إدانات دولية للاقتحام الإسرائيلي للأقصى

عودة الهدوء بعد صدامات عنيفة بين الشرطة الإسرائيلية والمصلين الفلسطينيين

فلسطينيون يرددون هتافات أمام القوات الإسرائيلية في الأقصى (أ.ف.ب)
فلسطينيون يرددون هتافات أمام القوات الإسرائيلية في الأقصى (أ.ف.ب)
TT

إدانات دولية للاقتحام الإسرائيلي للأقصى

فلسطينيون يرددون هتافات أمام القوات الإسرائيلية في الأقصى (أ.ف.ب)
فلسطينيون يرددون هتافات أمام القوات الإسرائيلية في الأقصى (أ.ف.ب)

عاد الهدوء إلى الحرم القدسي بعد صدامات عنيفة جرت ليلاً بين مصلين فلسطينيين والشرطة الإسرائيلية التي اعتقلت مئات منهم، أعقبت اقتحام الباحة من قبل يهود عشية عيد الفصح الذي يحتفلون به، بعد ظهر أمس (الأربعاء). وجاءت هذه المواجهات في أجواء من التوتر المتزايد بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وخلال شهر رمضان الذي يعتكف فيه مسلمون عادة في المسجد الأقصى ويؤدون الصلاة ليلاً فيه.
وأثار اقتحام الشرطة الإسرائيلية للحرم القدسي سلسلة إدانات، بينما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن دولته «ملتزمة بالوضع الراهن». واعتبرت حركة «حماس» التي تسيطر على قطاع غزة، الخطوة «جريمة غير مسبوقة»، ودعا إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للحركة، فجر أمس (الأربعاء)، الفلسطينيين إلى التوجه للقدس من أجل «حماية» المسجد الأقصى. أما زياد النخالة، الأمين العام لـ«حركة الجهاد الإسلامي»، فقد رأى أن «ما يجري في المسجد يشكل تهديداً جدياً على مقدساتنا».
وحذرت الرئاسة الفلسطينية أيضاً «الاحتلال الإسرائيلي من تجاوز الخطوط الحمراء في الأماكن المقدسة»، مشيرة إلى أن ذلك سيؤدي إلى «انفجار كبير»، كما ورد في بيان بثته وكالة الأنباء الرسمية (وفا). وقال أمين سر «منظمة التحرير الفلسطينية»، حسين الشيخ، إن «الوحشية» في «الاعتداء على المصلين» تستدعي «تحركاً فلسطينياً وعربياً ودولياً ووضع الجميع أمام مسؤولياته في حماية المقدسات والمصلين من بطش الاحتلال».

عناصر من الأمن الإسرائيلي تعتقل فلسطينياً في باحة المسجد الأقصى (رويترز)

من جهتها، عبرت وزارة الخارجية السعودية، عن رفضها القاطع للممارسات «التي تقوض جهود السلام وتتعارض مع المبادئ والأعراف الدولية في احترام المقدسات الدينية». ونقلت «وكالة الأنباء السعودية» عن الخارجية قولها إن المملكة تتابع بقلق بالغ هذا الاقتحام «السافر»، مؤكدة على موقفها في «دعم جميع الجهود الرامية إلى إنهاء الاحتلال والوصول لحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية».
وعبر منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، تور وينسلاند، عن صدمته لمشاهد «العنف» داخل المسجد الأقصى، بعد اقتحام إسرائيلي جديد، أمس (الأربعاء). وقال في بيان نشره مكتبه، إنه منزعج من «الضرب الواضح» الذي تعرض له فلسطينيون على يد قوات الأمن الإسرائيلية والعدد الكبير للاعتقالات.
وأضاف المنسق الأممي أنه من الضروري الحفاظ على الوضع التاريخي القائم للأماكن المقدسة، داعياً القادة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى التصرف بمسؤولية والامتناع عن الخطوات التي يمكن أن تؤدي إلى تصعيد التوتر. وشدد وينسلاند، بحسب «وكالة أنباء العالم العربي»، على رفضه الشديد لتخزين واستخدام الألعاب النارية والحجارة من قبل الفلسطينيين داخل المسجد.
كما وصف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة بأنه «غير مقبول، ويجب أن يتوقف».

إدانات واسعة
واستدعى اقتحام قوات الجيش الإسرائيلي للمسجد الأقصى إدانات واسعة في العالم؛ إذ قال وزير شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا بالخارجية البريطانية طارق أحمد، إن بلاده تشعر بالصدمة من اقتحام الأمن الإسرائيلي للمسجد الأقصى، الليلة الماضية. وحذر الوزير البريطاني، عبر حسابه على «تويتر»، من أن «العنف يؤجج العنف»، مؤكداً ضرورة احترام الأماكن المقدسة.
ودعت ألمانيا إلى تجنب التصعيد، وقال الناطق باسم وزارة الخارجية كريستوفر بورغر في مؤتمر صحافي «كل مَن له تأثير على الوضع لديه مسؤولية عدم صب مزيد من الزيت على النار، وبذل كل ما في وسعه لتهدئة الوضع».
في السياق، شدد رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، على أن بلاده تشعر بقلق بالغ من «الخطاب المشتعل» الصادر عن الحكومة الإسرائيلية وأحداث العنف في المسجد الأقصى، ودعا إلى تهدئة الوضع. وقال ترودو للصحافيين: «نحن بحاجة إلى أن نرى تحولاً في نهج الحكومة الإسرائيلية».
كما أصدرت الإمارات وعمان والكويت وقطر وسوريا والجزائر ولبنان وغيرها بيانات استنكار للعنف الذي شهده المسجد الأقصى، فجر أمس. ودانت الخارجية الأردنية ما اعتبرته «انتهاكاً صارخاً وتصرفاً مداناً ومرفوضاً».
وطالبت إسرائيل بإخراج الشرطة والقوات الخاصة من الحرم القدسي الشريف فوراً، محذرة من «هذا التصعيد الخطير». وجدد التصعيد الإسرائيلي مطالب نيابية بطرد السفير الإسرائيلي من عمان، في وقت نشطت فيه الجهود الدبلوماسية الأردنية على خطوط التهدئة، ووقف الاستفزازات والانتهاكات والتحذير من خطورة استمرار دوامة العنف.
ودانت المملكة المغربية اقتحام القوات الإسرائيلية للمسجد والاعتداء على المصلين وترويعهم خلال شهر رمضان المبارك، وقالت، في بيان عن وزارة الخارجية، إن المملكة التي يرأس عاهلها الملك محمد السادس، لجنة القدس، تشدد على ضرورة احترام الوضع القانوني والديني والتاريخي في القدس والأماكن المقدسة، والابتعاد عن الممارسات والانتهاكات التي من شأنها أن تقضي على كل فرص السلام بالمنطقة.
وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، دان «الهجمات» الإسرائيلية، مؤكدا أنها «غير مقبولة»، وقال على هامش اجتماع لوزراء خارجية دول «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) في بروكسل، إن «التطبيع مع إسرائيل بدأ، لكن التزامنا لا يمكن أن يكون على حساب القضية الفلسطينية ومبادئنا»، معتبراً أن «هذه الهجمات تتخطى الحدود».

موقوفون ومصابون
وكانت الشرطة الإسرائيلية قد أعلنت، صباح أمس، أنها أوقفت «أكثر من 350 شخصاً في الحرم القدسي». لكن فراس الجبريني أحد أعضاء طاقم المحامين عن المعتقلين أكد أن عدد الموقوفين يتراوح بين 450 شخصاً و500 شخص تعرض كثير منهم لإصابات، معظمها في الجزء العلوي من الجسد، لا سيما في الرأس والعيون. بينما ذكرت جمعية «إسعاف الهلال الأحمر الفلسطيني» أن طواقمها تعاملت مع «25 إصابة من الذين أفرج عنهم» ونُقل «اثنان منهم إلى المستشفى». وأوضح الجبريني أنه تم «الإفراج عن عدد غير محدد منهم بشروط الإبعاد عن المسجد والبلدة القديمة والمثول للتحقيق عند الاستدعاء».
كما أكد المحامي نفسه تمديد اعتقال «18 موقوفاً (فلسطينياً) من حملة الهوية الإسرائيلية لحين عرضهم على المحكمة، بالإضافة إلى الذين يحملون الهوية الفلسطينية». وقال مكتب الأوقاف الإسلامية، عصر أمس، إن الهدوء عاد إلى الحرم القدسي.
ويرفض الفلسطينيون دخول اليهود إلى الحرم القدسي والصلاة فيه، ويعتبرون هذه الخطوة التي يسمونها «اقتحاماً» استفزازاً لهم. وقال المصلي عبد الكريم إكريم (74 عاماً) إن «الشرطة دخلت إلى المسجد عنوة». وأضاف: «خلعوا الأبواب وكسروا الشبابيك ودخلوا على المعتكفين وهم يصلون ويقرأون القرآن». وتابع: «كان معهم هراوات وعصي وقنابل الغاز والدخان... ألقوا القنابل وضربوهم (المعتكفين) وأخرجوهم بالقوة. ضربوا النساء والرجال».
من جهته، أكد بنيامين نتنياهو، في بيان، أن إسرائيل ملتزمة الحفاظ على «حرية العبادة وحرية الوصول (إلى المسجد) لجميع الأديان (...) ولن تسمح للمتطرفين العنيفين بتغيير هذا». وأن هناك «إجراءات إسرائيلية للحفاظ على الوضع الراهن وتهدئة الأنفس». وأشاد وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، بالشرطة «لتحركها السريع والحازم»، متهماً المصلين الذين طردتهم الشرطة من المسجد، بأن نيتهم «إلحاق الأذى برجال الشرطة وقتلهم وإيذاء المواطنين الإسرائيليين».
ونشرت الشرطة الإسرائيلية مقاطع مصوّرة تظهر انفجارات ناجمة على ما يبدو من مفرقعات داخل المسجد الأقصى، وظلال أشخاص يرمون الحجارة، وعناصر من شرطة مكافحة الشغب يتقدمون داخل المسجد وهم يحتمون من المفرقعات بدروع واقية. وتظهر المشاهد أيضاً باباً محصناً وكميات من المفرقعات على سجادة على الأرض، بينما عناصر الشرطة يجلون 5 أشخاص على الأقل مكبلي الأيدي.

تصعيد من غزة
ورداً على اقتحام الشرطة للمسجد، أُطلقت صواريخ عدة من شمال قطاع غزة باتجاه إسرائيل، على ما أفادت به مصادر أمنية فلسطينية ومراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية». وقال الجيش الإسرائيلي في بيان: «أُطلقت 5 صواريخ من قطاع غزة على المناطق الإسرائيلية، وتم اعتراضها جميعاً بواسطة منظومة الدفاع الجوي». وفي وقت لاحق شنت طائرات حربية إسرائيلية غارات على قطاع غزة.
وتجدد إطلاق الصواريخ من قطاع غزة بعد الغارات الإسرائيلية، فيما شن الطيران الإسرائيلي غارات مجدداً قرابة الساعة 06:15 صباحاً. ولم يعلن أي فصيل فلسطيني مسؤوليته عن إطلاق الصواريخ. ولم تسفر الغارات عن وقوع إصابات، بحسب مصادر طبية.
ودانت جامعة الدول العربية «اقتحام قوات الاحتلال للمسجد الأقصى»، واعتبرته «عملاً عدوانياً مرفوضاً»، داعية إلى اجتماع طارئ، أمس (الأربعاء).
تصاعد العنف منذ مطلع العام الحالي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بعدما وصلت إلى السلطة في إسرائيل حكومة تُعتبر مِن الأكثر يمينية في تاريخ البلاد.
وأسفرت أعمال العنف، منذ مطلع العام، عن مقتل أكثر من 100 شخص، معظمهم من الجانب الفلسطيني.


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي «مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

«مستعربون» بزي نسائي تسللوا إلى قلب نابلس لقتل 3 فلسطينيين

قتلت إسرائيل 3 فلسطينيين في الضفة الغربية، الخميس، بعد حصار منزل تحصنوا داخله في نابلس شمال الضفة الغربية، قالت إنهم يقفون خلف تنفيذ عملية في منطقة الأغوار بداية الشهر الماضي، قتل فيها 3 إسرائيليات، إضافة لقتل فتاة على حاجز عسكري قرب نابلس زعم أنها طعنت إسرائيلياً في المكان. وهاجم الجيش الإسرائيلي حارة الياسمينة في البلدة القديمة في نابلس صباحاً، بعد أن تسلل «مستعربون» إلى المكان، تنكروا بزي نساء، وحاصروا منزلاً هناك، قبل أن تندلع اشتباكات عنيفة في المكان انتهت بإطلاق الجنود صواريخ محمولة تجاه المنزل، في تكتيك يُعرف باسم «طنجرة الضغط» لإجبار المتحصنين على الخروج، أو لضمان مقتلهم. وأعلنت وزارة

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

مشروع قانون إسرائيلي يتيح لعوائل القتلى مقاضاة السلطة واقتطاع أموال منها

في وقت اقتطعت فيه الحكومة الإسرائيلية، أموالاً إضافية من العوائد المالية الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، لصالح عوائل القتلى الإسرائيليين في عمليات فلسطينية، دفع الكنيست نحو مشروع جديد يتيح لهذه العائلات مقاضاة السلطة ورفع دعاوى في المحاكم الإسرائيلية؛ لتعويضهم من هذه الأموال. وقالت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، الخميس، إن الكنيست صادق، بالقراءة الأولى، على مشروع قانون يسمح لعوائل القتلى الإسرائيليين جراء هجمات فلسطينية رفع دعاوى لتعويضهم من أموال «المقاصة» (العوائد الضريبية) الفلسطينية. ودعم أعضاء كنيست من الائتلاف الحكومي ومن المعارضة، كذلك، المشروع الذي يتهم السلطة بأنها تشجع «الإرهاب»؛

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

تأهب في إسرائيل بعد «صواريخ غزة»

دخل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب وقصف بدباباته موقعاً في شرق مدينة غزة، أمس الثلاثاء، ردّاً على صواريخ أُطلقت صباحاً من القطاع بعد وفاة القيادي البارز في حركة «الجهاد» بالضفة الغربية، خضر عدنان؛ نتيجة إضرابه عن الطعام داخل سجن إسرائيلي.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

وساطة عربية ـ أممية تعيد الهدوء إلى غزة بعد جولة قتال خاطفة

صمد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة الذي دخل حيز التنفيذ، فجر الأربعاء، منهيا بذلك جولة قصف متبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية استمرت ليلة واحدة (أقل من 24 ساعة)، في «مخاطرة محسوبة» بدأتها الفصائل ردا على وفاة القيادي في «الجهاد الإسلامي» خضر عدنان في السجون الإسرائيلية يوم الثلاثاء، بعد إضراب استمر 87 يوما. وقالت مصادر فلسطينية في الفصائل لـ«الشرق الأوسط»، إن وساطة مصرية قطرية وعبر الأمم المتحدة نجحت في وضع حد لجولة القتال الحالية.

كفاح زبون (رام الله)

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

يواجه أطفال قطاع غزة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، مساراً طويلاً لاستعادة ما فاتهم من التعليم، في ظل فجوات في القراءة والكتابة والحساب، ومدارس مدمّرة، وأعباء نفسية ومعيشية تعرقل انتظام الدراسة.

ويرى خبيران تحدثا إلى «الشرق الأوسط»، أن معالجة ما فقده أطفال غزة قد تتطلب برامج تمتد لسنوات، تبدأ بتحديد ما يعرفه كل طفل وما يحتاج إلى تعلّمه.

مشاكل القراءة والكتابة

خلال وجوده في غزة، عاين الدكتور أحمد كمال جنينة، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة الأقصى بغزة، آثار انقطاع أطفال القطاع عن التعليم من خلال تجربته مع أبنائه، وحديثه مع أقارب وأولياء أمور التلاميذ ليكتشف أن أبرزها عجز الأطفال عن القراءة والكتابة من الأساس.

ويقول جنينة الذي يشارك كزميل مقيم في معهد رادكليف للدراسات المتقدّمة بجامعة هارفارد الأميركية لـ«الشرق الأوسط»: «أرى أننا أمام فاقد تعليمي عميق يتراكم مع مرور الوقت، ويتفاوت حجمه من طفل إلى آخر».

وتحمل العودة إلى الدراسة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب في قطاع غزة، أسئلة عن مستوى الأطفال الفعلي، وما تتيحه ساعات التعليم المتاحة، وكيفية بناء برامج تساعدهم على متابعة دراستهم دون أن تتراكم فجوات جديدة.

وتشمل الفجوات مهارات تعلّمها الأطفال ثم ضعفت بسبب غياب الممارسة، وأساسيات لم تُتح لآخرين فرصة اكتسابها أصلاً. ومع الانتقال الإداري إلى صفوف أعلى، قد يبقى ضعف القراءة عائقاً أمام متابعة مواد أخرى، فتتراكم صعوبات جديدة فوق ما لم يُعالج من قبل. وتُضاف إلى ذلك خسارة الروتين المدرسي والتفاعل اليومي مع المعلّمين والأقران، وما يتيحه هذا التواصل من علاقات وتجارب تسهم في تكوين الشخصية وتنمية المهارات الاجتماعية والحياتية، وفقاً لجنينة.

طلاب فلسطينيون خلال حصة فنية في مدرسة أُنشئت بدعم من منظمة «يونيسف» داخل مخيم للنازحين في بلدة القرارة بمدينة خان يونس عام 2025 (أ.ف.ب)

وفي مؤشر إلى محدودية فرص التعلّم، يستشهد جنينة بمسح أجرته «يونيسف» بين ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، وشمل 2071 أسرة في غزة. وأظهر أن 68 في المائة من الأطفال بين الخامسة والحادية عشرة شاركوا في أنشطة تعليمية لمدة ثلاثة أشهر أو أقل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى إجراء المسح. وتصف هذه النسبة مدة المشاركة في التعليم، أما تحديد مقدار التراجع في المهارات، فيحتاج إلى تقييم مباشر.

احتياجات تسبق الاستفادة من الدرس

وقد تتعثر استفادة الطفل من التعليم بسبب احتياج صحي أو نفسي لم يُنتبه إليه. هنا، يستحضر جنينة تجربة وثّقتها منظمة «وور تشايلد»، المتخصصة في دعم الأطفال المتأثرين بالحروب ومقرّها هولندا، لطفل فلسطيني يبلغ من العمر 7 سنوات يدعى «كريم»، في دير البلح وسط القطاع.

بعد فقدان والده ومنزله، واجه كريم صعوبة في المشاركة والبقاء في مركز التعلّم، ومع الدعم النفسي والأنشطة الجماعية والتعليم التعويضي، وتوفير نظّارات لمعالجة صعوبة بصرية، بدأ يشارك بثقة أكبر.

وفي تحليل لجنينة، تُبيّن هذه الحالة أهمية معالجة احتياجات قد تتوقف عليها قدرة الطفل على التفاعل مع المعلّم والاستفادة من الدرس.

أطفال فلسطينيون نازحون يشاركون في جلسات دعم نفسي داخل مرسم يستخدم حيوانات أليفة وطيوراً في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة عام 2026 (أ.ف.ب)

وتَرِد مؤشرات أخرى في مسح «يونيسف»، الذي أبلغ فيه أهالٍ عن اضطرابات نوم وانسحاب اجتماعي وتغيّرات سلوكية لدى أطفالهم، بما يستدعي مراعاة احتياجاتهم النفسية والاجتماعية عند استعادة الدراسة.

ويقول جنينة: «أعتقد أنه لا يمكن فهم ما يواجهه الطفل داخل الصفّ بمعزل عن ظروف حياته خارجه»، فمكان النوم، والشعور بالأمان، وتوافر مساحة للدراسة، وشخص يساعد في متابعة الدروس، كلها عوامل تدخل في قدرته على التركيز والاستمرار.

وقد عاين الدكتور جنينة أثر غياب الاستقرار أيضاً لدى طلبته الجامعيين؛ فمنهم من عرقل النزوح المتكرر دراسته، ومنهم من انتظر الليل بحثاً عن الهدوء، وسط صعوبات تأمين الإنترنت وشحن الهواتف والوصول إلى المواد التعليمية. وهذه شهادات تخصّ التعليم الجامعي، لكنها توضح جانباً من المشقة التي بات يتطلّبها الوصول إلى الدرس قبل البدء بمتابعته وفهمه.

تجربة سابقة وحدود المقارنة

توجد خبرات سابقة تشير إلى إمكان تحقيق تقدّم في المهارات الأساسية عبر التعليم التعويضي. ومن بينها برنامج وثّقته «يونيسف» عام 2021، وأكمله خمسة آلاف طفل من الصفوف الأول إلى الرابع في غزة، ارتفع فيه متوسط نتائج اختبار الرياضيات من 37 في المائة قبل البرنامج إلى 95.5 في المائة بعده، بحسب المثال الذي يستحضره جنينة.

لكن الفارق بين ظروف تلك التجربة والواقع الراهن يمنع استخدامها لتحديد مدة التعويض اليوم. ويشرح جنينة: «نتعامل مع نظام تعليمي فقد معظم مدارسه ومرافقه، إلى جانب ما تعرّض له المعلّمون والأطفال وأُسرهم من قتل ونزوح وفقدان وجوع وظروف معيشية قاسية. ولذلك لا يمكن القياس على تجربة عام 2021 لتقدير المدة التي يحتاج إليها الأطفال للتعافي من آثار الحرب الحالية».

وتبقى قيمة التجربة في إظهار إمكان الاستفادة من التدخّلات التعويضية، مع الاستعداد لبرامج تمتد لسنوات، تُراجَع أهدافها ونتائجها باستمرار. ويحذّر جنينة من أن يتحوّل العمل إلى سباق لإنهاء المناهج وإجراء الامتحانات وترفيع الطلبة: «فالغاية هي أن يتعلّم الطفل فعلاً ويمتلك المهارات التي يحتاج إليها لمواصلة تعليمه دون أن تتراكم عليه فجوات جديدة».

أطفال فلسطينيون يحملون حقائبهم المدرسية ويسيرون بين خيام مؤقتة في مدينة غزة يوم 28 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

المعلّمون وشركاء التعافي

تحتاج هذه البرامج إلى معلّمين قادرين على الاستمرار في عملهم، بينما يعيشون هم أنفسهم ظروف الحرب والنزوح والفقدان والضغوط المعيشية والنفسية. ويضع جنينة توفير دخل مستقر ودعم نفسي ومهني لهم في صلب استعادة التعليم، حتى يستطيعوا متابعة الأطفال والتعامل مع التجارب القاسية التي مرّوا بها.

وتبقى الأولوية لتحقيق التعافي، وفق جنينة، «وقف الاعتداءات والقتل المستمر، وضمان سلامة الأطفال والمعلّمين، وتوفير أماكن آمنة يمكنهم الوصول إليها والتعلّم فيها». ويرى أنه بالتوازي مع مواصلة التعليم في المساحات المؤقتة، لا بدّ من إصلاح المدارس المتضررة وتلبية الاحتياجات الأساسية للأطفال بما يُمكّنهم من الانتظام في الدراسة.

أما وضع الخطط وتنفيذها، فيقتضي مشاركة أساسية من أصحاب الخبرة المحلية. وفي تعبير جنينة: «والأهم أن يكون للمعلّمين والمؤسسات التعليمية الفلسطينية دور أساسي في وضع خطط التعافي وتنفيذها، بمشاركة أهالي الطلبة، فهم الأعرف باحتياجات الأطفال وبالظروف التي يعيشونها».

حين تُستهلك الحصة في المراجعة

وفي تفاصيل العمل اليومي داخل الصفوف والمساحات المؤقتة، تظهر عقبات أمام تحويل خطط التعويض إلى تقدّم مستمر. ويشرح رائد أبو مخدة، المتخصص في الإدارة المدرسية والتعليم في ظروف الطوارئ، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، كيف يعطّل غياب أيام الدوام المتواصلة البناء على ما يتعلّمه الأطفال.

ويصف أبو مخدة ذلك بقوله: «نبدأ مهارة، ثم ينقطع الحضور، فنعود إلى مراجعتها بدل البناء عليها. ويصبح جزء كبير من الوقت المتاح مخصصاً لاستعادة ما سبق شرحه».

أطفال فلسطينيون يجلسون في فصلهم الدراسي في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد داخل مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات بوسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

لذلك، لا يكفي عدّ أيام الغياب لتقدير ما خسره الطفل. فأيام الحضور نفسها قد تكون قصيرة ومتباعدة، أو يصل فيها الطفل مرهقاً أو جائعاً أو خائفاً، فتضعف استفادته من الوقت المتاح، وفق أبو مخدة.

وفي المساحات المؤقتة، يواجه المعلّم قيوداً إضافية؛ يوضح أبو مخدة: «الضوضاء وتقارب المجموعات قد يجعلان الاستماع والتركيز صعبين، ويحدّ ضيق المكان من الأنشطة والعمل في مجموعات ومتابعة كل طفل». ويشير إلى افتقار الخيام إلى الحماية المناسبة من تقلّبات الطقس، وقد تنقصها المقاعد والسبورة والكتب والوسائل التعليمية والمرافق الصحية الملائمة.

أما اختصار الدوام فيقلّص وقت الشرح والتدريب والتقييم، وقد ينتهي الدرس قبل التأكد من فهم الأطفال أو مساعدة المتعثرين. ويلخّص أبو مخدة حدود هذه الاستجابة بقوله: «الخيمة قد توفر مكاناً للدرس، لكنها لا توفر وحدها مقوّمات مدرسة قادرة على معالجة فاقد متراكم».

مجموعات بحسب المهارة

تبدأ المعالجة، في التصوّر الذي يطرحه أبو مخدة، بتقييم تشخيصي للقراءة والكتابة والحساب، ثم توزيع الأطفال على مجموعات بحسب مستوى المهارة، وتقديم تعليم علاجي منتظم بأهداف محدّدة ومتابعة مستمرة.

ويقتضي ذلك تدريب المعلّمين على التعامل مع تفاوت المستويات، وتوفير مواد تعليمية مناسبة، وإتاحة وقت كافٍ للتدريب والتحقق من الفهم. فلا يصحّ افتراض امتلاك الطفل مهارات الصف الذي وصل إليه بحسب عمره، قبل معرفة ما يستطيع إنجازه فعلياً.

وتختلف القدرة على التعويض بحسب العمر والمستوى السابق وطول الانقطاع والظروف النفسية والمعيشية؛ فقد تتحسّن مهارات محددة خلال أشهر إذا توافر انتظام حقيقي، فيما قد تستغرق معالجة الفجوات المتراكمة عدة سنوات. وهي تقديرات تربوية مشروطة، بحسب أبو مخدة، لا مواعيد مضمونة لإنجاز التعافي.

ويظل استمرار الدراسة شرطاً للحفاظ على أي تقدّم: «استمرار الانقطاع يعني أن الطفل يحاول التعويض بينما يتكوّن لديه فاقد جديد»، بحسب أبو مخدة.

طالب فلسطيني ينظر إلى داخل فصله الدراسي في أثناء حضوره اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

مَن يواجه الخطر الأكبر؟

تترك الفجوات آثاراً مختلفة تبعاً للمرحلة العمرية؛ ففي الصفوف الأولى، يمتد ضعف المهارات التأسيسية إلى بقية المواد، ويصبح فهم السؤال نفسه عقبة أمام متابعة الدرس أو أداء الاختبار. وبعبارة أبو مخدة: «الطفل الذي لا يستطيع قراءة السؤال لن يتمكن من إظهار معرفته حتى إن كان يفهم بعض محتواه».

أما الطلبة الأكبر سناً، فقد تدفعهم الحاجة إلى العمل أو المسؤوليات الأسرية أو فقدان الأمل في استكمال الدراسة إلى الابتعاد النهائي عن التعليم، وفق أبو مخدة الذي يشير إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة، ومن تعرّضوا لإصابات أو فقدان أو نزوح متكرر، يواجهون صعوبات إضافية مع نقص الخدمات المتخصصة. ولهذا، يرى أن برامج التعويض تحتاج إلى متابعة المنقطعين والمعرّضين للتسرّب، وتقييم النجاح بما أصبح الطفل قادراً على قراءته وكتابته وفهمه، إلى جانب متابعة انتظامه واستمراره، دون الاكتفاء بأعداد المسجّلين والحصص المنفّذة.

ويختصر أبو مخدة شروط هذا العمل بقوله: «التعويض يحتاج إلى وقت واستقرار وموارد، والحديث عن التعافي التعليمي دون توفير هذه الشروط يحمّل الأطفال والمعلّمين مسؤولية ظروف لا يملكون تغييرها».


الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
TT

الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)

فتح الرئيس السوري أحمد الشرع أبواباً للشراكة مع بغداد، واستقبل في دمشق أمس، رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي.

وتعدّ زيارة الزيدي الأولى من نوعها لرئيس وزراء عراقي منذ سقوط نظام الأسد. وقالت مصادر مطلعة في دمشق إنها تشكّل «منعطفاً جوهرياً» في علاقات البلدين، في وقت تشير فيه المعطيات إلى توجه دمشق وبغداد نحو شراكة استراتيجية تخدم المصالح الاقتصادية والأمنية.

وسعى الزيدي إلى إظهار التقارب المذهبي عبر زيارته الجامع الأموي ومرقد السيدة زينب، وتبرعه من «حسابه الشخصي» بـ10 ملايين دولار لاحتياجات المعلمين الدينيين بالمناصفة.


سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

استهدفت الميليشيات الحوثية مطار عدن الدولي بصاروخين باليستيين، أمس، في سادس اعتداء عليه خلال أيام، ما أسفر عن وقوع إصابات بين المدنيين وأضرار مادية.

وأوضحت القوات المسلحة اليمنية، في بيان، أن هذا الاعتداء يؤكد استمرار نهج الميليشيات العدائي وانتهاكاتها السافرة.

ودخلت عملية «فجر اليمن»، أمس، يومها الرابع والعشرين، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز، واستمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب.

واتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن، مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية بريف محافظة لحج ومحيط تعز. وأفاد «تحالف دعم الشرعية» في اليمن بأن الدفاع الجوي السعودي اعترض ودمّر صاروخاً باليستياً أطلقه الحوثيون باتجاه محافظة الطائف.