هل أثّرت الأزمة اللبنانية على واقع الإنتاج الروائي؟

مهتمون وأصحاب دور نشر يتحدثون عن أسباب الغياب عن «بوكر»

هل أثّرت الأزمة اللبنانية على واقع الإنتاج الروائي؟
TT

هل أثّرت الأزمة اللبنانية على واقع الإنتاج الروائي؟

هل أثّرت الأزمة اللبنانية على واقع الإنتاج الروائي؟

خَلَت القائمة الطويلة لجائزة «بوكر» العربية 2023، التي تضم 16 رواية، من أية رواية لبنانية. أهو شيء طبيعي أن تخلو قوائم أية جائزة من أسماء روائيين من بلد معين، فالترشيح، كما هو مفروض، ليست له علاقة بالجغرافيا، وإنما المعيار الوحيد هو القيمة الأدبية، وعلى الأقل هذا هو المعلَن، أم أن هناك سبباً ذاتياً يتعلق بالروائيين اللبنانيين الذين تصدّروا الجوائز في دورات سابقة؟ ألم ينتج هؤلاء الروائيون رواية واحدة تستحق أن تدخل قوائم «بوكر» العربية؟ هل هناك تراجع في المستويين الفني والأدبي، أم أن هناك اعتبارات أخرى؟

- «دار الآداب»: المشاركة اللبنانية ليست شرطاً
لم ترشِّح «دار الآداب» أي نص لبناني للجائزة، هذه السنة، كما تؤكد صاحبتها رنا إدريس، «على عكس العام المقبل الذي سيحمل ثلاثة ترشيحات (تتحفظ عن الأسماء)». وبرأيها، فإن «ترشيح مؤلفة أو مؤلف لبناني ليس واجباً كل عام، فالدار قد تصبّ تركيزها على روايات من جنسيات أخرى، أو ربما لم تجد نصاً لبنانياً يمكن ترشيحه، هذه الدورة؛ لسبب (لوجستي)؛ بدليل حضور رواية (حاكمة القلعتين) للروائية السورية لينا هويان الحسن، الصادرة عن (الآداب)، في المنافسة ضمن القائمة الطويلة».
وهي لا تستغرب غياب الرواية اللبنانية، هذا العام: «الأمر عادي؛ لكون العكس ليس شرطاً على الإطلاق، كما أن الغياب ليس دليلاً على ضعف الإصدارات اللبنانية أو تراجع مستوى الإنتاج. لدار النشر أحياناً اعتبارات. وربما من الأسباب رفض مؤلف (مؤلفة) المشاركة في الجائزة التي تشترط الحصول على إمضائه لاعتماد ترشيحه».

- «نوفل- هاشيت أنطوان»: استغراب
وتستغرب المديرة التحريرية لـ«دار نوفل» (هاشيت أنطوان) رنا حايك، خلوّ القائمة الطويلة للجائزة من الرواية اللبنانية، ثم تقلّص حجم الغرابة بقولها إن «هذه الأمور تحدث لاعتبارات كثيرة، كالجنسية، فإن مُنحت الـ(بوكر) للبناني أو مصري أو فلسطيني، العام الفائت، فإنها على الأرجح ستُمنح لمؤلف أو مؤلفة من جنسية أخرى في العام المقبل».
وبرأيها، «هذا ما يحصل في جميع المسابقات والجوائز، حتى مسابقة ملكة الجمال».
وهي تشدّد على أنه لا حقيقة مطلقة في كل ما يتعلق بالجوائز واعتباراتها، فعلى الجهة الأخرى، يصحّ تأكيد أن أزمة لبنان تؤثر في واقع الإنتاج الروائي. تقول: «ثلاث سنوات من التنقل بين الفظائع، لكن الكتابة عنها تحتاج إلى وقت. أجمل روايات الحرب الأهلية صدرت بعد همود المعارك، كذلك أفلام السينما. والإنتاج الأدبي السوري يتخذ من الحرب مسرحه الضخم، بعدما انتظر نهايتها. الكتابة تتطلّب استيعاباً. الأدب نضج وتراكم، مما يفسّر قلة الأعمال الأدبية اللبنانية أخيراً».

- «دار رياض الريس»: مستوى الجائزة يتراجع
بلسان صريح، تشير صاحبة «دار رياض الريس» فاطمة بيضون، إلى «تراجع مستوى الـ(بوكر) في السنوات الأخيرة، ومعها مستوى الروايات على قوائمها.
ولعل هذا العام هو الأسوأ». وبرأيها، يجب أن يكون السؤال بالشكل التالي: ما سبب تراجع مستوى الروايات المشارِكة في الجائزة؟ وهل تستحق الروايات المرشّحة الفوز بجائزة «بوكر»؟ ثم أين الرواية اللبنانية؟ هذا هو السؤال.

- بختي: الرواية اللبنانية ستستعيد تألقها
لا يشكّ الناقد والناشر سليمان بختي في أن الظرف اللبناني الاقتصادي والسياسي والأمني يؤثر في الإنتاج الإبداعي. يقول: «عدم الاستقرار أو الغرق في متطلبات الحياة اليومية وتكاليفها ومفاجآتها، يجعل العملية الإبداعية شاقة. لا بدّ للمعاناة الصعبة من أن تنتج أدباً أصيلاً، لكنّ الأمر يحتاج إلى تخمر». ويشير هنا إلى تراجع مستوى التعليم وعدم القدرة على دخول جامعات باهظة الأقساط: «وهذا على ارتباط وثيق بواقع النشر الصعب، وضعف التوزيع، وتدهور حركة الإعلام». ويتابع رابطاً: «نفوذ المبدع بنفوذ بلاده»، فـ«لبنان في حالة بائسة».
ويضيف: «وربما الارتباك الحاصل جراء الانهيار الاقتصادي وانفجار المرفأ وآثار الجائحة، ترك تأثيره في الإبداع الروائي، فالرواية عمارة تحتاج إلى استقرار وبناء وبحث»؛ لكنه يستدرك بالقول: «الإنتاج والجهد مستمران، وإن غابت الرواية اللبنانية عن ترشيحات القائمة الطويلة، هذه السنة، فالأمر لا يعكس تردياً في المستوى الأدبي؛ لأن بيروت، رغم أحوالها، لا تزال قادرة على الإنتاج الثقافي. وإذا ألقينا نظرة على مجالات الفنون؛ من سينما ومسرح وفن تشكيلي وإصدارات أدبية جديدة، فسنرى أن الثقافة هي التي تُحيي المدينة. أعتقد أن الأيام الآتية ستعيد إلى الرواية اللبنانية تألقها ودورها المميز في مسار الرواية العربية الطليعية».

- علوية صبح: أتحيّز للعمل الجيد
روائيون فضّلوا الاحتفاظ بآرائهم باعتبار أنهم غير مطّلعين بما يكفي على الإنتاج الروائي، هذه السنة، ولأن الجوائز، بالنسبة إليهم «ليست مدخلاً للتقييم». علوية صبح التي صدرت لها رواية «افرح يا قلبي» (الآداب)، في نهاية العام الفائت، سجّلت موقفاً، وإن تقاطع مع روائيين يرفضون ربط قيمة الرواية بجائزة: «الرواية اللبنانية ليست متأخرة، وثمة إصدارات جيدة، لكني لا أحبّذ فكرة توزيع الجوائز على البلدان. أميل إلى اختيار الأعمال الجيدة في الجوائز، أكانت الـ(بوكر) أو سواها، لمن يستحق. لا يهمني إن كان لبنانياً أو من أي بلد، أقف ضدّ هذا التحيّز وإعطاء الجوائز وفقاً للجغرافيا. أتحيّز للعمل الجيد».
وتتمنى الفائزة بجائزة «السلطان قابوس للإبداع» (2006)، و«العويس» (2009)، وكانت روايتها «أن تعشق الحياة» (الآداب 2020) ضمن القائمة القصيرة لجائزة «الشيخ زايد للكتاب»؛ «أن تغيب اعتبارات البلدان عن البال لدى الحديث عن الجوائز العربية. وليت هذه الجوائز تتخطى إشكالية الاختيار حسب الجنسيات، فيكون الاهتمام بالكتاب فقط».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.