نتنياهو يشرب من كأس رابين

الاحتجاجات لم تفارق إسرائيل... وتتخذ اليوم شكلاً ومضموناً غير مسبوقَين

اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع  (رويترز)
اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع (رويترز)
TT

نتنياهو يشرب من كأس رابين

اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع  (رويترز)
اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع (رويترز)

إذا كان هناك من درس يتعلمه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من موجة الاحتجاج الهائلة ضده والتي تهدد مصيره السياسي والإنساني، فهو «درس نتنياهو» نفسه، الذي يتم تدريسه في الجامعات وفي كليات الأمن القومي وداخل الجيش وأجهزة المخابرات، ولكن بالمقلوب.
ففي يوم من الأيام، قبل 28 عاماً، كان نتنياهو رئيساً للمعارضة اليمينية في إسرائيل. وقد قاد في حينه مظاهرات ضخمة صاخبة ضد الحكومة، برئاسة إسحق رابين. وكان الخطاب السياسي الذي أملاه نتنياهو يومها، سابقة في العنف الشديد، فقد شبّه الموالون له رابين، بالنازي، ورفعوا صوراً مركّبة له تظهره يرتدي بزة الجيش الألماني النازي، وصورة أخرى بالكوفية الفلسطينية التي اشتهر بها الرئيس ياسر عرفات، وشعارات ضخمة مثل «رابين خائن»، و«رابين قاتل»، و«بالروح والدم سنطرد رابين». ووقف نتنياهو يومها على منصة ومن ورائه ارتفع شعار يقول «الموت لكبير القتلة». وكانت هذه واحدة من عشرات المظاهرات التي أقامها اليمين ضد رابين، بمشاركة عشرات ألوف المتظاهرين، وانتهت باغتيال رابين.
نتنياهو يضع نفسه اليوم في موقع التقوقع في زاوية دفاع عن النفس في مواجهة المظاهرات الجماهيرية. ومع أن المظاهرات ضده غير مسبوقة بحجمها ومضمونها، فإن رؤساء الأجهزة الأمنية يحذرونه من أنها قد تتخضب بالدماء، أيضاً. فقد سبق وأن سفكت دماء في مظاهرات أقل شأناً من مظاهرات اليوم.
ففي إسرائيل خرج الجمهور بعشرات الألوف لمرات، في الماضي. كانت البدايات في سنوات الخمسينات، عندما خرج المواطنون العرب (فلسطينيو 48) ومعهم ألوف اليهود اليساريين احتجاجاً على مجزرة كفر قاسم سنة 1956. وفي حينه انتهت هذه المظاهرات عندما خرج رئيس الحكومة الأول، ديفيد بن غوريون بتشكيل لجنة تحقيق.
وفي سنة 1959، انطلقت موجة احتجاج «وادي الصليب» في حيفا، وفيها تظاهر اليهود المغاربة ضد الحكومة، مطالبين بوقف التمييز ضدهم وبتوفير مساكن. كان رئيس الحكومة المؤقت يومها ليفي أشكول، وصف المتظاهرين على أنهم «همجيون يأتون بتقاليد عربية في المظاهرات، مثل قصف الحجارة». وقال: إن العرب أرسلوا اليهود الفقراء «الذين يغزو رؤوسهم القمل لكي ينشروا الأمراض بيننا». وقد قمعت الشرطة، يومها، هذه المظاهرات بالقوة والعنف وقتل خلالها أحد المتظاهرين، ولم تتوقف إلا عندما شُكّلت لجنة لمعالجة مطالبهم قررت توفير مساكن جديدة لهم.
وفي سنة 1973، خرج عشرات ألوف المتظاهرين اليهود ضد الحكومة بسبب إخفاقاتها في حرب أكتوبر (تشرين الأول). وردت رئيسة الحكومة غولدا مئير بتشكيل لجنة تحقيق. غير أنها اضطرت إلى الاستقالة لاحقاً، ليتولى مكانها إسحق رابين. وبعد الكشف عن نتائج التحقيق خسر حزب العمل الحكم في انتخابات 1977، وفاز اليمين لأول مرة في الانتخابات العامة.
وفي سنة 1976، خرج العرب مرة أخرى في مظاهرات جماهيرية واسعة بمشاركة عشرات الألوف ضد حكومة اسحق رابين الأولى، وذلك فيما عُرف بـ«يوم الأرض»، الذي احتجوا فيه على مصادرة أراضيهم وقتل خلال القمع ستة شبان فلسطينيين.
وفي سنة 1982، شهدت إسرائيل موجة احتجاج دامت سنوات عدة ، ضد حكومة مناحم بيغن ثم حكومة إسحق شامير؛ بسبب التورط في حرب لبنان ومجازر صبرا وشاتيلا، شارك فيها 200 ألف متظاهر، وانتهت أيضاً بتشكيل لجنة تحقيق، أجبرت وزير الدفاع، أرئيل شارون على الاستقالة من منصب وزير الدفاع، وأصيب رئيس الوزراء، مناحم بيغن، باكتئاب مرضي وفرض على نفسه العزلة حتى آخر يوم في حياته.
وبعد اغتيال رابين وتولي نتنياهو الحكم لأول مرة سنة 1996، بدأت في إسرائيل موجات احتجاج للمواطنين من أصل إثيوبي، بعد كشف أحد الصحافيين عن أن المؤسسات الطبية التي تحصل على «وجبات» تبرع بالدم من الإثيوبيين، تقذف بها إلى سلال القمامة. فخرج الإثيوبيون في مظاهرات صاخبة. ومن حينها يخرجون في مظاهرات كبيرة بين حين وآخر، وتتباين مواقف الحكومات في التجاوب مع مطالبهم.
في الفترة بين عامي 2004 – 2005، خرج اليمين المتطرف بموجات احتجاج شديدة وعنيفة ضد خطة حكومة آرئييل شارون للانفصال عن قطاع غزة، والتي شملت إخلاء 8 آلاف مستوطن وهدم 21 مستوطنة في القطاع وأربع مستوطنات في شمالي الضفة الغربية. وقد بلغ عدد المتظاهرين 130 ألفاً، مشوا من غزة إلى القدس (980 كيلومتراً) وفي تل أبيب بلغ عددهم 250 ألفاً. وكانت هناك مظاهرات عنيفة أيضاً. وفي مرحلة معينة، أعلن 2500 من مستوطني غزة مستوطنتهم دولة مستقلة وطالبت الأمم المتحدة بالاعتراف بها.
وفي أعقاب حرب لبنان الثانية، انفجرت موجة احتجاج ضد حكومة إيهود أولمرت، طالبت بإقالة وزير الدفاع عمير بيرتس ورئيس أركان الجيش دان حالوتس. ويبدو أن خطة الانقلاب التي كان يقودها نتنياهو، ولدت هناك. ففي حينه، قررت مجموعة من قوى اليمين المتطرف في إسرائيل ومعها مجموعة من اليمين الأنجليكاني في الحزب الجمهوري الأميركي، وضع خطة تمنع الحكومة الإسرائيلية القادمة من الانسحاب من مناطق في الضفة الغربية. ورأوا أن الحل هو أن تبنى هذه الخطة على نظام حكم جديد، يميني محافظ بصرامة. وتم تمويل هذه الحملة بمليارات الدولارات، وتضمنت تنشئة قادة سياسيين جدد من الشباب المتحمس. ووزير المالية اليوم، بتسلئيل سموترتش ووزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، هما من بين تلاميذ هذه المدرسة.
لكن فترة حكم نتنياهو شهدت أكثر عدد من المظاهرات ضده، ليس فقط بسبب كونه صاحب أطول فترة حكم بين رؤساء حكومات إسرائيل، بل لأن سياسته الالتوائية أنشأت من حوله معارضة واسعة من الخصوم، مثلما أنشأت مجموعة كبيرة من المؤيدين الذين يبجلونه. وكانت أول موجة احتجاج ضده بين عامي 2011 – 2012؛ للمطالبة بحل أزمة السكن وارتفاع غلاء المعيشة. وفي حينه، بدا الجمهور الإسرائيلي متأثراً بما سُمي بالربيع العربي، فخرجوا يهتفون «الشعب يطالب بإسقاط النظام».
آنذاك، شكّل نتنياهو لجنة مختصين من جهة، وشنّ حرباً على قطاع غزة من جهة ثانية، فأجهض المظاهرات. وفي سنة 2014 شهدت البلاد مظاهرات لليهود الإثيوبيين وحركات التضامن الاجتماعي بعد قيام الشرطة بقتل متظاهر إثيوبي.
وفي سنة 2016 خرج اليهود المتدينون بمظاهرات شارك فيها 600 ألف؛ احتجاجاً على قانون يلزم شبابهم بالخدمة العسكرية. فتراجع نتنياهو عن القانون. وفي سنة 2018 تظاهر ربع مليون إنسان دفاعاً عن حقوق المثليين وتراجع نتنياهو هنا أيضاً ووضع قانوناً يضمن لهم المساواة. وفي السنة نفسها خرجت النساء بمظاهرة ضمت 30 ألف متظاهر، ضد جرائم قتل النساء. وسن نتنياهو قانوناً يرضيهن بضمان ميزانية لمكافحة الظاهرة وسن بنداً لمساواة النساء في إسرائيل.
هذا يعني أن نتنياهو يعرف كيف يتراجع أمام الضغط الجماهيري، لكن، أمام الضغط الهائل وغير المسبوق اليوم، لا يحسن التراجع؛ لأن معه شركاء عقائديين جاءوا بخطة انقلاب جذري. وهو يقف في مواجهة الجمهور من جهة والحلفاء من جهة، ويتذكر رابين والكأس المر التي أسقاها له يومها، وما زال خيال سلفه يلاحقه حتى اليوم.


مقالات ذات صلة

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

شؤون إقليمية غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

في اليوم الذي استأنف فيه المتظاهرون احتجاجهم على خطة الحكومة الإسرائيلية لتغيير منظومة الحكم والقضاء، بـ«يوم تشويش الحياة الرتيبة في الدولة»، فاجأ رئيس حزب «المعسكر الرسمي» وأقوى المرشحين لرئاسة الحكومة، بيني غانتس، الإسرائيليين، بإعلانه أنه يؤيد إبرام صفقة ادعاء تنهي محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بتهم الفساد، من دون الدخول إلى السجن بشرط أن يتخلى عن الحكم. وقال غانتس في تصريحات صحافية خلال المظاهرات، إن نتنياهو يعيش في ضائقة بسبب هذه المحاكمة، ويستخدم كل ما لديه من قوة وحلفاء وأدوات حكم لكي يحارب القضاء ويهدم منظومة الحكم. فإذا نجا من المحاكمة وتم تحييده، سوف تسقط هذه الخطة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

سادَ هدوء حذِر قطاع غزة، صباح اليوم الأربعاء، بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، على أثر وفاة المعتقل خضر عدنان، أمس، مُضرباً عن الطعام في السجون الإسرائيلية، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وكانت وسائل إعلام فلسطينية قد أفادت، فجر اليوم، بأنه جرى التوصل لاتفاق على وقف إطلاق النار بين فصائل فلسطينية والجانب الإسرائيلي، وأنه دخل حيز التنفيذ. وقالت وكالة «معاً» للأنباء إن وقف إطلاق النار في قطاع غزة «مشروط بالتزام الاحتلال الإسرائيلي بعدم قصف أي مواقع أو أهداف في القطاع».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد مرور 75 عاماً على قيامها، أصبح اقتصاد إسرائيل واحداً من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم، وحقّقت شركاتها في مجالات مختلفة من بينها التكنولوجيا المتقدمة والزراعة وغيرها، نجاحاً هائلاً، ولكنها أيضاً توجد فيها فروقات اجتماعية صارخة. وتحتلّ إسرائيل التي توصف دائماً بأنها «دولة الشركات الناشئة» المركز الرابع عشر في تصنيف 2022 للبلدان وفقاً لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، متقدمةً على الاقتصادات الأوروبية الأربعة الأولى (ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا)، وفقاً لأرقام صادرة عن صندوق النقد الدولي. ولكن يقول جيل دارمون، رئيس منظمة «لاتيت» الإسرائيلية غير الربحية التي تسعى لمكافحة ا

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي، كيفين مكارثي، في تل أبيب، امتعاضه من تجاهل الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو وامتناعه عن دعوته للقيام بالزيارة التقليدية إلى واشنطن. وهدد قائلاً «إذا لم يدع نتنياهو إلى البيت الأبيض قريباً، فإنني سأدعوه إلى الكونغرس». وقال مكارثي، الذي يمثل الحزب الجمهوري، ويعدّ اليوم أحد أقوى الشخصيات في السياسة الأميركية «لا أعرف التوقيت الدقيق للزيارة، ولكن إذا حدث ذلك فسوف أدعوه للحضور ومقابلتي في مجلس النواب باحترام كبير. فأنا أرى في نتنياهو صديقاً عزيزاً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

بدأت المواجهة المفتوحة في إسرائيل، بسبب خطة «التعديلات» القضائية لحكومة بنيامين نتنياهو، تأخذ طابع «شارع ضد شارع» بعد مظاهرة كبيرة نظمها اليمين، الخميس الماضي، دعماً لهذه الخطة، ما دفع المعارضة إلى إظهار عزمها الرد باحتجاجات واسعة النطاق مع برنامج عمل مستقبلي. وجاء في بيان لمعارضي التعديلات القضائية: «ابتداءً من يوم الأحد، مع انتهاء عطلة الكنيست، صوت واحد فقط يفصل إسرائيل عن أن تصبحَ ديكتاتورية قومية متطرفة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
TT

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم، وبالرغم من ذلك قال البيت الأبيض إنه يبقي «جميع خياراته على الطاولة».

ونفّذت إسرائيل والولايات المتحدة آخر الهجمات الكبيرة على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، واستهدفت بشكل أساسي المنشآت النووية الرئيسية.

ما هي المواقع النووية التي ​قصفت؟

تعرضت 3 محطات إيرانية لتخصيب اليورانيوم للقصف، محطتان في نطنز، وثالثة داخل جبل في فوردو، إضافة إلى مجمع واسع في أصفهان يضم منشآت مرتبطة بدورة الوقود النووي، ومنطقة تحت الأرض يقول دبلوماسيون إن جزءاً كبيراً من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب كان مخزناً فيها.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ما حجم الضرر الذي وقع؟

لم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت تجري عمليات تفتيش منتظمة على المنشآت النووية قبل الهجوم، بما في ذلك نطنز وفوردو، بالوصول إلى تلك المواقع منذ قصفها.

مدخل منشأة فوردو في ضواحي مدينة قم (أرشيفية - أرنا)

وأجرت الوكالة عمليات تفتيش في منشآت أخرى لم تتضرر، لكن الحالة الدقيقة للمواقع التي تعرضت للقصف تبقى غير معروفة.

وفي تقريرها الفصلي عن إيران، الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني)، قالت الوكالة إن 7 منشآت نووية معروفة «تأثرت بالهجمات العسكرية»، بينما لم تتأثر 13 منشأة أخرى. ولم توضح هذه التقارير حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع المتضررة.

وبعد ‌القصف، قالت الوكالة ‌الدولية للطاقة الذرية إن أصغر محطات التخصيب الثلاث، وهي محطة التخصيب التجريبية للوقود في ‌نطنز الواقعة فوق ​الأرض، دمرت.

ورجحت ‌الوكالة أن تكون المنشآت الأكبر تحت الأرض في نطنز وفوردو قد تعرضت لأضرار بالغة على الأقل.

أما حجم الانتكاسة التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني فهو محل جدل. وبينما أكد ترمب مراراً أن المنشآت النووية الإيرانية دمرت، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في يونيو، إن إيران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر.

أجهزة طرد مركزي في صالة لتخصيب اليورانيوم بمنشأة «نطنز» قبل تعرضها لهجوم أميركي يونيو 2025 (المنظمة الذرية الإيرانية)

ماذا حدث لليورانيوم الإيراني المخصب؟

مصير اليورانيوم المخصب ليس واضحاً تماماً. فبعضه دمر في الغارات الجوية، لكن إيران لم تقدم بعد تقريراً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما حدث لمنشآتها التي تعرضت للقصف، ومخزون اليورانيوم المخصب، وذلك بالرغم من تأكيد الوكالة على أن ذلك أمر عاجل وتأخر. ولا يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق من ذلك إلا عندما تقدم إيران التقرير.

وقال غروسي، لوكالة «رويترز»، في سبتمبر (أيلول): «أعتقد أن هناك فهماً عاماً بأن المواد لا تزال موجودة بشكل عام. ولكن، بالطبع، يجب التحقق منها. وقد يكون ‌البعض منها قد فقد». ويقول دبلوماسيون إن الوضع لم يتغير كثيراً على ما يبدو منذ ذلك الحين.

وأضاف غروسي: «ليست لدينا مؤشرات تقودنا إلى الاعتقاد بحدوث نقل كبير للمواد».

صورة أرشيفية لمركز «نطنز» للأبحاث النووية الإيرانية على بُعد 270 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ف.ب)

وكانت إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة قبل وقوع الضربات. ويمكن بسهولة رفع نقاء هذا اليورانيوم إلى نحو 90 في المائة تقريباً، وهي الدرجة المطلوبة لصنع الأسلحة النووية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كان لديها 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى هذا المستوى عندما بدأ القصف. ويكفي هذا نظرياً، وفقاً لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لصنع 10 أسلحة نووية، في حالة رفع درجة النقاء بشكل أكبر. ولدى إيران أيضاً يورانيوم مخصب بمستويات أقل.

ولا تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مكان تخزين إيران لتلك المواد. ​ويقول دبلوماسيون إن إحدى منشآت التخزين الرئيسية تحت الأرض في أصفهان يبدو أنها لم تتضرر، باستثناء قصف مدخل النفق المؤدي إليها.

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ما هي المخاوف المتبقية؟

كان أحد الأسباب التي قدّمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير القصف هو أن إيران كانت تقترب كثيراً من القدرة على إنتاج سلاح نووي. وإذا جرى تخصيب اليورانيوم إلى درجة تسمح بصنع أسلحة، يمكن استخدام اليورانيوم لصنع نواة قنبلة نووية. كما يمكن استخدامه لتغذية محطات الطاقة النووية بمستويات تخصيب مختلفة.

وتقول القوى الغربية إنه لا يوجد مبرر مدني معقول لتخصيب إيران لليورانيوم إلى هذا المستوى الانشطاري العالي. وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن ذلك يثير قلقاً بالغاً. ولم تقدم أي دولة أخرى على ذلك دون أن تتجه لإنتاج أسلحة نووية في نهاية المطاف.

وفي الوقت نفسه، وقبل الهجمات، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها ليس لديها أي مؤشر موثوق على وجود برنامج منسق لامتلاك أسلحة نووية في إيران، وكان هناك كثير من الجدل حول المدة التي ستستغرقها إيران لتطوير قنبلة نووية إذا قررت الاتجاه لذلك.

وتنفي طهران سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وبصفتها طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، يحقّ لها تخصيب اليورانيوم لأغراض إنتاج الطاقة والأبحاث، ما دامت لا توجه هذه العملية نحو تطوير سلاح نووي.

منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم كما تبدو من الداخل في وسط محافظة أصفهان (رويترز)

وتمتلك إيران عدداً غير معروف من أجهزة الطرد المركزي، وهي الآلات التي يمكنها تخصيب اليورانيوم، مخزنة في مواقع غير معروفة. ولأن حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب غير معروف الآن، فهناك خطر من أن ‌تتمكن إيران من دمج الاثنين معاً سرّاً وإنتاج يورانيوم من الدرجة التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة، في انتهاك لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي.

وفي الوقت الحالي، يبدو من المرجح أن عملية البحث عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ستستمر لبعض الوقت.


مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
TT

مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)

سحب مؤتمر ميونيخ للأمن الدعوة الموجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على خلفية الحملة الأمنية التي شنّتها حكومة طهران على ‌الاحتجاجات الشعبية، التي اندلعت في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وجاء في ​بيان، ‌أُرسل بالبريد الإلكتروني، اليوم (الجمعة): «منذ عدة أسابيع، جرى توجيه الدعوات لممثلين حكوميين من إيران». وأضاف: «في ضوء الأحداث الراهنة، لن يُبقي مؤتمر ميونيخ للأمن ⁠على هذه الدعوات».

ويعدّ مؤتمر ميونيخ من بين أهم ​المنتديات الأمنية في العالم. ويُعقد اجتماع هذا ‌العام لخبراء الأمن ‍وصانعي ‍السياسات في الفترة من 13 ‍إلى 15 فبراير (شباط).

وقال المنظمون إنهم يهدفون إلى دعوة المشاركين الذين يمكنهم تقديم ​رؤى سياسية مهمة، لكنهم دائماً ما يأخذون في الاعتبار ⁠المستجدات السياسية قبل وضع اللمسات الأخيرة على قائمة المدعوين.

وقالت وزارة الخارجية الألمانية إن برلين تعارض دعوة مسؤولين إيرانيين نظراً للأحداث في إيران، حيث أشارت تقارير إلى مقتل آلاف الأشخاص في حملة قمع الاحتجاجات ‌المناهضة لنظام الحكم.


تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
TT

تباين بشأن حصيلة قتلى الاحتجاجات الإيرانية

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)
محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران الجمعة (تلغرام)

أسفرت موجة الاحتجاجات التي هزّت إيران في الأسابيع الأخيرة عن مقتل الآلاف، وفقاً لمراقبين ومنظمات حقوقية، إلا أن هناك تبايناً في تقدير عدد القتلى الذي تشير بعض التقديرات إلى أنه قد يصل إلى 20 ألفاً.

تؤكد جميع الجهات العاملة على حصر عدد القتلى أن حجب السلطات الإيرانية خدمة الإنترنت على نحو شامل عقَّد مهمتها؛ ما يعني أن بعض الأرقام المنشورة حالياً لا تمثل سوى الحد الأدنى من الحالات المؤكدة.

فيما يلي تفصيل لحصائل القتلى المختلفة، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية»:

منظمات حقوقية معنية بإيران

أكدت منظمة «إيران لحقوق الإنسان» ومقرها النرويج، مقتل 3428 متظاهراً على يد قوات الأمن.

وتستند هذه الحصيلة إلى الحالات التي تحققت منها المنظمة بنفسها أو عبر مصدرين مستقلين. كما تشمل بيانات وردت من مصادر داخل وزارة الصحة للفترة من 8 إلى 12 يناير (كانون الثاني)، وفقاً لتقرير حديث صادر عن المنظمة.

وأشارت المنظمة إلى أن عدد القتلى قد يكون أعلى بكثير، مستشهدة بتقديرات تراوح بين 5000 و20 ألف قتيل، إلا أن انقطاع الإنترنت الذي فُرض في 8 يناير جعل التحقق من المعلومات مهمة صعبة جداً.

وفي 15 يناير، أعلنت منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا) أنه تم التأكد من 2677 حالة وفاة، وأنها تحقق في 1693 حالة أخرى. وأضافت أن 2677 شخصاً آخرين أصيبوا بجروح خطيرة.

وسائل إعلام خارج إيران

قالت قناة «إيران الدولية»، وهي قناة معارضة ناطقة بالفارسية مقرها خارج البلاد، نقلاً عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى، إن ما لا يقل عن 12000 شخص قُتلوا خلال الاحتجاجات، وأن معظم القتلى سقطوا في 8 و9 يناير.

وأضافت القناة: «بعد التحقق من المعلومات الواردة من مصادر موثوقة، بما في ذلك المجلس الأعلى للأمن القومي ومكتب الرئاسة، تشير التقديرات الأولية لمؤسسات الأمن في الجمهورية الإسلامية إلى مقتل ما لا يقل عن 12000 شخص».

وذكرت شبكة «سي بي إس» الإخبارية هذا الأسبوع أن «مصدرين، أحدهما من داخل إيران»، أبلغا الشبكة الإخبارية الأميركية «بأن ما لا يقل عن 12 ألف شخص قُتلوا، وربما يصل العدد إلى 20 ألفاً».

مسؤولون إيرانيون

صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقناة «فوكس نيوز» بأن عدد القتلى «بالمئات»، نافياً الأرقام التي نشرتها منظمات في الخارج ووصفها بأنها «مبالَغ فيها» وتندرج ضمن «حملة تضليل» تهدف إلى دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتنفيذ تهديده بضرب إيران في حال مقتل متظاهرين.

وأفادت السلطات الإيرانية بمقتل عشرات من عناصر قوات الأمن، لكن لم يُعلن عن حصيلة إجمالية حديثة. وتحولت جنازات عناصر قوات الأمن مسيرات حاشدة داخل الجمهورية الإسلامية.

منظمات دولية

أعرب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك هذا الأسبوع عن «صدمته» إزاء العنف ضد المتظاهرين، قائلاً إن «التقارير تشير إلى مقتل المئات».

وتحدثت منظمة العفو الدولية عن وقوع «مجزرة»، مشيرة إلى أن عدد القتلى، وفقاً لتقرير صدر في 14 يناير، بلغ ألفي قتيل «باعتراف رسمي»، إلا أن منظمات حقوقية أخرى قدّرت العدد بأكثر من ذلك بكثير.

وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إنه «يُعتقد أن آلاف المتظاهرين والمارة قد قُتلوا... القيود الصارمة التي فرضتها الحكومة على الاتصالات أخفت الحجم الحقيقي للفظائع».

في جنيف، صرّح متحدث باسم الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن المنظمة على اتصال بالكثير من المنظمات، بما فيها منظمة «إيران لحقوق الإنسان» بشأن حصيلة القتلى، وأنها «تتلقى تقارير تشير إلى ارتفاع عدد القتلى، وهو أعلى بكثير من عدد قتلى الاحتجاجات السابقة؛ ما يدل على مستويات محتملة من العنف لم نشهدها من قبل».