فدوى طوقان وأنور المعداوي: حب روحي قوامه الافتتان باللغة وتحييد الجسد

علاقتهما العاطفية بدت نسخة معدلة عن علاقة جبران بمي زيادة

فدوى طوقان
فدوى طوقان
TT

فدوى طوقان وأنور المعداوي: حب روحي قوامه الافتتان باللغة وتحييد الجسد

فدوى طوقان
فدوى طوقان

«خرجتُ من ظلمات المجهول إلى عالم غير مستعد لتقبلي. أمي حاولت التخلص مني في الشهور الأولى من حملها بي. عشر مرات حملت أمي ولكنها لم تحاول الإجهاض قط إلا حين جاء دوري»، هذا ما تستهل به فدوى طوقان كتاب سيرتها «رحلة جبلية، رحلة صعبة»، معتبرة أن رفض الأم بالنسبة للطفلة التي ولدت في نابلس عام 1917، الحدث الأكثر دلالة على المأساة الأصلية لوجودها النافل، وعلى شعورها اللاحق بالنبذ والتهميش. ولا تكف فدوى عبر الفصول المتتالية للسيرة عن الإشارة إلى الطفلة غير السعيدة التي كانتها، وعن إصابتها المبكرة بالملاريا وشحوبها المفرط الذي كان موضع تندر الآخرين، وعن تلهفها المفرط للحصول على حدبٍ عائلي لم يتحقق لها في أي يوم. لا بل زادت الأمور سوءاً في سني مراهقتها، إلى حد أن عثور الأهل على رسالة بريئة كتبتها لفتى في السادسة عشرة، كانت كافية لتعنيفها الجسدي وسجنها داخل المنزل، وحرمانها من متابعة الدراسة.
أما حبل النجاة الذي مده القدر للفتاة الغارقة في لجج اليأس، فقد وفرته عودة أخيها الشاعر إبراهيم إلى نابلس، بعد أن أنهى دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت. ولم يكتف إبراهيم بأن فتح لها نافذة ولو محدودة على الحرية، بل أخذ بيدها على طريق الشعر، بعد أن عاين موهبتها الشعرية الآخذة في التفتح، التي غذتها بالمعرفة والدأب إلى أن أصبحت إحدى أهم الشاعرات العربيات في القرن الفائت.
على أن تصدي الشاعرة الصلب لتقاليد مجتمعها البطريركي، وقيامها بحث النساء على التمرد، لا تتم ترجمتهما على أرض واقعها العاطفي الذي ظل أسير التلعثم والخجل والإشارات القليلة الخفرة. كما يستوقفنا في الوقت ذاته التناقض الواضح بين إعلان فدوى عن أنها لا تريد أن تفتح خزانة حياتها «صوناً لها من الابتذال»، وبين صرختها المقابلة: «كانت أنوثتي تئن كالحيوان الجريح في قفصه»، وصولاً إلى محاولتها الانتحار حين ابتلعت، وفق روايتها، «محتويات زجاجة كاملة من الأسبرين».
اللافت أن طوقان التي لم تجد حرجاً في الإشارة إلى عديد من علاقاتها العاطفية البريئة التي عرفتها في حقبتي المراهقة والنضج، لم تشر في كتاب سيرتها بجزأيه إلا بشكل موارب إلى علاقتها بالناقد المصري أنور المعداوي، دون أن تذكره بالاسم مطلقاً. وإذا كان لهذا الأمر من دلالة فهي أن علاقتها بالمعداوي كانت الأكثر جدية بين علاقاتها الرومانسية الأخرى، ولهذا السبب آثرت أن تنأى بها عن التداول وتربطها بالبريق الأكثر توهجاً لمناجم الإلهام الشعري، قبل أن تقرر عام 1967، وقد بلغت مرحلة النضج والاستقلال، أن تضعها بين يدي الناقد المميز رجاء النقاش.
والواقع أن أهمية كتاب النقاش «المعداوي وفدوى طوقان، صفحات مجهولة في الأدب العربي المعاصر»، لا تنحصر بالرسائل السبع عشرة التي بعث بها الأول إلى الثانية فحسب، بل بالمقدمة المطولة التي تناول فيها المؤلف الغياب شبه التام لأدب الاعتراف عند العرب، بسبب المحاذير الكثيرة التي تمنع المبدعين من الكشف عن نوازع نفوسهم المواراة خلف جدران سميكة من التابوهات.
ولما كان الكاتبان العاشقان لم يلتقيا إلا على الورق، فإن من حق القارئ أن يتساءل عما إذا كان كل من الطرفين المأزومين يريد من الآخر أن يكون حائط مبكاه ورفيق وحشته ومسكن آلامه ومصدر إلهامه لا أكثر. ومن حقه أن يتساءل عن السبب الفعلي لعدم لقائهما وجهاً لوجه، وعما إذا كانا يريدان أن يكونا الثنائي الإبداعي الأفلاطوني المشابه لثنائية جبران ومي زيادة، علماً بأن المسافة بين نابلس والقاهرة أقصر بكثير من المسافة بين نيويورك والعاصمة المصرية.
إن العودة إلى سيرة فدوى، كما إلى كتاب النقاش، تقودنا إلى استنتاج أن الشاعرة التي بدأت تنشر بواكيرها في «الرسالة» تحت اسم «المقيدة»، كانت ترى في الشعراء على نحو عام، لا في الشعر وحده، النماذج الأكثر تعبيراً عن الحب والنقاء الإنساني، وعن توقها المطلق إلى الحرية، وهو ما يفسر تعلقها بغير واحد منهم، بدءاً من علي محمود طه الذي تبادلت معه عديداً من الرسائل، قبل أن يطلب إليها ذووها الكف عن مراسلته، ومروراً بالشاعر المصري الطيار الذي رمزت إليه بحرفي اسمه الأولين «أ.ك»، ولم يلتقِ بها أبداً، وليس انتهاء بالشاعر إبراهيم نجا الذي لخص علاقته بها بالقول:
وكنتُ وإياها على البعد نلتقي... رسائل حب ليس يخبو أوارها
ومن يتتبع رسائل المعداوي إلى طوقان، لن يخامره الشك في أن علاقتهما بدأت أدبية بامتياز، وهو الذي كان يخاطبها بالقول: «يا أختاه»، مشيداً بتجربتها المتوائمة مع تيار الحركة النفسية في الشعر، الذي سبق أن تبناه. وإذ لا يتوانى المعداوي عن تفضيل شعرها على شعر علي محمود طه، يفضلها أيضاً على نازك الملائكة، معتبراً أن قصيدتها «إلى صورة»، أهم من كل قصائد نازك في «شظايا ورماد». على أن الحب الذي اضطرم بينهما فيما بعد كان يعكس بشكل جلي حاجة كل منهما إلى الآخر. فالناقد المثخن بالأمراض، الذي يحارب خصومه الكثر في غير ساحة وميدان، رأى في فدوى، مبدعة وإنسانة، الكنف الدافئ الذي يلبي حاجته إلى الحب والحنان، فيما رأت فيه من جهتها ظهيرها الصلب على طريق الكتابة الشائك، وحبل نجاتها من الغربة والإحباط. وهي لا تتوانى عن الكتابة له في مستهل العلاقة: «إن أملي من وراء الحب هو الحب ذاته»، أو عن القول على نحو صريح:
كان لي الحب مهرباً أحتمي فيهِ،
إليه أفر من مأساتي
كان دنيا في أفْقها الرحب أسترجع حريتي
أحقق ذاتي
يا لقلبي الموتور كم رنحتْهُ
نشوة الانتقام من جلادي
إلا أن كلاً منهما ما لبث أن ذهب بعيداً في حب الآخر، كما تشير فدوى في رسالتها إلى عيسى الناعوري، الذي اعتبر أن علاقتهما لم تتجاوز الصداقة المجردة، حيث كتبت له: «نعم كان بيننا حب حقيقي، عبرت عنه في غير واحدة من قصائدي». أما المعداوي فيكرر مخاطبتها بالقول: «فدوى يا قطعة من نفسي»، كما يعدها مؤنسه وعزاءه في لحظات مرضه القاسية. وحين تصفو مياه علاقتهما بعد تكدر أو خصام، تهتف الشاعرة بالحبيب العائد: «وأطل وجهك مشرقاً من ألف عام». إلا أن الأمور كانت تتجه نحو مزيد من الانحدار، حيث امتنع العاشق الذي أنهكته الأمراض عن الرد على رسائل الشاعرة الأخيرة، ليدخل بالتدريج في ظلامه الداخلي وعزلته الكاملة.

أنور المعداوي

هكذا قدر للمعداوي أن يفارق هذا العالم عام 1965 دون أن يلتقي أبداً بالشاعرة التي وعدته غير مرة بزيارته في القاهرة دون أن تفي بوعدها، فيما كان يعدها من جهته بعبور «الجسر الكبير» الموصل إلى نابلس، دون أن يفعل. والأرجح أن كلاً منهما كان يعاني لأسبابه الخاصة من «رهاب» العلاقة المحسوسة، ويخشى الانتقال بها من سماء المثال الرومانسي إلى أرض الحياة الأرضية. أما طوقان الممزقة بين التمرد اللغوي على الواقع وبين الإذعان للتقاليد السائدة، التي عاشت بعد رحيل المعداوي عقوداً طويلة، فقد آثرت فيما تبقى لها من العمر أن لا تقدم على الزواج، جاعلة من الشعر وحده وسيلتها الأنجع لعبور الجسر الفاصل بينها وبين حبيبها الغائب، فكتبت ترثيه:
حين تبدو الحياة في يومكَ المقفر مني
كئيبة محلولة
فامضِ نحو الجسر الكبير مع الذكرى
ورعشاتها العذاب الجميلة
ستراني هناك أمشي إلى جبينكَ
أنت استغراقتي وابتهالي
هو إيماننا المقدس بالحب
ثوى في أغوارنا المجهولة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

العلم يفكّ شفرة الشعور بالوحدة لدى الحيوانات

حتى الحيوانات لا تحتمل الوحدة (شاترستوك)
حتى الحيوانات لا تحتمل الوحدة (شاترستوك)
TT

العلم يفكّ شفرة الشعور بالوحدة لدى الحيوانات

حتى الحيوانات لا تحتمل الوحدة (شاترستوك)
حتى الحيوانات لا تحتمل الوحدة (شاترستوك)

لا يقتصر الشعور بالوحدة على الإنسان فحسب، إذ توصَّل العلماء، بعد دراسات استمرَّت نحو 10 سنوات، إلى أنّ الحيوان أيضاً يتوق إلى الصحبة الاجتماعية، وأنّ هذا الأمر ليس مسألة هامشية، وإنما هو حاجة أساسية وراسخة في النفس الحيوانية.

وربما يختلف قدر التواصل الاجتماعي المطلوب من فصيلة حيوانية إلى أخرى، بل ومن فرد إلى آخر داخل الفصيلة الواحدة، ولكن هذه القاعدة تسري على غالبية الفصائل الحيّة، من الطيور والقرود إلى الأسماك، بل والحشرات أيضاً، مثل الصراصير.

ونقلت «وكالة الأنباء الألمانية» عن اختصاصية طب الأعصاب في معهد سالك للدراسات البيولوجية في كاليفورنيا، الباحثة كاي تاي، قولها إنّ الإنسان قد يشعر بالوحدة خلال وجوده في حفل، مثلاً، وقد لا يشعر بأي ضيق خلال جلوسه وحيداً في مكتبه.

وترى أنّ التوازن بين درجة العزلة والصحبة الاجتماعية موجود أيضاً في عالم الحيوان، مضيفة، في تصريحات لموقع «نوبل ماغازين» المتخصّص في البحوث العلمية، أنّ العلماء يبحثون داخل المخ عن الجزء المسؤول عن هذا التوازن، أملاً في التوصل إلى نتائج تصبّ في خدمة البشر الذين يعانون الوحدة.

ويرى الباحث في مجال علم الأحياء التطوّري بجامعة كامبريدج، تيم كلوتون بروك، أنّ هناك عوامل عدّة تتحكم في التوازن بين الرغبة في الصحبة أو العزلة الاجتماعية خلال عملية نشوء الأنواع الحيوانية وارتقائها. فقد يرتبط هذا التوازن بالبحث عن الدفء خلال الحياة في المناطق الباردة، وقد تكون له علاقة بالبحث عن الغذاء، إذ إنّ المجموعة قد تصل إلى الغذاء بشكل أسهل من الفرد.

وقد يقترن حبّ الصحبة الاجتماعية بالرغبة في الحماية من الافتراس، مثلاً، أو طلب المساعدة في تربية الصغار لدى الإناث.

ويقول إنّ «التعامل مع الجيران» يُعدّ من العوامل المهمّة في تحديد درجة التواصل الاجتماعي بين أفراد الجماعة الحيوانية الواحدة. فحيوان السُّرقاط، مثلاً، يعيش في جماعات لديها نزعة للسيطرة على مناطق نفوذ خاصة بها، وبالتالي، عندما ينفصل أحد هذه الحيوانات عن مجموعته، فإنه يُصاب بحالة انزعاج واضحة، ويبدأ عملية بحث مستمرّة عن أقرانه، مضيفاً أنّ هذه الحيوانات «تشعر بقلق شديد من الوحدة».

بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)

وأثبتت الدراسة أنّ للوحدة عواقب وخيمة على الصحة العقلية والبدنية للفرد. فعندما يعيش البشر بمفردهم لمدّة طويلة، تتزايد احتمالات إصابتهم بالمرض والوفاة المبكرة، كما تبيَّن أن إناث الفئران تتزايد احتمالات إصابتها بالسرطان في حالة عزلها بمفردها بعيداً عن باقي أفراد الجماعة.

وتوصَّلت الباحثة كاي، في دراسة تعود إلى عام 2016، إلى أن خلايا عصبية معينة في جذع المخّ تنشط عندما يتم عزل بعض الفئران الذكور، ثم جمعها مجدّداً بفئران أخرى في اليوم التالي.

وعندما تدخَّل العلماء لوقف نشاط هذه الخلايا، كانت الفئران تُصاب بحالة من التحفُّظ تجاه غيرها. وعلى العكس، عندما أعاد الباحثون تنشيط عمل هذه الخلايا، أصبحت فئران التجارب أكثر رغبة في البحث عن الصحبة.

وتيقّن الباحثون من خلال هذه التجربة من وجود ركيزة خليوية وراء التحكم في التوازن الاجتماعي.

وعام 2019، طرحت كاي وزميلها جيليان ماثيوز فرضية علمية مفادها أنّ الخلايا العصبية في جذع المخّ تؤدّي دورَ «منظِّم الحرارة الاجتماعي» للفرد، بمعنى أنّ هذه الخلايا تحدد مقدار التواصل الاجتماعي اللازم كي يكون الحيوان في أفضل حالاته، على غرار درجة الحرارة المثالية للجسم البشري، البالغة 37 درجة؛ فإذا ارتفعت، يتصبب الإنسان عرقاً، وإذا انخفضت، يُصاب بالرعشة والبرودة.

وتوصل الباحثون أيضاً، في إطار هذه التجربة، إلى أنّ مخّ الفأر هو المُحرّك الرئيسي لسلوكه من أجل إيجاد التوازن الصحيح لنشاطه الاجتماعي.

وقد أجرت اختصاصية طبّ الأعصاب بجامعة هارفارد، الباحثة كاثرين دولاك، دراسة تناولت تأثير جزء آخر من المخ، وهو تحت المهاد، في النشاط الاجتماعي. ومن المعروف أنّ هذا الجزء يتحكم في الشعور بالجوع والعطش والرغبة في النوم، وهو المسؤول عن ضبط الشعور بالحاجة إلى تلبية الحاجات الأساسية للجسم.

وخلال دراسة نُشرت عام 2025، تبيَّن للباحثين أن هناك مجموعة معينة من الخلايا العصبية في منطقة تحت المهاد تنشط في حالة عزل فئران التجارب، وأنّ خلايا أخرى تنشط عندما تُعاد هذه الحيوانات إلى المجموعات التي تعيش بينها في المعتاد.

وعن طريق علم البصريات الوراثي للتحكم في نشاط الخلايا الحية، نشَّط الباحثون عمل الخلايا الخاصة بالعزلة خلال وضع الفئران في غرف معينة خلال التجربة، ثم نشّطوا عمل الخلايا الخاصة بالتواصل مع الآخرين خلال وضع الفئران في غرف أخرى.

وتبيَّن من التجربة، التي نشرتها الدورية العلمية «المراجعة السنوية لعلوم الأعصاب» عام 2026، أنّ الفئران تتجنب قضاء الوقت داخل الغرف التي تقترن بعملية العزلة، وتفضّل قضاء وقت أطول في الغرف التي ترتبط بالتواصل الاجتماعي.

وتقول دولاك في تصريحات لموقع «نوبل ماغازين»، إنه «من الواضح من التجربة أن الوحدة كانت تترك لدى الفئران شعوراً غير سارّ، تماماً مثل الشعور بالجوع، على سبيل المثال».

ربما خُلِقنا لنجد بعضنا (شاترستوك)

وترى تاي أنّ آلية التوازن الاجتماعي تتوزَّع بين مناطق عدّة داخل المخ، وأنّ عقول البشر والحيوان على السواء تحتاج إلى قياس هذا التوازن لتحديد درجة التواصل الاجتماعي المطلوبة لكلّ فرد، ثم انتهاج سلوكيات معينة للوصول إلى القدر اللازم من الصحبة الاجتماعية.

ويعتقد العلماء أنّ الخلايا العصبية التي تنظم هذه المسألة تتشابه لدى كل من البشر والقوارض، ومثل هذه التجارب قد تكون مفيدة في التوصّل إلى علاجات لبعض المشكلات النفسية المرتبطة بالوحدة، وتسليط الضوء على مخاطر بعض الظواهر المجتمعية، مثل السجن الانفرادي على سبيل المثال.


تكهّنات لا تتوقَّف حول زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي

الغموض أيضاً يصنع العناوين (إنستغرام)
الغموض أيضاً يصنع العناوين (إنستغرام)
TT

تكهّنات لا تتوقَّف حول زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي

الغموض أيضاً يصنع العناوين (إنستغرام)
الغموض أيضاً يصنع العناوين (إنستغرام)

تتزايد تكهّنات المعجبين ومراهناتهم بشأن تفاصيل حفل زفاف نجمة الغناء العالمية والفائزة بجائزة «غرامي» تايلور سويفت، واللاعب البارز في دوري كرة القدم الأميركية ترافيس كيلسي (كلاهما 36 عاماً)، في ظلّ استمرار الثنائي في التكتّم على خططهما الخاصة بالزفاف المُرتَقب، بدءاً من موقع إقامة الحفل، وصولاً إلى هوية وصيفات العروس.

وكانت سويفت وكيلسي قد أعلنا خطوبتهما عبر موقع «إنستغرام»، في أغسطس (آب) 2025. بعد علاقة استمرَّت عامين. ومنذ ذلك الحين، توالت التقارير والتكهّنات حول مكان إقامة الحفل، بما في ذلك توقُّع، في وقت مبكر من الشهر الحالي، بإقامته في منطقة ووتش هيل بولاية رود آيلاند؛ حيث تمتلك المغنّية الشهيرة منزلاً شاطئياً فاخراً تبلغ قيمته 17.75 مليون دولار.

ومع ذلك، قد لا يكون ذلك صحيحاً؛ إذ يُذكر أن الثنائي يستعدّ لعقد قرانه، في الثالث من يوليو (تموز)، داخل «ماديسون سكوير غاردن» بمدينة نيويورك، وفق تقارير نقلتها «إندبندنت».

ولم يؤكد أي من سويفت أو كيلسي علناً موقع الزفاف، كما اشتهرا بإبقاء خططهما طي الكتمان. ورغم ذلك، توجَّه المعجبون إلى منصة «كالشي» الإلكترونية، التي تُعدّ سوقاً للتوقّعات، من أجل تسجيل المراهنات بشأن ما يخطّط له الثنائي الشهير.

ومنذ 24 يونيو (حزيران)، راهن 76 في المائة من المشاركين على منصة «كالشي» على أنّ سويفت وكيلسي سيتزوّجان في نيويورك، في حين توقَّع نحو 22 في المائة إقامة الحفل في رود آيلاند.

أما ولاية بنسلفانيا؛ حيث وُلدت مغنية «لوف ستوري»، فلم تحظَ سوى بنسبة 6 في المائة من التوقّعات.

كذلك يراهن المعجبون على قائمة المدعوّين، إذ توقَّع 92 في المائة من المُشاركين حضور زميل كيلسي في فريق «كانساس سيتي تشيفز»، النجم باتريك ماهومز. وفي الوقت نفسه، يُراهن أكثر من 89 في المائة على حضور الصديقتين المقرَّبتين لسويفت، الأختين ألانا هايم وإستي هايم، اللتين جلستا إلى جانبها خلال المباراة الرابعة من نهائي دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين في وقت سابق من هذا الشهر.

كلما ازداد التكتّم... اتّسعت الحكاية (إنستغرام)

وتبدو احتمالات حضور المنتج الموسيقي والمتعاون الدائم مع سويفت، جاك أنتونوف، مرتفعة أيضاً، إلى جانب الفنانتين سابرينا كاربنتر وغرايسي أبرامز، اللتين شاركتا في افتتاح حفلات جولة «إيراس تور»، فضلاً عن صديقتها المقرَّبة سيلينا غوميز. وخلال دعمها لكيلسي في مباريات فريقه، أصبحت سويفت صديقة لبريتاني ماهومز، زوجة باتريك ماهومز، ويتوقَّع 89 في المائة من المشاركين حضورها الزفاف.

كذلك توقَّع أكثر من 83 في المائة أن تكون صديقة سويفت منذ الطفولة، أبيغيل أندرسون، ضمن فريق وصيفات العروس. ويراهن المعجبون أيضاً على أنّ صديقتها المقرَّبة آشلي أفيغنون، إلى جانب غوميز واستي وألانا وكايلي كيلسي، شقيقة خطيبها، سيكنَّ ضمن وصيفات العروس.

والشهر الماضي، سرَّبت مصادر عدّة تفاصيل مزعومة عن حفل زفاف سويفت وكيلسي، من بينها اختيار «ماديسون سكوير غاردن» موقعاً للحفل. ويقع الصرح الشهير عالمياً في منطقة ميدتاون مانهاتن، أعلى محطة «بن ستيشن»، ويضمّ مداخل ومخارج متعدّدة، وهو ما قد يكون أحد أسباب اختيار الثنائي لهذا الموقع، وفق التقارير.

ونقلت منصة «بيدج سيكس» الإعلامية عن أحد المصادر قوله إن «الخصوصية كانت الأولوية القصوى بالنسبة إلى كليهما». وأضاف المصدر أنّ الضيوف قد يُنقلون إلى الموقع عبر حافلات ذات نوافذ معتمة، للحفاظ على السرّية والخصوصية.

والأسبوع الماضي، بدا أنّ عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، يؤكد التقارير التي تفيد بأن سويفت وكيلسي سيتزوّجان في المدينة، الشهر المقبل.

وقال ممداني، خلال مؤتمر صحافي خُصص لمناقشة استعدادات المدينة لمباراة كأس العالم المقرَّرة في 5 يوليو (تموز)، على ملعب «ميتلايف ستاديوم» في إيست راذرفورد بولاية نيوجيرسي: «نحن أكبر مدينة في البلاد».

وأضاف: «نعلم أنّ ذلك يتزامن مع الرابع من يوليو (تموز)، واحتفالات مرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، وزفاف تايلور سويفت، وكلّ ذلك يحدث في الوقت نفسه»، مؤكداً ثقته الكاملة في قدرة شرطة نيويورك على توفير «تجربة آمنة» خلال عطلة نهاية الأسبوع الممتدة 3 أيام، لكنه لم يكشف عن الموقع المحدد للزفاف.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» لاحقاً بأنه جرى طلب تصريح إلى سلطات مدينة نيويورك لإغلاق الشوارع المحيطة بـ«ماديسون سكوير غاردن» من 2 يوليو (تموز) حتى منتصف نهار 4 يوليو (تموز)، من أجل فعالية مقرَّرة في 3 يوليو، وذلك وفق 3 مصادر، وهو ما يعزّز التكهنات بأنّ القاعة الشهيرة ستكون الموقع المختار لزفاف الثنائي.


استنفار في أوروبا بعد حر غير مسبوق

عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس أمس وسط ارتفاع الحر (أ.ب)
عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس أمس وسط ارتفاع الحر (أ.ب)
TT

استنفار في أوروبا بعد حر غير مسبوق

عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس أمس وسط ارتفاع الحر (أ.ب)
عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس أمس وسط ارتفاع الحر (أ.ب)

تشهد أوروبا حالة استنفار جراء موجة حر غير مسبوقة هي الثانية خلال أقل من شهر، وسط تحذيرات من مخاطر صحية على الفئات الضعيفة.

وسجلت فرنسا أعلى معدل حرارة في تاريخها الحديث، مع بلوغها 44.3 درجة مئوية في بعض المناطق. وتسبب ذلك في اضطرابات شملت إغلاقاً مبكراً لمعالم سياحية بارزة مثل برج إيفل ومتحف اللوفر، إضافةً إلى تعطيل بعض الأنشطة الاقتصادية والتعليمية.

كما شهدت دول أخرى، مثل إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وسلوفينيا، إجراءات استثنائية لمواجهة الحر. وفي بريطانيا، سُجّلت أعلى درجة حرارة لشهر يونيو (حزيران) على الإطلاق، مع صدور إنذارات حمراء وإغلاق مبكر لمئات المدارس.

ويؤكد العلماء أن التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية يزيد من شدة هذه الظواهر المناخية وتكرارها.