصادر حكومية نسبة ضياع وهدر المياه بحوالي 23 بالمائة؛ بسبب الربط العشوائي بشبكة المياه، وكذلك عمليات سرقة المياه من السقايات العمومية.
يقول حسين الرحيلي، خبير التنمية والتصرف في الموارد، إن قرار وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، المتعلق بعدم استعمال مياه الشرب لأغراض غير منزلية، «جاء متأخراً؛ لأن تونس تعيش، منذ مدة، على وقْع سنوات الجفاف، وفي ظل انقطاع الأمطار لأشهر متتالية»، لكنه يطرح، في الوقت نفسه، عدة تساؤلات؛ أهمها كيف يمكن مراقبة الأشخاص الذين يستعملون مياه الشرب لغسل سياراتهم داخل منازلهم، أو مراقبة محطات غسل السيارات، وهل سيشمل هذا القرار أيضاً القطاع السياحي، والصناعات المستهلكة للماء، والمصانع، والقطاع الفلاحي، وما مصير الفلاحين الصغار، في حال منعهم من التزود بالمياه.
- المغرب... عجز مائي غير مسبوق
عاش المغرب، خلال السنوات الأخيرة، على إيقاع عجز مائي غير مسبوق؛ بسبب قلة التساقطات المطرية، وتراجع كميات الثلوج المتساقطة، خلال فصل الشتاء، وأيضاً بسبب تراجع مخزون المياه الجوفية، وهي وضعية دفعت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لمواجهة الجفاف، الذي أصبح يكتسب طابعاً هيكلياً في البلاد، رغم تسجيل تساقطات مهمة، في شتاء هذا العام، أنعشت آمال الفلاحين المغاربة، في موسم فلاحي أفضل من العام الماضي، وحدّت من وطأة الجفاف الذي ضرب البلاد.
ووفق بيانات رسمية لوزارة التجهيز والماء المغربية، فإن مجموع الموارد المائية في المغرب يقدَّر بـ22 مليار متر مكعب في السنة، لكنها في تراجع مستمر، كما عرفت الواردات المائية تراجعاً يصل إلى 14 مليار متر مكعب، خلال السنوات الـ10 الأخيرة؛ بسبب انخفاض التساقطات المطرية والثلجية بنسبة 85 في المائة، أما مخزون المياه الجوفية، القابلة للاستغلال، فيصل حالياً إلى 4.2 مليار متر مكعب في السنة، لكنها أيضاً تعاني الإجهاد.
وأثَّر الجفاف بشكل كبير على الموارد المائية، وبات مصدر قلق للسلطات والسكان، خصوصاً أن حوالي 48 في المائة منهم يعتمدون على الفلاحة في الوسط القروي، كما أثّر الجفاف على تراجع حصة الفرد من المياه بشكل كبير. ووفق تقرير لـ«المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي (مؤسسة دستورية استشارية)»، فإن الموارد المائية، بالنسبة للفرد، سنوياً تقدر حالياً بأقل من 650 متراً مكعباً، مقارنة مع 2500 متر مكعب للفرد في سنة 1960، لكن تقرير المجلس توقّع أن تنخفض هذه الحصة إلى أقل من 500 متر مكعب، بحلول سنة 2030، مؤكداً أن الدراسات الدولية تشير إلى أن التغيرات المناخية يمكن أن تتسبب في اختفاء 80 بالمائة من موارد المياه المتاحة في البلاد، خلال الـ25 سنة المقبلة.
وجاء في عرض قدَّمه وزير التجهيز والماء نزار بركة، أمام مجلس الحكومة، في 16 سبتمبر الماضي، أن وضعية السدود المغربية «باتت مُقلقة جداً»، مشيراً، على سبيل المثال، إلى أن سد سيدي محمد بن عبد الله، الذي يوفر الماء لسكان الدار البيضاء الشمالية والرباط وسلا وتمارة والصخيرات، وعدد من المدن الأخرى، «بات مهدداً بنفاد الماء، خلال بضعة أشهر؛ ذلك أن السد لا يوفر حالياً سوى 265 مليون متر مكعب»، وهو المخزون الذي كان مقرراً أن ينضب، في يونيو (حزيران) 2023، ما لم تكن هناك تساقطات، لكنْ من حسن الحظ أن بداية سنة 2023 عرفت تساقطات أنعشت حقينة السد. وكلما جرى التوجه جنوب الرباط، تفاقمت مشكلات المياه في الأحواض المائية، ولا سيما في مراكش وأكادير (وسط).
ولمواجهة هذا الوضع، أعلن الوزير بركة خطة حكومية لمواجهة الجفاف، تضمنت تزويد حوالي مليونيْ مواطن في الوسط القروي بالماء الصالح للشرب، السنة الماضية، من خلال شاحنات صهريجية، إضافة إلى شراء وحدات متنقلة لتحلية المياه؛ من أجل استخدامها في المناطق الداخلية وفي الجبال، كما أعلن بركة أيضاً سعي الحكومة لرفع الطاقة التخزينية من المياه في السدود، إلى 24 مليار متر مكعب، في أفق 2030، من خلال تسريع إنجاز برنامج السدود الكبرى والصغرى، في إطار البرنامج الوطني للتزويد بماء الشرب ومياه السقي 2020 - 2027.
ولترشيد استعمال المياه، لجأت الحكومة إلى إطلاق حملات توعية لعقلنة وترشيد استعمال الماء، كما لجأت بعض المناطق إلى منع استخدام المياه في سقي الحدائق، وغسل السيارات، وغيرها. أما في الوسط القروي، فقد لجأت الحكومة إلى التدخل لإنقاذ المناطق التي جفّت مياهها الجوفية، بتوفير المياه عبر شاحنات صهريجية، حيث جرى توفير 706 شاحنات صهريجية؛ لضمان تزويد 2.7 مليون نسمة، موزعة على 75 إقليماً ومحافظة.
وكان وزير التجهيز والماء المغربي قد كشف عن خطة حكومية لاقتناء 26 محطة متنقلة لتحلية ماء البحر، خلال هذا العام، و15 محطة لإزالة المعادن من الماء الأجاج. وأوضح أن عدد هذه الوحدات سيصل، هذه السنة، إلى 100 محطة هدفها توفير المياه للقرى.
ومن بين الإجراءات الأخرى لمواجهة شح المياه، يعمل المغرب على مضاعفة حجم المياه الناتجة عن تحلية مياه البحر؛ بهدف سد العجز في مياه السدود، وتخصيص الماء للفلاحة وللمدن غير الساحلية، علماً بأن المغرب يعكف أيضاً على مشروعات لتحلية مياه البحر من خلال 9 محطات، تنتج 147 مليون متر مكعب في السنة، بالإضافة إلى آلاف الآبار لتعبئة المياه الجوفية، كما تسعى الحكومة إلى توفير نصف الحاجيّات من ماء الشرب، عبر تحلية ماء البحر، خصوصاً في المدن الساحلية، على أن تخصص مياه السدود للسقي الفلاحي وللشرب في المناطق الداخلية. ويرتقب أن تبلغ كميات المياه، الناتجة عن تحلية مياه البحر، حوالي مليار متر مكعب سنوياً، ابتداء من سنة 2030.
- الجزائر تواجه الجفاف بتحلية مياه البحر
أمام شح الأمطار، المتواصل منذ عدة سنوات، قررت الحكومة الجزائرية إنجاز مزيد من المحطات لتحلية مياه البحر؛ للتخفيف من حِدة الأزمة، وبالخصوص تزويد المدن الكبرى بالماء الصالح للشرب، ولا سيما أن شبح الندرة بات يهدد الاقتصاد والزراعة بشكل مقلق.
وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أمر الرئيس عبد المجيد تبون بوضع مخطط لتعميم محطات تحلية مياه البحر، عبر كامل الشريط الساحلي للبلاد؛ «تجنباً لتداعيات الأوضاع المناخية الصعبة»، حسبما جاء في بيان لرئاسة البلاد، كما طلب تبون من الحكومة «استنفار مصالح وزارات الداخلية والموارد المائية والفلاحة والصناعة والبيئة، على أوسع نطاق؛ لإنشاء مخطط استعجالي يهدف إلى سَن سياسة جديدة لاقتصاد المياه وطنياً، والحفاظ على الثروة المائية الجوفية»، وفق البيان نفسه، الذي نقل عن الرئيس «ضرورة إعادة تحريك وإحياء كل المشروعات المتوقفة لمحطات تصفية المياه المستعملة عبر الولايات، وإدخالها قيد الاستغلال؛ لاستخدامها في الري الفلاحي، عوضاً عن المياه الجوفية»، التي يشهد مخزونها انخفاضاً من سنة لأخرى، وفق تقارير وزارة الموارد المائية. كما شدد تبون على «المراقبة الصارمة لتراخيص استغلال المياه الجوفية لسقي المساحات المزروعة، مع تسليط أقصى العقوبات ضد أعمال حفر الآبار غير المرخصة، علاوة على إنجاز دراسات علمية بشكل عاجل؛ لتحديد دقيق لوضعية معدل مياهنا الجوفية». كما طالب بـ«تفعيل دور شرطة المياه، التي تختص بمراقبة استعمال المياه في كل المجالات، ومحاربة التبذير لمراقبة استغلال المياه عبر الوطن».
وتُعدّ محطة التحلية بالعاصمة من أهم المشروعات، التي أُنجزت في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019). في حين يجري بناء 5 نماذج أخرى مشابهة، في «كاب بلان» (وهران)، ومحطة الجزائر غرب (فوكة بولاية تيبازة)، ومحطة الجزائر شرق (كاب جنات بولاية بومرداس)، ومحطة بجاية، ومحطة الطارف، بالشرق.
وفي مطلع 2022 دقّ وزير الموارد المائية والأمن المائي السابق كريم حسني، ناقوس الخطر، عندما صرَّح بأن مناخ الجزائر «كان، في السابق، شبه جاف، لكنه أصبح، اليوم، مناخاً جافاً»، معلناً «استراتيجية جديدة» في قطاعه، تتمثل في مضاعفة الاعتماد على محطات تحلية المياه. وقال، حينها، إن تحلية مياه البحر «هي الحل الأمثل؛ لأن المياه السطحية أصبحت شحيحة، وبلادنا تزخر بكل الإمكانات اللازمة، منها شريط ساحلي يمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، وكذا الخبرة والموارد البشرية اللازمة في هذا المجال».
وفي مطلع هذا العام، أعلنت الوزارة المختصة أن الجزائر باتت من الدول الفقيرة من حيث المورد المائي؛ بسبب فترات جفاف طويلة ومتكررة، مع عجز في نِسب تساقط الأمطار التي بلغت، وفقاً لها، بين 40 و50 بالمائة خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بالمعدلات السنوية الماضية، خصوصاً في الجهتين الوسطى والغربية للبلاد. وأوضحت الوزارة أن نقص وشح الأمطار بفعل التغيرات المناخية «أثّر بشكل كبير على تزويد السكان بالمياه الصالحة للشرب، وقد برزت آثارها جلياً على 20 محافظة في البلاد»، من دون ذكرها، مؤكدة أن «الجزائر تعيش، على غرار دول البحر الأبيض المتوسط، عجزاً مائياً ناجماً عن التغيرات المناخية، التي أثّرت بشكل كبير على الدورات الطبيعية للمتساقطات المطرية»، ومعتبرة أن «الأزمة ناتجة عن تراجع كبير في منسوب مياه السدود بالمناطق الوسطى والغربية للبلاد، مع تسجيل نسبة عجز تقدر بـ25 في المائة من احتياطي السدود».
وتعوِّل الحكومة على بلوغ 300 ألف لتر مكعب يومياً، بفضل محطات كبرى جديدة لتحلية المياه، وذلك على مرحلتين: 2022 -2024، و2025 - 2030، كما تقوم استراتيجيتها، في هذا المجال، على تأمين المياه، عبر ترشيد الاستهلاك وتصفية المياه المستعملة وتوظيفها في الري الزراعي. وضمن هذه الخطة، تشير التوقعات إلى أن تحلية مياه البحر ستلبي الاحتياجات في مجال ماء الشرب، خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما تصفية المياه المستعملة (2 مليار متر مكعب في السنة) ستُخصَّص للسقي، وبشكل أساسي للأشجار المثمرة، كما ستجري إعادة توجيه المياه السطحية من السدود نحو الزراعة، ولا سيما الخضراوات، مما سيسمح بالحفاظ على المياه الجوفية.
وخلال عام 2021، عرفت عدة ولايات، في وسط وغرب البلاد، احتجاجات؛ للمطالبة بتزويدهم بالمياه، على غرار العاصمة، التي خرج سكان ضاحيتها الشرقية (منطقة باب الزوار) إلى الشارع، وقطعوا الطريق السريع المؤدي إلى المطار الدولي؛ تعبيراً عن تذمرهم من غياب المياه عن بيوتهم، أياماً طويلة.
وقد طرحت ندرة المياه بشكل أكثر حِدة، خلال الحرائق المهولة التي نشبت في منطقة القبائل صيف 2021، والتهمت مئات الهكتارات من الغطاء النباتي، ومساحات شاسعة من الأراضي المزروعة وحقول الفواكه، زيادة على مقتل العشرات من الأشخاص، وهلاك رؤوس الماشية.
يقول خبراء إن الحكومة ارتكبت خطأ كبيراً، عندما عادت، في عام 2019، إلى خطة قديمة تتمثل في تزويد سكان المناطق الحضرية الكبيرة بالمياه على مدار الساعة، فقد اغترّت، وفقاً للخبراء، بامتلاء السدود بنسب مهمة، بفضل تساقطات مطرية كبيرة عام 2018، ولجأت إلى هذا القرار، بينما كانت شبكة توزيع المياه في كامل البلاد في حالة سيئة بسبب قِدمها، مما تسبَّب في تسرب 50 بالمائة من المياه المقدَّمة للسكان، وفق الخبراء أنفسهم، الذين يؤكدون أن تغير المناخ ليس التفسير الوحيد لندرة المياه، وإنما سوء تسيير شبكات التوزيع، والتبذير الذي أسهم، بحسبهم، في تعقيد الأزمة.
- ليبيا «الأكثر تأثراً بشح المياه في العالم»
في نهاية الشهر الماضي، وقف موسى الكوني، عضو المجلس الرئاسي الليبي، أمام قمة الأمم المتحدة حول حسن إدارة الموارد المائية، التي انعقدت في نيويورك، ليحذر من أن ليبيا تعاني نقص المياه بسبب انعدام سقوط الأمطار، ورأى أن هذا ينعكس بالتبعية على التنمية في هذا البلد، الواقع جغرافياً في قلب الصحراء الكبرى.
تحذير الكوني سبقه مارك فرانش، الممثل المقيم لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، الذي قال إن «مستقبل ليبيا يعتمد على إدارةٍ أفضل لمواردها المائية، عبر الحلول المبتكرة»، معتبراً أن ليبيا من الدول «الأكثر تأثراً بشح المياه في العالم».
وما بين تحذير الكوني، وقراءة الممثل الأممي، يتحدث اختصاصيون ليبيون في شؤون المياه عن شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، اعتماداً على ندرة مياه الأمطار في مواسم سابقة، وهذه المخاوف، في مجملها، يرجعها المهندس إمحمد عبد الله، مدير الشؤون العلمية والفنية بـ«المركز الليبي للاستشعار عن بُعد»، إلى أن ليبيا دولة شحيحة المطر، وفق التقييم العالمي، في وقت تشكِّل الصحراء 95 بالمائة في إجمالي مساحتها، البالغة قرابة مليونيْ متر مربع.
وقال عبد الله، لـ«الشرق الأوسط»، إن ليبيا مرّت، خلال السنوات الـ3 الأخيرة، بموسم جفاف كبير أدى إلى نقص معدل الأمطار، خصوصاً في المنطقة الغربية، إذ تراجعت إلى 120 مليمتراً في السنة، مما ألحق أضراراً كبيرة بالزراعة، وخصوصاً أشجار الزيتون المثمرة، وهو ما دفع بـ«اللجنة الوطنية لمكافحة التصحر» إلى إعلان أن هذا موسم جفاف، «مما كان يتطلب من الدولة أن تعلن حالة الطوارئ، وتتدخل؛ لحماية المزارعين ومربِّي الأغنام والماشية، لكن ذلك لم يحدث».
وكشف عبد الله عن نقطة حيوية تتعلق باستهلاك نسبي للمياه الجوفية في بعض المناطق، وقال إنه «نظراً لقلة الأمطار، اتجه البعض للآبار الجوفية في المناطق الساحلية التي تمثل سلة الغذاء، بالنسبة لليبيا، ومن ثم استنزفت المياه الجوفية السطحية، وبعد انحسارها تداخلت معها مياه البحر، مما أدى إلى تغير قوامها».
وفي منتصف الشهر الماضي، أطلقت «منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في ليبيا» برنامجاً تدريبياً حول الاستهلاك المائي في الزراعة بليبيا، ورفع كفاءة المياه وإنتاجيتها، واستهدفت الدورة «رسم خرائط الغطاء الأرضي، ونوع المحاصيل؛ لدعم إنتاجية المياه الزراعية في ليبيا»، وذلك بمشاركة 26 متدرباً من وزارات الموارد المائية والزراعة والثروة الحيوانية، بالإضافة للمركز الليبي للاستشعار عن بُعد وجامعة طرابلس.
وتحدّث مدير الشؤون العلمية والفنية بـ«المركز الليبي للاستشعار عن بُعد»، بأن ليبيا، ولكونها تقع في الصحراء الكبرى، «كانت هناك محاولات ودراسات في السنوات الماضية، بشأن أن يكون هناك بدائل لمياه الأمطار والمياه الجوفية المتكونة في الشريط الساحلي، فجاءت فكرة النهر الصناعي، ونقل المياه الجوفية من جنوب ليبيا إلى شمالها في الشرب والزراعة»، مشيراً إلى أنه «كان من المخطط أن تتجه ليبيا إلى تحلية مياه البحر، في عامي 2007 و2008، ووقّعت اتفاقيات مع بعض الدول، لإنشاء محطات تحلية على طول الساحل الليبي، من بينها إقامة محطات نووية، بحيث تكون البديل لمياه النهر الصناعي، أو إضافية له، لكن أغلب هذه المشروعات توقّف.
والقضية التي أثارها الكوني، أمام قمة الأمم المتحدة حول حسن إدارة الموارد المائية، بشأن تحلية مياه البحر، لا تزال تراوح مكانها، وكان الكوني قد قال إن الدول المتقدمة لو فكرت جدياً في استغلال إمكانياتها، بتخفيض تكلفة تحلية مياه البحر، لأسهمَ ذلك في حل مشكلات كبيرة، مضيفاً أن «النهر الصناعي يجب أن يُضخّ عكسياً؛ أي لا بد من تحلية مياه البحر، حتى يضخ هذا النهر من الشمال إلى الجنوب ليروي عطش الصحراء»، لكنه راهناً يرى أن التكلفة تحُول دون تحقيق ذلك.


مقالات ذات صلة

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

شمال افريقيا وزير الري المصري خلال لقاء مع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الأوزبكي (وزارة الري المصرية)

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

خطوة جديدة تتخذها القاهرة في توسيع شراكاتها المائية عبر محادثات مع أوزبكستان بهدف تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق الدولي بشأن «حوكمة الأنهار الدولية».

محمد محمود (القاهرة)
صحتك يقلل الكمون من الانتفاخ والغازات (بيكساباي)

ماذا يحدث لمعدتك عند شرب ماء الكمون يومياً؟

يؤدي شرب ماء الكمون يومياً إلى تحسين عملية الهضم وتقليل الانتفاخ والغازات، بفضل محتواه من مركبات تحفز إفراز الإنزيمات الهاضمة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان أوسمان ديون (تركي العقيلي) p-circle 05:41

خاص البنك الدولي: 12 مليار دولار سنوياً لتحويل أمن الغذاء في المنطقة إلى فرصة اقتصادية

يتحول الأمن الغذائي في المنطقة إلى فرصة اقتصادية تستقطب الاستثمارات في المياه والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، مع بروز السعودية مركزاً إقليمياً.

هلا صغبيني (الرياض)
شمال افريقيا وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)

تعهدات مصرية بتوفير الاحتياجات المائية للمزارعين رغم تحديات «سد النهضة»

جهود كبيرة تتحدث عنها وزارة الري المصرية لتوفير الاحتياجات المائية مع الاحتفال بـ«عيد الفلاح» بالبلاد في ظل عجز مائي تشهده، وسط تحديات أزمة «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)

العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

يستهدف العراق الاستفادة من التجربة المصرية في مجال معالجة وإعادة استخدامات المياه؛ إذ بحث وفد فني عراقي نظم وتطبيقات الري الحديث المطبقة في مصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.


معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
TT

معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)

في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، يبدو معتقل غوانتانامو أقل شبهاً بسجن بقي مفتوحاً بالخطأ، وأكثر اقتراباً من مؤسسة متجذرة عرفت كيف تقاوم الزمن.

كان يُفترَض أن يكون المعتقل الذي افتُتِح في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002 حلاً مؤقتاً لحالة استثنائية: احتجاز مقاتلين أسرى في «الحرب على الإرهاب» بعيداً من البر الأميركي، ومن دون أن تنطبق عليهم، حسب منطق الإدارة الأميركية آنذاك، القواعد القانونية التي تحكم السجون التقليدية أو أسرى الحروب.

مشهد عام لقاعدة غوانتانامو الأميركية في الخليج الكوبي قبيل إنشاء المعتقل فيها مطلع 2002 (أ.ف.ب)

لكن المؤقت طال.

ومع مرور ربع قرن، لم يعد السؤال يقتصر على: لماذا لم يُغلق غوانتانامو؟ بل ماذا حدث للفكرة التي أنشأته؟ وكيف أمكن لاستثناء قانوني وسياسي وُلد في لحظة «تروما جماعية» بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، أن يتحول إلى مؤسسة قادرة على البقاء، والاستمرار حتى بعدما تغيّرت الإدارات في البيت الأبيض والحروب في الميادين وشكل التهديدات وأسماء أصحابها.

بعد الهجمات، دخلت الولايات المتحدة حرباً جديدة سمتها «الحرب على الإرهاب». وفي إطار هذه الحرب، نشأ نظام واسع للاعتقال خارج المألوف القانوني، اعتمد على السرّية والاحتجاز المفتوح زمنياً، وعلى محاولة الفصل بين «الحرب» العسكرية، والأرضية التشريعية التي تحكمها عادة.

لافتة ترحيبية عند مدخل قاعدة معتقل غوانتانامو بعد تحديثه (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء غوانتانامو أوضحَ مثالٍ لتناقض تكشف تدريجياً؛ ففي حين نشأت عدة مواقع اعتقال سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، في بلدان متعددة، واعتمدت برامج استجواب قهرية ولا إنسانية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من أكثر الفصول إثارة للجدل في الحرب الأميركية على الإرهاب، بقي غوانتانامو مختلفاً. لقد امتلك ميزة إضافية.

كان مكاناً حيّاً. نما وتطوّر وامتد على مساحة جغرافية أكبر عبر السنوات، منذ لحظة افتتاحه، مطلع يناير (كانون الثاني) 2002، وإلى اليوم. وهو إذ يتكيّف مع الإدارات الأميركية المتبدّلة بين جمهورية أو ديمقراطية، ويطور أساليبه وأنماطه، لم يبتعد قيد أنملة عن الفكرة المؤسسة له، والمجال الحيوي الهائل للسلطة السياسية؛ أن الدولة الأميركية، في ظروف استثنائية، تستطيع أن تنشئ مساحة استثنائية، وأن المحتجَز يمكن أن يكون «مقاتلاً عدواً» من دون أن يكون أسيراً بالمعنى التقليدي، ومن دون أن يكون متهماً أمام محكمة جنائية، وأن الحرب يمكن أن تكون طويلة إلى درجة يصبح معها الاحتجاز نفسه بلا نهاية محددة. وذلك هو حال عدد من سجناء غوانتنامو اليوم، بعد نحو ربع قرن.

جندي أميركي يعبر قرب الشريط الشائك الذي أحاط بـ«كامب إكس» قبل إغلاقه (أ.ف.ب)

غوانتانامو بوصفه أرشيفاً

ربما في الأيام الأولى التي أعقبت 11 سبتمبر، كان من السهل فهم منطق الاستثناء؛ فقد كانت أميركا لا تزال تحت صدمة الهجمات، وكانت الإدارة الأميركية تتعامل مع تنظيم القاعدة باعتباره تهديداً يتجاوز حدود الدول والجيوش التقليدية.

لكن المعضلة تكمن في الاستثناء نفسه وليس فقط في لحظة إنشائه. المشكلة في قدرته على البقاء بعد زوال اللحظة التي أنشأته.

هنا تحديداً تكمن كل قصة غوانتانامو.

وصول الدفعة الأولى من المعتقلين إلى قاعدة غوانتانامو حيث وُضعوا في أقفاص مكشوفة يناير 2002 (غيتي)

فقد أُرسل إليه في البداية رجال اعتبروا جزءاً من الحرب الجديدة بأدواتها الجديدة، لكن السنوات كشفت أن كثيراً من المحتجزين لم يكونوا من كبار قادة «القاعدة»، وأن بعضهم أُرسل إلى هناك بناء على معلومات خاطئة أو صلات هامشية أو بسبب مكافآت مالية، قبل أن يجدوا أنفسهم في نظام يصعب الخروج منه.

على مدى سنوات، مرّ بالمعتقل نحو 800 رجل، لم يبقَ اليوم منهم سوى عدد قليل. وفي مطلع 2025، كان العدد الرسمي 15 محتجزاً، بينهم من ينتظرون النقل إلى دول أخرى، وآخرون يخضعون لإجراءات أمام اللجان العسكرية، وثلاثة ما زالوا في الاحتجاز من دون تهم جنائية أو موافَقة على نقلهم.

لكن انخفاض العدد لم يعنِ انتهاء المشكلة.

على العكس، كلما تقلص عدد المحتجزين، أصبح غوانتانامو أقل شبهاً بسجن جماعي خارج عن السياق العام، وأكثر شبهاً بأرشيف حي للحرب على الإرهاب: ملفات قانونية لم تُحسم، واعترافات انتُزعت في ظروف قسرية، ومحاكمات عسكرية تأخرت سنوات، وأشخاص لا تزال الدولة الأميركية تجد صعوبة في تحديد كيفية التعامل معهم وإنهاء احتجازهم.

صيد ثمين في حفرة مظلمة

قد يكون من الإجحاف اختصار قصة معتقل بحجم غوانتانامو في شخصية واحدة؛ لكن خالد شيخ محمد نموذج صارخ عن تلك التناقضات الهائلة في هذا الملف.

خالد شيخ محمد «العقل المدبّر» لهجمات «11 سبتمبر» فور إلقاء «سي آي إيه» القبض عليه في باكستان عام 2003 (أ.ب)

الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر لم يصل إلى غوانتانامو فوراً. سبقت ذلك سنوات من المطاردة والاعتقال السري، واحتجاز لدى وكالة الاستخبارات المركزية، واستجوابات قاسية، ثم نقل إلى غوانتانامو عام 2006 مع عدد من «كبار الشخصيات» أو كما سمّوا آنذاك بـ«الصيد الثمين»، الذين كانوا محتجَزين في مواقع سرية سبق ذكرها، وسُمّيت «الحفر المظلمة».

وهنا تتقاطع قصة الرجل مع قصة المكان: أين تنتهي الحرب وتبدأ العدالة؟ وهل يمكن لمحاكمة جريمة بحجم 11 سبتمبر أن تقوم على أدلة تشكلت، جزئياً، داخل منظومة سرية استخدمت التعذيب والإكراه؟

بعد أكثر من عقدين على الهجمات، ما زالت القضية تبحث عن خواتيمها. وأخيراً حدَّد قاض عسكري في أغسطس (آب) الماضي موعداً مبدئياً في 5 يونيو (حزيران) 2028 لمحاكمة خالد شيخ محمد وثلاثة متهمين آخرين أمام محكمة عسكرية في غوانتانامو، بعد سنوات طويلة من التعثر القانوني.

لكن المفاجأة وقعت؛ فبعدما تغيرت لوائح المحاكمات، قرر الادعاء المضي في القضية من دون استخدام اعتراف رئيسي أدلى به خالد شيخ محمد عام 2007 أقرّ فيه بمسؤوليته عن الهجمات، وذلك بعدما اعتُبِر غير طوعي وانتُزِع بالإكراه.

وللمفارقة، لم يستأنف الادعاء القرار خشية تأخير موعد المحاكمة أكثر من ذلك.

هكذا أصبح المعتقل جزءاً من مشكلة كان يفترض أن يحلها؛ فبعدما حكم على مئات الأبرياء، ها هو اليوم قد يبرئ مذنباً.

«كامب دلتا 2 و3» ذات الإجراءات الأمنية المشددة حيث اعتُقل كبار قادة تنظيم «القاعدة» في صورة تعود لعام 2006 (أ.ف.ب)

وتواجه واشنطن اليوم معضلة أكبر؛ فهي من جهة تريد محاكمة المسؤولين عن أكبر هجوم إرهابي تعرضت له على أراضيها، وطي هذه الصفحة، ومن جهة أخرى، هي مضطرة إلى مواجهة الورطة التي أوقعت نفسها بها: ماذا تفعل الأدلة عندما يكون الطريق الذي أنتجها موضع طعن قانوني؟

لهذا لم تعد قضية خالد شيخ محمد مجرد قضية رجل متهم بالإرهاب. إنها أيضاً قضية الدولة التي أرادت أن تحقق العدالة من دون أن تدفع الثمن القانوني الكامل لها.

عدّ تنازلي... إلى ما لا نهاية

في 2009، عندما أعلنت إدارة أوباما المنتخب حديثاً نيتها إغلاق المعتقل، وكان ذلك أصلاً أحد وعود حملته الانتخابية، على أن يتم ذلك في 22 يناير 2010، حملتني مهمة صحافية إلى غوانتانامو. كان عمره 8 سنوات وشهد خلالها توسعة تلو الأخرى و«تحسينات» خدمية متعددة، وبدأت فيه المحاكمات في قاعات محكمة ذات أقواس خشبية ومقاعد للحضور وكل ما يلزم من مشهدية العدالة.

«كامب العدالة» حيث أنشئت قاعات المحاكمات المسبقة الصنع في صورة التُقطت نهاية 2008 (أ.ف.ب)

في ذلك الوقت، كانت إدارة المعتقل تستقدم الصحافيين لتعرض عليهم ظروفه، وقد بات يشبه السجون الفيدرالية بمطابخ تقدم اللحوم الحلال، وملاعب رياضية ونشاطات متنوعة ومواعيد صلاة، أملاً في أن تعوّض شيئاً ولو يسيراً من صور الأقفاص المتراصة وسط حر جزيرة استوائية.

بالتوازي، كانت الإدارة السياسية في واشنطن تفاوض دولاً متعددة لنقل المحتجزين إليها. والسؤال العملي كان بسيطاً: كيف يمكن إخراج الموجودين وإغلاق المكان؟

لكن المكان وسكّانه والمحامون المتطوعون للدفاع عنهم هناك في نيويورك... كلهم قالوا شيئاً آخر.

فقد أُتيح في تلك الزيارات، المنظمة والمراقبة بشدة، رؤية أجزاء كثيرة من المعتقل ومرافقه المحدّثة والمطوّرة، لكن أجزاء أخرى بقيت خارج نطاق الرؤية. وكانت الجملة التي تتكرر على مسامع الزوار، من العسكريين تحمل وعداً يفوق قدرة المكان على الإيفاء به: «هنا سترون الحقيقة عارية»، قالوا.

لكن هل يمكن فعلاً رؤية الحقيقة عارية من خلف ستار؟

مدخل «كامب 6» في صورة تعود إلى عام 2014 وتظهر لافتة كُتب عليها «معتقلون في المنشأة. التزموا الصمت» (أ.ف.ب)

كان هناك، مثلاً: «كامب 7»، القسم الأكثر غموضاً، المخصص لـ«الصيد الثمين» من كبار قادة «القاعدة»، وكان وجوده معروفاً، ومبناه يطل على بقية الأبنية من هضبة قريبة. لكن تفاصيله محاطة بالسرية المطلقة.

وفي «كامب 6»، مثلاً، كان المحتجزون يطلّون، أو يحاولون أن يطلّوا، من خلال فتحات ضيقة في النوافذ، وأصواتهم تصل إلينا من مسافة قبل أن نلتمس صورتهم. «كاذبون! كاذبون!» كانت الصرخة التي تتكرر من خلف تلك الجدران. لم يكن ممكناً رؤية الوجوه بوضوح فقد كان رفع النظر إلى المساجين ممنوعاً، لكن الاتهام كان مسموعاً بوضوح.

كان ذلك في حد ذاته درساً صغيراً في طبيعة هذه المنشأة: يمكن أن تكون أبوابها مفتوحة بما يكفي كي تراها، ومغلقة بما يكفي كي لا تعرف كل ما فيها.

وفي ذلك الوقت أيضاً، كان قائد القوات المشتركة في القاعدة، الأميرال توم كوبمان، يصف إغلاق المعتقل بأنه مهمة صعبة «لكنها ليست مستحيلة».

قول منطقي لسياق 2009.

ففي ذلك الوقت، لم تكن الاستحالة في الإغلاق تقنية. الأمر لا يتطلب إنهاء حرب أو تفكيك دولة. كان المطلوب نقل مئات الرجال، واتخاذ قرارات سياسية وقانونية بشأن مَن يُحاكم ومن يُطلق سراحه ومن يُنقَل إلى بلد ثالث، ثم إغلاق منشأة كغيرها من المنشآت. وراح كل قرار يحمل قراراً.

باحة داخلية مشتركة في «كامب 6» وبدت حولها زنزانات الاعتقال بعد تجديد المباني بمعتقل غوانتانامو خلال 2008 (أ.ف.ب)

هل يعود المحتجز إلى بلده؟ هل تقبله دولة ثالثة؟ هل يمثل أمام محكمة مدنية أم عسكرية؟ هل يمكن إطلاق سراحه إذا لم تكن هناك أدلة كافية لمحاكمته؟ وماذا عن أجهزة الاستخبارات التي ترى أنه يشكل خطراً؟ ماذا تفعل الدولة بشخص لا تستطيع إدانته، ولا تثق في إمكانية إطلاقه؟

بهذا المعنى، أصبح غوانتانامو أقل ارتباطاً بعدد المعتقلين وظروف احتجازهم «المحسَّنة»، بقدر ما هو مرتبط بهيكلية القرار داخل الإدارة الأميركية وتسلسل القيادة المتشعّب الذي نشأ حولهم.

ماذا فعل غوانتانامو بأميركا؟

ربما كان الخطأ في النظر إلى غوانتانامو بوصفه مشكلة حقوقية خارجية فقط.

لقد كان، في جانب مهم منه، تجربة أميركية داخلية حول حدود السلطة.

فبعد 11 سبتمبر، امتلكت السلطة التنفيذية قوة هائلة باسم الأمن القومي. ثم جاء القضاء ليضع حدوداً لهذه القوة في سلسلة من القضايا الشهيرة، من «رسول ضد بوش» إلى «حمدان ضد رامسفيلد» ثم «بوميدين ضد بوش». وفي كل مرة تقريباً، كان السؤال نفسه يعود بصيغة مختلفة: هل يمكن للحرب أن تخلق منطقة خارجة عن القانون؟

الإجابة معقدة لا شك.

جنديان أميركيان يدخلان إلى «كامب دلتا 1» الذي يخضع لحراسة مشددة (غيتي)

فالكونغرس أقرَّ قوانين، والإدارات غيّرت سياساتها، والمحاكم تدخلت، والجيش أعاد صياغة قواعد الاحتجاز، والولايات المتحدة نقلت عدداً كبيراً من المعتقلين أو أطلقت سراحهم. لكن المؤسسة التي نشأت في لحظة الاستثناء بقيت ولا تزال وقد يعاد تدويرها لتستمر إلى أجل غير مسمّى بمهام جديدة.

لهذا السبب فإن التطورات الأخيرة في القاعدة تكتسب أهمية تفوق مجرد خبر عابر.

في يناير (كانون الثاني) 2025، وجّهت إدارة الرئيس دونالد ترمب وزارة الدفاع والأمن الداخلي إلى توسيع «مركز عمليات المهاجرين»، في قاعدة غوانتانامو البحرية، إلى كامل طاقته، بهدف توفير مساحة إضافية لاحتجاز مهاجرين. ومنذ ذلك الحين، أكدت وثائق ICE وجود إجراءات خاصة لاحتجاز المهاجرين في القاعدة، بما في ذلك في «كامب 6» و«مركز عمليات المهاجرين».

وعليه، بعد سلسلة من محطات التوقيف والاحتجاز، نقل آدم عبد الله، وهو صومالي يبلغ 31 عاماً أوقفته سلطات الهجرة في مينيسوتا، ونقلته إلى غوانتانامو من دون تهمة واضحة، ووجوده قانوني، ويجري مراجعات دورية مع سلطات الهجرة. وأفادت وسائل إعلام أميركية بأنه يقبع منذ نحو أسبوعين في «كامب 6»، وأنه واحد من 8 أشخاص من الصومال محتجزين هناك.

لا يعني هذا أن معتقل «الحرب على الإرهاب» ومراكز احتجاز المهاجرين هما المؤسسة القانونية نفسها، ولا أن الأشخاص المحتجزين فيهما يخضعون للمنظومة ذاتها، لكن إعادة استخدام المنشأة نفسها لتنفيذ اعتقالات خارج المنظومة القانونية وبعيداً من البر الأميركي تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:

هل تستعاد أدوات «الحرب على الإرهاب» في خوض «الحرب على المهاجرين»؟ وهل يُعاد تدوير المعتقَل السيئ السمعة، مرة بعد أخرى بحسب ساكن البيت الأبيض؟

«كامب 6» بغوانتانامو في صورة تعود لعام 2008 (غيتي)

ليس ضرورياً أن تكون الحربان متطابقتين كي يستحق السؤال أن يُطرح.

فغوانتانامو لم يعد فقط نتاجاً لما حدث في 11 سبتمبر، بل أصبح اختباراً يومياً لما يمكن أن يحدث للأدوات التي تصنعها الدول في لحظات الخوف، ثم تكتشف لاحقاً أنها أسهل في اختراعها من إلغائها.

إنه ببساطة قصة الاستثناء الذي استحال قاعدة.